أفلام السير الذاتية تستلهم الواقع.. ثم تلغيه

حين تطغى حياة المخرج على حياة بطله

نيت باركر ممثلاً ومخرجًا لفيلم «مولد أمة» - «جاكي» لبابلو لوران أحد أفضل أفلام السير حاليًا
نيت باركر ممثلاً ومخرجًا لفيلم «مولد أمة» - «جاكي» لبابلو لوران أحد أفضل أفلام السير حاليًا
TT

أفلام السير الذاتية تستلهم الواقع.. ثم تلغيه

نيت باركر ممثلاً ومخرجًا لفيلم «مولد أمة» - «جاكي» لبابلو لوران أحد أفضل أفلام السير حاليًا
نيت باركر ممثلاً ومخرجًا لفيلم «مولد أمة» - «جاكي» لبابلو لوران أحد أفضل أفلام السير حاليًا

فات على المخرج الشاب نيت باركر تسجيل الموقف الذي سعى إليه عندما انطلق لتحقيق فيلم عن حياة شاب أفرو - أميركي اسمه نيت تيرنر انطلق خلال سنوات ما قبل الحرب الأهلية لكي يحارب في سبيل استقلال بني بشرته من الرق والعبودية.
كان المخرج اختار العنوان ذاته لفيلم عنصري شهير هو «مولد أمّة»، أخرجه فنان أميركي مشهود هو ديفيد وورك غريفيث سنة 1915. فيلم غريفيث قام على حكاية متخيّلة على خلفية واقعية: الجيش الاتحادي ينتصر وفرقة من الجنود السود يتقدّمون صوب بلدة جنوبية وكل ما يجول في بالهم الانتقام من البيض الجنوبيين، إما بقتل الرجال أو باغتصاب النساء. لكن عصبة «كو كلوكس كلان» الشهيرة تتدخل لتنقذ الشرف الأبيض مما حاول القيام به العنصر الأسود.
عمليًا، فيلم باركر «مولد أمّة» أكثر واقعية لأن الشخصية الرئيسية فيه هي شخصية حقيقية لمحارب عاش في ولاية فرجينيا وقام، سنة 1831، أي قبل 30 سنة كاملة من بداية الحرب الأهلية، بإنشاء عصبة من المناهضين للوضع العنصري وقيادته في سبيل الانتصار لمبادئ التحرر وضد العبودية.
هذا الطموح الذي نال التصفيق الحاد من قبل النقاد والمشاهدين حين عرض الفيلم لأول مرّة في مهرجان «صندانس» في مطلع هذا العام، ارتطم - حين وصل الفيلم إلى شاشات السينما التجارية - بعزوف شديد واستقبال فاتر ناتج عن أن حياة المخرج، وليس حياة بطله، هي التي باتت حديث الإعلام. ذلك وقع عندما تم تسريب نبأ نسف احتمالات نجاح الفيلم نسفًا: نايت باركر كان اتهم بحادثة اغتصاب قبل نحو خمسة عشر سنة، والفتاة التي قيل إنه اغتصبها (وشخص آخر) انتحرت بعد ذلك ببضع سنوات.
يومًا ما ربما سيتم تحقيق فيلم عن هذا المخرج الذي يعيش الآن أصعب أوقاته. ذلك لأن تصوير أفلام مستمدة من أحداث وشخصيات حقيقية هو نوع من الدراما قائم بذاته شهد ولا يزال حالة رواج واسعة خصوصًا إذا ما كانت المادة صالحة، على نحو أو آخر، للترفيه.
ففي شهر يناير (كانون الثاني) عندما قدّم نايت فيلمه هذا في مهرجان «صندانس» (قطب المهرجانات الأميركية حاليًا) قام إزرا إيدلمان بتقديم فيلمه التسجيلي «أو جي: صنع في أميركا» متناولاً قضية الممثل والرياضي أو جي سمبسون الذي كان اتهم بقتل زوجته السابقة وشهدت محاكمته التي بثت يوميًا خلال منتصف العقد الأول من هذا القرن، على محطات التلفزيون إقبالاً كبيرًا إذ باتت مادة ترفيهية ناجحة، وذلك حتى الحلقة الأخيرة منها عندما قررت المحكمة في الثالث عشر من مارس (آذار) تبرئة سيمسون من كل ما نسب إليه من اتهامات وفي مقدّمتها جريمة القتل.

فبركات

في الشهر الثاني من هذا العام باشرت محطات التلفزيون الأميركية بث حلقات درامية عن محاكمة سمبسون مقتبسة عن كتاب The Run of His Life‪:‬ The People vs‪.‬ O‪.‬J‪.‬Simpson وضعه سنة 1997 جفري توبين. مرّة أخرى تحلق الجمهور الأميركي حول هذا المسلسل الذي تألف من خمس حلقات كما لو كان مسلسلاً دراميًا - عاطفيًا ترفيهيًا فيه كل ما يطيب للجمهور مشاهدته في سهرات المساء. ومن عروضه الأولى في ذلك الشهر انتقل بين محطات أخرى بحيث كان ما زال ماثلاً عندما تعرض نايت باركر للعاصفة التي أودت بفيلمه وبحظوظه التجارية (وغالبًا بحظوظه في الأوسكار) وربما بمستقبله القريب أيضًا.
تتخذ سير الحياة، وسير حياة المشهورين من الناس أساسًا، أشكالاً سينمائية مختلفة عادة لكن ما يحكمها هو إعادة تقديم الشخصية الحقيقية لجمهور يريد أن يطلع على الحقيقة أو ما قد يُتاح له منها حتى وإن امتلأت رفوف المكتبات سابقًا بكثير من الكتب حولها. لذلك تسود الرغبة في نبش جوانب مظلمة في حياة معظم من نراهم على الشاشات في الزمن الحاضر. في هذه الحالة، لا يكفي سرد سيرة الحياة، بل لا بد من تلوينها والتدخل فيها لضمان استخراج ما يثير فضول المشاهدين.
على هذا الأساس شاهدنا في السنوات القريبة أن المخرج ألفرد هيتشكوك لم يكن سوى سكير غيور وأن زوجته هي التي أخرجت نصف فيلمه الباهر «سايكو»، وذلك في فيلم ساشا جرفاسي المفبرك «هيتشكوك» (2012)، ورأينا أن شخصية عالم الحسابات آلان تورينغ في «لعبة المحاكاة» (The Imitation Game) حوربت لأنه كان مثليًا، بينما لم يجد الفيلم التسجيلي «ماذا حدث لمس سايمون؟» لليز غاربوس (2015) سوى عنصر قيام المغنية نينا سايمون بإطلاق تهديدات بقتل المسلحين البيض خلال اضطرابات الستينات الشهيرة في أميركا لكي يبني عليه حديثه عنها لجانب التركيز على حياتها الخاصة.
وعندما قام الفرنسي أوليفييه داهان بتقديم فصل من حياة الممثلة (ولاحقًا الأميرة) غريس كيلي، اختار الفصل الذي أثارت فيه غضب القصر الملكي في موناكو، دامجًا، كسواه من الأفلام الروائية المذكورة، الخيال بالواقع حتى ليصعب، على من لا يعلم، التفريق بينهما أو القبول بهما معًا كحقائق.

أفلام جادة

من حسن الحظ أنه ليس كل الأفلام البيوغرافية مستعدة لترويج المناخ الافتراضي على الواقع وتثبيته كما لو كان حقيقة. هناك أفلام روائية تلتزم بالواقع من دون أن تسمح للمادة الدرامية الضرورية بتمييع الحقيقة، ومن دون أن يكون الهدف هو النيل من الشخصية لمجرد تعميم نظرة مخالفة للسائد عنها.
«صولي» لكلينت إيستوود لا يبحث في وجه آخر للملاح الذي حط بسلام فوق نهر الهدسون عندما انطفأ محركا طيارته المدنية. كفاه أن يغرف الدراما من مشاهد التحقيقات التي تعرض لاحقًا من قبل مجلس رسمي اعتقد أن الملاح كانت لديه خيارات أخرى أكثر أمنًا لم يتخذها.
في فيلمه السابق «قناص أميركي» لم يرد خيانة عهدة الشخصية التي يقوم بإخراجها. لم يتصدَّ لمفاهيمها العنصرية لكنه أوضح ما سببه العنف والقتل من انهيار في حياة بطله الخاصة.
أحد أفضل أفلام السير الشخصية حاليًا فيلم بابلو لاران «جاكي» الذي يروي، بأسلوب مهذّب، تلك المرحلة الصعبة التي عاشتها عندما أصابت رصاصة الاغتيال القاتلة رأس زوجها الرئيس وهو إلى جانبها في السيارة المكشوفة، ثم ما مرت به حياتها الخاصة من فوضى ردود الفعل ومحاولة إقصائها عن دورها حتى من قبل دفن زوجها.
ما يميز هذين الفيلمين، ومعهما في السنوات الأخيرة «العصبة» لبابلو ترابيرو و«سبوتلايت» لتوم مكارثي و«قداس أسود» لسكوت كوبر، هو جدية التناول بحيث لا تتغلب الدراما المضافة على دراما الواقع نفسه.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز