فات على المخرج الشاب نيت باركر تسجيل الموقف الذي سعى إليه عندما انطلق لتحقيق فيلم عن حياة شاب أفرو - أميركي اسمه نيت تيرنر انطلق خلال سنوات ما قبل الحرب الأهلية لكي يحارب في سبيل استقلال بني بشرته من الرق والعبودية.
كان المخرج اختار العنوان ذاته لفيلم عنصري شهير هو «مولد أمّة»، أخرجه فنان أميركي مشهود هو ديفيد وورك غريفيث سنة 1915. فيلم غريفيث قام على حكاية متخيّلة على خلفية واقعية: الجيش الاتحادي ينتصر وفرقة من الجنود السود يتقدّمون صوب بلدة جنوبية وكل ما يجول في بالهم الانتقام من البيض الجنوبيين، إما بقتل الرجال أو باغتصاب النساء. لكن عصبة «كو كلوكس كلان» الشهيرة تتدخل لتنقذ الشرف الأبيض مما حاول القيام به العنصر الأسود.
عمليًا، فيلم باركر «مولد أمّة» أكثر واقعية لأن الشخصية الرئيسية فيه هي شخصية حقيقية لمحارب عاش في ولاية فرجينيا وقام، سنة 1831، أي قبل 30 سنة كاملة من بداية الحرب الأهلية، بإنشاء عصبة من المناهضين للوضع العنصري وقيادته في سبيل الانتصار لمبادئ التحرر وضد العبودية.
هذا الطموح الذي نال التصفيق الحاد من قبل النقاد والمشاهدين حين عرض الفيلم لأول مرّة في مهرجان «صندانس» في مطلع هذا العام، ارتطم - حين وصل الفيلم إلى شاشات السينما التجارية - بعزوف شديد واستقبال فاتر ناتج عن أن حياة المخرج، وليس حياة بطله، هي التي باتت حديث الإعلام. ذلك وقع عندما تم تسريب نبأ نسف احتمالات نجاح الفيلم نسفًا: نايت باركر كان اتهم بحادثة اغتصاب قبل نحو خمسة عشر سنة، والفتاة التي قيل إنه اغتصبها (وشخص آخر) انتحرت بعد ذلك ببضع سنوات.
يومًا ما ربما سيتم تحقيق فيلم عن هذا المخرج الذي يعيش الآن أصعب أوقاته. ذلك لأن تصوير أفلام مستمدة من أحداث وشخصيات حقيقية هو نوع من الدراما قائم بذاته شهد ولا يزال حالة رواج واسعة خصوصًا إذا ما كانت المادة صالحة، على نحو أو آخر، للترفيه.
ففي شهر يناير (كانون الثاني) عندما قدّم نايت فيلمه هذا في مهرجان «صندانس» (قطب المهرجانات الأميركية حاليًا) قام إزرا إيدلمان بتقديم فيلمه التسجيلي «أو جي: صنع في أميركا» متناولاً قضية الممثل والرياضي أو جي سمبسون الذي كان اتهم بقتل زوجته السابقة وشهدت محاكمته التي بثت يوميًا خلال منتصف العقد الأول من هذا القرن، على محطات التلفزيون إقبالاً كبيرًا إذ باتت مادة ترفيهية ناجحة، وذلك حتى الحلقة الأخيرة منها عندما قررت المحكمة في الثالث عشر من مارس (آذار) تبرئة سيمسون من كل ما نسب إليه من اتهامات وفي مقدّمتها جريمة القتل.
فبركات
في الشهر الثاني من هذا العام باشرت محطات التلفزيون الأميركية بث حلقات درامية عن محاكمة سمبسون مقتبسة عن كتاب The Run of His Life: The People vs. O.J.Simpson وضعه سنة 1997 جفري توبين. مرّة أخرى تحلق الجمهور الأميركي حول هذا المسلسل الذي تألف من خمس حلقات كما لو كان مسلسلاً دراميًا - عاطفيًا ترفيهيًا فيه كل ما يطيب للجمهور مشاهدته في سهرات المساء. ومن عروضه الأولى في ذلك الشهر انتقل بين محطات أخرى بحيث كان ما زال ماثلاً عندما تعرض نايت باركر للعاصفة التي أودت بفيلمه وبحظوظه التجارية (وغالبًا بحظوظه في الأوسكار) وربما بمستقبله القريب أيضًا.
تتخذ سير الحياة، وسير حياة المشهورين من الناس أساسًا، أشكالاً سينمائية مختلفة عادة لكن ما يحكمها هو إعادة تقديم الشخصية الحقيقية لجمهور يريد أن يطلع على الحقيقة أو ما قد يُتاح له منها حتى وإن امتلأت رفوف المكتبات سابقًا بكثير من الكتب حولها. لذلك تسود الرغبة في نبش جوانب مظلمة في حياة معظم من نراهم على الشاشات في الزمن الحاضر. في هذه الحالة، لا يكفي سرد سيرة الحياة، بل لا بد من تلوينها والتدخل فيها لضمان استخراج ما يثير فضول المشاهدين.
على هذا الأساس شاهدنا في السنوات القريبة أن المخرج ألفرد هيتشكوك لم يكن سوى سكير غيور وأن زوجته هي التي أخرجت نصف فيلمه الباهر «سايكو»، وذلك في فيلم ساشا جرفاسي المفبرك «هيتشكوك» (2012)، ورأينا أن شخصية عالم الحسابات آلان تورينغ في «لعبة المحاكاة» (The Imitation Game) حوربت لأنه كان مثليًا، بينما لم يجد الفيلم التسجيلي «ماذا حدث لمس سايمون؟» لليز غاربوس (2015) سوى عنصر قيام المغنية نينا سايمون بإطلاق تهديدات بقتل المسلحين البيض خلال اضطرابات الستينات الشهيرة في أميركا لكي يبني عليه حديثه عنها لجانب التركيز على حياتها الخاصة.
وعندما قام الفرنسي أوليفييه داهان بتقديم فصل من حياة الممثلة (ولاحقًا الأميرة) غريس كيلي، اختار الفصل الذي أثارت فيه غضب القصر الملكي في موناكو، دامجًا، كسواه من الأفلام الروائية المذكورة، الخيال بالواقع حتى ليصعب، على من لا يعلم، التفريق بينهما أو القبول بهما معًا كحقائق.
أفلام جادة
من حسن الحظ أنه ليس كل الأفلام البيوغرافية مستعدة لترويج المناخ الافتراضي على الواقع وتثبيته كما لو كان حقيقة. هناك أفلام روائية تلتزم بالواقع من دون أن تسمح للمادة الدرامية الضرورية بتمييع الحقيقة، ومن دون أن يكون الهدف هو النيل من الشخصية لمجرد تعميم نظرة مخالفة للسائد عنها.
«صولي» لكلينت إيستوود لا يبحث في وجه آخر للملاح الذي حط بسلام فوق نهر الهدسون عندما انطفأ محركا طيارته المدنية. كفاه أن يغرف الدراما من مشاهد التحقيقات التي تعرض لاحقًا من قبل مجلس رسمي اعتقد أن الملاح كانت لديه خيارات أخرى أكثر أمنًا لم يتخذها.
في فيلمه السابق «قناص أميركي» لم يرد خيانة عهدة الشخصية التي يقوم بإخراجها. لم يتصدَّ لمفاهيمها العنصرية لكنه أوضح ما سببه العنف والقتل من انهيار في حياة بطله الخاصة.
أحد أفضل أفلام السير الشخصية حاليًا فيلم بابلو لاران «جاكي» الذي يروي، بأسلوب مهذّب، تلك المرحلة الصعبة التي عاشتها عندما أصابت رصاصة الاغتيال القاتلة رأس زوجها الرئيس وهو إلى جانبها في السيارة المكشوفة، ثم ما مرت به حياتها الخاصة من فوضى ردود الفعل ومحاولة إقصائها عن دورها حتى من قبل دفن زوجها.
ما يميز هذين الفيلمين، ومعهما في السنوات الأخيرة «العصبة» لبابلو ترابيرو و«سبوتلايت» لتوم مكارثي و«قداس أسود» لسكوت كوبر، هو جدية التناول بحيث لا تتغلب الدراما المضافة على دراما الواقع نفسه.





