اكتمل مشروع الدستور التركي الجديد الذي استغرق سنوات من الإعداد صعودا تارة وهبوطا تارة أخرى، وبات قضية ملحة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في منتصف يوليو (تموز) الماضي. وفيما تصاعدت النقاشات حول مشروع الدستور الجديد الذي أعلنت الحكومة أنها ستقدمه إلى البرلمان قريبا شاملا النظام الرئاسي قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، الثلاثاء، إننا أنهينا الأعمال الخاصة بمشروع الدستور الجديد ونضع اللمسات النهائية عليه حاليا ونعد الشعب بدستور جديد يجنب تركيا الأزمات التي مرت بها من قبل وينهي هذه الأزمات في المستقبل.
وأضاف يلدريم «راعينا الحساسيات الخاصة التي عبر عنها حزب الحركة القومية المعارض فيما يتعلق بمواد الدستور كون الحزب المعارض أعطى الدعم للعدالة والتنمية بشأن الدستور الجديد والنظام الرئاسي الذي سيتضمنه الدستور».
وبدأت تركيا الإعداد للدستور الجديد منذ عام 2011، لكن المشروع توقف لسنوات بسبب عدم التوافق بين الأحزاب، إلى أن بدأ الرئيس رجب طيب إردوغان تصعيد الحديث عن النظام الرئاسي منذ عام 2013 وبعد انتخابه رئيسا للجمهورية في 2014، وتم تشكيل لجان عدة داخل البرلمان للاتفاق على مشروع الدستور لكنها فشلت في التوصل إلى صيغة توافقية إلى أن أعلن حزب العدالة والتنمية الحاكم أنه إذا لم تتعاون الأحزاب في وضع الدستور فإنه سيعده بمفرده.
وبعد انتخابات 7 يونيو (حزيران) توصلت الأحزاب إلى توافق على تشكيل لجنة للاتفاق على التعديلات الدستورية من الأحزاب الأربعة الممثلة في البرلمان، العدالة والتنمية والشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي والحركة القومية، لكنها لم تتوصل إلى اتفاق.
وعقب محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو، شكلت لجنة من ثلاثة أحزاب فقط، حيث تم إبعاد حزب الشعوب الديمقراطي من اللجنة من أجل إعداد مشروع الدستور الجديد الذي يتضمن النظام الرئاسية.
لكن حالة التوافق التي طفت على السطح بقوة بين حزبي العدالة والتنمية الحاكم والحركة القومية أثارت جدلا واسعا ووصلت إلى حد التلاسن بين حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية الذي اعتبر الأول أنه يتماشى مع العدالة والتنمية في جميع سياساته الآن.
وانتقد دولت بهشلي رئيس حزب الحركة القومية الاتهامات التي وجهت إلى حزبه من قبل حزب الشعب الجمهوري المعارض، والتي تدعي دعمه لحزب العدالة والتنمية، لافتا إلى أنه ما لا يمكن الحصول عليه عبر صناديق الاقتراع لا يمكن الحصول عليه من خلال نشر الفوضى. وقال بهشلي في كلمة أمام اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه بالبرلمان التركي الثلاثاء إن الذين يشعرون بعدم الارتياح من التقارب بين العدالة والتنمية والحركة القومية هم ذاتهم الذين لم يحتملوا الإرادة الوطنية للشعب التركي، في إشارة إلى محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في منتصف يوليو الماضي.
وتساءل بهشلي: «ما الذي كان يترتب علينا فعله؟ هل كان علينا أن نحصل على ما لم نحصل عليه عبر صناديق الاقتراع بالنزول إلى الشوارع؟ هل كان علينا أن نبحث عما لم نجده في الديمقراطية من خلال نشر الفوضى؟».
وكان حزب الشعب الجمهوري وجه انتقادات لبهشلي بسبب التماشي مع حزب العدالة والتنمية فيما يتعلق بتعديل الدستور وإقرار النظام الرئاسي، ووصفته المتحدثة باسم الحزب بأنه «استبن» للحزب الحاكم. وبخصوص النظام الرئاسي قال كليتشدار أوغلو: «لقد قلت للسيد بهشلي (رئيس حزب الحركة القومية) أيضًا إن النظام الرئاسي ما هو إلا مشروع لتقسيم تركيا. ويجب ألا يقع أي قائد سياسي في هذا الفخ أبدًا». ودافع رئيس الوزراء بن علي يلدريم الاثنين عن النظام الرئاسي قائلا إنه إذا لم يتم إقرار هذا النظام فإن تركيا ستكون عرضة للتقسيم.
وفي الوقت نفسه، استبعد يلدريم التوجه إل انتخابات برلمانية مبكرة قائلا إن حكومته تتابع عملها بكل إتقان ومهنية، ولا تنوي سوق البلاد إلى انتخابات برلمانية مبكرة، مشيرًا إلى أنّ من يثير مثل هذه الإشاعات يهدف إلى زعزعة الاستقرار السياسي في البلاد.
وجاءت تصريحات يلدريم ردًا على ادعاءات رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو بأن حكومة العدالة والتنمية تعتزم الإعلان عن إجراء انتخابات مبكرة في البلاد، لتطهير الحزب الحاكم من العناصر المنتسبة إلى حركة الخدمة التي يتزعمها الداعية فتح الله غولن والمتهمة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة.
وأوضح يلدريم أن تطهير بنية العدالة والتنمية من منتسبي هذه المنظمة (حركة الخدمة) لا يحتاج إلى إجراء انتخابات مبكرة، وأن حزبه ليس عاجزًا عن إخراج هؤلاء وإبعادهم من صفوف الحزب، وهو يعمل على ذلك دون توقف.
وفي هذا الصدد قال يلدريم: «الأمر لا يحتاج إلى انتخابات مبكرة، فنحن نقوم بتطهير حزبنا ومؤسسات دولتنا من هذه العناصر، وإن من يثير هذه الإشاعات يسعى لزعزعة الاستقرار السياسي في البلاد، فإجراء انتخابات مبكرة يعني إضاعة مجهود سنة كاملة بذلناها». واستقبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أمس رئيس الوزراء بن على يلدريم بقصر رئاسة الجمهورية، فيما قال مصادر إن اللقاء تركز على ملف الدستور الجديد والتطورات الداخلية. وتصاعدت المخاوف لدى الشعب الجمهوري حول الدستور الجديد وعلمانية تركيا بعد تصريحات رئيس البرلمان إسماعيل كهرمان في أبريل (نيسان) الماضي حول العلمانية في الدستور التركي الجديد التي فجرت موجة انتقادات واسعة، حتى أن المتحدثة باسم حزب الشعب الجمهوري - أكبر الأحزاب المعارضة - «سالين صايك بوكه» دعت كهرمان إلى الاستقالة، معتبرة أن العلمانية بالنسبة للحزب خط أحمر لا يمكن تجاوزه أبدًا.
وكان كهرمان أكد أن الدستور الجديد يجب أن يكون «دينيًا» أي ليس علمانيًا، مستشهدًا بأن 3 دساتير فقط تحتوي على لفظ العلمانية وهي: الدستور الفرنسي والتركي والآيرلندي.
وتأتي العلمانية في مضمون المواد الثلاث الأولى من الدستور التركي الحالي في تركيا الذي وضع عام 1981، وهي المواد التي يجب عدم المساس بها طبقًا للمادة الرابعة من الدستور.
وفي هذا الوقت سارع كل من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، في ذلك الوقت إلى التعقيب على تصريحات كهرمان، وأكد إردوغان أن العلمانية ستبقى دائمًا أحد أهم المبادئ التي قامت عليها الجمهورية التركية، والتي يسعى العدالة والتنمية إلى المحافظة عليها.
واعتبر إردوغان أن ما قاله كهرمان «لا يتعدى كونه أمرًا شخصيًا وتعبيرًا عن رأيه فقط ولا يمثل توجّه حزب العدالة والتنمية».
كما أكد داود أوغلو إن مفهوم العلمانية سيكون موجودا في الدستور الجديد وقال إن العلمانية هي التي تضمن حرية العقيدة والتفكير ووقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع الجماعات الدينية، مضيفًا أن الحكومة تسعى إلى تفسير ليبرالي للعلمانية في مقابل العلمانية السلطوية.
ويقول أكاديميون إن العلمانية أسيء فهمها في تركيا على حد تعبير الدكتور أوزان أورماجي أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيكنت، الذي قال: «تمت إساءة فهمها كثيرًا، وخرجت عن هدفها الأساسي، إذ تحولت إلى مفهوم (عدم التدين) أو (البعد عن الدين)».
وتتفق جميع الأحزاب التركية في أن تركيا بحاجة إلى دستور جديد، لأن الدستور الحالي هو دستور وضع في ظل الانقلاب العسكري عام 1980 بقيادة كنعان أفرين، ورغم التعديلات الكثيرة التي أجريت عليه فإنه لا يحقق تطلعات تركيا.
إلا أن اللجنة التي شكلها حزب العدالة والتنمية عام 2011 والمسؤولة عن الاتفاق مع باقي الأحزاب في البرلمان للوصول إلى صيغة دستور جديد فشلت في مهمتها.
وأصبح التوصل إلى صيغة ترضي جميع الأطراف أمرا شبه مستحيل، بسبب الاختلافات في التوجهات السياسية والآيديولوجية بين الأحزاب الأربعة الكبرى.
وهدف العدالة والتنمية الحاكم هو تعديل نظام الحكم في تركيا ليتحول من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، ومن هنا سيسعى الحزب جاهدًا للحصول على 330 صوتًا كافية لعرض الدستور الجديد على الاستفتاء الشعبي بسبب استحالة الحصول على 367 صوتًا هي أغلبية الثلثين الكافية لمصادقة البرلمان على الدستور الجديد دون الحاجة للاستفتاء. ويحتاج حزب العدالة والتنمية الذي يملك 317 مقعدا بالبرلمان إلى دعم حزب آخر للحصول على تأييد 330 نائبا وهو ما وفره له حزب الحركة القومية، ولذلك صرح رئيس الوزراء بن علي يلدريم بأن الدستور الجديد سيعرض على الشعب في كل الحالات.
الدستور التركي الجديد بات جاهزًا بعد مخاض آيديولوجي صعب
طرفا المعارضة العلماني والقومي يشتبكان حول النظام الرئاسي
تركي يطالع نسخة من صحيفة «الجمهورية» في إسطنبول (أ.ف.ب)
الدستور التركي الجديد بات جاهزًا بعد مخاض آيديولوجي صعب
تركي يطالع نسخة من صحيفة «الجمهورية» في إسطنبول (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



