الدرع الصاروخية مصدر توتر بين روسيا والولايات المتحدة والصين

موسكو تعتبره تهديدًا لها ولبكين.. وتنوي العودة بقواعدها إلى كوبا وفيتنام

متظاهرون بالملابس العسكرية يحتجون أمام وزارة الدفاع الصينية في بكين أمس ضد برامج التحديث الدفاعية التي تعني تسريح العديد من العسكريين (أ.ب)
متظاهرون بالملابس العسكرية يحتجون أمام وزارة الدفاع الصينية في بكين أمس ضد برامج التحديث الدفاعية التي تعني تسريح العديد من العسكريين (أ.ب)
TT

الدرع الصاروخية مصدر توتر بين روسيا والولايات المتحدة والصين

متظاهرون بالملابس العسكرية يحتجون أمام وزارة الدفاع الصينية في بكين أمس ضد برامج التحديث الدفاعية التي تعني تسريح العديد من العسكريين (أ.ب)
متظاهرون بالملابس العسكرية يحتجون أمام وزارة الدفاع الصينية في بكين أمس ضد برامج التحديث الدفاعية التي تعني تسريح العديد من العسكريين (أ.ب)

يعتبر خبراء الدفاع الروس أن الولايات المتحدة تسعى لتحقيق التفوق الاستراتيجي (نوويا) على موسكو وبكين من خلال نشر مكونات وقواعد الدرع الصاروخية الأميركية في مناطق مختلفة من العالم، لا سيما في أوروبا الشرقية وفي منطقة النزاع بين الكوريتين. واعتبرت موسكو أن تحركات واشنطن في هذا الاتجاه ستكون لها عواقب وخيمة، وتعيد التناحر بين الدولتين إلى أجواء الحرب الباردة. ولهذا فقد كشفت موسكو حديثا بأنها تنوي إعادة النظر في قواعدها السابقة في كوبا وفيتنام.
كما انتقدت بكين، أمس (الثلاثاء)، واشنطن على تدخلاتها في آسيا، وسط تصاعد التوتر بين القوتين العالميتين على خلفية النزاعات على الأراضي في بحر الصين الجنوبي، وكيفية التعامل مع الخروقات المتزايدة لكوريا الشمالية.
وكان قد أعلن نائب وزير الدفاع الروسي، نيكولاي بانكوف، أن الوزارة تدرس احتمال العودة إلى كوبا وفيتنام، حيث كانت توجد قواعد عسكرية روسية. وقال بانكوف، أمام مجلس الدوما: «نحن نقوم بدراسة هذه المسألة»، مشيرا إلى أنه لا يريد الدخول بالتفاصيل، بحسب وكالة «سبوتنيك» الروسية. وأكد بانكوف، أن قيادة وزارة الدفاع تعيد النظر في القرارات التي تم اتخاذها لإلغاء القواعد في هذين البلدين.
يذكر أن الاتحاد السوفياتي السابق كانت له قاعدة عسكرية في كوبا في منطقة لورديس، فيما تمركز الوجود الروسي في فيتنام تحديدًا في قاعدة «كامران» البحرية. وتم سحب القوات الروسية من القاعدة عام 2002.
وحسب قول فيكتور بوزنيخير، النائب الأول لمدير دائرة العمليات في قيادة الأركان الروسية، فإن الولايات المتحدة قد حطمت حجر الأساس لمنظومة الاستقرار الاستراتيجي العالمي عندما قررت عام 2002 الانسحاب بصورة أحادية من معاهدة الحد من الأنظمة الصاروخية المضادة للصواريخ المعروفة أيضًا باسم «اتفاقية عام 1972 للأنظمة الصاروخية».
وحذر بوزنيخير في كلمته يوم أمس أمام منتدى الأمن المنعقد في الصين من أن «ما تقوم به الولايات المتحدة من شأنه أن يؤدي إلى خلل في موازين القوى في العالم»، موضحًا أن الوهم بامتلاك حصانة بوجه الضربات النووية وبإمكانية الإفلات من العقاب بفضل منظومة الدرع الصاروخية، سيحفز الولايات المتحدة لاتخاذ خطوات أحادية الجانب في حل القضايا العالمية، وهو ما سيؤدي إلى تقليص الحدود التي يجوز عندها استخدام السلاح النووي استباقًا لخطوات الخصم، حسب قول المسؤول العسكري الروسي الذي أضاف أنه «بذريعة التصدي للتهديد الصاروخي من جانب إيران وكوريا الشمالية يجري نشر منظومة الدروع الصاروخية، لكنها موجهة بالدرجة الأولى للتصدي للصواريخ الروسية والصينية». وشدد على أن «روسيا مضطرة في ظل هذا الوضع إلى اتخاذ تدابير مناسبة كي لا تتمكن خطة الولايات المتحدة في مجال الدفاعات المضادة للصواريخ من التأثير على التوازن الراهن للأسلحة الاستراتيجية».
وجه وزير الدفاع الصيني تشانغ وانغوان، خلال منتدى جيانغشان السنوي السابع للدفاع الإقليمي في بكين، انتقادا مبطنا للتدخل الأميركي مؤخرا في بؤر التوتر الآسيوية. وقامت واشنطن بنشر منظومة دفاع صاروخية في كوريا الجنوبية في أعقاب التجارب النووية والصاروخية المتكررة لبيونغ يانغ، حليفة بكين.
وقال تشانغ لمسؤولين دفاعيين وأكاديميين خلال المنتدى، إن «بعض الدول تسعى لتفوق عسكري مطلق، وتواصل تعزيز تحالفاتها العسكرية، وتسعى لأمنها المطلق على حساب أمن دول أخرى».
واعتمد الرئيس الأميركي باراك أوباما نهجا يقوم على نقل محور سياسته الخارجية إلى آسيا، من خلال تعزيز انخراط الولايات المتحدة العسكري والاقتصادي في المنطقة، ما أثار مخاوف في بكين من أن تعمل واشنطن على كبح القوة المتنامية للعملاق الآسيوي.
وتجدر الإشارة إلى أن روسيا كانت قد رأت منذ عام 2002 أن الدرع الصاروخية التي يقول الأميركان إن الهدف من نشرها هو التصدي للتهديد الصاروخي من جانب دول مثل إيران، إنما يجري نصبها للحد من القدرة النووية الروسية، ومنح الجانب الأميركي قدرة على اعتراض صواريخ نووية قد تطلقها روسيا في سياق ردها على ضربة نووية أميركية. وزاد من القلق الروسي نية الولايات المتحدة، التي تجسدت عمليا العام الجاري، بنشر مكونات الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية، الأمر الذي سيمكن الصواريخ الاعتراضية الأميركية من التصدي للصواريخ الهجومية الروسية في المراحل الأولى من انطلاقها، أي قبل أن يتمكن الصاروخ من زيادة سرعته إلى مستويات يصعب معها اعتراضه. لهذا أعلنت روسيا عن تصنيعها منظومات صاروخية قادرة على تجاوز الدرع الصاروخية باعتمادها على سرعة عالية عند الانطلاق وقدرة على المناورة والتشويش والتصدي للصاروخ الاعتراضي.
وكانت موسكو قد قدمت عدة اقتراحات للخروج من الأزمة مع واشنطن بهذا الشأن، بما في ذلك اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ سنوات إنشاء منظومة دفاعية صاروخية روسية - أوروبية مشتركة لحماية أوروبا من ذات التهديدات الصاروخية الإيرانية التي تشير إليها واشنطن، إلا أن الاقتراح الروسي لم يلق قبولا. ولما رفضت الولايات المتحدة تعديل مشروعها الصاروخي حتى بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران، أصبحت الشكوك بشأن الهدف الرئيسي من تلك المنظومة وأنها تستهدف القدرة النووية الروسية يقينا بالنسبة للجانب الروسي، الذي بادر وطلب ضمانات قانونية ملزمة من الجانب الأميركي بأن الدرع الصاروخية في أوروبا لا تستهدف روسيا، إلا أن واشنطن لم تقدم تلك الضمانات. وعليه يرى فيكتور بوزنيخير، من قيادة الأركان الروسية، في التأكيدات الشفهية الأميركية أن الدرع ليست موجهة ضد روسيا «مجرد كلام غير مدعوم بأي اتفاقيات».
ولا يقتصر القلق الروسي من الدرع الصاروخية على إمكانية تلك المنظومة في إعاقة حركة الصواريخ الاستراتيجية الروسية، إذ تخشى روسيا أن تتمكن الولايات المتحدة من توسيع قدراتها في استهداف الأقمار الصناعية بواسطة تلك المنظومة الدفاعية الصاروخية، وهو ما حذر منه بوزنيخير حين أشار في كلمته يوم أمس إلى أن «إحدى مهام الدرع الصاروخية هي توسيع قدرات الولايات المتحدة في تدمير الأقمار الصناعية على المدارات المنخفضة حول الأرض». إلا أنه وعلى الرغم من تزايد التهديدات التي تحملها الدرع الصاروخية الأميركية لروسيا، ومع اتخاذها تدابير تقنية للحد من قدرة تلك الدرع، فإن «موسكو ما زالت مستعدة لاستئناف المحادثات حول هذه المشكلة في إطار ثنائي مع الولايات المتحدة أو في إطار جماعي مع حلف الناتو» حسب قول بوزنيخير، مشترطا ألا تكون المحادثات بحد ذاتها هي الهدف، بل «الهدف هو التوصل إلى اتفاق يأخذ مصالح كل طرف من الأطراف بالحسبان».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».