هجوم واسع لـ«درع الفرات» على دابق بغطاء تركي.. و«داعش» يحشد للمواجهة

إردوغان: هدفنا تشكيل «المنطقة الآمنة» في سوريا

عنصر من القوات المعارضة للنظام السوري يرفع إشارة النصر في حلب (غيتي)
عنصر من القوات المعارضة للنظام السوري يرفع إشارة النصر في حلب (غيتي)
TT

هجوم واسع لـ«درع الفرات» على دابق بغطاء تركي.. و«داعش» يحشد للمواجهة

عنصر من القوات المعارضة للنظام السوري يرفع إشارة النصر في حلب (غيتي)
عنصر من القوات المعارضة للنظام السوري يرفع إشارة النصر في حلب (غيتي)

بالتزامن مع الاجتماع الدولي حول سوريا في مدينة لوزان السويسرية، أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن قوات «الجيش السوري الحر» المدعومة من القوات الخاصة التركية، بدأت أمس السبت، التقدم نحو بلدة دابق، التي تحمل قيمة رمزية كبيرة لتنظيم داعش الإرهابي المتطرف في شمال سوريا، وتقع جنوب بلدة الراعي. وأوضح إردوغان أن الهدف من وراء هذا التحرك طرد «داعش» من دابق وتشكيل «منطقة آمنة» تصل مساحتها إلى 5 آلاف كيلومتر مربع.
وتفيد التقارير الميدانية عن تمتع الهجوم الذي يشكل جزءًا من «عملية درع الفرات» بدعم من طيران التحالف الدولي.
وبالفعل حقّقت القوات المهاجمة تقدمًا كبيرًا باتجاه البلدة ذات الأهمية الدينية والاستراتيجية لـ«داعش» الذي استقدم مئات المقاتلين من سوريا وخارجها تحضيرًا للمواجهة الكبرى. وتوقَّع خبراء عسكريون أن تحسم فصائل «الجيش السوري الحر» معركة السيطرة على دابق في غضون أربعة أيام، تتجه بعدها نحو مدينة الباب، آخر معاقل التنظيم في ريف محافظة حلب الشمالي.
وتجدر الإشارة إلى أن تركيا تسعى إلى إقامة «منطقة آمنة» في سوريا على هذه المساحة وبامتداد نحو 98 كيلومترا وعمق 45 كيلومترا من مدينة جرابلس إلى الراعي داخل الأراضي السورية، لنقل اللاجئين السوريين إليها، وضمان تأمين الحدود التركية من التنظيمات الإرهابية، ومنع إقامة «شريط كردي» على طول حدود تركيا مع سوريا.
ولقد أوضح قائد ميداني في «الجيش السوري الحر» أمس، لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، أن الفصائل حققت تقدمًا كبيرًا، وأن «الثوار اقتحموا قرية الغيلانية المجاورة لمدينة دابق، ضمن المعارك التي تخوضها قوات (درع الفرات) بالتزامن مع قصف مركَّز على مواقع (داعش) بالقذائف المدفعية، وبإسناد مباشر من الجيش التركي»، وشدد على أن «سيطرة الثوار على دابق باتت مسألة وقت، وإن شاء الله خلال الساعات القليلة المقبلة ستُطرد عناصر التنظيم منها، والآن يجري قصف كل خطوط إمدادهم واستهداف عدد من السيارات المفخخة قبل وصولها إلى أهدافها».
من جهته، أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن فصائل المعارضة المدعومة بالدبابات والطائرات التركية «بدأت هجومًا عنيفًا على بلدة دابق ذات الرمزية الدينية لدى تنظيم داعش، بالتزامن مع هجوم على بلدة صوران أعزاز ومحيطها بريف حلب الشمالي الشرقي».
وتعد دابق من أهم البلدات لدى التنظيم بسبب رمزيتها الدينية، إذ يعدها التنظيم المكان الذي سيشهد «المعركة الفاصلة بين المسلمين والكفار»، وتحاول الفصائل السيطرة على البلدة وعلى بلدة صوران ومحيطها، لتوسع بذلك نطاق سيطرتها في ريف حلب الشمالي الشرقي. وينتشر في دابق حاليًا، بحسب بعض المصادر المحلية، نحو ألفي مقاتل من «داعش».
وفي تعليق على ما يحصل الآن، قال الخبير العسكري والاستراتيجي العميد فايز أسمر، إنه «من الواضح أن معركة دابق أخذت ضجة إعلامية أكبر من حجمها؛ لأن سيناريو هذه المعركة لن يختلف عن المناطق الأخرى التي حررها الجيش الحر، رغم رمزيتها العقائدية والدينية لدى التنظيم». وتوقع أسمر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الثوار سيحسمون معركة تحرير دابق خلال ثلاثة أو أربعة أيام، باعتبارها منطقة مكشوفة ولن تصمد أمام الضربات الجوية للطيران التركي وطائرات التحالف الدولي». مرجحًا أن «ينسحب من تبقى من مقاتلي (داعش) باتجاه مدينة الباب التي ستصبح ملاذهم الأخير في ريف حلب الشمالي».
وأما على صعيد تحضيرات «داعش» وحشده لما يسميها «المعركة الفاصلة»، فقد أعلن ناشطون، أن التنظيم المتطرف سحب نحو 1200 مقاتل من جبهات محافظة حمص وجبهات أخرى مع ميليشيات «قوات سوريا الديمقراطية»، ودفع بهم إلى جبهة دابق. وقالوا إن التنظيم «استقدم نحو ألف مقاتل من خارج سوريا، وصلوا إلى مدينة الرقَّة، ومنها توجهوا إلى دابق، التي تشهد القرى القريبة منها عمليات كر وفر بين الفصائل المدعومة بالدبابات والطائرات التركية من جهة، والتنظيم من جهة أخرى». وتابع الناشطون، أن الفصائل «سيطرت على قرى قريبة من دابق وباتت في أقرب نقطة إلى المدينة». ووفق مصادر ميدانية، فإن قوات «درع الفرات» بدأت التحضير للهجوم على دابق عبر أكثر من محور، بعد تأمين محوري تركمان بارح ودويبق، ومحاولة استعادة السيطرة على إحتيملات التي خسرتها بعد هجوم معاكس شنه التنظيم الأسبوع الماضي، وأوقع قتلى وجرحى من الطرفين.
وفي ظل التقدّم السريع لـ«الجيش الحر»، أوضح العميد أسمر أن «المعركة المقبلة بعد دابق هي مدينة الباب، التي ستكون آخر معاقل (داعش)... وتحرير مدينة الباب يضع الجيش الحر على خطوط تماس مع قوات النظام؛ لأن تحرير الباب في المرحلة المقبلة يجعل الثوار قريبين من مطار كويرس العسكري، وهذا ما يقلق الروس». لكن الخبير رجَّح أن «يضع الروس خطًا أحمر أمام الأتراك، وربما يكون هناك خط أحمر أميركي لا يسمح حتى الآن بالاصطدام المباشر مع النظام من قبل (درع الفرات) الذي يحظى بغطاء تركي، ومن التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن»، مستبعدًا «الوصول إلى مسار دراماتيكي؛ لأن معركة الشمال تقف حدودها عند القضاء على (داعش) ونقل النفوذ الكردي إلى شرق نهر الفرات».
عودة إلى تركيا، فإن الرئيس إردوغان قال أمس أمام حشد جماهيري في مدينة ريزه، مسقط رأسه على شاطئ البحر الأسود بأقصى شمال شرقي تركيا، عقب افتتاح عدد من المشروعات: «إن صلة وثيقة بين القائمين على محاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرضت لها تركيا في منتصف يوليو (تموز) الماضي، والأطراف التي تعارض الحملة العسكرية التي تقودها تركيا داخل الأراضي السورية، وكذلك الجهات التي تعارض مشاركة تركيا في الحملة المزمعة على مدينة الموصل العراقية».
أما رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، فقد تلقى اتصالاً هاتفيًا من رئيس هيئة الأركان التركية خلوصي أكار، الموجود في واشنطن للمشاركة في اجتماع قادة أركان دول التحالف الدولي ضد «داعش»، أطلعه فيه على آخر التطورات العسكرية في شمال سوريا. وفي الوقت نفسه، أعلنت رئاسة الأركان العامة للجيش التركي في بيان أمس، تدمير 80 هدفًا لـ«داعش»، بعد تحديدها بواسطة طائرات استطلاع ومراقبة.
وأوضح البيان أن طائرات تركية قصفت مقرين و3 أبنية تستخدم كمواقع أسلحة وملاجئ متنوعة لتنظيم داعش، بقرى ميركانه وطاشلي هيوك وتلالين، وكلها في محيط بلدة الراعي التابعة لمحافظة حلب شمال سوريا. وأشار البيان إلى إصابة 4 عناصر من قوات المعارضة السورية، خلال عملية استرجاع طاشلي هيوك (شرق الراعي)، مؤكدًا أن القرية لا تزال تحت سيطرة التنظيم. كذلك أكد البيان تفكيك 4 عبوات ناسفة، في المناطق التي أمكن تطهيرها من «داعش»، ليرتفع مجموع العبوات الناسفة المفككة منذ بدء عملية «درع الفرات» إلى ألف و156 عبوة ناسفة، والألغام إلى 28 لغمًا. ولفت إلى «تحرير قوات المعارضة 134 قرية يبلغ مجموع مساحتها ألفا و110 كيلومترات مربعة منذ بدء العملية، واستمرار زيادة التدابير الأمنية في تلك القرى».



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.