تحت اسم «هدنة إنسانية» دعت روسيا من جديد المدنيين والمقاتلين في الأحياء الشرقية من مدينة حلب، عاصمة شمال سوريا، إلى الخروج من هناك عبر ممرات تم تخصيصها للمدنيين وأخرى للمسلحين باتجاه إدلب والحدود التركية. وكان لافتا أن أعلن عن تلك الهدنة الجنرال فاليري غيراسيموف، رئيس أركان القوات الروسية، وفي كلمة متلفزة استهلها بالإشارة إلى أن وزير الدفاع الروسي اتخذ القرار بإعلان هدنة لمدة عشر ساعات يوم الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) بموجب تعليمات من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
واتضح بعد ذلك مما قاله غيراسيموف أن ما يدور الحديث حوله ليس هدنة بل «مخرج أخير للإرهابيين» حسب قوله، زاعما أن «المسلحين في شرق حلب تكبدوا خسائر كبرى بالأرواح والعتاد، ولا فرصة أمامهم للخروج من المدينة». والمراد من ذلك القول إن محاولات فك الحصار عن المدينة لن تكلل بالنجاح، وإنه بما أن الولايات المتحدة فشلت في الفصل بين المعارضة و«المجموعات الإرهابية» قررت روسيا التوجه بصورة مباشرة إلى قادة المجموعات المسلحة في حلب - حسب قول غيراسيموف - الذي أردف مطالبا أولئك القادة والمدنيين بالخروج من المدينة خلال «الهدنة» المقبلة. وتعهد بأن «القوات الروسية من قاعدة حميميم والقوات الحكومية - أي قوات نظام الأسد - ستعمل على ضمانة أمن عملية الخروج من المدينة»، وسمح للمسلحين بالخروج مع سلاحهم وبأي اتجاه يريدون، إما إدلب وإما نحو الحدود التركية.
جاء إعلان موسكو عن تلك «الهدنة» بعد يوم على محادثات أجراها قائد الأركان الروسي فاليري غيراسيموف مع نظيره التركي آكار خلوصي في العاصمة الروسية موسكو. وذكرت وزارة الدفاع الروسية أنهما ركزا خلالها على تطبيع الوضع في حلب، إلا أن تصريحات الجانب التركي تشي بفشل محادثات خلوصي وغيراسيموف بشأن ترتيبات الوضع في حلب، حيث كانت روسيا تعوّل على دور تركي بصورة خاصة في عملية الفصل بين المعارضة و«جبهة النصرة» في المدينة. إلا أن هناك تباينات بين الرؤيتين الروسية والتركية لآليات الفصل، وفق ما أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في تصريحات يوم أمس، أوضح فيها أن أنقرة ترى «أنه لإنجاز عملية الفصل لا بد من وقف القصف وضمان وقف إطلاق النار ووقف الهجمات من جانب النظام، ومنح فترة من الوقت»، ليتم خلالها إنجاز تلك العملية. من جانبها كانت موسكو تدعو دوما إلى إنجاز تلك العملية في وقت لم تتوقف فيه هجمات النظام بدعم روسي على شرق المدينة.
من جانبه، كرر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أقواله بأن «جبهة النصرة» تسيطر على شرق حلب، وتخضع المجموعات المسلحة هناك لـ«الجبهة»، متهما مجموعات المعارضة في شرق المدينة بأنهم «يحتجزون المدنيين رهائن»، كما حمل القوى التي وصفها بأنها تدعم «المتطرفين» المسؤولية عن «تخريب العملية السياسية»، مشددا على أنه «لو تم تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بسوريا بنزاهة من جانب جميع الأطراف، فإن الوضع كان ليبدو أفضل الآن».
وأكد لافروف، خلال مؤتمر صحافي يوم أمس عقب محادثاته مع نظيره اليوناني في أثينا، أنه رغم ذلك «ما زالت روسيا والولايات المتحدة والمملكة العربية والسعودية وتركيا وقطر تواصل جهودها الرامية لتسوية الأزمة السورية»، مشددا على أن «روسيا والولايات المتحدة تحافظان على قنوات الاتصال الثنائية حول المشكلة السورية، بما في ذلك حول الوضع في شرق حلب»، مبديا أمله في أن «يتم التوصل عبر تلك الاتصالات إلى نتائج ما».
في المقابل، تعليقًا على الإعلان الروسي، قال ياسر اليوسف، عضو المكتب السياسي في «حركة نور الدين الزنكي»، وهي من الفصائل المشاركة في معارك حلب، لوكالة الصحافة الفرنسية إنه «لا قيمة» لهذا الإعلان «من جانب واحد». وتابع: «لسنا معنيين به، ولا نثق بالروس ولا بمبادراتهم الرخيصة.. روسيا لم تلتزم بكل المبادرات التي أطلقتها» والتي كانت بهدف «التوظيف السياسي والإعلامي لتخفيف الضغط الدولي عنها بعد ارتكاب جرائم حرب في سوريا».
من جهته، قال أسامة أبو زيد، المستشار القانوني لـ«الجيش السوري الحر»، لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه: «نحن في حلب، وندرك جيدا مدى التزام موسكو بالهدنة التي تدعي إرساءها وتقوم في الوقت عينه بقصف مختلف المناطق في المدينة.. كيف لنا أن نثق بهم وبما يدعون أنها هدنة بينما هناك ما لا يقل عن 5 طائرات (سوخوي24) تقوم بعمليات القصف العشوائي ويقتل نتيجتها المدنيون الأبرياء؟!».
وأكد أبو زيد أن «المعركة لا تزال مستمرة، وتراجع الاشتباكات لا يعني توقفها، لا سيما أن النظام يستقدم مزيدا من التعزيزات العسكرية على عدة محاور، ولقد نجحنا في إفشال هجوماته المعاكسة مرات عدة.. وفي الساعات المقبلة، ستعود المعارك إلى ما كانت عليه، مع تأكيدنا أن كل ما يحصل لغاية الآن في المعركة يسير وفق الخطة المرسومة».
هذا، وكانت واشنطن وموسكو قد اتفقتا على هدنة في حلب خلال سبتمبر (أيلول) الماضي صمدت أسبوعًا واحدًا وتبادل الطرفان الاتهامات بإفشالها؛ إذ نددت واشنطن برفض السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى الأحياء المحاصرة، بينما اعتبرت موسكو أن الأميركيين لم يفوا بوعودهم لتحديد مواقع المقاتلين الذين تصفهم بالإرهابيين في حلب، وفصلها عن فصائل المعارضة الأخرى؛ إذ استثنى اتفاق الهدنة في حينه المسلحين المنتمين إلى «جبهة فتح الشام» (جبهة النصرة سابقا) وتنظيم «داعش». ولاحقًا، أعلنت روسيا وقف غاراتها على حلب منذ 18 أكتوبر الماضي، في ما وصفته بـ«بادرة حسن نية» تهدف، بحسب قولها، إلى السماح للمنظمات الإنسانية بإجلاء المدنيين، وللمقاتلين بالانسحاب من المدينة.
ثم يوم الجمعة الماضي، أعلن الكرملين أن الرئيس فلاديمير بوتين «لا يرى من المناسب حاليا» استئناف الضربات الجوية في حلب، بل يرى من «الضروري تمديد الهدنة الإنسانية» فيها «على الرغم من هجوم يشنه مقاتلو المعارضة على أطراف الأحياء الغربية للمدينة» في محاولة لفك الحصار عن الأحياء الشرقية. وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف في حينه إنه «في حال دعت الحاجة، ولوضع حد للأعمال الاستفزازية للمجموعات الإرهابية، تحتفظ روسيا بحقها في استخدام كل الوسائل المتاحة لدعم القوات المسلحة السورية».
روسيا تعلن «هدنة» الفرصة الأخيرة لتهجير شرق حلب
أعلنها رئيس الأركان وقررها بوتين.. وقوى المعارضة السورية ترد: غير معنيين بها
روسيا تعلن «هدنة» الفرصة الأخيرة لتهجير شرق حلب
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




