مرة أخرى، يعود شبح الإرهاب ليخيم مجددًا على فرنسا التي كرمت أمس، في احتفال مهيب، ضحايا العملية الإرهابية التي ضربت مدينة نيس في 14 يوليو (تموز) الماضي. فبعد ثلاثة أشهر ويوم واحد، تجمع المئات في التلة المشرفة على «متنزه الإنجليز» وهو الاسم الآخر لكورنيش المدينة الفرنسية المتوسطية، في مدينة نيس الساحلية من أجل تكريم ضحايا التونسي محمد لحويج بوهلال، الذي ارتكب ثاني أكبر عملية إرهابية في فرنسا. ذاك المساء وبعد الانتهاء من إطلاق الأسهم النارية بمناسبة العيد الوطني، اجتاح بوهلال بشاحنة التبريد بيضاء اللون التي كان قد استأجرها والتي يبلغ وزنها 19 طنًا، «متنزه الإنجليز» المزدحم بآلاف المتنزهين والسياح، فقضى على 86 شخصًا من 19 جنسية مختلفة، وأصاب 400 آخرين. وعمد تنظيم داعش لتبني العملية الإرهابية التي بدا لاحقًا أن مرتكبها وهو مواطن تونسي قتل في العملية يسكن منذ سنوات مدينة نيس، قد أعد لها بعناية، مستفيدًا من مساعدة الكثير من الأشخاص الذين وضعت الأجهزة الأمنية اليد عليهم تباعًا من خلال فحص هاتف بوهلال الجوال، و«استنطاق» حاسوبه الشخصي.
احتفال الأمس كان مؤثرًا ومهيبًا. ورغم الانقسامات السياسية والاتهامات المتبادلة والأجواء المشحونة، فقد جاء متعاليًا وذكر الكثيرين بما عرفته فرنسا بعد العمليات الإرهابية التي ضربت باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث قفزت الوحدة الوطنية إلى الواجهة. وبدأ التأثر واضحًا على أوجه الجميع، بمن فيهم الوزراء الحاضرون والسياسيون من المعارضة، الذين جلسوا في المقاعد الأمامية، وبينهم الرئيس السابق نيكولا ساركوزي ورئيسين سابقين للحكومة (ألان جوبيه وفرنسوا فيون)، وكذلك رئيسة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف مارين لوبن. لكن علامات التأثر بانت خصوصا على أوجه أهالي وأقرباء الضحايا عندما قرئت الأسماء الواحد بعد الآخر. ولدى قراءة كل اسم، رميت وردة بيضاء، جاء النشيد الوطني الذي أنشدته جوقة الحرس الجمهوري ليختم الاحتفال الذي بدأ بكلمة بالغة التأثير من قريبة إحدى الضحايا التي طافت دموعها.
وفي الكلمة التي ألقاها، وسط صمت مطبق، ركز الرئيس فرنسوا هولاند على الجوانب الإنسانية التي برزت بقوة عند العملية الإرهابية، مشيدًا بتفاني قوي الأمن والإطفاء والدفاع المدني والقطاع الصحي، وحتى سائقي سيارات الأجرة، ناهيك عن سكان المدينة الذين فتحوا منازلهم ومتاجرهم لاستقبال ضحايا المجزرة. وحرص هولاند على الإشارة إلى أن الضحايا من كل الأديان والأعمار والجنسيات بحيث تساوى الجميع في المأساة. أما الرسالة السياسية التي شدد عليها هولاند فهي اعتباره أن الإرهاب أراد إحداث شرخ في المجتمع الفرنسي، وتأليب الناس على بعضها البعض. لكنه استدرك قائلاً إن هذا «المشروع الجهنمي سيفشل لأن الوحدة (الوطنية)، والحرية والإنسانية، هي التي ستنتصر في نهاية المطاف». وأكد هولاند أن فرنسا قوية، وأن الديمقراطية هي التي ستكون لها الغلبة.
بيد أن سعي هولاند لإضفاء الطابع التضامني والوحدة على الطبقة السياسية الفرنسية والمزاج الوطني العام هو أبعد ما يكون عن الواقع، حيث الانقسامات تتعمق والجدل يستفحل. أما الاتهامات الموجهة لهولاند شخصيًا ولأداء الحكومة في موضوع «الفشل» في محاربة الإرهاب، فهي التي تطفو على سطح الأحداث متغذية من اشتداد سعار الحملة التمهيدية للانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع القادم ومن سعي اليمين واليمين المتطرف لركوب موجة النقمة الشعبية للعبور إلى السلطة. والأسوأ من ذلك أن أصابع الاتهام وجهت للجالية المسلمة في فرنسا، التي حملت وزر العمليات الإرهابية فيما هي ضحيتها الأولى. ففي نيس مثلا، كان ثلث الضحايا من مسلمي فرنسا أو من زوارها المسلمين. وخلال الأشهر الماضية، ازدادت الاعتداءات والمضايقات التي استهدفت المساجد وقاعات الصلاة أو مصالح المسلمين، بينما استحوذت مواضيع الهوية الوطنية وموقع الإسلام في فرنسا والهجرة، على حيز واسع من النقاشات. وجاء الجدل، مباشرة عقب اعتداء نيس، حول ارتداء «البوركيني» وهو لباس البحر للمسلمات، ليسكب الزيت على النار، وليزيد من تسميم الأجواء الثقيلة أصلا.
بموازاة ذلك، لم تتراجع التهديدات الإرهابية، إذ بعد 14 يومًا فقط من عملية نيس، حصل اعتداء إرهابي آخر، حيث ضرب كاهن كنيسة مدينة سان أتيان دو روفريه الذي ذبحه إرهابيون لدى خروجه من حرم الكنيسة صبيحة 26 يوليو. وقبل ذلك، عمد إسلامي متطرف آخر إلى قتل رجل شرطة ورفيقة دربه ذبحا في مدينة مانيانفيل الواقعة شمال غرب باريس. وبينت التحقيقات أن منفذي هاتين العمليتين كانوا على تواصل مع رشيد قاسم، وهو مواطن فرنسي ينتمي إلى تنظيم داعش، وهو موجود ما بين سوريا والعراق. وما يميز قاسم عن غيره أنه «المسؤول» عن «تجنيد» الفرنسيين من أصول إسلامية، أو من الذين اعتنقوا الإسلام، كما أنه وافر النشاط على شبكات التواصل الاجتماعي. وتبين للمحققين أن الشابات الثلاث «هن معتقلات اليوم» اللواتي كن يسعين لتنفيذ عملية إرهابية ضد كاتدرائية باريس الواقعة في قلب العاصمة، كن أيضا على تواصل مع رشيد قاسم. قبل أيام، أعلن رئيس الحكومة مانويل فالس أن التهديد الأمني الذي يخيم شبحه على فرنسا هو «في أوجه». ويبدو أن للإرهاب اليوم وجهين متلاصقين: فهو من جهة إرهاب «أنثوي»، وهو من جهة ثانية «إرهاب قاصرين»، وإرهاب شباب في مقتبل العمر. ولعل أبرز دليل على ذلك أن 15 شابا وفتاة يرتعون اليوم في السجون بسبب اتهامات لهم بالتحضير لعمليات إرهابية. وآخر ما استجد على هذا الصعيد، وفق مصدر قضائي، أن قوى الأمن ألقت القبض يوم الثلاثاء الماضي على زوجين فرنسيين «هو عمره 21 عاما، وهي قاصرة عمرها 17 عاما اعتنقت الإسلام مؤخرا»، في ضاحية نوازي لو سيك القريبة من باريس، للاشتباه بأنهما كانا يخططان لارتكاب عملية إرهابية باسم «داعش». وأثبت التحقيق أن هذين الشخصين كانا على تواصل مع رشيد قاسم عبر تطبيق «تليغرام» للتراسل. ووجه القضاء رسميًا تهمًا على صلة بالإرهاب لهذين الشخصين، وأمر أول من أمس بوضعهما في السجن وفتح تحقيق قضائي بحقهما. وتوصلت القوى الأمنية إليهما من متابعة شبكات التواصل الاجتماعي التي تبدو الطريقة الأمثل بالنسبة لـ«داعش» من أجل «تجنيد» أتباعه. واللافت في موضوع الفتاة التي لم تبلغ بعد سن الرشد أنها حامل، وقد استندت لذلك لنفي نيتها أمام قاضي التحقيق بالسعي لارتكاب عمل إرهابي، وكانت قد اعتنقت الإسلام وهي في سن الخامسة عشرة من عمرها تحت تأثير صديقها.
وتفيد أرقام الأجهزة الأمنية بأن هناك 15 ألف شخص موجودون على اللوائح المسامة «أس»، أي الذين يشكلون تهديدًا أمنيًا. ومن بين هؤلاء 18 في المائة «غالبيتهم من الفتيات» لم يبلغوا سن الرشد، وأن أصغرهم لا يزيد عمره على 11 عامًا. أما الشباب بينهم فإن سنهم يتراوح ما بين 15 و25 عاما ،وهم يتحدرون في غالبيتهم من ضواحي المدن الكبرى. وعمليًا، ثمة 2000 فرنسي أو مقيم على الأراضي الفرنسية على صلة من قريب أو من بعيد بالخلايا الجهادية بينهم 700 ما زالوا من المقاتلين الموجودين في سوريا والعراق، بينما قتل 200 شخص منذ انطلاق المعارك في سوريا، وعاد إلى فرنسا 203 أشخاص. وتخوف السلطات الأمنية منبعه عودة هؤلاء إلى الأراضي الفرنسية، وما يمكن أن يقوموا به لاحقًا من اعتداءات إرهابية.
باريس تكرم ضحايا مجزرة نيس.. وهولاند يدعو إلى التمسك بالوحدة الوطنية
15 ألف شخص في فرنسا يمثلون تهديدًا أمنيًا.. بينهم 18 % من القاصرين غالبيتهم من الفتيات
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند يقف أمام إكليل من الزهور يمثل ضحايا مجزرة نيس أقيم على «متنزه الإنجليز} في مدينة نيس أمس (أ.ف.ب)
باريس تكرم ضحايا مجزرة نيس.. وهولاند يدعو إلى التمسك بالوحدة الوطنية
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند يقف أمام إكليل من الزهور يمثل ضحايا مجزرة نيس أقيم على «متنزه الإنجليز} في مدينة نيس أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

