شبح «ليمان براذرز».. أسوأ كوابيس «دويتشه بنك»

«الشرق الأوسط» تتساءل: هل يجب أن يتأهب العالم لكارثة مالية جديدة؟

شبح «ليمان براذرز».. أسوأ كوابيس «دويتشه بنك»
TT

شبح «ليمان براذرز».. أسوأ كوابيس «دويتشه بنك»

شبح «ليمان براذرز».. أسوأ كوابيس «دويتشه بنك»

بعد تسع سنوات من حادثة إفلاس البنك الأميركي الأشهر ليمان براذرز، يظهر في الأفق حادثة تعيد ذكريات واحدة من أكبر المآسي الاقتصادية التي شهدها العالم في ظل قطاع مصرفي يعترف الجميع بـ«هشاشته»، حيث تطارد أشباح عام 2008 أي أزمة خلال السنوات الأخيرة، وتؤجج الذعر في أنحاء النظام المالي العالمي، خصوصا في ظل ما يعانيه البنك الألماني العملاق «دويتشه بنك».. ورغم أنه من الإنصاف الاعتراف بأن القطاع المصرفي الأوروبي لم يشهد «فترة جيدة» خلال السنوات القليلة الماضية، فيبقى من المشروع التساؤل حول مدى التشابه بين واقع الحال في القصتين، وذلك في محاولة من «الشرق الأوسط» الوصول إلى إجابة للسؤال الحائر: «هل يجب أن يستعد العالم لكارثة مالية جديدة في العقد نفسه؟».
وتواجه البنوكَ الأوروبية منذ منتصف الشهر الماضي رياح معاكسة، كان لها أثر واضح بتوقع أن الأزمة المصرفية المقبلة ستكون «أوروبية» بامتياز، الأمر الذي يذكر بالآثار المترتبة للأزمة المالية العالمية في عام 2008، مما يزيد من تخوفات لكساد جديد وانهيار الثلاثية الاقتصادية «التجارة والاستثمار والاستهلاك»، الأمر الذي ربما يفقد الثقة في النظام المالي العالمي.
ورغم أن ألمانيا تعترف بكونها القوة الاقتصادية والسياسية الأبرز في أوروبا، فإنها لا تمتلك الصيت ذاته في قطاعها المصرفي، فقد تحولت سلسلة مشكلات «دويتشه بنك» إلى قضية سياسية، نظرا لما تحاوله الحكومة الألمانية من إيجاد حلول لإنقاذ القطاع المصرفي.

سلسلة من المشكلات
في أكتوبر (تشرين الأول) 2015. عوقب البنك بغرامة قدرت بنحو 2.5 مليار دولار لتورطه في فضيحة ليبور (هي سلسلة أعمال احتيالية متصلة بسعر الفائدة بين بنوك لندن أو الإنتربنك)، وفي يناير (كانون الثاني) 2016. أعلن البنك عن خسائر قياسية بلغت أكثر من 6 مليارات دولار في عام 2015، الذي يعد انقلابا اقتصاديا مذهلا بعد أرباح قدرها 1.6 مليار دولار في 2014.
وفضلا عن تأثيرات الانفصال البريطاني (البريكسيت)، لكون البنك يستمد ما يقرب من 20 في المائة من إيراداته من المملكة المتحدة، فإن البنك يواجه أكبر مشكلاته مع الإفراط في الاستدانة في ميزانيته العمومية، فأصبح من المؤكد أن عليه في نهاية المطاف أن يزيد رأس المال لحل المعضلة التي وقع فيها مستثمرو أسهم البنك. وأبرز تقييم السوق للبنك تشاؤما ابتداء من 15 يونيو (حزيران) الماضي، حين جرى تداول أسهم البنك عند 27 في المائة من قيمتها الدفترية.. الأمر الذي يعني أن السهم جرى تداوله بأقل مما يعرف بمفهوم «قيمة تصفيته».
ورغم أن «موجة تفاؤلية» سادت بين أوساط الخبراء والمستثمرين على نطاق واسع خلال الأسابيع الماضية بأن مشكلات البنك يمكن التغلب عليها «على الأرجح»، فإن هذه الموجة لم تدم طويلا، مع إعلان مجلس الاحتياطي الاتحادي أن البنك الألماني قد فشل في اختبارات التحمل للسنة الثانية على التوالي.
ورغم أن التقارير المالية تؤكد تأثير مخاطر أزمة أكبر بنك أوروبي على النظام المالي العالمي، فقد تم تحديد المخاطر النظامية باعتبارها العامل الرئيسي في الأزمة المالية العالمية، وهذا هو الأساس من تخوفات خطر العدوى كتأثير «الدمينو»، حيث إن فشل شركة واحدة كبيرة قد يؤدي إلى فشل جميع أقرانها في الصناعة.
والشهر الماضي، أمرت وزارة العدل الأميركية البنك بدفع غرامة بنحو 14 مليار دولار، لتسوية مطالبات من السندات المدعومة بالرهن العقاري، وأثار الأمر تساؤلات حول مستقبل أكبر بنك في ألمانيا، الذي تقدر قيمته السوقية بنحو 18 مليار دولار، فانتظار غرامة بهذا القدر ليست علامة جيدة.
وكافح البنك، الذي لم يبق في حوزته سوى 6 مليارات دولار في احتياطي التقاضي، كما أعلن بنفسه، حتى يقلص الغرامة بقدر الإمكان.. حيث إن دفع غرامة بنحو 14 مليار دولار من شأنه أن يؤثر بشكل كبير على هيكل رأس المال للبنك.
في الوقت ذاته، قالت مصادر مصرفية لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) الخميس الماضي إن «دويتشه بنك» قرر تجميد عمليات التوظيف الجديدة في إطار جهود خفض الإنفاق واستعادة ثقة المستثمرين في سهم البنك، في ظل الاضطرابات المالية التي يواجهها واعتزامها تنفيذ عملية إعادة هيكلة مؤسسة شاملة.
وقال البنك الموجود في مدينة فرانكفورت في مذكرة لمديريه يوم الأربعاء الماضي، إنهم لن يستطيعوا تعيين موظفين جدد في الوقت الحالي، ولن يتم شغل أي وظيفة تخلو في البنك من خلال عمليات إحلال داخلية، والاستثناء الوحيد سيكون قطاع الإلزام في البنك حيث يعتزم البنك زيادة عدد العاملين فيه.
ويستهدف «دويتشه بنك» خفض قوة العمل لديه، البالغة مائة ألف موظف، بمقدار 9 آلاف موظف. وتقليص أصوله الاستثمارية، والانسحاب من 10 أسواق عالمية بهدف تعزيز قاعدته الرأسمالية وتحسين ربحيته بحلول عام 2018.
وحتى الآن لا توجد إشارة للإفلاس، رغم ارتفاع تكاليف التمويل وانخفاض هوامش الربح. وخسر السهم أكثر من نصف قيمته، كما هو حال البنوك الكبرى الأخرى مثل بنك يوني كريديت الذي تداول بأقل من نصف قيمته الدفترية، ولا يزال المستثمرين يراهنون على رفع دويتشه بنك رأس ماله، بينما يحاول البنك مماطلتهم حتى يستقر السعر، كالحال في البنوك الصغيرة الإيطالية، الذي كسر التدخل الحكومي هذه الدائرة المفرغة.

محاولات التسوية
يوم الأربعاء الماضي، وافق مصرف «دويتشه بنك» على سداد 9.5 مليون دولار غرامة لتسوية اتهامه بانتهاك قواعد تحليل الأسهم أثناء الأزمة المالية، في الوقت الذي يتفاوض فيه على تسوية ثانية بمليارات الدولارات مع السلطات الأميركية.
وقالت هيئة سوق المال الأميركية إن أكبر بنك في ألمانيا وافق على دفع الغرامة بعد إدانته بالفشل في حماية «معلومات سرية» ونشر تقرير بحثي بطريقة غير مناسبة، وكذلك الفشل في الاحتفاظ بالسجلات الإلكترونية وتوفيرها للسلطات الرقابية الاتحادية.
ومن بين الاتهامات التي سبق توجيهها للبنك الألماني، أنه أصدر عام 2012 تقريرا بحثيا يصنف سهم سلسلة متاجر التجزئة «بيغ لوتس» باعتباره صالحا للشراء، رغم أن محللا في البنك أبلغ زملاءه بأنه تجنب خفض التصنيف بسبب علاقات مع إدارة السلسلة.
وقد عقدت هيئة سوق المال تسوية مع المحلل في فبراير (شباط) الماضي، حيث لم يعترف بارتكاب خطأ؛ لكن تم حرمانه من العمل في قطاع الأوراق المالية لمدة عام.
وقال إنطونيا شيون، المدير المشارك لقطاع تطبيق القانون في هيئة سوق المال الأميركية، في بيان، إن «المعلومات التي وفرتها التحليلات البحثية - مثل التقييمات والآراء والتقديرات وتوصيات التداول - يمكن أن تحرك السوق في اتجاه معين». وأضاف أن «الوسطاء والمتعاملين يجب أن يحافظوا ويطبقوا السياسات والإجراءات الموضوعة بشكل مسؤول في ضوء طبيعة نشاطهم، لمنع إساءة استعمال هذه المعلومات».
وفشل الرئيس التنفيذي، جون كرين، في التوصل إلى اتفاق مع السلطات الأميركية لتقليص المبلغ، الأمر الذي أدى إلى سقوط سهم البنك بنحو 3 في المائة يوم الاثنين الماضي. ولم يعترف البنك الألماني - أو ينفي - ارتكاب أي أخطاء، لكنه وافق على منع أي انتهاكات مستقبلية.
وعلق وزير المالية الهولندي، ورئيس مجموعة اليورو، يروين ديبلسوم، قائلا إن الغرامة مرتفعة للغاية، وإنها «ستسبب اضطرابات غير مستقرة للأسواق»، محاولا بذلك أن يرسل رسالة واضحة للسلطات في الولايات المتحدة ومسؤولي دويتشه بنك بسرعة حل المشكلة القائمة.

الإصلاح
رغم كل تلك الضجة، يعتقد معظم المحللين أن الإنقاذ ليس ضروريا في الوقت الراهن من دون خطة إعادة هيكلة من البنك.. وقال الرئيس التنفيذي، جون كراين، في تصريح سابق، إن متطلبات إعادة الهيكلة على الطريق الصحيح.
وأظهر استطلاع رأي حديث داخل ألمانيا أن 69 في المائة من المستطلعين يعارضون أي نوع من المساعدات الحكومية لدويتشه بنك، مع 24 في المائة لصالح المساعدات.. لكن يبقى الواقع أن القضايا المحلية، وبخاصة في القطاع المالي، تضيف مزيدا من القلق على قائمة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، التي تواجه مشكلات مالية أكبر في الوقت الراهن، تتعلق بإيطاليا واليونان.
وفي واقع الأمر، تواجه البنوك الأوروبية جميعها سياسات أسعار الفائدة «فائقة الانخفاض»، في الوقت الذي يحاول فيه وزراء مالية الاتحاد الأوروبي تخفيف المخاوف بشأن «دويتشه بنك». ويقول وزير مالية سلوفاكيا، بيتر كازيمير، الذي ترأس اجتماعا لوزراء المالية في لوكسمبورغ يوم الثلاثاء الماضي، إنه «ليس هناك تهديد معين.. لا في هذا البنك ولا على البنوك الأخرى». في حين قال وزير المالية الفرنسي، ميشيل سابين، قبيل الاجتماع إن «البنوك الألمانية فقدت ما يقرب من نصف قيمتها منذ بداية العام، وأصبح معدل اقتراضها الآن أعلى من البنوك الأوروبية».

خوف صحي أم تضخيم؟
وقال أحد ممثلي الاتحاد الأوروبي عن دولة فرنسا لـ«الشرق الأوسط»، طالبا عدم ذكر اسمه، إن «دويتشه بنك في وضع أفضل بكثير من ليمان براذرز في عام 2008»، مضيفا أن «الأسواق لا ينبغي أن يسيطر عليها القلق.. أنا مندهش من رد فعل السوق منذ الإعلان عن الغرامة، وقد تكون هناك حاجة لخفض حجم بعض الأنشطة في بنك دويتشه بنك، ولكن لا يوجد شيء يدعو للقلق».
ومنذ عام 2008، يتم تجهيز النظام المصرفي بشكل أفضل ليتعامل مع المخاطر المالية، فكل بنك في الاتحاد الأوروبي لديه متطلبات رأسمال إلزامية، تصل في المتوسط إلى 14 في المائة من الأصول المرجحة للمخاطر.
وأظهرت أزمة «دويتشه بنك» مدى أهمية متطلبات رأس المال لامتصاص الصدمات المالية والحفاظ على الاستقرار، وسلطت أزمة البنك الألماني الضوء على ما يسمى «اختبارات التحمل» لمزيد من التحديد في نقاط الضعف المحددة في بنوك الاتحاد الأوروبي والقطاع المصرفي.
وخلال مناقشة وزراء المالية في اجتماعهم لمتطلبات «بازل 3» الدولية لنسبة رأس المال، قالوا إنهم سيعارضون أي «زيادة كبيرة» في متطلبات رأس المال، بحجة أنه يعرقل قدرة البنوك في الاتحاد النقدي لإقراض المال وبالتالي يضر بالنمو.
كما اقترحت المفوضية الأوروبية تشريعات جديدة لتحسين قواعد القطاع، في الفصل بين أنشطة الإيداع وتداول البنوك بوصفها وسيلة لتقليل حجمها والحد من المخاطر، لكن الاقتراحات بقيت عالقة لأكثر من سنة في البرلمان الأوروبي بسبب الانقسامات بين «اليساريين» و«اليمنيين» على كيفية الفصل.

سر القلق
وتنص قواعد الاتحاد في النظام المصرفي على إنقاذ البنك «أولا»، مما يعني أن المساهمين أول الخاسرين، في الوقت الذي يمكن للنظام - الذي لم يجرب سابقا - أن يثبت عدم كفاءته في إنقاذ ثالث أكبر بنك في أوروبا.
وشكك توم إيردوس، المحلل في مركز الدراسات الأوروبية، في قدرة الحكومة الألمانية على إجراء هذا الموقف، نظرا لأهمية البنك بالنسبة للاقتصاد الألماني والأوروبي، مضيفا في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «إننا نواجه مشكلات في تطبيق هذا المبدأ على البنوك الإيطالية الصغيرة، فكيف يمكننا تطبيقه على العملاق المالي دويتشه بنك؟».
وتبلغ أصول «دويتشه بنك» نحو 1.6 تريليون يورو (1.46 تريليون دولار)، مقارنة بنحو 690 مليار دولار (624.5 مليار يورو)، التي كانت أصول «ليمان براذرز». ويمتلك دويتشه بنك سيولة بنحو 75 تريليون دولار، وهو مبلغ أكبر من الناتج الإجمالي الألماني بنحو 20 ضعفا. وتاريخيا يعد دويتشه بنك واحدا من أكثر البنوك احتراما في العالم، أما اليوم فيواجه البنك على نحو متزايد توقعات بأنه «على وشك الانهيار» نتيجة للتعرض المكثف للغرامات، التي تقدر بنحو 50 إلى 70 تريليون دولار، في الوقت الذي يكافح فيه البنك بشكل مستمر منذ بداية الأزمة المالية.
ووصل سهم البنك إلى أدنى مستوياته في سبع سنوات أواخر يوليو (تموز) الماضي، ليصل إلى 14.57 دولار للسهم، بما يقل 10 في المائة عن ذروته في عام 2007 قبل الأزمة المالية العالمية.
ورغم خفة حدة مخاطر «المدى القصير» في قطاع البنوك الأوروبي، فإن هناك تحديات كبيرة، بما في ذلك أثر أسعار الفائدة التي وصلت إلى مستويات قياسية متدنية، الأمر الذي يؤثر على صناديق التقاعد وشركات التأمين، إضافة إلى النمو السريع في قطاع الائتمان الصيني والمديونية الثقيلة لقطاع الشركات في البلدان الناشئة.
وفي الوقت، ذاته حذر صندوق النقد الدولي من تأثر صناديق المعاشات التقاعدية وشركات التأمين وأنها يمكن أن «تمحى» في ظل أسعار الفائدة المنخفضة، وأكد الصندوق أن كليهما في خطر وستصبح «متعسرة» إذا استمرت أسعار الفائدة منخفضة لفترة طويلة.
وبعد ما يقرب من ثماني سنوات من كارثة ليمان براذرز، لا تزال البنوك المركزية تبقى على تكاليف الاقتراض عند مستويات قياسية في محاولة لتعزيز النمو، وقال صندوق النقد الدولي إن الاعتماد المفرط على السياسة النقدية يمكن أن يكون غير مرغوب فيه بسبب الآثار الجانبية المترتبة.

لماذا المقارنة؟
شبه بعض الخبراء ما يحدث في «دويتشه بنك» بما حدث في بنك «ليمان براذرز» وشركة أميركان إنترناشيونال جروب (AIG)، عندما تعرض النظام المالي للخطر بسبب الإقبال على الاستدانة في ظل مخاطر محيطة، كذلك فإن فشل دويتشه بنك في التغلب على التحديات سيكون له عواقب كارثية على النظام المصرفي في 2016.
لكن يختلف الأمر بين الحادثتين لكون المخاطر النظامية المحيطة بالبنك الألماني تختلف عن حادثة ليمان برذارز، في حين تقتصر المشكلة على حاملي الأسهم، ويمكن في النهاية أن يقوم المنظمون بكفالة الدائنين، وهو ما يراه بعض الاقتصاديين أمرا إيجابيا بالنسبة للأسواق.
ويقدم دويتشه بنك درسا قاسيا في «الخطر».. وقال الكاتب البريطاني مارتن وولف، في مقاله المنشور في جريدة «الفايننشال تايمز» إن «فكرة أن المساهمين يسيطرون على البنوك خرافة، فالإدارة هي المسؤولة». مؤكدا أن جميع البنوك ضعيفة، ولكن بعض البنوك أضعف من غيرها، وهذا هو الدرس الرئيسي من الاضطرابات في الأسواق المحيطة بالبنك الألماني. وشبه ولف النهج المتبع لمعاقبة البنوك لإخفاقاتهم بأنه أشبه «بإطلاق متباعد الجوانب من بندقيه»، في الوقت الذي لا يزال من الصعب إعادة رسملة البنوك دون المال العام.
وبعد أكثر من تسع سنوات من بداية الأزمة المالية العالمية لا تزال المخاوف بشأن صحة النظام المالي كبيرة، خصوصا في أوروبا، الأمر الذي لا يوصف «بالمفاجئ» لكن «بالمزعج».
ويعيب البنك الألماني «ضعف الهيكل» في ظل معايير عالية للاستدانة مقارنة بنظرائه فهو أحد البنوك الاستثمارية العالمية، وارتبط البنك بما يقارب من 1.8 تريليون يورو في أنشطة تجارية في محاولة للاحتفاظ بالربحية العالية، وهناك تشكك حول بعض الأصول التي يملكها البنك لكونها مبهمة أو دون أسعار السوق أيضا مقارنة بنظرائه.
أما الدرس الأول المستفاد من الحادثتين، حتى بعد مرور كثير من السنوات، فهو أن البنوك التجارية ستبقى «هشة للغاية» بحكم طبيعتها، فهي كيانات عالية الاستدانة وفائقة السيولة، وهو ما يعكس اختلاف الرؤية بين متخصصي الاقتصاد، والعملاء الذين يرون البنوك عبارة عن مخازن موثقة للأموال.
ويعد الدرس الثاني حول الطريقة التي عاقب بها المنظمون البنوك على أخطائهم غير المرضية، فأصبح من غير المنطقي فرض عقوبات كبيرة تعرض بقاء المؤسسة للخطر بعد حادثة كبيرة كـ«ليمان برذارز»، فأول الخاسرين كان عددا قليلا من المساهمين وبعض الموظفين؛ لكن صناع القرار الحقيقيين والمسؤولين عن الإدارة لم يتم المساس بهم. وهو الأمر الذي يرجح أن البنوك لا تزال ضعيفة ماليا نسبة إلى حجم ميزانيتها العمومية، وتفتقر إلى الوسائل الموثوقة لتصحيح هذا.

خطة إنقاذ
قدم الاقتصادي بمعهد أميركان إنتربرايز آدم ليرك خطة لإنقاذ البنك وتجنب مزيد من عمليات الإنقاذ الحكومية، اعتمدت على رفع رأس المال إلى مستويات كافية ومحاولة لكف الضرر عن صغار الدائنين، وباختصار لم تختلف مشكلة البنوك الإيطالية عن بنك ألمانيا الذي يتصدر الأخبار؛ فالقطاع المصرفي في نهاية الأمر يلعب «بالاستدانة» على الاقتصاد كله.. أما بين أوروبا وأميركا، فلن تؤدي مخاطر البنوك إلى أزمة كبيرة أخرى، فقد تطور النظام المصرفي بشكل كاف لتأمين رأس مال يكفي لجميع الأوقات عما سبق في أزمة ليمان براذرز.



ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)

دخلت التجارة العالمية نفقاً جديداً من الغموض، بعد أن أحدث حكم المحكمة العليا الأميركية بطلاناً في هيكلية الرسوم الجمركية، ما فجّر ردود فعل متلاحقة بدأت بتلويح بتجميد أوروبي للمسار التشريعي مع واشنطن، ولم تنتهِ بتهديدات «انتقامية» من الرئيس دونالد ترمب. فبينما أعلن البرلمان الأوروبي رسمياً وضع اتفاق التجارة الرئيسي «على الجليد» بانتظار وضوح الرؤية، شن ترمب هجوماً لاذعاً على القضاء الأميركي، عادّاً أن الحكم منحه «عن غير قصد» أنياباً أقسى لاستخدام سلاح التراخيص ضد الدول التي «تنهب» أميركا، وفي مقدمتها الصين التي سارعت إلى إعلان «تقييم شامل» للمشهد، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود».

وكانت المحكمة العليا الأميركية أعادت خلط أوراق التجارة العالمية، بعد أن أبطلت بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 جزءاً كبيراً من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب استناداً إلى قانون عام 1977. والقرار، الذي صدر يوم الجمعة، لم يكن مجرد انتصار قانوني لخصوم الإدارة، بل محطة فاصلة في مسار السياسات التجارية الأميركية، مع ما يحمله من تداعيات مباشرة على شركاء واشنطن وأسواق المال العالمية.

وبعد ساعات فقط من الحكم، سارع ترمب إلى الإعلان عن تعريفة جمركية عالمية بديلة بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، مستخدماً أساساً قانونياً مختلفاً، على أن تدخل حيز التنفيذ لمدة 150 يوماً مع استثناءات محدودة.

وشنّ ترمب هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على المحكمة العليا الأميركية، واصفاً قرارها بأنه «غبي ومثير للانقسام دولياً». وفي تصريحات حادة عبر منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، أشار إلى أن الحكم القضائي يفتح له الباب لاستخدام «نظام التراخيص» بوصفه أداة للقيام بأمور وصفها بـ«الفظيعة» ضد الدول التي اتهمها بـ«نهب» الولايات المتحدة لعقود. وسخر ترمب مما وصفه بتناقض المحكمة، قائلاً: «بموجب القرار، يمكنني استخدام التراخيص لمعاقبة تلك الدول، ولكن لا يمكنني تحصيل رسوم عليها... الجميع يعلم أن الهدف من الترخيص هو الرسوم! المحكمة لم تشرح ذلك، لكني أعرف الإجابة».

وأكد ترمب أن المحكمة، عبر تثبيتها أنواعاً أخرى كثيرة من التعريفات الجمركية، أعطته الضوء الأخضر لاستخدامها بطريقة «أكثر عدوانية وإزعاجاً» وبحماية قانونية كاملة هذه المرة. ولم يكتفِ بالجانب التجاري، بل هاجم المحكمة استباقاً لقرارات محتملة بشأن «حق المواطنة بالولادة» (التعديل الـ14)، متهماً إياها بالتمهيد لقرارات تخدم مصالح الصين ودول أخرى تجني ثروات من هذا القانون.

واختتم ترمب هجومه بمطالبة القضاة بـ«الخجل من أنفسهم» (باستثناء الثلاثة العظماء كما وصفهم)، متهماً إياهم باتخاذ قرارات ضارة بمستقبل الأمة الأميركية، ومؤكداً إصراره على المضي قدماً في مهامه تحت شعار «لنعد أميركا عظيمة مجدداً».

بروكسل تلوح بتعليق خطط المصادقة

في هذا الوقت، اتخذ التصعيد في بروكسل بعداً مؤسسياً حاسماً؛ حيث أعلن نواب البرلمان الأوروبي نيتهم تعليق خطط المصادقة على الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه العام الماضي. وأكد رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، مدعوماً من أكبر الكتل البرلمانية، ضرورة وقف العمل التشريعي مؤقتاً، واصفاً مستوى التخبط في السياسة التجارية الأميركية بأنه «غير جاد».

وجاء هذا الموقف ليعكس مخاوف القارة العجوز من الانزلاق إلى دوامة جمركية جديدة بعد تحويل ترمب الرسوم المُلغاة إلى تعريفة موحدة بنسبة 15 في المائة.

وكانت لجنة التجارة في البرلمان تستعد لمنح الضوء الأخضر لإزالة الرسوم على السلع الصناعية الأميركية ضمن الاتفاق، غير أن نواباً من كتل سياسية مختلفة أبدوا دعمهم لتجميد المسار التشريعي إلى حين اتضاح تداعيات الحكم الأميركي على الترتيبات الجمركية مع الاتحاد الأوروبي. ودعا رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، إلى تعليق العمل التشريعي مؤقتاً، وهو ما حظي بدعم حزب «الشعب» الأوروبي، أكبر الكتل البرلمانية، إلى جانب مجموعات أخرى.

وأكدت النائبة عن حزب «الشعب» الأوروبي، زيليانا زوفكو، ضرورة انتظار توضيحات من المفوضية الأوروبية بعد مشاوراتها مع واشنطن بشأن الشروط الجديدة، وتحديد «الخيار الأفضل لمواصلة المسار». كما شددت النائبة عن حزب «الخضر»، آنا كافازيني، على أن التصويت لا يمكن أن يمضي قدماً قبل توافر رؤية واضحة.

ومن جهتها، قالت النائبة عن مجموعة «رينيو» الليبرالية، كارين كارلسرو، إن البرلمان «لن يتمكن من التصويت على اتفاق تورنبيري قبل الحصول على وضوح كامل بشأن تأثير حكم المحكمة العليا على الترتيبات الجمركية»، مضيفة أن «الولايات المتحدة يجب أن ترتب سياستها التجارية، فهذا المستوى من الفوضى غير جاد».

متابعات أوروبية

وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، عبّرت الأوساط الصناعية عن قلق كبير من استمرار حالة الضبابية، عادّة أن تقلب القرارات الجمركية الأميركية يضع الشركات أمام تحديات في التخطيط طويل الأمد، خصوصاً في قطاعات السيارات والآلات والصناعات الكيماوية. ودعت برلين إلى حوار عاجل مع واشنطن يضمن وضوح القواعد ويحافظ على تنافسية الصادرات الألمانية، في وقت تعتمد فيه قطاعات واسعة من الصناعة على السوق الأميركية بوصفها شريكاً استراتيجياً رئيسياً.

أما سويسرا، ورغم بقائها خارج الاتحاد الأوروبي، فإنها تتابع التطورات عن كثب نظراً لارتباط اقتصادها التصديري الوثيق بالأسواق الأميركية والأوروبية. فيما أعلنت الحكومة السويسرية أنها لا تزال تعتزم التوسط في إبرام اتفاقية ملزمة قانوناً من خلال المحادثات الجارية مع الولايات المتحدة، التي تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية مبدئية تم التوصل إليها في أواخر عام 2025، والتي خفضت الرسوم الجمركية الأميركية على سويسرا من 39 في المائة إلى 15 في المائة.

وفي باريس وروما ولاهاي، تكررت الدعوات إلى الحفاظ على نظام تجاري قائم على قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها، وسط تخوف من أن يؤدي تعدد المسارات القانونية الأميركية إلى إطالة أمد عدم اليقين. ويجمع الموقف الأوروبي، في مجمله، على أن الشراكة عبر الأطلسي تظل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، غير أن استدامتها تتطلب التزاماً متبادلاً بالاتفاقات، وتجنب الإجراءات الأحادية التي قد تعيد إشعال توترات تجارية في مرحلة لا يزال فيها الاقتصاد العالمي يسعى إلى ترسيخ تعافٍ هش.

الصين تقيّم الوضع

وفي بكين، أعلنت وزارة التجارة أنها تجري «تقييماً شاملاً» للحكم، داعية واشنطن إلى إلغاء جميع الإجراءات الجمركية الأحادية. وأكدت أن «الرسوم الأحادية تنتهك قواعد التجارة الدولية والقانون المحلي الأميركي، ولا تخدم مصالح أي طرف»، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود». كما أبدت قلقها من احتمال لجوء الإدارة الأميركية إلى «وسائل بديلة» مثل التحقيقات التجارية القطاعية للإبقاء على مستويات مرتفعة من الرسوم، متعهدة بحماية مصالحها بحزم.

رابحون وخاسرون

واللافت أن الصين والهند برزتا في طليعة الرابحين من هذا التحول. فالهند، التي كانت تواجه رسوماً بلغت ذروتها عند 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة ثم إلى 18 في المائة بموجب تفاهمات ثنائية، وجدت نفسها بعد قرار المحكمة أمام معدل 10 في المائة، قبل أن يستقر عند 15 في المائة، وهو مستوى يظل أدنى من السيناريوهات السابقة. أما الصين، فقد توقع اقتصاديون انخفاض متوسط الرسوم الفعلية عليها من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مع إلغاء بعض الرسوم الإضافية التي كانت قد فُرضت تحت مبررات أمنية وصحية، ما يمنح صادراتها متنفساً مهماً في السوق الأميركية.

وفي المقابل، برزت بريطانيا بوصفها الخاسر الأكبر من توحيد الرسوم عند 15 في المائة. إذ كانت تستفيد من معدل تفضيلي عند 10 في المائة، قبل أن يؤدي النظام الجديد إلى رفع التكلفة على صادراتها بشكل مفاجئ. وتشير تقديرات إلى أن الزيادة قد تكلف قطاع الصادرات البريطاني نحو 4 مليارات دولار، مع تأثر عشرات الآلاف من الشركات. وتسعى لندن حالياً إلى انتزاع استثناء أو معاملة خاصة، في ظل إدراكها لحساسية المرحلة بالنسبة لاقتصادها.

أما أوروبا وأستراليا فلم تكونا بعيدتين عن دائرة التأثير. فقد واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، بينما لوّح الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في مسارات تفاوضية قائمة إذا لم تتضح الرؤية القانونية للسياسة الجمركية الأميركية. وفي سيول، حذّر وزير التجارة الكوري الجنوبي من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يفاقم الضغوط على قطاعات حيوية مثل السيارات والصلب، داعياً إلى تنسيق وثيق بين القطاعين العام والخاص لتعزيز القدرة التنافسية وتنويع الأسواق.

مساعٍ للطمأنة

ومن الجانب الأميركي، حاولت الإدارة طمأنة الشركاء. فقد أكد الممثل التجاري جيمسون غرير أن الاتفاقيات القائمة لا ترتبط بارتفاع أو انخفاض الرسوم، بل بالتزامات متبادلة ينبغي احترامها. بدوره، شدّد وزير الخزانة سكوت بيسنت على أن عائدات الرسوم ستظل مستقرة، وأن الحكومة ستلتزم بأحكام القضاء فيما يخص أي استردادات محتملة للرسوم التي جُمعت سابقاً، وهو ملف قد يفتح الباب أمام مطالبات ضخمة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات.

وعملياً، أعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية وقف تحصيل الرسوم التي أُبطلت، وتعطيل الرموز المرتبطة بها، ما يعكس امتثالاً فورياً للحكم. غير أن الأسئلة تبقى مفتوحة حول قدرة الإدارة على الالتفاف عبر أدوات قانونية أخرى، مثل توسيع التحقيقات بموجب قوانين التجارة أو الأمن القومي، وهو ما تراقبه بكين وشركاء واشنطن عن كثب.

الأسواق المالية تعاملت مع التطورات بحذر. فقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» بنسب طفيفة، وانخفضت أسعار النفط، بينما ضعف الدولار أمام الين واليورو. وفي المقابل، صعد مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة لافتة، في إشارة إلى تفاؤل نسبي في بعض الأسواق الآسيوية بإعادة ضبط قواعد اللعبة التجارية.

وسياسياً، يأتي هذا السجال قبل أسابيع من زيارة مرتقبة لترمب إلى الصين، يُفترض أن تشكل محطة مفصلية في إدارة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. ورغم تأكيدات واشنطن أن اللقاء ليس موجهاً للتصعيد، فإن التهديد بفرض رسوم مستقبلية على قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات يضفي على المشهد قدراً إضافياً من التوتر.

وفي المحصلة، لم ينهِ حكم المحكمة العليا الحرب التجارية، بل نقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الصراع بين السلطة التنفيذية والقيود القانونية، وبين نزعات الحمائية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي العالمي. وبينما يسعى بعض الشركاء إلى استثمار اللحظة لتحسين شروطهم، يواجه آخرون تكلفة إعادة التموضع في نظام جمركي أكثر توحيداً وأقل تفضيلاً.


بريطانيا لا تتوقع تأثيراً لتعريفات ترمب على اتفاقيتها التجارية

قصر باكنغهام في العاصمة البريطانية (أ.ف.ب)
قصر باكنغهام في العاصمة البريطانية (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا لا تتوقع تأثيراً لتعريفات ترمب على اتفاقيتها التجارية

قصر باكنغهام في العاصمة البريطانية (أ.ف.ب)
قصر باكنغهام في العاصمة البريطانية (أ.ف.ب)

قال المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الاثنين، إن بريطانيا لا تتوقع أن تؤثر التعريفة الجمركية العالمية الجديدة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنسبة 15 في المائة على «أغلبية» بنود الاتفاق الاقتصادي بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، والذي أُعلن عنه العام الماضي.

وأضاف المتحدث أن وزير التجارة البريطاني، بيتر كايل، تحدث مع الممثل التجاري الأميركي، جيمسون غرير، وأن الحكومة تتوقع استمرار المحادثات بين المسؤولين البريطانيين والأميركيين هذا الأسبوع.


من ساعتين إلى 30 دقيقة… «قطار القدية السريع» يختصر 75 % من زمن التنقل في الرياض

إحدى عربات قطار الرياض في العاصمة السعودية (واس)
إحدى عربات قطار الرياض في العاصمة السعودية (واس)
TT

من ساعتين إلى 30 دقيقة… «قطار القدية السريع» يختصر 75 % من زمن التنقل في الرياض

إحدى عربات قطار الرياض في العاصمة السعودية (واس)
إحدى عربات قطار الرياض في العاصمة السعودية (واس)

تشهد مدينة القدية تحولاً في مكانتها ضمن خارطة العاصمة السعودية، مع ربطها بمشاريع نقل رئيسية تصلها بمطار الملك سلمان ومركز الملك عبد الله المالي (كافد) عبر مشروع « قطار القدية السريع »، لتصبح مدة الوصول إليها نحو 30 دقيقة، من ساعتين تقريباً كوقت تقريبي عبر وسائل النقل الأخرى، ويمثل ذلك انخفاضاً في زمن التنقل بنسبة تصل إلى 75 في المائة، مع وصول سرعة القطارات التشغيلية إلى 250 كيلومتراً في الساعة، وفق لبيانات الهيئة الملكية لمدينة الرياض.

يأتي المشروع ضمن منظومة نقل أوسع تستهدف تعزيز الترابط داخل المدينة ورفع كفاءة التنقل بين المراكز الحيوية، بما يواكب النمو السكاني والتوسع العمراني غرب وجنوب غربي الرياض.

في سياق متصل، أعلنت الهيئة ترسية امتداد «المسار الأحمر» لمترو الرياض إلى الدرعية، عبر أنفاق بطول 7.1 كيلومتر ومسارات مرتفعة بطول 1.3 كيلومتر، مع إنشاء محطات في جامعة الملك سعود والدرعية، على أن تمثل المحطة الأخيرة نقطة ربط مستقبلية مع «الخط السابع» المرتقب.

إحدى مناطق مشروع القدية الترفيهي (واس)

ووفق تقديرات الهيئة، يُتوقع أن يسهم المشروع في تقليص عدد السيارات اليومية بنحو 150 ألف مركبة، مما يعزز الوصول إلى وجهات سياحية مثل «مطل البجيري» و«وادي صفار»، ويدعم التحول نحو أنماط تنقل أكثر استدامة.

المشاريع الكبرى

وقال نائب رئيس «الخليجية القابضة» بندر السعدون، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، إن مشروع الدرعية يُعد من بين أضخم مشاريع «رؤية 2030»، فيما تم الإعلان عن مشاريع نوعية في «وادي صفار»، إضافةً إلى مشاريع الأوبرا وجامع الملك سلمان.

وأوضح أن امتداد المسار الأحمر عبر طريق الملك عبد الله حتى الدرعية سيخلق طلباً عقارياً قوياً، لا سيما مع تكامل شبكة القطارات التي تبدأ من مطار الملك سلمان مروراً بـ«كافد» والدرعية والمربع الجديد.

في المقابل، أشار السعدون إلى أن عدد المشاريع المعلنة في القدية يصل إلى نحو 30 مشروعاً، مما يعزز احتمالات تشكل طفرة عقارية تدريجية في الممرات المرتبطة بالقطار، خصوصاً مع ارتباطه بمشاريع كبرى مثل «إكسبو 2030» و«المربع الجديد» و«الأفنيوز»، إضافةً إلى مطار الملك سلمان المتوقع أن يكون من أكبر مطارات العالم بحلول 2030.

الأراضي البيضاء

من جهته، ذكر المحلل العقاري خالد المبيض، لـ«الشرق الأوسط»، أن مشاريع النقل الكبرى مثل «قطار القدية السريع» لا ترفع الأسعار فقط، بل تعيد تشكيل هيكل السوق العقارية وقيم الأصول على المدى المتوسط والطويل.

وحسب المبيض، فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن العقارات الواقعة ضمن نطاق 1 إلى 3 كيلومترات من محطات النقل تشهد ارتفاعاً في القيمة الرأسمالية، مع زيادة الطلب الاستثماري على الأراضي البيضاء وتحولها إلى مشاريع تطويرية عالية الكثافة.

وأضاف أن هناك قاعدة اقتصادية واضحة في هذا النوع من المشاريع، مفادها أن «كل دقيقة يتم اختصارها في زمن الوصول تنعكس مباشرةً على القيمة السوقية للأصول»، معتبراً أن المشروع لا يمثل مجرد محطة نقل، بل محور نمو متكامل يُنتج حوله اقتصاداً عقارياً جديداً.

الكثافة السكانية

وحول ما إذا كان الأثر سيقتصر على إعادة توزيع الطلب داخل الرياض، أم سيولّد نمواً فعلياً في حجم السوق، أبان أن الأثر سيكون مزدوجاً؛ إذ ستشهد السوق نمواً حقيقياً مدفوعاً بما وصفه بـ«الطلب المصنّع» الناتج عن مشروع القدية، الذي يُتوقع أن يستقطب 17 مليون زائر ويوفر 325 ألف فرصة عمل، إلى جانب إعادة توزيع الكثافة السكانية باتجاه غرب العاصمة والمناطق المرتبطة بالمحطات.

وفيما يتعلق بالمسار السعري، يرى المبيض أن السوق حالياً في مرحلة استباقية انعكست في ارتفاع أسعار الأراضي المحيطة بالقدية بين 30 و40 في المائة منذ 2023، متوقعاً أن يتحول النمو إلى مسار أكثر استدامة مع بدء التشغيل الفعلي، وارتباط الأسعار بالقيمة التشغيلية الناتجة عن تقليص زمن التنقل إلى 30 دقيقة بين المطار و«كافد» و«القدية».

وبشأن القطاع المرشح لقيادة المرحلة المقبلة، أبان أن العقارين السكني والسياحي مرشحان بأدوار متكاملة؛ فالسكني مدعوم بمستهدفات رفع نسبة تملك المواطنين إلى 70 في المائة، في حين يستند السياحي إلى مستهدفات استقطاب 150 مليون زائر سنوياً بحلول 2030، مرجحاً أن تكون المواقع التي تخدم الاستخدامين معاً على امتداد مسار القطار الأكثر جذباً للاستثمار.

Your Premium trial has ended