دولت بهشلي.. سياسي تركيا العجوز ولغزها المحيِّر

عقّد الحياة السياسية بـ«لاءاته» وعارض النظام الرئاسي.. ثم أصبح أول مروّج له

دولت بهشلي.. سياسي تركيا العجوز ولغزها المحيِّر
TT

دولت بهشلي.. سياسي تركيا العجوز ولغزها المحيِّر

دولت بهشلي.. سياسي تركيا العجوز ولغزها المحيِّر

بعدما عُرف رئيس حزب الحركة القومية التركي المعارض دولت بهشلي بـ«رجل اللاءات» الذي تسبّب في تعقيد المشهد السياسي في البلاد، وجعلها تعيش صيفًا مضطربًا بعد انتخابات السابع من يونيو (حزيران) 2015، التي خسر فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم للمرة الأولى فرصة تشكيل الحكومة منفردا، أطل بوجه «توافقي» مختلف تمامًا عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرضت لها تركيا منتصف يوليو (تموز) الماضي.
وتحوّلت سياسات بهشلي إلى لغز محيّر عقب انتخابات يونيو 2015، فبدلاً من أن يبادر حزبه إلى تقديم الرؤى والمشاريع السياسية والحلول للمشكلات المستعصية، عمد إلى انتهاج سياسة سلبية تقوم على ردود الفعل، وتتمركز حول العداء الصريح المعلن لشخص رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان، وتحميله مسؤولية كل شيء، وانتقاده بأسلوب يخلو من اللباقة والدبلوماسية، مما دفع إردوغان إلى الرد بالمثل.
رفع الزعيم القومي التركي دولت بهشلي «لاءاته» الشهيرة بعد انتخابات يونيو العامة التركية، وهي: لا للمشاركة في حكومة ائتلافية، سواء مع حزب العدالة والتنمية أو مع غيره من الأحزاب الأخرى؛ ولا لتشكيل حكومة أقلية مؤقتة تسير شؤون البلاد إلى حين إجراء الانتخابات المبكرة؛ ولا للمشاركة في أي تشكيل حكومي يكون حزب الشعوب الديمقراطي طرفًا فيه.
ثم أدهش بهشلي، السياسي العجوز المخضرم، الذي عاني خلال ما يقرب من عام من صراعات داخل حزبه تمكّن من التغلّب عليها في النهاية بالإطاحة بخصومه الذين نازعوه على رئاسة الحزب، وفي مقدمتهم نائبته ميرال أكشنار، الشارع التركي بمواقفه الإيجابية منذ محاولة الانقلاب. فمنذ ذلك الحين، ساير حزب العدالة والتنمية في خطواته لوقف التهديدات التي تتعرّض لها تركيا، وأيد فرض حالة الطوارئ ثم تمديدها، والأبعد من ذلك تأييده للنظام الرئاسي، ومطالبة نواب حزبه في البرلمان بالاستفتاء عليه.
وإذا كان هذا ليس بغريب على الحركة القومية، بوصفه حزبًا يدافع عن القومية التركية، إلا أن ما بدا غريبا حقا هو الدوران العكسي لزعيم الحزب بهشلي، الذي تسبب في عرقلة تشكيل حكومة ائتلافية عقب انتخابات يونيو 2015 بسبب رفضه فكرة النظام الرئاسي الذي طالب به رجب طيب إردوغان من أجل توسيع سلطاته.
وكان بهشلي قد دخل في معارك وتلاسن حاد مع إردوغان منذ بدأ الحديث عن النظام الرئاسي بشكل كثيف في عام 2013، وشكّل جبهة مع حزب المعارضة الرئيسي (الشعب الجمهوري) وعدد آخر من الأحزاب للدفع بمرشح توافقي في انتخابات الرئاسة في أغسطس (آب) 2014، في محاولة لمنع إردوغان من الفوز بها، وقدّموا الرئيس السابق لمنظمة التعاون الإسلامي الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو مرشحًا منافسًا لإردوغان، فضلا عن رئيس حزب الشعوب الديمقراطي الكردي صلاح دين دميرتاش الذي دخل مرشحًا ثالثًا، ولكن فاز إردوغان في نهاية المطاف بنسبة 52 في المائة من أصوات الناخبين.
النظام الرئاسي كان سببًا رئيسيا لحالة من الانقسام السياسي والاستقطاب المجتمعي في تركيا، لذلك سعى رئيس الوزراء السابق الدكتور أحمد داود أوغلو لإسقاطه من أجندة حزب العدالة والتنمية في حملة الدعاية للانتخابات المبكرة التي أجريت في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، والتي استعاد فيها الحزب الحاكم غالبية مكّنته من تشكيل الحكومة، لكنها لم تمكنه من الانفراد بالقرار في البرلمان.
في هذه الانتخابات التي طالب بها بهشلي منذ البداية، خسر حزبه نسبة كبيرة من أصواته، ولم يحصل إلا على 40 مقعدًا من مقاعد البرلمان، وأصبح ترتيبه الرابع بين الأحزاب الممثلة في البرلمان، خلف أحزاب العدالة والتنمية والشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي، وذلك بسبب التعنّت وسياسة الـ«لاءات» التي اعتمدها بهشلي في هذه الفترة.
جديد بهشلي
الجديد الذي أذهل الرأي العام والوسط السياسي والمتابعين للشأن التركي، كان تصريح دولت بهشلي، الأسبوع قبل الماضي، حول إمكانية الذهاب إلى استفتاء شعبي فيما يخصّ النظام الرئاسي والدستور الجديد. وجاء ذلك في لقاء صحافي عقده بهشلي في مركز حزب الحركة القومية، وأجاب فيه عن الأسئلة المتعلقة بآخر المستجدات المحلية. وبعدها، أعلن رئيس الوزراء بن علي يلدريم أن حكومته ستتقدم قريبا إلى البرلمان بمشروع دستور جديد يتضمن النظام الرئاسي، وأن ذلك لا يسبب أية مشكلة بينه بوصفه رئيسًا للحكومة والرئيس رجب طيب إردوغان بوصفه رئيسًا للجمهورية، وأنه أوضح منذ البداية أن حكومته ستعمل على تطبيق النظام الرئاسي، وستسير على منهج الزعيم التاريخي للحزب رجب طيب إردوغان. ومن ثم، قدم يلدريم الشكر إلى بهشلي لدعمه.
ويوم الاثنين الماضي، التقى يلدريم وبهشلي لإجراء مزيد من النقاش حول النظام الرئاسي والدستور الجديد، وعاد بهشلي ليدعم من جديد الاستمرار في النقاشات حول النظام الرئاسي والدستور الجديد، قائلا: «علينا أن نرى أولا النص الذي سيُقدم إلى البرلمان من قبل اللجان التي كلفت بهذا الأمر؛ منذ زمن والمباحثات جارية في هذا الصدد.. تركيا بحاجة ماسة إلى صيغة جديدة متفق عليها في ظل التطورات العالمية الحالية».
وأكد بهشلي ضرورة إنهاء المباحثات والجدل الدائر حول النظام الرئاسي والدستور الجديد، من خلال الصيغ الجديدة التي من الممكن الاتفاق حولها، موضحا أن «رؤية حزب الحركة القومية تتلخص في إيجاد صيغة من شأنها أن تعطي الأولوية للوطن، وكذلك من شأنها أن تسهم في حل المشكلات التي تعترض تركيا». واعتبرت الأوساط السياسية في تركيا أن بهشلي أعطى بهذه التصريحات الضوء الأخضر لإمكانية الذهاب إلى استفتاء شعبي على الدستور الجديد الذي سيتضمن النظام الرئاسي.
خلافات المعارضة
الموقف الجديد لبهشلي فتح زاوية للخلاف في أوساط المعارضة التركية، بعدما انتقد بشكل غير مباشر موقف حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، الذي انضوى بعد فشل محاولة الانقلاب تحت مظلة التوافق وروح التضامن التي حدثت في تركيا، لكنه أراد ألا يتخلى عن دوره بوصفه حزبا معارضا وظيفته توجيه النقد للسياسات والقرارات التي يرى أنها لا تنسجم مع رؤيته. إذ قال بهشلي: «نحن عبرنا عن موقفنا. وفي النهاية، كلّ يتبنى الروح التي يريدها، ومن لا يريد أن يتبنى تلك الروح أسأل الله أن يسهل طريقه».
وهذا الموقف من جانب بهشلي عرضه لانتقادات حادة من جانب حزب الشعب الجمهوري، إذ ردّت المتحدثة باسم الحزب سيلين ساياك بوكيه على انتقادات الزعيم القومي العجوز لرئيس الحزب كمال كليتشدار أوغلو، واصفة التحول الكبير لحزب الحركة القومية، ورئيسه بهشلي، من التعنت في رفض النظام الرئاسي والتوافق بين الأحزاب عقب انتخابات يونيو 2015 إلى الترويج للنظام الرئاسي حتى قبل أن تفتح الحكومة هذا الموضوع، وفتحه الباب أمامها لعرضه على البرلمان، بأن «الحركة القومية بات مثل إطار السيارة البديل (الاستبن) لحزب العدالة والتنمية الحاكم، يستعان به في وقت الأزمات». وعندما سئل بهشلي عن تعليقه على هذا الوصف، قال: «كان على زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو الردّ على هذا التصريح».
وأوضح بهشلي أن لحزبه مبادئ وأهدافا وغايات خاصة به، وليس بحاجة لأن يكون «استبنًا» لحزب آخر يستعين به وقت الأزمات، ولفت إلى أن أي فهم مختلف لموقف حزبه هو فهم خاطئ، موضحًا: «عندما يخرج أحدهم ويتحدث بصفته الناطق لحزب الشعب الجمهوري، وينعتنا بهذه النعوت، على زعيم الحزب كمال كليتشدار أوغلو أن يعطي الرد اللازم».
غالبية الثلثين
جدير بالذكر أن الموافقة على أي تعديل دستوري في البرلمان مباشرة تحتاج إلى غالبية ثلثي أعضاء البرلمان (367 صوتا من بين 550 هو عدد مقاعد البرلمان)، ومن أجل طرح تعديل الدستور في استفتاء شعبي هناك حاجة لموافقة ثلاثة أخماس أعضاء البرلمان (330 صوتا)، يملك حزب العدالة والتنمية 317 مقعدا (بما فيها مقعد رئيس البرلمان إسماعيل كهرمان). ولذلك، فهو يحتاج إلى دعم أحزاب أخرى لإجراء أي تعديل للدستور أو طرح التعديل في استفتاء شعبي.
ولهذا السبب، تحمّس إردوغان وحزب العدالة والتنمية بعدما طرح بهشلي - الذي يرأس حزبا يملك 40 مقعدا في البرلمان - هذه الفكرة.
في المقابل، قوبل تصريح بهشلي بانتقادات من حزبي المعارضة الكبيرين الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي، واعتبر كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أن حزب الحركة القومية «عقد صفقة سرية مع حزب العدالة والتنمية في خطوة معادية للديمقراطية»، بينما قال إدريس بالوكين، نائب رئيس حزب الشعوب الديمقراطي الذي يركّز على مشكلة الأكراد، إن حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية «يحاولان جرّ تركيا إلى الديكتاتورية».
ونتيجة لردود الأفعال هذه، قال المتحدث باسم حزب الحركة القومية إرجان أكتشاي، إن تصريحات بهتشلي أسيء فهمها، مشددا على أن بهشلي لم يقل إن حزب الحركة القومية يدعم النظام الرئاسي، وأن الحزب في الواقع يدعم تعزيز النظام البرلماني في تركيا. لكن التصريح المفاجئ لبهشلي أشعل فتيل الأزمة من جديد، بعد أن قال مصطفى شينتوب، رئيس اللجنة الدستورية في البرلمان العضو البارز في حزب العدالة والتنمية، إن إجراء الاستفتاء قد يكون ممكنا في ربيع عام 2017، كما قال وزير العدل بكير بوزداغ: «إذا وافق حزب الحركة القومية، يمكننا تغيير النظام في تركيا في مطلع عام 2017». والآن، في حين يسري في كواليس حزب الشعب الجمهوري أن رئيس الحزب كمال كليتشدار أوغلو طلب من نوابه التأهب لإجراء انتخابات مبكرة في شهر أبريل (نيسان) 2017، يرى مراقبون أن بهشلي يرمي من وراء خطوته إلى تعزيز مكانة حزب الحركة القومية مرة أخرى على الساحة السياسية بعد الخسائر التي لحقت به في الانتخابات البرلمانية في نوفمبر من العام الماضي. ومن ثم، تقديم وجه مختلف للناخب التركي الذي اعتبر بهشلي وحزبه عقبه في طريق الاستقرار السياسي في البلاد.
كذلك يسعى الزعيم القومي إلى إعادة تأكيد قوته، واستعادة موقع الحزب على الخريطة السياسية في تركيا، بعد ما لحق به من أزمات، وبعدما استطاع أن يتخلص ممن كانوا ينازعونه سلطته، ويريدون اعتلاء منصب الرئيس عبر الدعوة إلى مؤتمر عام استثنائي للحزب، وإجراء انتخابات جديدة على منصب الرئيس، لكنه تمكن من التغلب عليهم، وأحالهم إلى مجلس التأديب بالحزب الذي قرر فصلهم.
وللعلم، كانت أبرز عقبة أمام بهشلي في إحكام قبضته على الحزب نائبته ميرال أكشنار التي كانت تتمتع بشعبية واسعة في صفوف الحزب، والتي قادت جناحًا معارضًا، إلا أن الأمر انتهى بطردها من الحزب بقرار من المجلس التأديبي في أعقاب نجاح بهشلي بتفكيك هذا الجناح المعارض، لتقود المعركة منفردة.
واعتبرت أكشنار أن قرار طردها من الحزب لا أصل قانونيًا له «لأنه اتخذ من قبل إدارة ذات مشروعية مثيرة للجدل لا وجود لها في ضمير الشعب التركي»، من وجهة نظرها، ملوّحة إلى أنها ستلجأ للقضاء.

بهشلي في سطور
- ولد دولت بهشلي في الأول من يناير (كانون الثاني) 1948، في بلدة بهشة بمحافظة عثمانية، في جنوب تركيا، لعائلة غنية تنتمي أساسًا إلى حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك وعصمت إينونو.
- اختار في شبابه الانضمام إلى الحركة القومية التي تزعمها إلب أرسلان توركيش.
- تخرج في أكاديمية العلوم الاقتصادية والتجارية بجامعة أنقرة، عام 1971، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد من معهد العلوم الاجتماعية بجامعة غازي (أو الغازي).
- عمل في الجامعة نفسها أستاذا محاضرًا حتى عام 1987.
- لم يتزوج حتى اليوم، وهو يتمتع بشخصية جادة قوية بعيدة عن الفساد.
- كان أستاذًا جامعيًا عندما دعاه إلب أرسلان توركيش، زعيم حزب العمل القومي (الحركة القومية، الآن)، ليكون أحد قيادات الحزب. وبعد وفاة توركيش عام 1997، تسلّم قيادة الحزب.
- لمع نجمه في انتخابات 1999، عندما أحرز الحزب نجاحًا كبيرًا، وفاز بنسبة 18 في المائة من الأصوات، ودخل البرلمان في المركز الثاني، حاصلا على 129 مقعدا.
- شارك الحزب في الائتلاف الحاكم، مع حزب اليسار الديمقراطي وحزب «الوطن الأم»، وعيّن بهشلي وزيرًا ونائبًا لرئيس الوزراء
- يحسب ضده مشاركته في الائتلاف الحاكم الذي عاشت البلاد في عهده أزمة اقتصادية طاحنة، ومعارضته لمنح الأكراد الحريات الثقافية، وموقفه المناهض لعضوية الاتحاد الأوروبي.



تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».


الأردن يواجه خشونة الحرب بنعومة التصريحات الرسمية

عناصر من الشرطة الأردنية تفرض إجراءات أمنية قرب السفارة الأميركية في عمّان أمس (إ.ب.أ)
عناصر من الشرطة الأردنية تفرض إجراءات أمنية قرب السفارة الأميركية في عمّان أمس (إ.ب.أ)
TT

الأردن يواجه خشونة الحرب بنعومة التصريحات الرسمية

عناصر من الشرطة الأردنية تفرض إجراءات أمنية قرب السفارة الأميركية في عمّان أمس (إ.ب.أ)
عناصر من الشرطة الأردنية تفرض إجراءات أمنية قرب السفارة الأميركية في عمّان أمس (إ.ب.أ)

تزدحم فضاءات العاصمة الأردنية عمّان بأسئلة حول مخاطر الحرب المشتعلة بين إيران بمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل والتحالف الدولي. وتشمل أسئلة الحرب وما تفرضه من تحديات على الأردن، سؤال غياب الشعور العام بمستوى الخطر المتساقط على الأراضي الأردنية. وبعكس يوميات الحرب المستعرة، فإن السلوك العام محلياً، لا يشي بالشعور بالخطر، على الرغم من متابعة المواطنين لفيديوهات تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي تتضمن مشاهد من سقوط شظايا الصواريخ والمسيَّرات الإيرانية التي تسقطها الدفاعات الجوية الأردنية. وفي حين تتحفظ الحكومة في كلامها عن مخاطر الحرب والتعامل مع «سيناريوهات» المُدد وحجم التأثير على الاقتصاد الأردني، الذي ما زال يعاني من آثار أزمات متراكمة - مع استمرار ارتفاع معدل البطالة ونسب الفقر في البلاد - طالبت أوساط بوضع الرأي العام في صورة الآثار الاقتصادية المترتبة على الحرب، وبالذات، على صعيد أسعار الطاقة والسلع والخدمات الأساسية المرشحة للارتفاع في ظل ارتفاع أجور النقل والتأمينات على البضائع.

«يسحب الأردن من رصيد مخزونه الاحتياطي بالطاقة»، وفق مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط». وهذا الرصيد الذي قارب على النفاد سيتطلّب من الحكومة الأردنية، بعد أسابيع، شراء الطاقة بأسعار الحرب، وهو ما على جيب المواطن تحمّله فوق الأعباء الحياتية التي يقاسيها راهناً.

تطمينات... وتشاؤم

عند السؤال عن «كواليس» الإدارة اليومية للشؤون الأردنية خلال أيام الحرب، فإن الرسميين ينقسمون بين «مبالغ في التطمينات، ومتشائم من حيث التوقعات». وفي هذا المجال، فإن الكلام الرسمي عن ملف الإدارة اليومية للشأن المحلي للتقليل من آثار الحرب وتداعياتها، لا يأخذ مساحة كافية في الإعلام الأردني.

المتفائلون من الجانب الحكومي، يحتاطون على خبرات سبق اكتسابها إبّان سنوات أزمة جائحة «كوفيد - 19». إذ نجح الأردن في تأمين سلاسل توريد الغذاء والطاقة؛ الأمر الذي خفّف جانباً مهماً من تداعيات أزمة انقطاع خطوط النقل براً وبحراُ وجواً. أما المتشائمون من الخط الرسمي، فوضعوا في حساباتهم معطيات تُفيد بأن التعامل مع الآثار الاقتصادية الصعبة للحرب، قد يكون على حساب التوسّع أكثر في الاقتراض، وزيادة عجز الموازنة العامة خلال السنوات المقبلة.

ليلة التساؤلات ... وما بعدها

كان مطلع مارس (آذار) الحالي لافتاً لجهة تطورات كشفت عنها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط». ففي ليلة الرابع من مارس، ظلت صافرات الإنذار تدعو المواطنين للحذر، وكانت الأنباء الآتية من السفارة الأميركية في عمّان مثار ترقب وقلق، وبالأخص بعد المطالبات بـ«إخلاء المبنى من موظفيه»، وأيضاً دعوات الحذر للمواطنين المقيمين في محيط السفارة مع «ضرورة التعامل بجدية مع حالات الطوارئ المؤقتة».

وبالفعل، وجّهت مديرية الأمن العام المواطنين القاطنين في محيط السفارة في عمّان، عند سماع صفّارات الإنذار، أخذ الاحتياطات وإجراءات السلامة الوقائية. وجاء البيان الأمني لـ«أول مرة» محملاً بتفاصيل مواجهة أي خطر محتمل لسقوط أجسام متفجرة.

وطلبت الجهات الأمنية من المواطنين البقاء في المنازل إلى حين زوال أي تهديد (سماع الصّفّارة الواحدة غير المتقطّعة). كما طالبت بإغلاق النوافذ والابتعاد عنها. وناشدت الجهات الأمنية سائقي المركبات ركن المركبات على الفور والتوجه إلى أقرب مبنى والاحتماء بالقرب من السلالم لحين انتهاء التهديد.

مطالبات الجهات الأمنية غير المسبوقة هذه أثارت تساؤلات جدية حول التهديدات القادمة من محاولات طهران لبث الفوضى على جبهات متعددة. وفي حين اعتبر الأمن العام الأردني أن هذه «الإجراءات الوقائية الاحتياطية تأتي حرصاً على السلامة العامة ولا تستدعي الهلع بين المواطنين»، ترك الحال قلقاً واسعاً لدى متابعين ما زالوا يبحثون في «مسألة حالة عدم الاكتراث لدى جمهور المواطنين».

وفي تفاصيل تلك الليلة، قالت مصادر «الشرق الأوسط» إن الأردن استطاع إسقاط نحو 9 صواريخ والعديد من المسيَّرات، في ليلة استهداف السفارة الأميركية في منطقة عبدون وسط العاصمة. وهي حادثة كادت أن تتسبب بكارثة بسقوط ضحايا مدنيين، وهو ما يخشاه الأردن الرسمي.

في تلك الليلة لم تسارع الدفاعات الجوية الأميركية للرد على الاستهداف الإيراني لتجمعات سكانية بذريعة ضرب المصالح الأميركية في المنطقة. وقيل حينذاك إن سبب «تراجع» قدرة الدفاعات الأميركية كان استهداف رادار في شرق المملكة لمنظومة صواريخ «الثاد» الدفاعية. لكن الدفاعات الجوية الأردنية تصدت بـ«كفاءة عالية للعدوان الإيراني»، حسب مصدر رسمي رفيع.

في الليلة نفسها، تلقى الملك عبد الله الثاني اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وناقش الاتصال المستجدات في المنطقة وتداعياتها على أمن واستقرار الإقليم والعالم، وجدد الملك رفض الأردن التام للاعتداءات الإيرانية على أراضيه وعلى عدد من دول المنطقة. وكذلك ناقش الاتصال، حسب مصادر، التداعيات الخطرة للعدوان الإيراني وتطورات العمليات على الأرض.

الموقف الأردني

الأردن تمسك بموقفه القاضي بـ«عدم السماح بخرق أجوائه، وأنه لن يكون ساحة حرب، وأن أمن المملكة وسلامة مواطنيها فوق كل اعتبار». وهو تكرّر على لسان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في غير مناسبة. غير أن العدوان الإيراني على أهداف محددة على الأراضي الأردنية، ما زال مستمراً وسط كفاءة الدفاعات الجوية التي نجحت في إسقاط معظم أهدافها خارج حدود التجمعات السكانية في قرى ومحافظات المملكة.

في المقابل، دأبت طهران على التحرش بالأمن الأردني على مدى العقود والسنوات الماضية. وجرى إحباط محاولات عدة لمجموعات كانت تسعى للتسلل وتنفيذ عمليات تخريبية، خصوصاً خلال السنوات الـ15 الأخيرة، بعد الاستفادة من وجود عناصر من «حزب الله» اللبناني الذي كان نشر ميليشيات له داخل مناطق الجنوب السوري، أيام النظام السوري السابق.

هذا، وجددت المصادر في كلامها لـ«الشرق الأوسط» أن الأردن الرسمي «أخذ احتياطات دفاعية لمواجهة أي تهديد إيراني». ولا سيما، أمام التصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة منذ بدء «حرب 7 أكتوبر (تشرين الأول)» والعدوان على غزة، وبعد انتصار الارادة العسكرية على المساعي الدبلوماسية في ملف المفاوضات بين طهران وواشنطن.

جبهات على حافة الانفجار

من الملاحظ، أن توجّهات مركز القرار السياسي وأذرعه الإعلامية، لا تريد نشر المخاوف من خطر العدوان الإيراني الذي لا تزال تصفه بـ«الاعتداء». وإذا كان المقصود إيصال رسائل إيجابية للرأي العام لجهة الثقة بقدرة المؤسسات على إدارة الأزمات الكُبرى، فمن جهة أخرى، يبدو واضحاً ضعف البيانات الرسمية في نقل صورة عن مسرح العمليات العسكرية في مناطق وجود القوات الأميركية في البلاد شرقاً وجنوباً. وكذلك، تعريف مستوى الخطر من مشهد تدافع بعض المواطنين عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيَّرات الجاري تفجيرها في سماء المملكة.

من جهة ثانية، يتفاقم الخطر عند الحدود الشمالية مع سوريا، فعدد عمليات التسلل وتهريب المواد المخدّرة يرتفع. وتشير الاتهامات الرسمية بوضوح لوراثة تصنيع المخدرات ورعاية ميليشيات التهريب من النظام السابق إلى جماعات مسلحة في منطقة السويداء. وهذا يشير إلى احتمال استمرار حالة الطوارئ على الجبهة الشمالية في ظل حمايتها من الجانب الأردني فقط على طول حدود يبلغ (370 كلم).

من جهة ثانية، فإن الحدود الأردنية الشرقية مع العراق على طول (181 كلم) تشهد تهديداً جدياً من ميليشيات بعضها منخرط في «الحشد الشعبي»، وتخمينات بأن ميليشيات عراقية شيعية تسعى لاستهداف الأمن الأردني بذريعة إسناد طهران في معركتها في مواجهة «الشر الأكبر».

وبالتالي، يتابع الأردن الرسمي من كثب التحركات على الحدود الشرقية. وسط استعدادات استثنائية للرد على أي خطر محتمل آت من العراق وميليشياته التي تهدد الأمن الأردني منذ عام 2003، وسط تراجع واضح في مستوى الاتصالات السياسية بين البلدين خلال الفترة الماضية.

أما عن الحدود الغربية مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن الأردن الرسمي يتابع بدقة تطورات السياسات الإسرائيلية في ضم المزيد من الأراضي المحتلة، وتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية بالحواجز الإسرائيلية، والتضييق المستمر على حياة الفلسطينيين اليومية.

ويُدرك الفاعلون في القرار الرسمي الأردني أن تل أبيب تريد فرض أمر واقع غير قابل للإزالة. وهي الممارسات الإسرائيلية نفسها في سوريا ولبنان كذلك، وسط تمدد للنفوذ الإسرائيلي على حساب الحقوق المشروعة لـ«دول الطوق».

ويتمسك الأردن بمخاوفه من استثمار تل أبيب في الحرب والدعم الأميركي لها في زيادة رقعة الفوضى واللا استقرار في المنطقة، لا سيما وأن الحرب الدائرة تسببت بأضرار كبيرة لمصالح دول عربية. وهذا ما يتيح لحكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو التمادي في سياساتها التوسعية وضرب مصالح الجوار.تقدير المخاطر... وحسابات مدد الحرب

وفي مشهد يعكس جانباً من التباين في مواقف مؤثرين في مراكز القرار الأردني، بدا واضحاً انسحاب الحضور العسكري من الإعلام المحلي وتقدّم الحكومي الرسمي في التصريحات. وهذا، رغم ضعف الثقة في أي رواية رسمية مدنية، بعكس أي رواية عسكرية صادرة عن القوات المسلحة (الجيش العربي).

الواقع أن العسكريين لا يرغبون في الظهور الإعلامي، لكنهم يحذّرون بشكل غير مباشر من «غياب الدقة في وصف الوضع الأمني معلوماتياً والعسكري عملياتياً»؛ ما يتسبب بتشويش للرأي العام، وسوء فهم لطبيعة التحديات الماثلة.

ومنذ 28 فبراير (شباط) الماضي، موعد بدء الضربات الأميركية لإيران، لم يظهر أي مسؤول عسكري إلا يوم 7 من الشهر الحالي، حين ظهر العميد مصطفى الحياري، مدير الإعلام العسكري، في إيجاز صحافي قدم خلاله إحصاءات للأجسام الصاروخية والطائرات المسيَّرة التي جرى تدميرها في سماء المملكة، وكان إلى جانبه الناطق باسم مديرية الأمن العام عامر السرطاوي.

وعلى عكس الرأي الحكومي إزاء بث رسائل تطمين وتهدئة للجبهة الداخلية، فإن هناك رغبة أمنية في تعريف مستويات الخطر خلال أيام الحرب، ووضع الرأي العام بصورة التطورات حسب جميع «السيناريوهات» المقبلة.

إذ إن حسابات «تقدير المخاطر» عسكرياً تستوجب التعامل بصراحة مع الرأي العام، في ظل احتمالات طول أمد الحرب، وقدرة طهران في الوصول لأهدافها ومنها الأردن، ومستوى الخطر القادم من احتمالات ضرب إيران لمنشآت حيوية أردنية في العاصمة عمّان أو العقبة، المنفذ البحري الوحيد للمملكة، واستهدافها حياة مواطنين.

ملف الأسعار... والتململ الشعبي

في هذه الأثناء، قفزت أسعار السلع والمواد التموينية. وبذريعة فتح باب التصدير للخضراوات والفواكه الأردنية، سجلت الأسعار ارتفاعاً كبيراً دفع البعض للتساؤل عن الرقابة الرسمية على الأسواق في ظل الظروف السائدة.

إن المشكلة تتفاقم محلياً لعدم انعكاس التصريحات الرسمية في مسألة المخزون الغذائي في البلاد واستقرار أسعار السلع. لكن في المقابل، تفتح سياسة السوق الأبواب لاستغلال بعض التجار للفوضى، وافتعال سياسات رفع أسعار متواترة تغدو أمراً واقعاً حتى بعد هدوء الأوضاع.

وبينما تسعى الحكومة لضمان توافر السلع الأساسية، فإن ظروف الحرب واحتمالات استمرارها لفترة أطول، قد تغير الوضع. أي تدفع الحكومة إلى مواجهة الشارع الذي لا تمكنه ظروفه الاقتصادية من الاستجابة لفوضى ارتفاع الأسعار أمام ثبات الدخل واستقراره عند حدود متدنية.

أيضاً، ملف الطاقة وأسعارها مصدر قلق رسمي. فمزوّدو الغاز المنزلي حذّروا مواطنين من ضرورة أخذ الاحتياطات اللازمة لاحتمال نقص إمدادات الغاز المنزلي. وبالتزامن، بدأ تجار رفع اسعار خدماتهم تبعاً للأسعار الجديدة وليس التزاماً باسعار المخزون الاحتياطي.

وأخيراً، يزيد من المخاوف السابقة، انشغال الرأي العام بتعديلات قانون الضمان الاجتماعي، الذي يهدد مستوى معيشة الأسر الأردنية. ويحدث هذا وسط رفض شعبي للتعديلات الحكومية ومطالبات ضاغطة تدفع مجلس النواب لرفض القانون والتصويت ضده. وبالفعل، قصة «تحويشة» الأردنيين ومستقبل أموال الضمان الاجتماعي ملف، بحد ذاته، يحظى بمتابعة أكثر من ملف الحرب. الأردن متمسك بموقفه القاضي بـ «عدم السماح بخرق أجوائه وأنه لن يكون ساحة حرب»

تعاون عسكري أردني ــ أميركي بموجب اتفاقية 2021

> لا ينكر الأردن الرسمي الوجود العسكري الأميركي على أراضيه. ففي يناير (كانون الثاني) 2021 وقَّع الأردن اتفاقية لتعزيز الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة؛ لتسمح تلك الاتفاقية باستخدام القوات الأميركية مرافق عسكرية أردنية ضمن جهود مكافحة الإرهاب. وعلى الرغم من الهجوم الذي شنه حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذراع السياسية لجماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة في المملكة، على الاتفاقية آنذاك، فإن مصدراً رسمياً رفيعاً قال لـ«الشرق الأوسط» إن «المزايا الدفاعية التي تقدمها الولايات المتحدة للأردن تصبّ في خانة المصالح الأردنية الأمنية العليا». وفي طليعة الاعتبارات استمرار التهديدات الأمنية القادمة عبر الحدود الشمالية مع سوريا منذ نحو 15 سنة، وعبر الحدود الشرقية مع العراق منذ 23 سنة. مصادر خاصة أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن الوجود العسكري الأميركي في الأردن إنما هو «لغايات دفاعية وليست هجومية»، على الرغم من نشر تقارير وصور تؤكد وجود أسلحة هجومية في قاعدة جوية عسكرية واحدة على الأقل في البلاد. وهو ما أشار إليه أيضاً شهود عيان. وللعلم، لا يقتصر الوجود العسكري الأجنبي في المملكة على الوجود الأميركي. فهناك أيضاً قوات فرنسية وبريطانية وألمانية، جميعها تحضر ضمن جهود التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. ودار كلام عن إسناد جوي بريطاني قدّم خدمات أمنية مهمة خلال أيام الحرب الحالية ضد إيران التي اندلعت بنهاية فبراير (شباط) الماضي.


العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».