باريس تكرم ضحايا مجزرة نيس.. وهولاند يدعو إلى التمسك بالوحدة الوطنية

15 ألف شخص في فرنسا يمثلون تهديدًا أمنيًا.. بينهم 18 % من القاصرين غالبيتهم من الفتيات

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند يقف أمام إكليل من الزهور يمثل ضحايا مجزرة نيس أقيم على «متنزه الإنجليز} في مدينة نيس أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند يقف أمام إكليل من الزهور يمثل ضحايا مجزرة نيس أقيم على «متنزه الإنجليز} في مدينة نيس أمس (أ.ف.ب)
TT

باريس تكرم ضحايا مجزرة نيس.. وهولاند يدعو إلى التمسك بالوحدة الوطنية

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند يقف أمام إكليل من الزهور يمثل ضحايا مجزرة نيس أقيم على «متنزه الإنجليز} في مدينة نيس أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند يقف أمام إكليل من الزهور يمثل ضحايا مجزرة نيس أقيم على «متنزه الإنجليز} في مدينة نيس أمس (أ.ف.ب)

مرة أخرى، يعود شبح الإرهاب ليخيم مجددًا على فرنسا التي كرمت أمس، في احتفال مهيب، ضحايا العملية الإرهابية التي ضربت مدينة نيس في 14 يوليو (تموز) الماضي. فبعد ثلاثة أشهر ويوم واحد، تجمع المئات في التلة المشرفة على «متنزه الإنجليز» وهو الاسم الآخر لكورنيش المدينة الفرنسية المتوسطية، في مدينة نيس الساحلية من أجل تكريم ضحايا التونسي محمد لحويج بوهلال، الذي ارتكب ثاني أكبر عملية إرهابية في فرنسا. ذاك المساء وبعد الانتهاء من إطلاق الأسهم النارية بمناسبة العيد الوطني، اجتاح بوهلال بشاحنة التبريد بيضاء اللون التي كان قد استأجرها والتي يبلغ وزنها 19 طنًا، «متنزه الإنجليز» المزدحم بآلاف المتنزهين والسياح، فقضى على 86 شخصًا من 19 جنسية مختلفة، وأصاب 400 آخرين. وعمد تنظيم داعش لتبني العملية الإرهابية التي بدا لاحقًا أن مرتكبها وهو مواطن تونسي قتل في العملية يسكن منذ سنوات مدينة نيس، قد أعد لها بعناية، مستفيدًا من مساعدة الكثير من الأشخاص الذين وضعت الأجهزة الأمنية اليد عليهم تباعًا من خلال فحص هاتف بوهلال الجوال، و«استنطاق» حاسوبه الشخصي.
احتفال الأمس كان مؤثرًا ومهيبًا. ورغم الانقسامات السياسية والاتهامات المتبادلة والأجواء المشحونة، فقد جاء متعاليًا وذكر الكثيرين بما عرفته فرنسا بعد العمليات الإرهابية التي ضربت باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث قفزت الوحدة الوطنية إلى الواجهة. وبدأ التأثر واضحًا على أوجه الجميع، بمن فيهم الوزراء الحاضرون والسياسيون من المعارضة، الذين جلسوا في المقاعد الأمامية، وبينهم الرئيس السابق نيكولا ساركوزي ورئيسين سابقين للحكومة (ألان جوبيه وفرنسوا فيون)، وكذلك رئيسة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف مارين لوبن. لكن علامات التأثر بانت خصوصا على أوجه أهالي وأقرباء الضحايا عندما قرئت الأسماء الواحد بعد الآخر. ولدى قراءة كل اسم، رميت وردة بيضاء، جاء النشيد الوطني الذي أنشدته جوقة الحرس الجمهوري ليختم الاحتفال الذي بدأ بكلمة بالغة التأثير من قريبة إحدى الضحايا التي طافت دموعها.
وفي الكلمة التي ألقاها، وسط صمت مطبق، ركز الرئيس فرنسوا هولاند على الجوانب الإنسانية التي برزت بقوة عند العملية الإرهابية، مشيدًا بتفاني قوي الأمن والإطفاء والدفاع المدني والقطاع الصحي، وحتى سائقي سيارات الأجرة، ناهيك عن سكان المدينة الذين فتحوا منازلهم ومتاجرهم لاستقبال ضحايا المجزرة. وحرص هولاند على الإشارة إلى أن الضحايا من كل الأديان والأعمار والجنسيات بحيث تساوى الجميع في المأساة. أما الرسالة السياسية التي شدد عليها هولاند فهي اعتباره أن الإرهاب أراد إحداث شرخ في المجتمع الفرنسي، وتأليب الناس على بعضها البعض. لكنه استدرك قائلاً إن هذا «المشروع الجهنمي سيفشل لأن الوحدة (الوطنية)، والحرية والإنسانية، هي التي ستنتصر في نهاية المطاف». وأكد هولاند أن فرنسا قوية، وأن الديمقراطية هي التي ستكون لها الغلبة.
بيد أن سعي هولاند لإضفاء الطابع التضامني والوحدة على الطبقة السياسية الفرنسية والمزاج الوطني العام هو أبعد ما يكون عن الواقع، حيث الانقسامات تتعمق والجدل يستفحل. أما الاتهامات الموجهة لهولاند شخصيًا ولأداء الحكومة في موضوع «الفشل» في محاربة الإرهاب، فهي التي تطفو على سطح الأحداث متغذية من اشتداد سعار الحملة التمهيدية للانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع القادم ومن سعي اليمين واليمين المتطرف لركوب موجة النقمة الشعبية للعبور إلى السلطة. والأسوأ من ذلك أن أصابع الاتهام وجهت للجالية المسلمة في فرنسا، التي حملت وزر العمليات الإرهابية فيما هي ضحيتها الأولى. ففي نيس مثلا، كان ثلث الضحايا من مسلمي فرنسا أو من زوارها المسلمين. وخلال الأشهر الماضية، ازدادت الاعتداءات والمضايقات التي استهدفت المساجد وقاعات الصلاة أو مصالح المسلمين، بينما استحوذت مواضيع الهوية الوطنية وموقع الإسلام في فرنسا والهجرة، على حيز واسع من النقاشات. وجاء الجدل، مباشرة عقب اعتداء نيس، حول ارتداء «البوركيني» وهو لباس البحر للمسلمات، ليسكب الزيت على النار، وليزيد من تسميم الأجواء الثقيلة أصلا.
بموازاة ذلك، لم تتراجع التهديدات الإرهابية، إذ بعد 14 يومًا فقط من عملية نيس، حصل اعتداء إرهابي آخر، حيث ضرب كاهن كنيسة مدينة سان أتيان دو روفريه الذي ذبحه إرهابيون لدى خروجه من حرم الكنيسة صبيحة 26 يوليو. وقبل ذلك، عمد إسلامي متطرف آخر إلى قتل رجل شرطة ورفيقة دربه ذبحا في مدينة مانيانفيل الواقعة شمال غرب باريس. وبينت التحقيقات أن منفذي هاتين العمليتين كانوا على تواصل مع رشيد قاسم، وهو مواطن فرنسي ينتمي إلى تنظيم داعش، وهو موجود ما بين سوريا والعراق. وما يميز قاسم عن غيره أنه «المسؤول» عن «تجنيد» الفرنسيين من أصول إسلامية، أو من الذين اعتنقوا الإسلام، كما أنه وافر النشاط على شبكات التواصل الاجتماعي. وتبين للمحققين أن الشابات الثلاث «هن معتقلات اليوم» اللواتي كن يسعين لتنفيذ عملية إرهابية ضد كاتدرائية باريس الواقعة في قلب العاصمة، كن أيضا على تواصل مع رشيد قاسم. قبل أيام، أعلن رئيس الحكومة مانويل فالس أن التهديد الأمني الذي يخيم شبحه على فرنسا هو «في أوجه». ويبدو أن للإرهاب اليوم وجهين متلاصقين: فهو من جهة إرهاب «أنثوي»، وهو من جهة ثانية «إرهاب قاصرين»، وإرهاب شباب في مقتبل العمر. ولعل أبرز دليل على ذلك أن 15 شابا وفتاة يرتعون اليوم في السجون بسبب اتهامات لهم بالتحضير لعمليات إرهابية. وآخر ما استجد على هذا الصعيد، وفق مصدر قضائي، أن قوى الأمن ألقت القبض يوم الثلاثاء الماضي على زوجين فرنسيين «هو عمره 21 عاما، وهي قاصرة عمرها 17 عاما اعتنقت الإسلام مؤخرا»، في ضاحية نوازي لو سيك القريبة من باريس، للاشتباه بأنهما كانا يخططان لارتكاب عملية إرهابية باسم «داعش». وأثبت التحقيق أن هذين الشخصين كانا على تواصل مع رشيد قاسم عبر تطبيق «تليغرام» للتراسل. ووجه القضاء رسميًا تهمًا على صلة بالإرهاب لهذين الشخصين، وأمر أول من أمس بوضعهما في السجن وفتح تحقيق قضائي بحقهما. وتوصلت القوى الأمنية إليهما من متابعة شبكات التواصل الاجتماعي التي تبدو الطريقة الأمثل بالنسبة لـ«داعش» من أجل «تجنيد» أتباعه. واللافت في موضوع الفتاة التي لم تبلغ بعد سن الرشد أنها حامل، وقد استندت لذلك لنفي نيتها أمام قاضي التحقيق بالسعي لارتكاب عمل إرهابي، وكانت قد اعتنقت الإسلام وهي في سن الخامسة عشرة من عمرها تحت تأثير صديقها.
وتفيد أرقام الأجهزة الأمنية بأن هناك 15 ألف شخص موجودون على اللوائح المسامة «أس»، أي الذين يشكلون تهديدًا أمنيًا. ومن بين هؤلاء 18 في المائة «غالبيتهم من الفتيات» لم يبلغوا سن الرشد، وأن أصغرهم لا يزيد عمره على 11 عامًا. أما الشباب بينهم فإن سنهم يتراوح ما بين 15 و25 عاما ،وهم يتحدرون في غالبيتهم من ضواحي المدن الكبرى. وعمليًا، ثمة 2000 فرنسي أو مقيم على الأراضي الفرنسية على صلة من قريب أو من بعيد بالخلايا الجهادية بينهم 700 ما زالوا من المقاتلين الموجودين في سوريا والعراق، بينما قتل 200 شخص منذ انطلاق المعارك في سوريا، وعاد إلى فرنسا 203 أشخاص. وتخوف السلطات الأمنية منبعه عودة هؤلاء إلى الأراضي الفرنسية، وما يمكن أن يقوموا به لاحقًا من اعتداءات إرهابية.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».