مع قرب الانتخابات الرئاسية في نيكاراغوا.. التوتر يزداد بين واشنطن وماناغوا

المعارضة حذرت من مخاطر إعادة انتخاب أورتيغا رئيسًا للبلاد خوفا من تكرار سيناريو الحرب الأهلية

الرئيس دانيال أورتيغا يتوسط زوجته روساريو موريو ورئيس أركان الجيش
الرئيس دانيال أورتيغا يتوسط زوجته روساريو موريو ورئيس أركان الجيش
TT

مع قرب الانتخابات الرئاسية في نيكاراغوا.. التوتر يزداد بين واشنطن وماناغوا

الرئيس دانيال أورتيغا يتوسط زوجته روساريو موريو ورئيس أركان الجيش
الرئيس دانيال أورتيغا يتوسط زوجته روساريو موريو ورئيس أركان الجيش

أتم دانيال أورتيغا، رئيس نيكاراغوا، عشر سنوات متتالية في السلطة وذلك بعد إعادة انتخابه مرتين متتاليتين، ومن المحتمل في نوفمبر (تشرين الثاني) من هذا العام أن يتوج رئيسا للبلاد للمرة الثالثة على التوالي مما يبلغه نحو 15 عاما على رأس السلطة. وستكون هذه هي الحكومة الرابعة في واقع الأمر له، وذلك بعد أن تولى منصب الرئاسة للمرة الأولى لحكمه بين عامي 1985 و1990، وإذا ما استوفيت خطط الرئيس، فسوف تترسخ فرص الديكتاتورية في البلاد حسب الكثير من المراقبين للوضع السياسي.
نيكاراغوا الدولة الواقعة في أميركا الوسطى، على الحدود المشتركة مع هندوراس وكوستاريكا تعد من أصغر البلدان في أميركا اللاتينية، وثاني أفقر البلدان في نصف الكرة الغربي بعد هايتي. حاول جزء من سكان البلاد، تكوين حركة المعارضة التي حاولت الترشح في مواجهة أورتيغا ولكن النظام القضائي، الخاضع بشكل كلي لرئيس البلاد، منع قبل شهور قليلة أي شخص غير أورتيغا من إمكانية الترشح حتى لا تسنح له فرصة الفوز.
ولدى حركات المعارضة هناك مطلب بسيط، ألا وهو عقد الانتخابات الحرة تحت مراقبة دولية. ولكن يكاد يكون من المستحيل أن يسمح الرئيس أورتيغا، وجبهة الساندينية للتحرر الوطني الموالية له، بحدوث ذلك. وما من شك في البلاد أنه سوف يتم انتخاب أورتيغا لفترة رئاسية ثالثة.
يحذر أستاذ العلوم السياسية فليكس مادارياغا الناخبين في نيكاراغوا، أنه يكاد يكون من المستحيل على أي شخص أن يوقع الهزيمة الانتخابية بالرئيس أورتيغا وهو على رأس السلطة في البلاد، والذي لا يجد غضاضة في استخدام كافة أدوات السلطة المتاحة لديه لمتابعة إعادة انتخابه وإرضاء غروره الشخصي. ويفسر مادارياغا ذلك الأمر بقوله: «في ظل الظروف الراهنة في نظام نيكاراغوا الانتخابي، ليست هناك من فرص حقيقية تمكّن مرشح آخر أو حزب معارض من منازعة السلطة مع دانيال أورتيغا عن طريق التصويت. وفي تقديري، فإن انتخابات نوفمبر (تشرين ثان) العامة تفتقر إلى المشروعية وسوف يظهر ذلك جليا في مستويات الامتناع عن التصويت في البلاد».
وتواجه آنا مارغريتا فيجيل، زعيمة حزب المعارضة المعروف باسم حركة تجديد الساندينية المعارضة، هذا الواقع، والتي حذرت في مقابلة شخصية أجرتها معها صحيفة «الشرق الأوسط» من مخاطر إعادة انتخاب أورتيغا رئيسا للبلاد، حيث قالت: «لن تكون هناك انتخابات حقيقية في نيكاراغوا في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. لن يكون هناك إلا المهازل، وفن التمثيل الإيمائي، وفيها تنخرط بعض أجهزة الدولة وبعض الأحزاب الوهمية برفقة أورتيغا في بروفة تمثيلية متقنة. وهي ليست بالانتخابات الحقيقية نظرا لاستبعاد كافة أطياف المعارضة في البلاد، والمراقبة الانتخابية الدولية ممنوعة، ولا يُسمح إلا للمقربين وأصدقاء أورتيغا الأوفياء فقط بالوصول إلى مراكز الاقتراع. وفي هكذا مهزلة، والتي تهدف إلى إضفاء الشرعية الوهمية على فترة رئاسية جديدة لمدة خمس سنوات من حكم أورتيغا، فمن الواضح أنه سوف ينال منصب الرئيس وسوف تُمنح الأحزاب الموالية له حصصها المحددة من الأصوات».
وتعتبر أن الطموحات الرئاسية لأورتيغا توحي بعدم الاحترام للشعب لدرجة أن زوجته، روزاريو موريللو، باتت قاب قوسين أو أدنى من لقب نائبة الرئيس. وتعكس كافة هذه الحقائق التآكل الشديد في الديمقراطية داخل نيكاراغوا منذ أن تولى أورتيغا منصبه في عام 2007.
وأوضحت آنا مارغريتا فيجيل أن فكرة أن يسمي أورتيغا زوجته في منصب نائبة رئيس البلاد تتعلق بهدفهم لإقامة نظام الحزب الواحد، وإرساء دعائم السلالة الحاكمة لعائلة أورتيغا التي تحتل الأدوات الرئيسية للسلطة في نيكاراغوا.
* الروابط مع فنزويلا تجمع أواصر الصداقة العميقة ما بين رئيس نيكاراغوا دانيال أورتيغا ورئيس فنزويلا نيكولاس مادورو تلك التي بدأت مع الرئيس الراحل هوغو شافيز. ولقد أمطر شافيز الهدايا على الدولة الصغيرة الواقعة في أميركا الوسطى بسبب أن القادة هناك يتشاركون سويا الآيديولوجية الاشتراكية ذاتها. وفي هذه الحالات دمر الرجال في السلطة اقتصادات بلدانهم وحياة المواطنين، ونشروا الخوف والقلق بين جموع السكان.
ولذلك، ليس من المستغرب أن المشروع الرئاسي لدانيال أورتيغا أن يتلقى الدعم المستمر من قبل الموارد النفطية القيمة من فنزويلا. يقول مادارياغا إنه على العكس من الأزمة الإنسانية التي تشهدها فنزويلا، فإن نيكاراغوا لديها من الموارد ما لم تشهده البلاد في أي مرحلة سابقة من تاريخها، ويضيف قائلا: «استفادت نيكاراغوا كثيرا من الدعم المالي الهائل القادم من فنزويلا، وهي الأموال التي يديرها الرئيس أورتيغا خارج الميزانية الوطنية للبلاد ومن دون أي سيطرة أو رقابة برلمانية. بين عام 2007 وأواخر عام 2015 تلقى دانيال أورتيغا ما يزيد على 4.6 مليار دولار من فنزويلا. ومن بين هذه الأموال، هناك 3.388.2 مليون دولار تتعلق بقروض لإمدادات النفط من مؤسسة النفط الحكومية في فنزويلا. وكانت تستخدم هذه الأموال في تمويل المشروعات الخاصة لعائلة أورتيغا، مثل شراء قنوات التلفزيون، والراديو، والفنادق، والممتلكات العقارية».
وبعيدا عن الرغبة في تحسين الظروف المعيشية للمواطنين في البلاد، اتجه الرئيس أورتيغا إلى الاستفادة الشخصية من الموارد الهائلة التي يرسلها رئيس فنزويلا، على حساب كل من الشعبين في نيكاراغوا وفنزويلا.
أما زعيمة حركة المعارضة آنا مارغريتا فيجيل، فتقول إن الأزمة التي حلت في فنزويلا باتت ملموسة بالفعل في نيكاراغوا. وقالت: «إن الأزمة الاقتصادية الكبيرة في فنزويلا تؤثر في الوقت الراهن على نيكاراغوا وسوف يزداد أثرها في المستقبل، بالنظر إلى الاعتماد الكلي على النفط. وهذا من العوامل الأخرى التي تضيف إلى أزمة أورتيغا».
* العقوبات حذر الرئيس دانيال أورتيغا أن هدفه هو البقاء في السلطة لأجل غير مسمى، على غرار النظام الحاكم في فنزويلا. ويقول الخبراء أن العواقب سوف تكون وخيمة للغاية وقد تؤدي إلى صراع مسلح مثل الذي شهدته البلاد بين عامي 1980 و1990، ولقد تعامل المجتمع الدولي مع الوضع في نيكاراغوا على استحياء واضح، ولكن مجلس النواب في الولايات المتحدة كان قد صادق على حزمة من العقوبات لإجبار دانيال أورتيغا على تعزيز الانتخابات الحرة والنزيهة. وتتعلق العقوبات بالمؤسسات المالية الدولية والحد من الإقراض لهذه الدولة حتى يتم إجراء عملية الانتخابات النزيهة، والتي من شأنها أن يكون لها تأثير مباشر بين السكان. ولا يزال هذا الاقتراح في انتظار الموافقة عليه من قبل مجلس الشيوخ الأميركي. وأوضح مادارياغا أن بطريقة ما فإننا دولة ذات وزن جيو - سياسي بسيط، ولقد سمح هذا الأمر لأورتيغا بإنشاء مشروعه الديكتاتوري السياسي والشخصي من دون إثارة أي مخاوف لدى المجتمع الدولي.
وقبل سنوات، سجل التاريخ اسم دانيال أورتيغا لوصوله إلى السلطة بعد هزيمة عائلة سوموزا الديكتاتورية. واليوم، يعتبر دانيال أورتيغا جزءا من قائمة الحكام المستبدين في أميركا اللاتينية والمرتبطة ارتباطا وثيقا بالفساد والاستبداد والسلطوية المطلقة حسبما تقول المعارضة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...