أطول يوم في تاريخ اليابان

سجل تفصيلي للأحداث السياسية والعسكرية والنفسية في الـ24 ساعة التي سبقت إعلان طوكيو استسلامها في الحرب العالمية الثانية (1 من 3)

لقطة للاجتماع الذي عقده الامبراطور الياباني هيروهيتو مع حكومته وجنرالاته عام 1949 لتحديد الموقف من الحرب
لقطة للاجتماع الذي عقده الامبراطور الياباني هيروهيتو مع حكومته وجنرالاته عام 1949 لتحديد الموقف من الحرب
TT

أطول يوم في تاريخ اليابان

لقطة للاجتماع الذي عقده الامبراطور الياباني هيروهيتو مع حكومته وجنرالاته عام 1949 لتحديد الموقف من الحرب
لقطة للاجتماع الذي عقده الامبراطور الياباني هيروهيتو مع حكومته وجنرالاته عام 1949 لتحديد الموقف من الحرب

تكمن أهمية كتاب «أطول يوم في تاريخ اليابان.. التعصب الذي قاد اليابان إلى حافة القيامة» الذي ننشر منه ثلاث حلقات متسلسلة، أساسًا في كشفه جانبًا من الحالات النفسية التي كانت تتحكم، سرًا، في مواقف وسلوك شخصيات سياسية وعسكرية كبيرة، تتحدث بلياقة وهدوء، لكن دواخلها تعتمل بالغضب والفزع والضياع، فقد كان مطلوبًا منها اتخاذ قرارات سريعة لمصارعة الزمن الذي كان يهدد، في لحظاته الأخيرة، أكبر إمبراطورية استعمارية في الشرق بالانهيار، وقادتها بالهوان، بعد أن أصبحوا يعيشون في ملاجئ تحت الأرض، محاصرين بين نزعة ضباطهم المتعصبة للاستمرار في الحرب، وهزائم جيوشهم المتوالية أمام زحف قوات الحلفاء، تعززها غارات كثيفة فوق مدن اليابان وعاصمتها طوكيو، ثم مسح هيروشيما وناغازاكي من الوجود بأول سلاح نووي يُستَعمل في التاريخ.
ولا بد أن نلاحظ في السرديات والوقائع التي يرويها الكتاب، بشكل شبه روائي، الشبه الكبير بين عنجهية العقلية الشوفينية وسيطرتها (متمثلة بالمؤسسة العسكرية) على كل أوجه الحياة في اليابان ذلك الوقت، بما يحدث حاليا في سوريا ومن قبلها العراق، حيث تطغى شوفينية الحاكم على أصوات السلام، حتى لو قضى الشعب كله، طالما الحاكم وعساكره يستمتعون بحياة «كريمة». وسوف نرى تفاصيل مشابهة إلى حد كبير لما يجري اليوم، وكأن التاريخ فعلاً يظل يُعيد نفسه بلا رحمة، وتنشر صحيفة «الشرق الأوسط» الحلقة الأولى من كتاب «أطول يوم في تاريخ اليابان.. التعصب الذي قاد اليابان إلى حافة القيامة»، التي تتبعها حلقتان في اليومين المقبلين.
في الساعة الثانية عشرة ظهرًا، الخامس من أغسطس (آب) 1945، حدث أمران تاريخيان في الوقت نفسه باليابان: الشعب الياباني سمع صوت إمبراطوره لأول مرة، ليخبرهم في الراديو أن بلدهم خسر حربه الأولى. هذا الكتاب هو سجل تفصيلي للأربع والعشرين ساعة التي سبقت ذلك البث، منذ الاجتماع الإمبراطوري حيث اتخذ قرار الاستسلام إلى إذاعة خطاب الإمبراطور نفسه.
كان ذلك أطول يوم يعيشه شعب اليابان في تاريخه.
بالنسبة لنا، نحن أعضاء معهد دراسات حرب الباسيفيك، كانت فكرة تجميع وكتابة هذا السجل مهمة للغاية، إذ بدا كما لو أننا نعيش من جديد قسوة تلك الأحداث التي عاناها بلدنا. الخامس عشر من أغسطس سنة 1945، كان ذروة السنوات المائة الأخيرة في تاريخ اليابان، منذ عهد ميجي. كل مستقبل الشعب الياباني، واليابان نفسها، يتوقفان على ذلك اليوم.
إنني الأكبر سنًا بين أعضاء معهد دراسات حرب الباسيفيك، فقد كنت في الصف الثالث الإعدادي يوم تحدث الإمبراطور من الراديو. حينها كنت أعمل في مصنع للعتاد الحربي ينتج خرطوشة للرشاش 20 ملم، وتلك كانت مساهمتي في الحرب. وفي أحد الأيام قصفت طائرات بي 29 المصنع وقتل كثير من زملائي في العمل. يومها كانت جبهة القتال قد انتقلت إلى الداخل، مع ذلك كنت لا أزال آمل بانتصار اليابان، لذلك كان شعوري في منتصف ذلك اليوم خليطًا من المرارة والغضب، مع إحساس بعبثية الأمل، إذ أُخبرنا أننا مع احتلال اليابان سوف نُجبر على عيش حياة العبيد.
في ذلك اليوم دخنتُ أول سيجارة، الأمر الذي كان ممنوعًا في المدارس، مع الإصرار على القيام بأي شيء آخر، فقد كنت لا أزال شابًا، وبدا أن القليل من الوقت قد تُرك لي لأعيشه، ولم تكن هناك متعة في أي شيء أفعله. بالنسبة لنا، نحن الذين عانينا الحرب، سواء على الجبهة أو في الداخل، كنا بشكل أو بآخر عرضة لرعب الحرب. كانت الحرب مثل قدر لا يمكن تجنبه. كان علينا تحمّل قسوة المشاهد اليومية لوحشية الإنسان ضد الإنسان.
على الرغم من أن الخامس عشر من أغسطس وضع نهاية لبعض تلك الوحشية، فالحقيقة أن الهزيمة، بالنسبة للشعب الياباني، كانت تجربة كارثية من الصعب جدًا قياس آثارها. وحتى اليوم لا تزال اليابان ضالّة طريقها لتهدئة أرواح قتلى الحرب، وإلى أن تفعل، لا تستطيع القول إن كانت قد نسيتْ الماضي، أم أنها تعيش برمتها في الحاضر.
ما الذي قاد مئات الآلاف إلى الموت؟ بعض الإجابات قد توجد في أفكار وذكريات اللاعبين الرئيسيين في دراما الأربع وعشرين ساعة تلك! وكان ذلك أحد أسباب وضع هذا الكتاب.
أن تموت من أجل وطنك، كان يعتبر على الدوام واجبًا دينيًا في اليابان. قد تكون عشرون عامًا ليست طويلة بما يكفي على أمّة، لتطرح عنها ذلك الاعتقاد القديم، لكن يجب عليها أن تفعل هذا، إذا أراد الشعب الياباني أن يعيش في عالم اليوم وليس الأمس. وربما هذا سببٌ آخر لوضع هذا الكتاب.
إن مصاعب تسجيل أحداث تاريخ معاصر، بينما ممثلوه لا يزالون أحياء، واضحة. لقد قابلنا كل الأحياء من المشاركين في الدراما النهائية لهزيمة اليابان - مع استثناء واحد، هو بطل تلك الدراما، الإمبراطور نفسه وبينما نقرأ بشكل طبيعي كل ما نُشر في تلك الفترة، فإن القاعدة الأساسية لتقريرنا تعتمد المقابلات الشخصية، صياغتنا للأحداث، المشاعر والحالات الذهنية، كلها دُعمت من قبل الرجال الذين قابلناهم.
مع ذلك، علينا أن نتذكر أن أكثر من عشرين سنة انقضت منذ ذلك اليوم. الأحداث تصاعدت بسرعة، لوّنتْ الذاكرة بطريقة قدرية لا يمكن تجنبها. ذاكرات شاحبة، رجال لهم أسبابهم لاسترجاع ما يريدون تذكره فقط، أو تكرار ما يرغبون بتكراره فقط. ثم على المؤرخ أن يستخلص الحقيقة من الزيف - وأحيانا لا يمكن تلافي الفشل.
كثير من اللاعبين الرئيسيين ماتوا، إذ كانوا رجالاً مسنين وقت حصول الدراما، والبعض مات قبل وقت قريب. أحدهم فضّل عدم الكلام: عندما قابلنا الماركيز كويتشي كيدو، ظلّ كاتم السر الإمبراطوري رافضًا كسر صمته.
محنة استسلام اليابان كانت أشبه بزلزال ما فتئت آثاره بادية حتى اليوم. ولإعادة حساب التفاصيل المأساوية للهزيمة، ينبغي، بل ومن الضروري، استحضار وحث الذاكرة الحزينة، فربما ساعدتْ أيضًا على تعبيد الطريق لبداية جديدة أفضل. وقد يكون هذا أهم الأسباب لوضع هذا الكتاب وهو:
حروب واتفاقيات اليابان منذ عهد الإمبراطور ميجي (1868)
حتى الاستسلام في عهد الإمبراطور هيرو هيتو (1945)

أحداث بارزة
عام 1868، وهو العام الذي توّج فيه الإمبراطور ميجي، حُكمت اليابان من قبل لوردات الحرب الذين أطلق عليهم اسم شوكانز. وبتسلم ميجي الحكم، بدأت اليابان نقلة راديكالية حوّلتها من مجتمع إقطاعي إلى أقوى أمّة في العالم المعاصر، فقد اهتم ميجي بعصرنة اليابان بعد عزلة عن الغرب استمرت 250 سنة، واهتم، شخصيًا، بدعم مؤسستي الجيش والبحرية، مما أنعش لدى اليابانيين الروح الشوفينية والرغبة في التوسع.
* في أكتوبر (تشرين الأول) 1874، غزت اليابان جزيرة فرموزا لتصبح قواتها على مشارف الصين. وفي فبراير (شباط) قامت قوات يابانية مموهة بالهجوم على كوريا. وفي فبراير من نفس العام رتبت اليابان الخطوات لاستقلال كوريا.
* 22 مايو (أيار) 1882، وقعت الولايات المتحدة معاهدة مع كوريا، رتبت بموجبها استقلال كوريا عن الصين وروسيا واليابان، وكانت الدول الثلاث تتنازع للسيطرة عليها.
* 1 أغسطس (آب) 1894، أعلنت الحرب بين اليابان والصين.
* 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1894، وقعت الولايات المتحدة واليابان اتفاقية تجارية.
* 23 أبريل (نيسان) 1895، تدخلت روسيا وألمانيا وفرنسا لإيقاف الحرب بين اليابان والصين، وأجبرت اليابان على إعادة بعض المناطق التي احتلها إلى الصين.
* 30 يناير (كانون الثاني) 1902، وقعت بريطانيا واليابان اتفاقية يحترم بموجبها الطرفان مصالح كل منهما في الصين.
* 5 سبتمبر (أيلول) 1905، نشبت الحرب بين روسيا واليابان في منشوريا وكوريا.
* 15 أبريل 1907، سلمت اليابان منشوريا للصين ضمن شروط معاهدة بورتسموث، التي وضعت نهاية للحرب بين اليابان وروسيا.
* 4 يوليو (تموز) 1910، اعترفت روسيا لليابان بحقها في السيطرة على كوريا، مقابل إطلاق يد روسيا في منشوريا.
* في يونيو (حزيران) 1915، وسعيًا وراء التدخل في شؤون الصين، وضعت اليابان 21 مطلبًا، تجعل الصين دولة خاضعة للنفوذ الياباني.
* في 30 يوليو 1921، مات ميجي، وتولى السلطة ابنه يوشيتو في نوفمبر 1921، فأطلق على نفسه لقب الإمبراطور يايشو. إلا أن يايشو ظهرت عليه بسرعة علامات الاختلال العقلي، ثم توفى عام 1924.

عهد الإمبراطور هيرو هيتو:
* 25 في ديسمبر (كانون الأول) 1926، خلف هيرو هيتو والده يوشي هيتو في تولي السلطة، وفي 10 نوفمبر 1928 توّج إمبراطورا لليابان، إذ إن التقاليد اليابانية تفرض مرور سنتين على وفاة الإمبراطور ليصبح ولي العهد إمبراطورا جديدًا للبلد. حكم هيرو هيتو لأطول فترة في تاريخ اليابان. تميّز عهده بالسلام المشرق، على الرغم من حرب اليابان ضد الولايات المتحدة من 1941 إلى 1945. وكما يصف المؤلف هيرو هيتو في مكان آخر، فهو شخص وديع، مسالم، يكره العنف والحروب، إلا أن العسكريين الذين يقدسون الإمبراطور حسب التقليد الديني للبلد، أرادوا خلق سلطة موازية لسلطته من خلال الحروب التوسعية وتغذية الروح الشوفينية بين اليابانيين، وقد نجحوا في ذلك، إلا أنهم دمروا اليابان في النهاية. وقد سار هيتو على نهج جده الإمبراطور ميجي بالنسبة للدستور فقد ظلّ الإمبراطور بعيدًا عن أي تدخل شخصي في قرارات الحكومة، فاستغل الجيش هذه النقطة لاحتلال منشوريا ضد رغبة الإمبراطور، وحسب بعض المؤرخين فإن احتلال اليابان للصين هو الذي مهّد للحرب العالمية الثانية.
* أثناء فترة الحروب السابقة، تحوّل الجيش إلى قوة مؤثرة في الحياة السياسية، وخلق لنفسه سلطة موازية لسلطة الإمبراطور. ورغم طبيعة هيرو هيتو الميالة إلى السلام، وتطوير المظاهر الديمقراطية التي بدأها جده ميجي، واصل الجيش حروبه التوسعية في المنطقة، تشجعه حكومات ضعيفة، وأخرى تطمح إلى إخضاع البلدان المجاورة لسلطة اليابان.
*18 سبتمبر 1931، عادت اليابان واحتلت منشوريا.
* 25 نوفمبر 1936، وقعت اليابان وألمانيا اتفاقية لحماية العالم المتحضر من تهديد البولشفيك. وفي 6 نوفمبر 1937 انضمت اليابان إلى المحور النازي الفاشي.
* 13 أبريل 1941، وقع ستالين اتفاقية سلام مع اليابان.
* عندما احتلت ألمانيا هولندا ثم فرنسا، أصبحت الهند الصينية التي كانت تحت الهيمنة الاستعمارية الهولندية والفرنسية غير محميّة، فهددت اليابان بالاستيلاء عليها، وفي سبتمبر عام 1937 دفعت اليابان بقواتها إلى الهند الصينية لتحتلها بهدف الحصول على قواعد عسكرية لقواتها في حربها ضد الصين.
*27 سبتمبر 1940، وقعت اليابان معاهدة مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، تنصّ على التحالف بين الدول الثلاث لخلق وضع عالمي جديد، تسيطر فيه ألمانيا وإيطاليا على أوروبا، بينما تسيطر اليابان على شرق آسيا.
*7 ديسمبر 1941، هاجمت الطائرات اليابانية القاعدة الجوية الأميركية في بيرل هاربر في هاواي.
* في منتصف 1942، احتلت القوات اليابانية الفلبين، ومستعمرات هولندا، ومالاوي، وبورما، وبذلك سيطرت على المنطقة الآسيوية الوسطى من الباسيفيك، وكانت قواتها وصلت إلى جزيرة اليوتيان في آلاسكا. كانت اليابان تطمح، بانتصاراتها السريعة، إلى عقد معاهدة سلام مع الولايات المتحدة أثناء انشغال الأخيرة في الحرب إلى جانب حلفائها في أوروبا ضد هتلر.
* حتى منتصف 1942، كان حظ اليابان في ذروته، والحلم بالهيمنة على شرق آسيا يوشك أن يتحقق، إلا أن الولايات المتحدة قد وصلت إلى قمة تطورها الصناعي، وكان ذلك فقط بعد أشهر من حادث بيرل هاربر، حين بدأ الحظ ينقلب إلى جانب خصمها.
* 25 ديسمبر 1941، استسلمت هونغ كونغ لليابان.
* في 17 أبريل 1942، أنذر الجنرال الأميركي جيمي دووليتل بقصف طوكيو بطائرات «B25» مما فاجأ سكان اليابان وصدمهم، وفي يونيو من السنة ذاتها بدأت المعارك البحرية في بحر كورال، إذ انطفأ حظ اليابان تماما في الدفاع عن نفسها.
* 15 يونيو 1944، بدأت الولايات المتحدة قصف المدن اليابانية.
* في بداية 1945، أنزل الجنرال ماك آرثر قوات أميركية في خليج Lingayen بلوزون لإعادة الاستيلاء على الجزيرة التي احتلتها اليابان قبل أربعة أعوام، مما ساعد على إنهاء المقاومة العنيفة التي أبداها الجيش الياباني قبل الانسحاب من الفلبين وفي مانيلا التي استمرت لعدة أشهر، وبذلك نظف الأميركيون آخر جيب للمقاومة اليابانية في الفلبين.
* 26 يوليو 1945، اجتمع قادة الدول الحليفة في ضاحية بوتسدام بمدينة برلين بعد احتلالها، وأنذروا اليابان بالاستسلام أو مواجهة الدمار. لكن اليابان واصلت القتال.

اليوم السابق
في عام 1931، دخل الجيش الإمبراطوري الياباني منشوريا ليصبح، نتيجة لذلك، القوة المسيطرة في حياة الشعب. وبعد 14 سنة من ذلك التاريخ، أي في عام 1945 أدرك الإمبراطور ومعظم رجال حكومته أن اليابان قد خسرت الحرب، إلا أن مشكلتهم العسيرة كانت كيف يوصلون هذه الحرب إلى نهايتها.
كان الجيش الياباني في تلك المرحلة لا يزال قويًا، ولن يقبل الهزيمة ولا الاستسلام، فأصرّ أنه وحده الذي يعرف مصلحة البلد. لهذا فإن صراع اليابان الأخير لم يكن مع العدو، بل مع نفسها. وللحظة أو اثنتين من ذلك اليوم الطويل من أغسطس، بدا أن الصراع لا مفرّ منه، ولو كان الإمبراطور نفسه في قلب الصراع لكان في النهاية من يقوده إلى الحلّ.
بعيدًا إلى الوراء، في فبراير (شباط) من عام 1942، كان اللورد ماركيز كويشي كيدو، كاتم أسرار الإمبراطور، قد أدرك أن التفوق الأميركي على اليابان سيكون حتمًا العامل الحاسم في الحرب، فنصح الإمبراطور سرّا بأن «يقتنص أي فرصة ممكنة للتعجيل بوضع نهاية للحرب». وقد توصل الآخرون إلى الاستنتاج الخطير ذاته، لكن بعد أن انتهت الحرب. كان الوضع خطيرًا لأن الجيش لم يتفهم الموقف.
كانت المحاولات السرية لإنهاء الحرب من خلال منظمة الـ«OSS» الأميركية السويسرية قد باءت بالفشل، وكثير من الرجال، بمن فيهم الإمبراطور نفسه، فضّلوا تعليق الآمال على المساعي الحميدة التي يقوم بها الاتحاد السوفياتي، وظلوا معلقين بهذه الآمال إلى اليوم الذي أعلن فيه ستالين الحرب على اليابان.
الوزارة الحالية للبارون سوزوكي كانت تصرخ أبعد من صراخ الجنرال توجو، أحد أكبر مهندسي خطة الجيش لتقسيم العالم بين اليابان وألمانيا. وزير الخارجية شيجينوري توكو ترأس المجموعة المؤيدة لإعلان بوتسدام، وإن بوقت متأخر جدًا، ليوفروا على الشعب الكثير من العناء، ويجنبوا اليابان الدمار الشامل. وكلتا المجموعتين (المؤيدة للسلام والمحبّذة للحرب) متشابهتان بإصرارهما على صون الكيان الأساسي للأمّة باستعدادهما لوهب أرواحهم من أجل معتقداتهم ومن أجل الإمبراطور، لأن اليابان دون سيادة مسألة لا يمكن التفكير بها من قبل الجانبين.
عشرون يومًا قبل اليوم الأخير، استيقظ الشعب الياباني على ما بدا لهم يوم حرب عاديًا من أيام الصيف الحارة الرطبة. المعدة خالية ويبدو أنها ستبقى كذلك، وثمة عمل يجب إنجازه، هو مواصلة الحرب حتى النهاية، بينما كانت الحرب تكبر وتصعب مع مرور الأيام. مع زيادة سوء التغذية، تصاعد التلوث الإشعاعي الذي يعني الموت للبعض والتشرد لكثيرين، ونقص المواد الخام الذي يعيق الإنتاج. كل هذا في حرارة ورطوبة صيف اليابان. يوم آخر رغم الجوع والإرهاق، لكن ما زالت بسالة اليوم مثل بسالة الأمس.
إلاّ أنهم كانوا مخطئين، والحكومة علمت بهذا. في السادسة من صباح نفس اليوم التقطت دائرة الإذاعات الخارجية في طوكيو بثًّا من سان فرانسيسكو، يعلن عن بيان وقعه في اليوم السابق كل من الرئيس الأميركي ورئيس جمهورية الصين ورئيس وزراء بريطانيا الذي كان طرفًا في محادثات بوتسدام، يوصي بإعطاء اليابان فرصة لإنهاء الحرب. على الفور بدأ مكتب وزير الخارجية دراسة عبارات البيان بينما الترجمة أصبحت جاهزة.
لقد حان الوقت لتقرر اليابان فيما إذا كانت ستظل محكومة بنصائح العسكريين المتشبثين برأيهم، الذين أوصلت استنتاجاتهم غير الذكية إمبراطورية اليابان إلى حافة الهلاك، أم أنها ستتبع طريق المنطق؟
بعد ذلك جاء دورنا. لن ننحرف عنهم، لا يوجد بديل، لم نعد نحتمل أي تأخير. علينا إنهاء تلك الفترة، حيث كانت الصلاحيات والنفوذ بيد أولئك الذين خدعوا الشعب الياباني وأدخلوه في مشروع لاكتساح العالم، بإصرارنا على أن نظامًا جديدًا من السلام والأمن والعدالة سيكون مستحيلاً ما لم يختفِ العسكر من العالم!
«نحن لا نقصد استعباد اليابان كعرق، أو تدميرها كأمّة، لكن العدالة الصارمة تقتضي إقصاء مجرمي الحرب، بمن فيهم أولئك الذين أوقعوا وحشيتهم على أسرانا. على الحكومة اليابانية أن تزيل كل العقبات من أجل إحياء وتعزيز الاتجاهات الديمقراطية لدى الشعب الياباني. حرية الكلمة، العقيدة، الفكر، ومبادئ حقوق الإنسان لا بُدّ أن ترسى.
نحن ندعو الحكومة أن تعلن الآن التنازل غير المشروط عن كل ما احتلته بالقوة، وأن تقدم التعهدات الصحيحة والملائمة لإثبات حسن النيات. أما البديل عن كل هذا فسيكون الدمار السريع والشامل لليابان».
أول شخص استجاب لبيان بوتسدام الذي بثّ من سان فرانسيسكو كان نائب وزير الخارجية شونيكي ماتسومو، فقد نصح وزير الخارجية توكو بأن على اليابان أن تقبل ما جاء في ذلك الإعلان، حيث سيكون الرفض أكبر حماقة ترتكب، وكان قد بدأ بتحرير مسودة الموافقة اليابانية فعلاً، ليتم إرسالها إلى سفارات اليابان في سويسرا أو السويد، ومن هناك تمرّر إلى العدو. عندها دخل توكو الغرفة.
«انتظر..» قال وزير الخارجية: «لن يكون الأمر بهذه السهولة». كان صوته في غاية الحزن، «فالجيش لن يقبل الإعلان كما جاء».
لكن توكو شعر أن حقيقة تخفيف الحلفاء حدة مطلبهم الأول في إعلان القاهرة من «استسلام اليابان غير المشروط» إلى «استسلام كل قوى الجيش الياباني غير المشروط» مفاده أن ثمة تخفيفًا وتوددًا أكثر في اللهجة سيأتي قريبًا، بحيث يقبل به الجيش ويحفظ له ماء وجهه. لذا فقد استنتج أنه قبل الردّ، على اليابان أن تبذل محاولة أخيرة للاستعانة بالمساعي الحميدة للسوفيات. لقد توصل توكو إلى هذا الاستنتاج على الرغم من حقيقة أن كل محادثات طوكيو مع موسكو، ولحد الآن، لم تكن حاسمة على الإطلاق. فمحاولات توظيف مساعدة السفير السوفياتي في طوكيو باءت بالفشل، وناوتاكي ساتو، السفير الياباني لدى الاتحاد السوفياتي أكد لتوكو أنه «لا مجال مهمًا لكسب الاتحاد السوفياتي لجانبنا...»، ما لم يكن يعرفه توكو بالطبع، إن روزفلت وتشرشل اتفقا على امتيازات كبرى في الشرق الأوسط، إذا دخل ستالين الحرب ضد اليابان خلال شهر أو ثلاثة أشهر بعد انتهاء الحرب في أوروبا.
على الرغم مما كُشف وما لم يكشف، كان توكو قادرًا ليس على إقناع نفسه فقط، إنما رئيس الوزراء أيضًا بأن الاتحاد السوفياتي لم يكن عاجزًا تجاه اليابان، والمساعي الحميدة للكرملين ربما لا تزال ممكنة.
في الساعة العاشرة والنصف صباح 27 يوليو (تموز)، اجتمع المجلس الأعلى لإدارة الحرب لمناقشة إعلان بوتسدام واحتمالات الوساطة السوفياتية. مجلس الحرب الأعلى هذا يتألف من اليابانيين الست الكبار، رئيس الوزراء، وزير الشؤون الخارجية، وزير الحرب، وزير البحرية، ورئيس عام قوات الجيش ورئيس عام البحرية. في الاجتماع أكد توكو على أهمية الانتقال من استسلام اليابان غير المشروط إلى استسلام القوات المسلحة اليابانية غير المشروط، وأعلن عن اعتقاده أن رفض ما جاء في الإعلان سيكون تصرفًا غير سياسي إلى حدٍ كبير. كان توكو قادرًا رغم المعارضة الكبيرة على إقناع المجلس الأعلى بتأجيل ردّ اليابان إلى أن يسمع مرة أخرى من موسكو. هذا يعني، رغم الكلمات المنذرة: «أننا لم نعد نتحمل أي تأجيل». كانت فترة من الترقب الحذر.
ما أفضل طريقة لإخبار الشعب الياباني بالإعلان؟ كانت تلك مشكلة كبيرة أخرى. مجلس الوزراء عقد اجتماعًا كاملاً بعد الظهر في محاولة لحلّها.

* وضع الكتاب وترجمه إلى الإنجليزية مجموعة من باحثي معهد دراسات حرب الباسيفيك



مخيمات الضفة... قطعة من «جحيم غزة»

TT

مخيمات الضفة... قطعة من «جحيم غزة»

نازحون يعودون لتفقد بيوتهم في مخيم جنين بعد انتهاء الاقتحام الإسرائيلي (الشرق الأوسط)
نازحون يعودون لتفقد بيوتهم في مخيم جنين بعد انتهاء الاقتحام الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

صباح الثلاثاء 21 مايو (أيار) كان يفترض أن يكون صباحاً عادياً في مدينة جنين. فبعد ليلة لم تعكر صفوها اقتحامات الجيش الإسرائيلي أو عمليات الاغتيال والمداهمات، دبّت الحركة في أرجاء المدينة. سار الموظفون والعمال والطلبة إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم كما يفعلون كل صباح، وشرّعت المحال التجارية أبوابها إيذاناً ببدء يوم جديد. بيد أن الدقائق القليلة التي تلت حملت فصلاً دامياً آخر من فصول المدينة الحزينة.

لا أحد ممن شقوا طريقهم في شوارع جنين ذاك الصباح كان يعلم أن ساعة الصفر لعملية عسكرية إسرائيلية موسعة في المدينة كانت قد دنت، وأن الدقائق القليلة التالية ستحيل الشوارع والطرقات والبنايات المحيطة إلى ساحة حرب مفتوحة. كانت قوة إسرائيلية خاصة قد تسللت داخل سيارة تحمل لوحة فلسطينية، وعمدت بنشر فرق من القناصة فوق عدد من الأبنية والعمارات تمهيداً لتحرك عسكري في المنطقة.

بعد الساعة الثامنة بقليل، شرَعت القوة الخاصة رفقةَ القناصة بإطلاق الرصاص على «كل ما يتحرك أمامها»، بحسب ما روى شهود، فقتلت على الفور 7 من سكان المدينة، بينهم تلميذان ومعلم وطبيب جراح.

محمود خرج لتقديم امتحاناته فقتله قناص قرب مدرسته

أحد التلميذين كان محمود حمادنة (15 عاماً)، طالب في الصف التاسع. غادر بيته في الصباح الباكر رفقة شقيقه التوأم للالتحاق بالمدرسة قرب مخيم جنين، وتقديم امتحانات آخر العام الدراسي. بصوت مختلج وبعينين مثقلتين بألم الفقد، يقول والد محمود المفجوع بخسارة نجله إنه اتصل به فور انطلاق صفارات الإنذار في المخيم، فأجابه أنه وصل المدرسة مع شقيقه. يضيف: «حينها شعرت بالاطمئنان على أنهما بخير».

سكان مخيم جنين يشيعون ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

بيد أن الاقتحام الإسرائيلي المفاجئ أحدث إرباكاً كبيراً في مؤسسات المدينة كافة، ما دفع المسؤولين إليها لاتخاذ إجراءات الإخلاء والطلب من الطلاب والموظفين والعاملين العودة إلى منازلهم خشية تفاقم الأوضاع، وتجنباً لسيناريوهات الحصار التي سبق أن تعرضوا لها في اجتياحات سابقة، ما استدعى تدخل «الصليب الأحمر» ومنظمات دولية لإفساح المجال أمام عودة الطلاب إلى منازلهم.

يروي والد الطفل محمود تفاصيل تلك اللحظات الثقيلة، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، يقول: «تفاجأت بعودة شقيق محمود وحيداً إلى البيت... حاولت الاتصال به، لكن هاتفه لا يجيب إطلاقاً. كررت الاتصال أكثر من 15 مرة دون رد». كان محمود في الأثناء قد شقّ طريقه عائداً إلى منزله على دراجته الهوائية. وما أن غادر بوابة مدرسته حتى عاجله قناص إسرائيلي اعتلى إحدى البنايات القريبة بـ5 رصاصات اخترقت صدره ورأسه.

«اتصلت مجدداً، فأجاب أحدهم وقال لي إن صاحب الهاتف موجود في المستشفى. لم يعرف اسمه. قال إنه وصل مصاباً»، يستذكر والد محمود التفاصيل بحرقة وألم شديدين، مضيفاً: «فقدت عقلي حين علمت أن ابني قد أصيب... توجهت سريعاً مع زوجتي إلى المستشفى. قدت السيارة بسرعة كبيرة... كانت القوات الخاصة منتشرة في المنطقة حولنا، أطلق قناص النار باتجاهنا... وصلنا المستشفى وأنا أعتقد أن ابني مصاب، فوجدته قد استشهد. لم ألحق به، كان قد فارق الحياة».

إسرائيل تطيل أمد عملياتها داخل الضفة

كانت صافرات الإنذار تدوي في أرجاء مخيم جنين، فيما انتشرت عناصر الكتائب العسكرية الفلسطينية لاتخاذ مواقعها في الشوارع والميادين بعد اكتشاف أمر الوحدة الإسرائيلية الخاصة، فاندلعت اشتباكات عنيفة، ترددت أصداؤها في أرجاء المدينة.

آثار الدمار الذي طال البنى التحتية الرئيسية في مخيم جنين أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

في الأثناء، تقدمت أرتال من المركبات العسكرية الإسرائيلية، ترافقها جرافات ثقيلة، وتحوم فوقها طائرات مسيرة، نحو من مداخل المدينة، التي لطالما مثلت معقلاً رئيسياً للعمل الفلسطيني المسلح في الضفة الغربية طيلة عقود مضت، تزامناً مع إعلان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن البدء في عملية عسكرية موسعة في جنين بهدف القضاء على مقاتلين فلسطينيين.

لم يحمل بيان الجيش الإسرائيلي تفاصيل حول العملية الجديدة، إذ لم يعلن الجيش هدفاً واضحاً للعملية ولم يضع سقفاً زمنياً محدداً لها أسوة بمرات سابقة. مثّلت العملية وحجم القوات المشاركة فيها - الذي قدّرت بأكثر من ألف جندي، وكذلك تحركاتها وتمركزاتها على الأرض، واحتلالها عدداً من المنازل والبنايات، ناهيك عن فرضها حصاراً محكماً على المخيم - تطوراً في استراتيجية الجيش الإسرائيلي في جنين ومدن شمال الضفة الغربية بشكل عام، وتحولاً في شكل العمليات من الاقتحامات الليلية والمطاردات الساخنة التي تمتد لساعات، إلى عمليات موسعة تمتد لأيام.

شوارع جنين... اشتباكات وانفجارات وسحب سوداء

كان فريق «الشرق الأوسط» ذاك الصباح قد وصل إلى مشارف جنين في مهمة معدة مسبقاً لرصد واقع المدينة بعد أشهر من الحرب الممتدة في غزة. تزامن وصولنا لمداخل المدينة مع بدء العملية العسكرية الإسرائيلية وتصاعد القتال فيها.

خلت الشوارع تماماً إلا من صوت الرصاص ودوي الانفجارات المتتالية التي تخلّفها العبوات الناسفة واستهدافات الجيش وضرباته. غطت سحابة سوداء سماء المدنية التي لم تفارقها الطائرات المسيرة. فيما أغلقت المحال أبوابها، ولاذ السكان إلى بيوتهم. أضحت الشوارع والأزقة والحارات ساحة حرب مفتوحة بين المقاتلين الفلسطينيين ووحدات الجيش المدعومة بالقناصة والمتحصنة في عربات مصفحة.

فلسطيني وسط مدينة جنين خلال اقتحام القوات الإسرائيلية أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

فرض الجيش حصاراً على المخيم، أو كما يسميه «عش الدبابير»، ومنع حركة الدخول أو الخروج منه، وقطع إمدادات الكهرباء والاتصالات، حتى بات بقعة معزولة عن العالم الخارجي. مَنعت المركبات العسكرية دخول سيارات الإسعاف لإخلاء الإصابات أو الحالات المرضية، بل أطلقت النار عليها، كما منعت وصول الطواقم الصحافية للمنطقة، فيما شرعت الجرافات العسكرية في تجريف عدد من الشوارع والميادين وهدم بنى تحتية حيوية.

تواصلت العملية العسكرية الإسرائيلية 48 ساعة قبل انسحاب القوات منها، لنتمكن بعد ذلك من دخول المخيم وحاراته، ولتتكشف أمامنا آثار المعركة في المدينة ومخيمها.

ترك الرصاص بصمةً واضحةً على جدران المنازل والمتاجر بين الأزقة الضيقة، فيما تركت الحرائق علاماتها على بعض نوافذ البيوت والمساكن المتلاصقة في مساحة ضيقة لا تزيد عن 0.42 كيلومتر مربع، يسكنها نحو 12 ألف نسمة. بدا نصيب بعض البيوت الأخرى أكبر، إذ لحقها دمار كبير بعد أن قامت الوحدات الإسرائيلية بنسفها وتسويتها بالأرض. كذلك ألحقت الجرافات العسكرية دماراً بالشوارع والميادين والبنى التحتية التي طالتها أعمال تجريف لم تتوقف طيلة اليومين الماضيين.

الحاضنة الاجتماعية... هدف للعمليات العسكرية

كان الجيش الإسرائيلي صعّد من عملياته مؤخراً، التي تطول البنى التحتية الحيوية في المدينة والمخيم، إذ باتت هدفاً رئيسياً للاعتداءات الإسرائيلية، في مسعى، كما يرى السكان هنا، للضغط على الحاضنة الشعبية للكتائب المسلحة ومعاقبتها. ويرى جمال حويل، عضو «المجلس الثوري» لحركة «فتح» والمقاتل السابق إبّان معركة جنين عام 2002، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن إسرائيل تسعى عبر سياسات التدمير والتجريف لضرب الحاضنة وربط دعمها للعمل المسلح بمشاهد الدمار والخراب.

آثار الدمار الذي طال البيوت في مخيم جنين أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

يقول: «نحن ندرك من تجربة طويلة جداً منذ عام 2002 حين دخل الاحتلال إلى مخيم جنين في أكبر معركة بعد عام 1967، ودمّر 1200 بيت وقتل العشرات في المخيم، أن الاحتلال يركز على الانتصار على الوعي الفلسطيني. وبالتالي يركز على الحاضنة الاجتماعية حتى تصبح المعادلة أمامها، المقاومة تقابل الخراب»، مضيفاً: «لكن هذه الحاضنة الشعبية تدرك أن المقاومة هي من تحضر العزة والكرامة والحرية، رغم الدمار الذي يحدثه هذا العدو».

ضحايا جنين... الأعلى في الضفة الغربية

منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول)، كثّف الجيش الإسرائيلي من عملياته العسكرية في جنين ومدن الضفة الغربية. ونفذ الجيش أكثر من 70 اقتحاماً لجنين منذ اندلاع الحرب في غزة، قتل خلالها أكثر من 142 فلسطينياً، ما يمثل الحصيلة العليا لعدد الضحايا في الضفة الغربية، الذي تجاوز 540 قتيلاً، فيما بلغت أعداد الجرحى 5200، كما اعتقل الجيش أكثر من 8000 فلسطيني.

الطواقم الطبية تنقل إصابات خلال اقتحام الجيش الإسرائيلي لمدينة جنين في مايو الماضي (الشرق الأوسط)

كما دفع الجيش بالطيران الحربي لميدان حربه في جنين لأول مرة منذ الانتفاضة الثانية، إذ شنّ عدداً من الغارات على أهداف في المدينة ومخيمها، طالت عدداً من المقاتلين في «كتبة جنين» التابعة لـ«سرايا القدس» الجناح العسكري لـ«حركة الجهاد الإسلامي».

الضفة... جبهة خارج حسابات الهدنة

تظل جبهة الضفة الغربية ساحة غير مشمولة بحسابات ومفاوضات الهدنة وترتيبات وقف إطلاق النار المرتقبة في غزة، ما يثير مخاوف عميقة لدى الفلسطينيين بأن الفترة المقبلة قد تحمل مزيداً من فصول التصعيد. هذه المخاوف تعززها تصريحات الوزيرين في حكومة نتنياهو، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، التي توعدا فيها بنقل مجريات الحرب في غزة إلى الضفة الغربية.

فور انتهاء معركة الساعات الثماني والأربعين الأخيرة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تحدثت «الشرق الأوسط» مع مقاتلي كتيبة جنين. قال لنا أحد قادتها إن هذه المعركة جاءت مختلفة عن سابقاتها، إذ شهدت «تكتيكاً عالياً ودقيقاً» من مقاتلي الكتيبة الذين باتوا يلجأون أكثر من السابق، في مواجهة القوات الإسرائيلية، للكمائن والعبوات الناسفة المزروعة، التي أظهرت تطوراً في فاعليتها، مقارنة بالمراحل السابقة. الأمر الذي أثار قلقاً عميقاً لدى الدوائر العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وصعّد من وتيرة المداهمات والاستهدافات للبنية التحتية للكتائب المسلحة ومعامل العبوات والمتفجرات.

مسلحون من "كتيبة جنين" خلال تشييع جثامين ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية في مايو الماضي (الشرق الأوسط)

وأضاف أن الكتيبة لم تتلقَّ خسائر في صفوفها خلال هذه الجولة، مشيراً إلى أن «جميع الشهداء الذين سقطوا كانوا من المدنيين، ولم يفلح المحتل في قتل أو إصابة أي من عناصر الكتيبة»، ما يعكس تحولاً في عمل المقاتلين على الأرض خلال الاقتحامات الإسرائيلية وتكيفاً مع معطيات القتال، الذي يعتمد فيه الجيش على الوحدات الخاصة والقناصة، وكذلك على الغطاء الجوي.

وأشار الشاب إلى أن الحرب الدائرة في المخيم امتدادٌ للحرب في غزة ولعملية «طوفان الأقصى»، موضحاً أن المواجهة مع الجيش الإسرائيلي ارتفعت وتيرتها منذ 7 أكتوبر. ويضيف أن وحدات من الجيش كانت قاتلت في غزة، باتت تقاتل اليوم في جنين: «هذا باعترافهم وشهادات جنودهم بأن بعض قوات الجيش التي كانت تقاتل في غزة، واكتسبت خبرة هناك، تم استدعاؤها للدخول لمخيم جنين. والفرق بين ما قبل 7 أكتوبر وبعده هو عدد القوات التي تدخل إلى المخيم، ناهيك عن تصاعد ضربات الطيران والقصف وأعداد الآليات».

عمليات الجيش... من «جزّ العشب» إلى «الحسم الشامل»

تكاد العمليات التي تمتد لأيام تكون جولات «استطلاعية» لعمليات أوسع وأطول أمداً، تهدف من خلالها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى بسط سيطرتها الأمنية بشكل أوسع على الضفة الغربية، وتضييق الخناق على الفصائل المسلحة التي تنشط في المدن والبلدات والمخيمات. وشرعت القوات الإسرائيلية مؤخراً في تصعيد مداهماتها وضرباتها على البنى التحتية للكتائب، وكذلك على بعض مصادر تمويلها. كما شنَّ الجيش سلسلةً من المداهمات لمحال الصرافة وتحويل الأموال، ونفّذ اعتقالات بحقّ بعض العاملين فيها، وزاد من وتيرة استهدافاته لمعامل تصنيع العبوات الناسفة. وتواصل جرافاته إزالة «الخطوط الدفاعية» على مداخل المخيمات من سواتر ترابية وأحجار إسمنتية لتأمين دخول وحدات الجيش لمناطق أعمق داخل المخيم.

دوريات إسرائيلية في شوارع جنين مايو الماضي (الشرق الأوسط)

وتعكس مجريات العمليات الإسرائيلية تبدلاً في سياسة «جز العشب» التي أطلقها الجيش الإسرائيلي قبل عامين بهدف ملاحقة المجموعات المسلحة واغتيال أو اعتقال قادتها وعناصرها، إلى التوجه اليوم نحو استراتيجية تحمل مؤشرات بالمضي لـ«الحسم الشامل».

كانت الضفة الغربية شهدت أكثر من 460 عملية إطلاق نار واشتباك منذ بداية العام الحالي، استهدفت قوات الجيش والمستوطنين، وأوقعت 13 قتيلاً وعشرات الإصابات.

مخيم نور شمس... محاكاة للتدمير في غزة

بات السكان في مخيم نور شمس للاجئين في مدينة طولكرم، شمال الضفة الغربية، يطلقون عليه اسم «غزة الصغرى»، إذ يشهد المخيم الواقع شرق المدينة تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً، ارتفعت وتيرتُه مع اندلاع الحرب في غزة، كثّفت خلاله إسرائيل من هجماتها عليه خلال الشهور الماضية، مخلفة دماراً كبيراً في أحيائه وأزقته الضيقة.

وما أن وصلنا مدخل المخيم حتى بدأت تتكشف مشاهد الدمار. لحق الدمار والخراب بواجهات البيوت والمحال التجارية المطلة على الشارع الرئيسي المقابل للمخيم، والواصل بين مدينتي طولكرم ونابلس. داخل المخيم، سلكنا طريقاً ترابية وعرة خلّفتها أعمال التجريف نحو حارة المنشية وسط المخيم. بدت بيوت الحارة وبناياتها أثراً بعد عين. حفرت الجرافات الإسرائيلية في قلب المخيم بقعة ترابية واسعة تكسوها أكوام من الركام وجدران البيوت المهدمة، فاقتلعت هنا مربعات سكنية كاملة، وهجَّرت سكانها، في استدعاء لسياسة التدمير الواسع في غزة.

تقول نهاية الجندي، إحدى سكان المخيم وعضو لجنة الخدمات الشعبية، لـ«الشرق الأوسط»، بينما وقفت وسط بقعة ترابية فارغة على أنقاض بيوت حارة المنشيّة، التي سوّتها الجرافات الإسرائيلية بالأرض، وأحالت مجمعات سكنية كانت تأوي 40 أسرة إلى ركام، إن حال مخيم نور شمس «شبيه بحال غزة، وأطلق عليه اسم غزة الصغرى، وذلك بسبب تدمير مجمعات سكنية كاملة».

وتضيف الجندي: «الفرق بيننا وبين غزة هو وجود جثث تحت الأنقاض. نخشى أن يتم تدمير البيوت هنا على رؤوس ساكنيها. فنحن أمام نفس الحال ونفس الوجع ونفس الفقدان، ونفس المأساة ونفس التدمير وتفجير البنيان... هذه غزة رقم 2».

آثار الدمار الذي طال البيوت والمتاجر في مخيم جنين (الشرق الأوسط)

في أبريل (نيسان) الماضي، في عملية عسكرية امتدت 3 أيام، حاصرت القوات الإسرائيلية المخيم وقطعت عنه إمدادات المياه والكهرباء والاتصالات ، وشرعت الجرافات العسكرية من طراز «D-9» و«D-10» في قضم بيوت حارة المنشية المتراصة وتسويتها بالأرض، بينما كان بعض سكانها داخل بيوتهم، فشقّت شارعاً واسعاً لدخول الآليات العسكرية والجنود فوق أنقاض البيوت.

وتلاحق إسرائيل «كتيبة طولكرم» التي تنشط في المخيم، وتضم عناصر من «سرايا القدس» الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، وكذلك «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس»، وكذلك «كتائب شهداء الأقصى» التابعة لحركة «فتح».

وتصاعدت في الآونة الأخيرة أعمال التجريف التي ترافق الاجتياحات الإسرائيلية، التي يقول الجيش عنها إن هدفها إبطال العبوات المزروعة على جنبات الطرق والأزقة وهدم التحصينات البدائية للكتائب الفلسطينية، بيد أن حجم الدمار والخراب التي تخلّفه أعمال التجريف التي تطول البنى التحتية الحيوية والمنشآت المدنية من بيوت ومدارس وغيرها، تعكس سياسة عقاب جماعي تطول سكان المخيمات.

تشير الأرقام الرسمية الفلسطينية وأرقام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «أونروا» إلى أن نحو 2000 بيت في المخيم لحقَ بها دمار كليّ أو جزئي، ما يمثل نحو نصف عدد البيوت في المخيم. واضطر سكان البيوت المدمرة، ولا سيما تلك التي سوّتها الجرافات بالأرض، إلى النزوح خارج المخيم واللجوء لمساكن مؤقتة لحين إعادة إعمار بيوتهم، وهو ما يبدو الأفق أمامه غير واضح المعالم، في ضوء التحديات المالية التي تواجه «أونروا»، وكذلك السلطة الفلسطينية، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وأعمال الهدم والتجريف التي طالت سابقاً بيوتاً جرى ترميمها وإصلاحها، ما يجعل مسار إعادة الإعمار معقداً وشائكاً ورهناً بتطورات الأوضاع على الأرض.

شبح التهجير يقفز للواجهة

تدفع هذه التطورات في المخيمات بشبح التهجير إلى الواجهة، إذ تخشى أوساط فلسطينية واسعة من اتساع رقعة العمليات العسكرية والإسرائيلية وتصاعد وتيرة الهدم والتدمير والتجريف للبيوت والمنشآت، ما قد يخلق مشاهد من النزوح القسري، ويمثل شروعاً فعلياً بتنفيذ سياسة اقتلاع المخيمات وإفراغها من السكان. يترافق ذلك مع سياسات توسيع الاستيطان في الضفة وتسريع مخططات الضم، كما يتوافق مع «خطة الحسم» الذي وضعها وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، إذ يدعم كثير من الشواهد الملموسة على الأرض هذه المخاوف من تصاعد حدة الهجمات الإسرائيلية في المخيمات، وخلق واقع جديد فيها لصالح مشاريع الاستيطان والتوسع.

وتشير الأرقام الفلسطينية إلى أن عدد المنشآت التي تم هدمها في الضفة الغربية منذ عام 2023 تجاوز 1100 منشأة، ما أسفر عن تشريد أكثر من 4300 شخص، وهو ما يمثل زيادة بنحو 5 أضعاف، مقارنة بعام 2022 الذي بلغ فيه عدد المهجرين 700 شخص.

أبو رامي من سكان حارة المنشية بمخيم نور شمس يتفقد منزله الذي هدمته الجرافات الإسرائيلية في مايو الماضي. (الشرق الأوسط)

ويروى أبو رامي، من سكان حارة المنشيّة المدمرة، لـ«الشرق الأوسط»، اللحظات الصعبة التي عاشها هو وعائلته حين تقدمت الجرافات الإسرائيلية نحو بيته الذي تسكنه 3 عائلات وشرعت بعمليات الهدم والتجريف، بينما كان السكان بالداخل. يقول: «لو بقينا داخل البيت لسقطت جدرانه علينا. دخلت الجرافات وشرعت بهدم هذا الجزء من البناية التي تسكنها 3 عائلات»، مشيراً بيده نحو غرف البيت الذي قضمته الجرافات وأحالته خراباً.

نزح الرجل الستيني مع عائلته وأبنائه خارج المخيم لحين تأمين عودتهم. يتحسر على ما حلّ ببيته وحارته، قائلاً: «نرجو الله أن تنفرج الأمور، وألا نبقى مشتتين هنا وهناك... فبعد خسارة البيت، ما قيمة حياتنا؟»