التشكيلي الهندي بوبن كاكار.. توظيف السيرة في اللوحة

«تيت مودرن» في لندن ينظم له معرضًا استعاديا

من أعمال الفنان
من أعمال الفنان
TT

التشكيلي الهندي بوبن كاكار.. توظيف السيرة في اللوحة

من أعمال الفنان
من أعمال الفنان

نظّم الـ«تيت مودرن» بلندن معرضًا استعاديا للفنان التشكيلي الهندي الرائد بُوبِن كاكار Bhupen Khakhar يستمر لغاية السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وقد ضمّ المعرض ستين لوحة فنية مختلفة الأحجام، إضافة إلى مجموعة من الأعمال السيراميكية والرسوم المنفّذة بالألوان المائية المعروضة في فاترينتين تضمّان أيضًا بعض الكتب والمقالات النقدية التي تسلّط الضوء على تجربة كاكار الفنية.
قبل الخوض في تفاصيل هذا المعرض لا بد من الإشارة إلى أنّ كاكار لم يدرس الفن التشكيلي ولم يتخصص فيه، وإنما درس الاقتصاد والعلوم السياسية وتخرّج كمحاسبٍ قانوني، لكنه ما إن التقى بالرسّام والشاعر الكوجراتي غُلام محمد شيخ عام 1958 حتى شجّعه هذا الأخير على الالتحاق بكلية الفنون الجميلة بمدينة بارودا حيث درس النقد التشكيلي وهو في سنّ الثامنة والثلاثين مُعزِّزًا شغفه الفطري بالرسم الذي سيتفجّر في وقت قصير ليرسّخ اسمه كرائدٍ من روّاد المشهد التشكيلي الهندي الذي يحتفي بخصوصيته المحلية.
يحتاج فن الرسم إلى دربة ومران منذ الطفولة وكلّما تأخر الإنسان في اكتساب هذه الخبرات الأولية فسوف يعاني من ضعف في تقنية الخط واللون والمنظورية وربما يتثبّت هذا القصور ليُصبح عِلّة مستديمة لا يمكن التخلّص منها بسهولة. وكاكار يعاني حقيقة من هذا القصور على الرغم من منزلته الفنية الرفيعة وجوائزه الكثيرة التي حصل عليها في الهند وبعض البلدان الأوروبية، فلا غرابة أن يتصدى لهذا المعرض الاستعادي ناقد «الغارديان» الفني جوناثان جونز الذي وصف اللوحات برمتها بـ«المملة» و«غير المُتقنة» و«العتيقة الطراز»، وجاءت الردود أكثر عنفًا حيث وُصِف الناقد بـ«المتبجح الأحمق» واتهموه بالجهل وانتقدوا ذائقته الفنية.
تضمّ الصالة الأولى ثماني لوحات يُهيمن عليها التشخيص، والمناظر الطبيعية، والسرد البصَري الذي يعتمد في الأعمّ الأغلب على قصص من المثيولوجيا الهندية ومن بين هذه اللوحات «النمر والأيّل» التي حمّلها الرسّام أكثر مما تحتمل كأن يكون الجبروت أقوى من الحق أو أن القوي يهاجم الضعيف دائمًا سواء أكان بشرًا أم حيوانًا مفترسًا. أما لوحة «رجل يغادر» فتكشف عن الحلقة الضيقة من أصدقائه المتنوِّرين الذين يحملون أفكارًا مغايرة، كما تُعبِّر هذه اللوحة عن توقه الشديد للسفر إلى خارج الهند ورغبته الشديدة في اكتشاف العالم.
هذه اللوحة وسواها من الأعمال الفنية التي أنجزها في سبعينات القرن الماضي متأثرة بتقنيات الرسام الفرنسي هنري روسو والفنان الهولندي بيتر بروغل. اللوحة الثالثة التي تستحق الوقوف في هذه الصالة هي «إضراب المصنع» التي بناها بناء فنيًا دراميًا متميزًا عندما فصل الرجل، صاحب الوجه الرمادي الذي يمثل الطبقة المتوسطة، عن المُضربين الآخرين، مُصوِّرًا وحدته وعزلته عن المجتمع، فلا هو منتمٍ إلى العمال الفقراء ولا إلى الطبقة العليا التي يلوذ بها فظلّ معلّقًا بين الطرفين. سوف تتكرر ثيمة الوحدة التي يشتغل عليها كثيرًا في أعماله الفنية. ففي الصالة الثانية التي ضمّت تسع لوحات غنيّة في موضوعاتها وتقنياتها التي لم يلتفت إليها، مع الأسف الشديد، الناقد جوناثان جونز، ولم يتأمل ثيماتها جيدًا، فهي مريحة من الناحية البصرية وغير مثقلة بالفيكَرات الزائدة عن الحاجة وهذه اللوحات هي «رجل مع باقة ورد بلاستيكية» حيث يقف الشخص الرئيسي وحيدًا ومعزولاً عمّا يحيط به من أناس منغمسين في شؤونهم الخاصة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إلى هذا الشخص المتوحد. لا تخرج لوحة «رجل في الحانة» عن إطار العزلة، بل هي تذهب صوب الغربة والاغتراب وقد استوحاها من مدينة باث التي أقام فيها بعض الوقت بدعوة من صديقه الفنان هاوارد هودجكن الذي عرّفه بنتاجات ديفيد هوكني، ووسّع هذا الأخير رؤاه ومداركه فيما يتعلق بالفن الشعبي. أما بقية لوحات هذه الصالة مثل «مُصلِّح الساعات» و«الخيّاط» و«دكان الحلاقة» فهي أنموذج للأعمال الفنية الناجحة التي استوحاها من بيئته الاجتماعية التي يحبِّذها ويراهن على أنشطتها اليومية التي تبثّ الحياة في المجتمع الهندي المتعدد الطبقات.
تشتمل الصالة الثالثة وهي الأكبر مساحة على 22 لوحة لعل أهمها على الإطلاق هي لوحة «لا يمكنك إرضاء الجميع» وهذه الجملة مُقتبسة أصلاً من الكاتب الإغريقي إيسوب وقد رسّخ بواسطتها تقنية السرد البصري. ولو وضعنا «الفيكَر» الرئيسي العاري جانبا فإننا نشاهد تجسيدًا بصريًا لقصة «الأب والابن والحمار» فإذا ركب الأب على ظهر الحمار انتقده الناس، وإذا ركبا معًا سخروا منهما، وحينما حاول الاثنان حمله سقط الحمار إلى أن هتف الأب قائلاً بما معناه «إن إرضاء الناس غاية لا تُدرَك».
لا شك في أن غالبية لوحات هذه الصالة إيروسية وتعكس ما في أعماق الفنان من هواجس بهذا الصدد أضرّت بالمعرض كله ذلك لأن تقنيات هذه اللوحات ضعيفة، وثيماتها لا تنطوي على أي نوع من الإثارة الأمر الذي دفع ببعض النقاد لاستهجانها والكتابة عنها بشكل لاذع.
أفاد كاكار من الملاحم الهندية كثيرًا ووظفها في الكثير من أعماله الفنية وربما تكون لوحة Yayati التي أنجزها الفنان عام 1987 من بين النماذج الأسطورية الناجحة التي وجدت طريقها إلى السطح التصويري كفكرة لكنه لم يوفق بها على الصعيد الشكلي الذي لم ينجُ من المباشرة والتسطيح. فحينما يشيخ الأب بسبب لعنة يتبرع الابن بفحولته لكن الوالد يرفض هذه الهدية بعد أن يكتشف أن المتع جميعها زائلة وأن التشبث بها هو ضرب من الجنون.
تضم الصالة الخامسة والأخيرة ثلاث عشرة لوحة تجسّد صراعه الدائم مع سرطان البروستاتة. وعلى الرغم من أن كاكار خسر المعركة وفارق الحياة فإنه ظل يقاوم المرض بالسخرية تارة، وبالمواقف الجدية تارة أخرى، وكان يروي لنا آلامه بالصور البصرية البليغة التي تلامس شغاف المتلقي وتهزّه من الأعماق.
يوظِّف كاكار سيرته الذاتية في الكثير من أعماله الفنية وقد رأيناه في المراحل الأولى مندفعًا صوب السياسة، والصراع الطبقي، وأفكار المهاتما غاندي التي كان يناصرها، لكنه بالمقابل كان منغمسًا بآرائه وقناعاته الشخصية الجريئة التي لم يتقبّلها المجتمع الهندي المحافظ.
لقد جسّد كاكار غالبية أفكاره الشخصية في أعمال فنية استوحاها من سيرته الذاتية، وحياته الخاصة، والأمراض التي ألمّت به. وقد تعرّض أسلوبه إلى هزّات كبيرة خارجة عن إرادته، فحينما أُصيب بالكاتاراكت في أوائل التسعينات تضببت لوحاته لكنها سرعان ما عادت إلى إشراقاتها اللونية حينما شُفي من مرضه. أما في أثناء إصابته بالسرطان فقد أخذت لوحاته طابعًا مجازيًا، فالعنف الذي نراه في هذا المرض الفتّاك لا يمكن قراءته بعيدًا عن العنف الديني الذي اجتاح كوجرات وذهب ضحيته الكثير من المسلمين والهندوس. وقد تعاطف النقاد تحديدًا مع هذه اللوحات العنيفة والقاسية التي تصوّر صراعه المرير مع المرض وتشبثه بالحياة.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».