من صنع صورة سقراط وأسس لشهرته؟

رفعه موته الدرامي إلى مقام شهيد الفلسفة الأول وقديسها الكبير

من صنع صورة سقراط وأسس لشهرته؟
TT

من صنع صورة سقراط وأسس لشهرته؟

من صنع صورة سقراط وأسس لشهرته؟

من هو سقراط؟!
هل نقول بقول القائلين الذين نظروا في متن «أبولوجيا» لأفلاطون، وخلصوا إلى أنه كان نبيا مرسلا؟!
أم نقول بقول جاك لاكان، الذي قارب وسومات شخصيته المنثورة في المتون القديمة؛ فانتهى بميثودولوجيا (علم الأساطير والخرافات المتصلة بالآلهة) التحليل النفسي، إلى كونه مجرد مريض عصابي؟! أم نرجع قبل لاكان، إلى بداية القرن التاسع عشر، لنسترجع تحليل ليلوت Lélut، الذي انتهى – في كتابه «شيطان سقراط» إلى أن فيلسوف أثينا كان مختلا مجنونا؟! لكن، كيف تأتى لهذا «المختل» الذي لم يكتب صفحة واحدة، أن يمارس على تاريخ الفكر كل تلك السلطة المهيمنة التي مارسها؟
أم نقول إن سر هيمنته معرفيا، هو أنه لم ينثر على الورق شيئا، أي لو أنه خَلَّفَ نصوصا مكتوبة؛ لتَخَلَّفَ بسببها؟!
إن مجرد استجماع تلك التوصيفات السابقة يوقعنا في الحيرة؛ فلم لا نتخلص منها بجرة قلم، بانتهاج قول القائلين، بأن سقراط لم يكن له أي وجود تاريخي، بل هو مجرد نتاج مخيلة أرسطوفان وكزينوفون وأفلاطون؟!
لكن هل بذاك النفي لوجوده البيولوجي نرتاح من كل تلك الإشكالات التي تحيط به؟ ثم كيف لشخص موهوم الوجود أن يقسم تاريخ الفكر الفلسفي إلى ما قبل وما بعد؟! أليس من السذاجة الظن بإمكان تخليص التاريخ الفلسفي من وقع سقراط وأثره بمجرد نفي وجوده؟
كان الصباح باكرا لحظة تجوالي في أزقة أثينا... وكان الصمت يخيم على المكان، وإذا بصرير باب يفتح من بيت أشبه بكوخ.. لا نوافذ له، كأنه كوة محفورة في جوف الصخر. وإذا بشخص قصير القامة، طويل الشعر، دميم الخلقة، يخرج ممسكا في يده بصلة، يتنادى من خلفه صوت امرأة ناهرة له بكلمات لم أتبين ملفوظها...
لم يعرها الرجل اهتماما... إنما استمر في خطوه السريع مرتقيا الهضبة... أخذ يرمي بين الفينة والأخرى نويات الزيتون، ثم يقضم من البصلة قضمة تلو قضمة...
إنه لا ينتعل أي شيء بل يمشي حافيا، لا يعوقه سِنُّ حجر ولا يؤلمه غَرز شوك!
آه عرفته إنه سقراط!
إذ لم يكن في أثينا وقتئذ، شخص غيره يتجرأ على أن يمشي حافيا! فقد كانت مدينة الأكروبول، في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، قد بلغت شأوا عظيما في الاهتمام بحسن الملبس وأناقة المظهر، حتى قيل بأن العبيد كانوا هم أيضا ينتعلون! والظاهر أيضا، أن المرأة التي سمعتها تنهره من خلف الباب، هي زوجه كزانثيب Xanthippe، ومن حقها مجاهرة هذا الكائن الطيب (بأقذع) الكلمات... إذ كان ديدنه اليومي أن يخرج منذ باكر الصبح؛ ليقضي سحابة يومه في المجادلة الفكرية.. ثم يعود إلى البيت خالي الوفاض بلا مؤونة ولا مال... بل غالب ظني، أنه كان يعود تعبا حتى من الكلام، وما أقسى الصمت على طبيعة المرأة، وهي التي تنتعش بالإنصات إلى رقة الكلم، وترتاح بالتملي في المرأى الحسن! وكان سقراط يقابل غضبها بالحلم واللامبالاة، قائلا: «إن كزانثيب مثل السماء، عندما ترعد سرعان ما تبكي».
وحبات الزيتون التي أراه الآن ينثرها خلفه، نعلم أنها كانت فطوره اليومي، مع بصلة يقضمها وهو يخطو بين الأزقة؛ متلفتا لعله يرى أحدا من محبيه أو من خصومه، ليبادره باستفهام يفتح حوارا معرفيا ينسيه نكد زوجه التي بلاه الله بها وبلاها به.
حاولت اللحاق به، لكنني لم أقو على بزه في سرعة الخطو! إذ كان أسرع مني في الوصول إلى قمة الهضبة المكسوة بالضباب؛ فلما اعتليتها لم أجد له أثرا... كأنه تبخر وارتقى إلى الأعالي! لكن لم يخالجني ريب في أن الشخص الذي رأيت للتو هو سقراط... ولم تكنْ أنتَ أيضا، لتخطئ معرفته إذا ما قدر لك أن تسافر في الزمن، كما سافرت، وتلتقي به صدفة في زقاق من أزقة أثينا، إذ لا شك سيسهل عليك التعرف عليه من كثرة تلك التوصيفات المتداولة في مختلف الكتب الفلسفية، التي اتفقت على وصف ملمحه الدميم وملبسه الرث.
أجل: «من بين كل رجال العصور القديمة – يقول بيير مونطي - نحتفظ لسقراط بالصورة الأكثر أمانة ويقينا... صورة محفوظة بشهادات كتاب عاصروه». وهكذا إذا كنتَ ممنْ يحسنون الرسم أو النحت، فإنه سيسهل عليك توقيع الصورة الجسدية لسقراط؛ إذ لديك عنه في النصوص القديمة توصيف دقيق لأنفه الأفطس، الذي إذا صادف أن سال، فإن صاحبنا الفيلسوف – استنادا إلى ما قاله ثراسيماخوس في الكتاب الأول من متن «الجمهورية» - لم يكن يعتني حتى بمسح نخامته، كما لديك وصف لشفتيه الغليظتين وعينيه الجاحظتين، وكرشه البارز، ورأسه الذي اكتسح الصلع مقدمته، مع إجماع الرسامين – ومنهم محبوه - على قبحه الجسدي البَيِن! بل حتى توصيفه الروحي لك عنه أكثر من مستمسك، إذ أفاض الرواة في وسم طيبة نفسه وسمو أخلاقه... فأجمعوا بذلك على تقديمه كشخص بالغ الدمامة والدماثة معا!
لكن المفارقة هي أنه إذا كان كل قارئ لمكتوبات الفلسفة اليونانية يعرف جيدا الملمح الخَلْقي والخُلُقي لسقراط، فإن ملمحه المعرفي عليه غبش كبير. ولا شك أن صاحبنا نفسه، مسؤول عن هذا الالتباس والغبش؛ لأنه أصر على أن لا يكتب فلسفته، بل كان كارها للكتابة وحذرا منها، حتى أنه نعت الشخص الذي يثق في سكب فكره في الصحيفة بأنه بسيط ساذج؛ لأن إيداع الفكر في الكتاب خطر عليه، إذ يصير بفعل ذلك عرضة للوقوع بين يدي من يقدره ومن لا يقدره، بين من يثمنه وبين من يقسو عليه. ولذا بدل إيداع الأفكار في الصحائف؛ فيتلقاها من لا يستحقها ومن ليس بمكنته فهمها، يدعونا سقراط إلى الوثوق في الكلمة الصائتة، التي نتخير لها من يُقَدِّرُ الإنصات إليها.
الكلمة في تقدير سقراط، كالبذرة التي يجب انتقاء محل وضعها. والفيلسوف كالزارع الماهر الذي يتخير الأرض المناسبة للبذور، والوقت الصالح للغرس. لذا كان يفتخر بأنه يزرع أفكاره في نفوس الرجال بدل أن يخطها على جلد الماعز، ذاك الذي كان يستعمل في الكتابة في زمنه.
ولعلنا نضيف أيضا، بأن استهجانه للكتابة راجع إلى أن المنهج الفلسفي في تقديره يتطلب جدلا بين عقلين فأكثر، وهذا ما يوفره الملفوظ لا المكتوب.
لكن، هل فعلا حفظ من أنصتوا إليه درسه الفلسفي؛ أم صوروه لنا بما شاءوا من تخييل وتغيير؟
نرى أن مكر التاريخ أَوقع هذا الذي احترس من الكتابة ونعت من يثق فيها بالسذاجة، في شر عمله، حيث سرعان ما صار هو نفسه تحت رحمة المكتوب. فغدت صحائف أفلاطون وكزينوفون وأريسطوفان، مدخلا إلى «معرفة» سقراط. ذاك المستهجن للورق ومسطوره. بل بالإضافة إلى نصوص أولئك الكتبة المعاصرين له، تكاثرت المكتوبات، متخذة من شخصه موضوعا لها. والناظر في مقدارها الكبير، ينتهي إلى أن فيلسوفنا الذي ترفع على القلم، صار موضوعا تتلاعب به الأقلام؛ حتى أصبح مخصوصا بنوع أدبي منثور عليه، خلص التقليد التاريخي إلى تسميته بـ«اللوغوا سقراطيكوا» LOGOI SOKRATIKOI. فما السر الذي يفسر هذا المقدار من الاهتمام بالكتابة عن هذا الذي ترفع على الكتابة ومسطورها؟
نعتقد أن الذي صنع سقراط ابتداء، ليس أفلاطون ولا كزينوفون ولا أرسطو، بل الذي صنعه وأسس لشهرته في تاريخ الفكر، ميلتوس Meletus، وليكون Lycon، وأنيتوس Anytus، أي متهموه الذين تسببوا في الحكم عليه بالإعدام.
أجل إن موته الدرامي هذا هو الذي جعله يرتفع إلى مقام شهيد الفلسفة الأول وقديسها الأكبر.



«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل
TT

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

صدر العدد رقم 120 من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل والمسرح والتراث.

وفي تفاصيل العدد، كتب د. أكرم قنبس عن الأديب إبراهيم عبد القادر المازني من رواد الثقافة العربية ومؤسسي مدرسة الديوان، وتوقف خلف أحمد أبو زيد عند ريادة ومكانة دنيس جونسون ديفز في ترجمة الأدب العربي الحديث إلى الإنجليزية، أما د. أميمة أحمد فكتبت عن مدينة سطيف، التي يزينها عبق التاريخ وسحر «عين الفوارة»، وجال نور سليمان أحمد في ربوع مدينة إهناسيا، حيث روح الريف وملامح المدينة.

أمّا في باب «أدب وأدباء»، فشارك إسماعيل عبدة بمداخلة حول مكانة نجيب محفوظ في الرواية والسينما، وقدم مالك صقور قراءة في رواية «الشيخ الأبيض» لسلطان القاسمي، حيث الحقيقة تبحث عن وثيقة، وتناول صالح لبريني أحد أعمدة القصيدة المغربية المعاصرة، وهو محمد السرغيني، الذي جمع بين الإبداع الشعري والنقد الأكاديمي، واستعرض محمد الأرناؤوط مسيرة إسماعيل أبو البندورة الذي حمل لقب السفير الثقافي وأغنى المكتبة العربية بالأدب البوسني، وبحثت وفاق سلمان في رواية «أن تعشق الحياة» لعلوية صبح (تجربة استثنائية وشغف البقاء)، وتابع محمد يوسف أبولوز فعاليات ملتقى الشارقة للتكريم الثقافي ومتوالية العطاء والاحتفاء بالمبدعين العرب.

ومن المقالات الأخرى، كتب أحمد فرحات عن صاحب مجلة «الآداب» الروائي سهيل إدريس بمناسبة مرور قرن وعام واحد على ميلاده، وألقى د. مجد حيدر الضوء على «عراف الأدغال والعبقرية» الأكثر اكتمالاً، (روديارد كيبلينغ) أول بريطاني يفوز بجائزة نوبل للآداب، وتناولت نسرين أنطونيوس رواية «الدقلة في عراجينها» للبشير خريف الذي يصور علاقة الإنسان بالأرض والهوية، وحاور هشام أزكيض الدكتورة خديجة السعيدي التي يتجاور في كتاباتها الشعر والسرد والنقد، ورصدت رؤى جوني التحولات النفسية لأبطال الكاتب ربيع جابر، الذي يجمع بين متعة الخيال والقيمة التاريخية، وتوقف جمال الشرقي عند المقاهي الثقافية في بغداد التي تحولت إلى مجالس للأدب والفن.

كذلك كتبت روز مخلوف عن ألفة الإدلبي التي أضاءت الجوهر الإنساني لأبطال قصصها، فيما حاور ساسي جبيل أحد رواد القصة القصيرة في تونس هو صالح الدمس الذي رأى أن الحياة روايات وقصص، وبيّن د. أحمد عيطة كيف جمعت الرواية العربية بين المتعة والمعرفة والخيال والواقع، وقرأ زياد الريس رواية «الرجع البعيد» لفؤاد التكرلي الذي انشغل بالإنسان في قوته وضعفه، والتقى حسن م. يوسف الصحبي بن منصور الذي دعا إلى كتابة تاريخ أكثر إنصافاً، وأخيراً تناول د. عبداتي بوشعاب رواية «الدم الأزرق» لنجلاء الشامسي التي تصور الشتات وجدلية المكان.

من جهة ثانية، تضمّن العدد مجموعة من المقالات وهي: حوار الجمال والهوية (ذكاء ماردلي)، الحضارة والثقافة العربية (د. سعيد عبيدي)، انتصار البطل في الرواية العربية الحديثة (عمرو العنتبلي)، سحر الرواية.. رؤى ومتغيرات (رشيد الخديري)، صنع الله إبراهيم بين الرواية والواقع (اعتدال عثمان)، القصة القصيرة.. مقاربة نقدية في المنهج والتلقي (د. عبدالعزيز بودين)، أحمد الشايب ونقاد الأدب (مصطفى عبدالله)، العوالم السردية في نصوص باسم سليمان (انتصار عباس)، وغيرها.

وقد أفرد العدد مساحة لمجموعة من القصص القصيرة والترجمات، لمجموعة من الأدباء والمبدعين العرب.


70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.