تفاصيل انقلاب الغويل على المجلس الرئاسي الليبي

قادة في الشرق ودعوا «اتفاق الصخيرات».. والسراج يتحدى ويتجول في طرابلس

مقاتلون من مصراتة انتقلوا إلى سرت لمقاتلة داعش وتركوا مواقعهم في طرابلس ما أدى إلى استغلالها من خصوم السراج
مقاتلون من مصراتة انتقلوا إلى سرت لمقاتلة داعش وتركوا مواقعهم في طرابلس ما أدى إلى استغلالها من خصوم السراج
TT

تفاصيل انقلاب الغويل على المجلس الرئاسي الليبي

مقاتلون من مصراتة انتقلوا إلى سرت لمقاتلة داعش وتركوا مواقعهم في طرابلس ما أدى إلى استغلالها من خصوم السراج
مقاتلون من مصراتة انتقلوا إلى سرت لمقاتلة داعش وتركوا مواقعهم في طرابلس ما أدى إلى استغلالها من خصوم السراج

حدث كل شيء بشكل مفاجئ. جلس الدكتور عبد الرحمن السويحلي، رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية، عدة ساعات ينتظر اتصالا للاطمئنان على رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فايز السراج، لكنه لم يتصل. يوجد انقلاب في طرابلس. كان ذلك مساء يوم الجمعة الماضي. مرت أوقات عصيبة. ثم بدأت رياح الانقلاب تهدأ رويدا رويدا. وبعدها ظهر السراج وهو يتجول في شوارع العاصمة، رغما عن قوات الانقلابيين التي كانت تقف على الجانب الآخر.
في اليومين التاليين ظل الحديث عن «الانقلاب» مستمرا وسط شائعات عن اختفاء السراج من طرابلس، بينما كان الرجل، ذو القامة الطويلة، يتجول في العاصمة متحديا. زار مقر وزارة الداخلية قرب طريق المطار، وشارك في تخريج دفعة جديدة لضمها إلى جهاز الشرطة. وفي رده على أسئلة «الشرق الأوسط» يقول الدكتور العارف الخوجة، وزير الداخلية، إن حكومة الوفاق تزاول أعمالها، ووزراؤها في مواقعهم. ويعد الخوجة ضمن مجموعة الوزراء في حكومة السراج. ويضيف أن الأمور في طرابلس «بوضعها المعتاد». والحكومة «تعمل من مقراتها وبشكل هادئ ولا يوجد قلق».
كان الهدف من «انقلاب الجمعة الماضي» إعادة حكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الغويل، المدعومة من بقايا أعضاء المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق). ووقف الغويل وعدد من أعضاء المؤتمر على المنصة وقال وسط شعور بنشوة العودة إلى ساحة التجاذب السياسي، إنه يمد يده إلى الحكومة المؤقتة المنبثقة عن البرلمان الحالي (مقره في شرق البلاد)، وهي برئاسة عبد الثني، من أجل تشكيل حكومة من الطرفين. وهنا اتضح أن ما حدث في طرابلس كان هدفه إقصاء السراج وحكومته المقترحة من حوار الصخيرات الذي رعته الأمم المتحدة لمدة نحو عامين.
من أهم الشخصيات التي ظهرت من مخرجات هذا الحوار، السراج والسويحلي. وبدأ التحرك ضدهما من فريق متشدد يدعم المؤتمر الوطني وحكومة الغويل. فريق على خصام مع البرلمان الحالي الذي يعقد جلساته في طبرق وعلى خصام مع قائد الجيش الوطني خليفة حفتر. ومع ذلك يقول إبراهيم عميش، رئيس لجنة العدل والمصالحة في البرلمان، لـ«الشرق الأوسط» إنه يجري في الوقت الحالي فتح مجالات للحوار الجاد مع المؤتمر الوطني وحكومة الغويل. وقد يكون هناك حوار ليبي - ليبي صرف بينهما، سواء يعقد في طرابلس أو أي عاصمة من عواصم الدول المجاورة.
على كل حال يبدو أن عودة الغويل استفزت ميليشيات طرابلسية ومصراتية تناصر مجلس السراج الرئاسي. توجد حالة من التحفز والتربص. لوحظ زيادة في عدد المسلحين وظهور أسلحة ثقيلة في زوايا الطرق وشاحنات تقل مقاتلين في الشوارع، إضافة إلى تحركات في اتجاه طرابلس من جانب ميليشيات يقودها زعماء من مصراتة.
يكشف مصدر أمني ليبي لـ«الشرق الأوسط» عن أن التخطيط لعملية «الانقلاب» بدأت قبل إعلانها يوم الجمعة الماضي بنحو أسبوعين. تحرك تحت جنح الليل ما لا يقل عن 300 مقاتل بمعداتهم من أطراف طرابلس وجرى توجيههم للتمركز قرب وسط العاصمة ومنطقة قصور الضيافة والفندق الذي يتخذه بعض قادة المجلس الرئاسي مقرا للعمل اليومي. هناك يوجد مكتب السويحلي. أما مكتب السراج وعدد من نوابه فموجود في قاعدة بوستة البحرية على شاطئ طرابلس. وفي اليوم التالي تحركت مجاميع مسلحة أخرى في طريق الهضبة.
وبينما كانت مكاتب «رجال الصخيرات» مشغولة بتطورات الحرب ضد تنظيم داعش في سرت، كانت خطة الانقلاب عليهم تمضي في صمت. ساعد على ذلك انشغال ميليشيات موالية للسراج في الجبهة. في تلك الأثناء بدأ التواصل من جماعة الغويل مع قادة لمجاميع متخصصة في حراسة مقار السراج لضمها إلى العملية في ساعة الصفر. ظهر أن الفرصة ستكون مواتية.
بدأ النشاط عبر شوارع رئيسية وضواحٍ وكأن الأمر لا يزيد عن عملية إعادة انتشار لبعض عناصر الميليشيات. في بعض المناطق كان يجري نقل أسلحة ومقاتلين بسيارات مدنية خاصة (صالون) حتى لا تثير الانتباه. عبر الخرائط والرصد جرى التأكد من سلاسة انتقال مركبات المشاركين في «الانقلاب»، وتحديد مواقع الخصوم والمقاومين المحتملين.
حين أعلن الغويل عن عودته على شاشات التلفزيون، بدأ رجال السراج في البحث عن رئيسهم. أين هو الآن؟ هل غادر البلاد؟ هل ما زال في القاعدة البحرية في أبو ستة؟ لقد انقلب الغويل، ابن مدينة مصراتة، وعاد بحكومته للواجهة بعد أن كانت قد اختفت في الظل منذ قدوم السراج إلى طرابلس في مارس (آذار) الماضي. وقال السويحلي، وهو ابن مدينة مصراتة أيضا: «لقد تلقينا طعنة من الظهر»، وفقا لمصدر مقرب منه. وهو يعتقد أن ما قام به الغويل لا يمكن أن يحدث إلا بضوء أخضر من قوى غربية. وساد اعتقاد مماثل بين قادة ميليشيات مصراتية منخرطة في حرب «داعش» في سرت.
أميركا ودول غربية أخرى، إضافة إلى المبعوث الخاص من الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر، نددوا بما قام به الغويل، لكن الواقع الآن هو أن رئيس «حكومة الإنقاذ أثار زوبعة كبيرة»، كما يقول أحد قيادات مجلس السراج. ومع أن الحركة الانقلابية لا يبدو أنها أصابت المجلس الرئاسي ورجاله في مقتل، إلا أن الغويل وعددا من أعضاء المؤتمر الوطني يقومون في الوقت الحالي بغزل خيوط اللعبة السياسية، بعد نقضها. وفتحوا شهية القيادات الموجودة في شرق البلاد، ومعظمها قيادات مناوئة للسراج، لبدء الحوار من الصفر. ويقول عميش: «اتفاق الصخيرات انتهى».
جاء كل شيء بشكل لم يتوقعه كثير من أنصار السراج، مع أن أحد هؤلاء القادة يقول لـ«الشرق الأوسط»: كنا نعلم أنه يوجد تحرك ما.. كنا نتوقع حدوث شيء.. لكن، كما ترى، شوارع طرابلس الآن هادئة والسيد السراج وحكومته يواصلون العمل. ما جرى في الحقيقة «فرقعة إعلامية» وليس انقلابا بالمعنى الحرفي للكلمة. الناس في خارج البلاد يعتقدون أن «الحرس الرئاسي» قوات ضخمة، بينما أغلبهم مجرد مجموعات لشبان تحت التدريب.
لقد بدأ تحرك الموالين للغويل مع مساء الجمعة. كانت دورياته تجوب شوارع المدينة التي يعيش فيها نحو مليوني ليبي في ظروف عصيبة بسبب التدهور الاقتصادي والأمني. تقف مع الغويل، الذي تولى مسؤولية حكومة الإنقاذ منذ 2014 شخصيات تكره البرلمان، وتكره المشير حفتر. لهذا يبدو مستقبل إجراء أي مصالحة جديدة في البلاد أمرا بعيد المنال. إلا أن عميش يقول إنه توجد مشتركات للتوافق، مع إبعاد مسألة الخوض في الأسماء الجدلية عن المفاوضات المتوقعة.. «نحن لا نتحدث مع المؤتمر الوطني عن شخص ولكن عن مؤسسة عسكرية.. والبلاد في أمس الحاجة لهذه المؤسسة».
ومن جانبه يسعى رجال في المجلس الرئاسي لمعرفة ملابسات ما جرى. بدأ التحقيق في الأمر في الوقت الراهن. قبل «الانقلاب» بأيام أغلق رئيس المخابرات في العاصمة، هاتفه، واختفى عن الأنظار. لم يظهر في طرابلس. ربما كان في إجازة. لكن حين أعلنت حكومة الإنقاذ عن نفسها، بدأ كل طرف من أطراف المجلس الرئاسي يبحث في الموضوع. عموما يدرك من تعرضوا للخدعة أن تصرفات من بعض القادة لم تكن طبيعية.
هناك تساؤل آخر يطرح نفسه لدى شخصيات معتبرة في المجلس الرئاسي عما إذا كان أحد كبار المسؤولين المهمين في الحرس الرئاسي الموالي للسراج، قد التقى بمبعوث غربي في دولة مجاورة لليبيا قبل يوم واحد من «الانقلاب». لقد انضم الحرس الرئاسي لحركة الغويل. بيد أنه توجد إجابة مغايرة تقول إن هذا المسؤول غادر يوم الخميس الماضي البلاد بالفعل لكن لعلاج زوجته وإنه لا يوجد ما يؤكد أنه التقى بأي مبعوث غربي. على كل حال يبدو أن جميع التساؤلات مطروحة على طاولة بوستة هنا.
في لحظة معينة يمكن العودة إلى تفاصيل لم يكن في وسعك مراقبتها في خضم الأحداث اليومية الكثيرة. الآن يوجد معنى لرسالة بعث بها من خارج البلاد، قيادي ليبي في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان. أخبر فيها مكتب السويحلي، ظهر يوم الجمعة، أن هناك أمورا غير طبيعية تجري تحت الأرض في طرابلس. كانت إجراءات «الانقلاب» على المجلس الرئاسي تجري في الخفاء على قدم وساق. قاربت على الاكتمال. وقتها كان رد القائمين بشؤون مجلس الدولة أنه ليس هناك شيء وأنه لا أحد يمكنه أن يقوم بهكذا تحرك. حتى لو كان مكتب السويحلي قد أخذ هذا التحذير على محمل الجد، فإن الوقت كان قد فات.
قيادات المجلس الرئاسي وباقي القيادات المعاونة كانوا حتى يوم الجمعة ما زالوا يخوضون في مناقشات جدلية عن الحرب التي يشنونها ضد «داعش»، وما فيها من مشاكل. اتهامات تتطاير في وجوه عدد من الزعماء. كل الطاقات موجهة إلى سرت لا إلى طرابلس. غرفة عمليات «البنيان المرصوص»، وهي تجمّع من كتائب وميليشيات معظمها من مصراتة، تقاتل «داعش» في سرت منذ مايو (أيار) الماضي مشغولة بتقارير تأتي من الجبهة عن تزايد قوة التنظيم المتطرف رغم الضربات الأميركية ورغم كثرة قتلى محاربي مصراتة.
أكثر ما كان يشغل قادة «البنيان المرصوص» تقارير وردت فجر يوم الجمعة.. يوم الانقلاب نفسه. هذه مجرد حلقة في سلسلة تثير غضب المحاربين على الجبهة، لأن التقارير تشير إلى تعرض قواتهم لضربات من القوات الأميركية نفسها، وقول الأميركيين في كل مرة إنها كانت على سبيل الخطأ. في فجر ذلك اليوم أيضا تعرضت مجموعة من مقاتلي «البنيان المرصوص» لهجوم على جبهة «داعش» أسفر عن مقتل 40 وإصابة ما يزيد عن 100 بجروح.
أصبحت خلافات قادة مصراتة تتزايد. تفكير ومناقشات تدور كلها حول تدهور وضع الحرب. الغضب كبير. أخذ بعض القادة يزعق طالبا من السراج الاتصال بالولايات المتحدة لكي يتم وقف تدخلها في الحرب ووقف مساعدتها لـ«البنيان المرصوص»، لأن وجود الطائرات الأميركية في سماء سرت يأتي بنتائج عكسية.
على أرضية المجلس الرئاسي المشوشة، نسّق «الانقلابيون» مع كوادر من «القوة المتحركة» إحدى القوات الرئيسية التي يعتمد عليها مجلس السراج في العاصمة. جاء المساء والكل ينتظر ساعة الصفر. الكل يخشى انكشاف العملية. يقول مصدر مقرب من الغويل: «كنا حريصين على أن كل شيء يسير بسلاسة. كان هناك يأس من جدوى السراج ومجلسه.. لا توجد مرتبات ولا أمان ونزيف الخسائر في سرت لا يتوقف».
في المقابل يشير مصدر في ميليشيات طرابلس إلى خلافات أكثر عمقا تتعلق بمن يملكون السلاح على الأرض في المنطقة الغربية من ليبيا. على سبيل المثال هناك من بين الموالين للغويل، رجل يشغل عضوية المؤتمر الوطني. كان الرجل زميلا لعبد الحكيم بلحاج، الرئيس السابق للمجلس العسكري لطرابلس، وكان زميلا له أيضا في الجماعة الليبية المقاتلة التي تأسست في ثمانينات القرن الماضي في أفغانستان. لهما سنوات من العمل القتالي المشترك في الجبال. الآن يبدو أنهما على خلاف وفقا للمصدر نفسه.
ويقول: منذ دخول السراج إلى طرابلس كرئيس للمجلس الرئاسي، ومعه نواب بعضهم من الإخوان ووزراء بعضهم من الجماعة المقاتلة، بدأت الخلافات تدب بين الرجلين. انحاز بلحاج إلى السراج، وأصبح يميل أكثر إلى التعاون مع جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمها الدولي، ويقيم معظم الوقت خارج البلاد.
أما زميله القديم، الذي أشرف على معظم خطة «الانقلاب» الأخير، فكان معارضا لمجلس السراج منذ البداية، وكان يتحين الفرص للخلاص منه. وتمكن في الأسابيع الأخيرة من جمع شتات الجماعة الليبية المقاتلة، واستقطاب قيادات دخلت في خلافات مع بلحاج، وهي قيادات تمتلك قوات تتمركز في طرابلس وخارجها. جرى جمع هذه القوات وتحريكها في مناطق معيتيقة وغوط الشعال والقبة السماوية وميدان الشهداء.
بعد صلاة ظهر الجمعة رجع أهالي العاصمة إلى بيوتهم سريعا كما اعتادوا أن يفعلوا منذ تأزم الموقف في العاصمة في الشهرين الأخيرين. الشوارع هادئة. استمر انتشار قوات «الانقلابيين». جنود قوات الحرس ينتظرون الأوامر للسيطرة على مقار المجلس الرئاسي ومجلس الدولة، سواء التي تحت إمرتهم بالفعل أو تلك الموجودة تحت حراسة قوات أخرى. جرى التنسيق مع غالبية الأطراف.
مسؤول في مجموعة «الانقلابيين» يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه، وقبل أن يتم الإعلان عن عودة الشرعية (أي الانقلاب) تأكدت الأطراف أنه لن تكون هناك أي مقاومة، مشيرا إلى أن الغويل جلس في ثقة وهز ساعته في معصم يده وطلب شرب كوب من العصير. وقال المصدر نفسه: سأل أحد الضباط الغويل: سيدي.. هل تشعر بالتوتر؟ فقال مستنكرا: التوتر.. لا يوجد توتر.. كل شيء يسير وفقا للخطة بالضبط.. مثل هذه الساعة. حتى من كنا نخشى من ترددهم رحبوا بالفكرة. ويريدوننا.
ثم سأله مرة أخرى عن الموقف المتوقع من الدول الغربية، فطلب منه الغويل أن يطمئن، في إشارة إلى أن كل شيء محسوب حسابه. ثم أفرغ الكوب ووضعه على المنضدة كأنه يضع بيدق الحسم في لعبة شطرنج.
وفي الجانب الآخر يبدو أن الرسالة «الإخوانية» العاجلة التي وصلت من خارج البلاد لمكتب السويحلي، لكي يأخذ حذره من تحرك للغويل والمؤتمر الوطني، جرى التعامل معها كالتالي، وفقا لرواية مصدر يعمل مع الرجل الذي يعد حفيدا لأحد زعماء مصراتة التاريخيين: «أي غويل، وأي مؤتمر وطني.. الأمور محسومة. المجتمع الدولي يقف مع المجلس الرئاسي ولا يمكن لأي مغامر أن يخرج ليدمر اتفاقيات رعتها الأمم المتحدة. حربنا في سرت محط اهتمام العالم».
قبل ساعات من إعلان «الانقلاب» كان العضو الليبي في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، ما زال يبحث عن الدكتور محمد صوان، رئيس حزب العدالة والبناء الإخواني. وأبلغ عددا من رجاله في مكتب الحزب بضرورة التواصل معه لـ«أمر هام». لكن جرى إخطاره بأن هاتف صوان مقفل. يقول المصدر: كانت هناك محاولات حثيثة على ما يبدو من بعض الداعمين الإقليميين لجماعة الإخوان في ليبيا ولمجلس السراج الرئاسي، بأن يأخذوا حذرهم من انقلاب قادم.. «حتى مساعد صوان في الحزب، واسمه منعم، كان هاتفه مغلقا في هذا الوقت الحرج».
برقيات الإخواني الدولي لم تكن تشير إلى علمه بساعة الصفر. مجرد حالة هلع في لحظات أخيرة تدل على أن الوقت أزف ولا بد من التصدي لـ«الانقلاب»، لكن لم يكن هناك من يتلقى هذه التحذيرات. كما يقول المصدر، مضيفا: «باختصار.. في توقيت معين بدا المجلس الرئاسي وحيدا لا يدخل إليه خبر ولا يخرج منه خبر».
وقرب طريق الشط وأثناء مروره بأحد المقرات التابعة للمجلس الرئاسي في حدود الساعة الرابعة عصرا لاحظ مساعد لنائب رئيس المجلس الرئاسي، أحمد معيتيق، عدم وجود قوات الحراسة في مكانها المعتاد. يقول مصدر مطلع على ما جرى إنه تم إبلاغ معيتيق بالأمر فطلب من مساعده الاتصال برئيس قوة الحراسة، لمعرفة سبب اختفاء الحراس، فأخبره أن هاتفه لا يرد، وأنه لا توجد مؤشرات على وجود أي قلق. ويضيف: لكن معيتيق بدأ يشعر بقلق حقيقي حين بدأ يجري، بنفسه، اتصالات برجاله ولا يرد عليه أحد من المخابرات ومن الحرس الرئاسي.
وبحلول الساعة الخامسة والنصف تقريبا كان يبدو أن مكتب السراج قد تلقى أخيرا معلومات بوجود تحرك ضده في طرابلس لا ينبغي التعامل معه إلا بكل جدية. لكن كل ما كان يمكن عمله في تلك اللحظات الأخيرة هي أن يطلب من مساعده، ويدعى مروان، أن يجمع له أوراقه المهمة من مكتبه في قاعدة أبو ستة، ويضعها في مكان آمن. هذا ما حدث بحسب مصدر مقرب من المجلس الرئاسي، مشيرا إلى أنه في هذه الدقائق الصعبة كان السويحلي، هو الآخر، قد أحيط علما بأن «الواقعة قد وقعت»، وأن الإعلان عنها سيكون بعد دقائق و«لا شيء يمكن عمله لوقفها».
أما معيتيق، فيوضح المصدر أنه في تلك الدقائق كان ما زال يحاول التواصل مع المخابرات والحرس الرئاسي أو مع قيادات القوة المتحركة لكن لم يرد عليه أحد إلا بعد أن بدأت قوات المؤتمر الوطني والغويل تفرض سيطرتها على شوارع طرابلس. وجاءته الأخبار تترى وكل منها أسوأ من الآخر. يقول المصدر إن معيتيق، وهو من مصراتة وقريب للسويحلي، بدأ يرد في لهجة غاضبة على رجاله الذين خانوه: «هل هذا هو الطريق الذي اخترتموه.. حسنا. سنرى العاقبة».
بشكل عام كان هناك شعور بالمرارة وشعور بالمؤامرة. كان المجلس الرئاسي يضع يده على الطعنة التي أصابته من الخلف. كما أن الحدث كان شديد الوطأة على قيادات ذات أصول مصراتية، لأن الغويل نفسه يعد من أبناء المدينة. كما أن القوات التي يعتمد عليها السويحلي إما أنها انضمت إلى «الانقلابيين» أو أنها تحارب «داعش» في سرت أو أنها تستعد لشن حرب على الجيش في بنغازي انطلاقا من تمركزاتها في منطقة الجفرة جنوبا.
أما في طرابلس فكانت القوات الموالية للغويل تواصل الهيمنة على مقار للمجلس الرئاسي دون مقاومة تذكر. واقتحمت مكتب السويحلي. بعد الساعة السابعة مساء بتوقيت طرابلس كان كل شيء قد انتهى. وفقا لمصدر عسكري أدى انقلاب الغويل إلى شق صفوف مصراتة ذات القوة العسكرية الكبيرة، وهي في معمعة الحرب على «داعش».
يعتقد بعض القادة العسكريين أن أكثر القوى التي يمكن أن تسهم في وضع نهاية للانقسام في طرابلس بين مجلس السراج وحكومة الغويل هي القوات المعروفة بـ«لواء الصمود» التي بدأت في حشد عناصرها في اتجاه العاصمة، بالإضافة إلى الميليشيات الطرابلسية، مثل «قوات كاره» و«قوات التاجوري». ولا يوجد اتفاق أصلا بين مثل هذه المجاميع المسلحة. وهناك خصوم آخرون لكل هؤلاء، من بينهم خلايا «داعش» النائمة في العاصمة، وقوات من يطلق عليهم «المداخلة» الذين يعملون كجهاز شرطي مستقل، وغيرهم من ميليشيات يمكن أن تنحاز لهذه الكفة أو تلك.
ومع ذلك تجاوز السراج سريعا ما حدث الجمعة. ظهر يوم الاثنين عبر شوارع العاصمة وهو في طريقه إلى مقر وزارة الداخلية، حيث استقبله عدد من قادة الوزارة. وقال في كلمته التي ألقاها على خريجين جدد إن هناك إجراءات قضائية لضبط وإحضار «المارقين» الذين قاموا باقتحام مقرات للدولة. يسعى السراج على ما يبدو، حاليا، لإعادة هيكلة الوزارات سريعا لتلافي تكرار ما حدث.
من جانبه يوضح وزير الداخلية، الدكتور الخوجة، قائلا في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن «حكومة التوافق الوطني المقترحة تعمل، والأمور طبيعية.. تعمل من مقراتها وبشكل هادئ ولا يوجد قلق». ويضيف: «نحن نضع أمام أعيننا بسط الأمن في طرابلس وتوفير الأمن للمواطنين وهذه من الأولويات.. وكل يوم نتقدم وننجح».



القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني