تدابير أميركية لحماية الملاحة في باب المندب بعد تعرض إحدى بوارجها لهجوم حوثي

دبلوماسي أميركي: جيشنا سيتخذ الإجراءات المناسبة * الجيش اليمني يحذر من المخاطرة بأمن الملاحة

مدمرات أميركية تجوب البحر الأحمر بالقرب من باب المندب أمس بعد تعرض إحدى البوارج لهجوم من قبل الحوثيين (أ.ف.ب)
مدمرات أميركية تجوب البحر الأحمر بالقرب من باب المندب أمس بعد تعرض إحدى البوارج لهجوم من قبل الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

تدابير أميركية لحماية الملاحة في باب المندب بعد تعرض إحدى بوارجها لهجوم حوثي

مدمرات أميركية تجوب البحر الأحمر بالقرب من باب المندب أمس بعد تعرض إحدى البوارج لهجوم من قبل الحوثيين (أ.ف.ب)
مدمرات أميركية تجوب البحر الأحمر بالقرب من باب المندب أمس بعد تعرض إحدى البوارج لهجوم من قبل الحوثيين (أ.ف.ب)

أكدت الولايات المتحدة، أمس، التزامها بالتدابير اللازمة في باب المندب، لتأمين خطوط الملاحة في المياه الدولية التي تعبر من خلالها البواخر الأميركية، وذلك بعد ساعات من إطلاق التمرد الحوثي صاروخا على بارجة أميركية قبالة السواحل اليمنية.
وجاء التأكيد الأميركي في الوقت الذي حذر فيه الجيش الوطني اليمني من المخاطرة بأمن مضيق باب المندب في ظل امتلاك التمرد الحوثي الصواريخ الباليستية وغيرها من الأسلحة النوعية، واستمرار اغتصاب السلطة على عدد من الموانئ اليمنية الخارجة عن سيطرة الحكومة الشرعية.
وقال هاينز ماهوني المسؤول عن الشؤون اليمنية العامة في السفارة الأميركية لدى اليمن التي تتخذ من جدة مقرا مؤقتا لها، إن الولايات المتحدة «ملتزمة بضمان سلامة الملاحة البحرية للبواخر الأميركية». وشدد في تصريحات أدلى بها إلى «الشرق الأوسط»، على أن بلاده «ستتخذ جميع الخطوات اللازمة لتأكيد سلامة السفن الأميركية».
وقال هاينز ماهوني إن ضابطا كبيرا في البحرية الأميركية يدعى جيف ديفيز أكد أن الصواريخ التي كان تصويبها باتجاه البارجة الأميركية انطلقت من أماكن تقع تحت سيطرة التمرد الحوثي، في إشارة منه إلى ثبوت تورط الحوثيين بالاعتداء على البارجة الأميركية. وبشأن الإجرءات التي سيتم اتخاذها لحماية البوارج الأميركية الموجودة في المياه الدولية قبالة السواحل اليمنية الواقعة تحت سيطرة التمرد الحوثي، قال: «أنا قلق في الرد على هذا الاستفسار، فأنا لست خبيرا عسكريا».
وزاد هاينز ماهوني بالقول: «على أي حال لا أظن أن الجيش الأميركي سيعلق، لأنه لن يكشف التدابير الأمنية التي سيتخذها لمنع الاعتداء على السفن والبواخر التابعة للأسطول الأميركي»، مشددا على أنه سيتم تأمين سلامة ملاحة السفن الأميركية في المياه الدولية والإقليمية بالطرق التي يراها الجيش مناسبة.
وعلى الطرف الآخر، أكد لـ«الشرق الأوسط» اللواء سمير الحاج، قائد قوات الاحتياط في الجيش الوطني اليمني خطورة تداعيات سكوت المجتمع الدولي على امتلاك الانقلابيين السلاح، الأمر الذي من شأنه تعريض مضيق باب المندب للخطر، على الرغم من أن هذا المضيق يعتبر أهم الممرات المائية في العالم وأكثرها احتضانا للسفن، الذي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن الذي تمر منه كل عام 25 ألف سفينة تمثل 7 في المائة من الملاحة العالمية.
وقال إنه «إذا لم يستيقظ المجتمع الدولي لخطورة وجود أسلحة في أيدي عصابات منفلتة أثرت على الجميع فنحن أمام خطر دائم، فهذه العصابات لا يمكن أن تحكم مثل القراصنة أو أي عدو يتواجد في البحر، ولا بد من اتخاذ خطوات أكثر جدية وأكثر قوة لكسر جناح هذه المجموعات الانقلابية حتى يأمن مضيق باب المندب وتأمن الملاحة البحرية».
وعن البوارج العسكرية الموجودة في المياه الإقليمية أوضح الحاج أن حمايتها وأمنها تخضع لمسؤوليتها، فهي من تحمي نفسها بنفسها وليس للجانب اليمني أو قوات التحالف دور في تأمين حمايتها، وأن تعرض البارجة الأميركية لصاروخين من قبل الانقلابيين إضافة لحادثة الاعتداء على سفينة الإغاثة الإماراتية يؤكد أن المناطق التي يسيطر عليها الانقلابيون غير آمنة وخطرة على سير الملاحة الدولية بشكل عام.
ولفت إلى أن الخمسة موانئ الأساسية الموجودة في اليمن تقع ثلاث منها تحت سيطرة الانقلابيين «ميناء الصليف، والمخا، والحديدة»، مقابل اثنين فقط تحت سيطرة الحكومة الشرعية «ميناء المكلا وعدن»، في حين تسيطر قوات التحالف الإماراتية والسعودية إلى جانب القوات المصرية سيطرة كاملة أمنية على مضيق باب المندب.
وعرج أثناء حديثه على أن إيران تلعب دورا مهما وخطيرا في إمداد الحوثيين بالأسلحة عن طريق تهريبها في سفنها الكبيرة الموجودة في عرض البحر، التي تعمل على إدخالها لليمن بطريقتين، إما من خلال تفريغ حمولة الأسلحة لسفن الصغيرة تدخل بها إلى اليمن عن طريق الموانئ الفرعية وليس الرئيسية، أو أنها تقوم بتخبئة هذه الأسلحة في جنبات البضائع القادمة لليمن.
من جهته، رأى الخبير في الشؤون السياسية، أحمد البحيح، أن «قيمة اليمن عند العالم تكمن في وجود الممر الدولي باب المندب فإذا كان غير آمن فإن المجتمع الدولي سيتدخل لتأمينه»، مؤكدا أن «باب المندب ثاني أهم ممر دولي يربط الشرق بالغرب فحركة التجارة العالمية بين قارات العالم تمر منه ومثلها الطاقة النفطية، وباب المندب يمثل مع قناة السويس طرفي أنبوب». ولفت البحيح إلى أن إيران كانت تخطط للاستيلاء على باب المندب، لكون امتلاكه لديها أهم وأخطر من امتلاك المفاعل النووي إذا ما أضيف مضيق هرمز الخاضع لسيطرتها لتتحكم بحركة السفن. وذهب إلى أن اعتداء الانقلابيين على السفن كما حدث للبارجة الأميركية وسفينة الإغاثة الإمارتية «مقصود لإظهار أن قوات التحالف عاجزة عن تأمين الممر الدولي وبالتالي إفراغ حربها في اليمن من محتواها وذريعة لإبعادها عن الممر البحري الدولي وعملية إحلال أميركي مكانها».
وعن الموانئ اليمنية الواقعة تحت سيطرة الانقلابيين قال البحيح: «ميناء المخا والحديدة تحت سيطرة الحوثيين، ما يعني أن الملاحة في البحر الأحمر في خطر طالما البلد يعيش فراغ سلطة». واعتبر الأمن في المنطقة برمتها مهددا إذا استمر الانقسام والحرب والصراع ولم تقم دولة قوية تفرض الأمن وتتحكم بالسلاح، مبينا أن بقاء أهم ثلاث موانئ رئيسية تحت قبضة الانقلابيين سيحدث اختراقات كالتي طالت السفينة الإماراتية والهجوم على المدمرة الأميركية ما لم تنتصر الشرعية وتضبط الأوضاع في كل الأراضي اليمنية البرية والبحرية.
من جهة أخرى، تدير مؤسسة موانئ البحر العربي اليمنية وتشغل كل الموانئ المطلة على بحر العرب وتتكون من ثلاثة موانئ، هي ميناء المكلا في محافظة حضرموت وميناء سقطرى بمحافظة سقطرى وميناء نشطون في محافظة المهرة. ويتحمل ميناء المكلا حاليا مهمة تأمين الاستقرار التمويني وضمان تدفق المواد الغذائية والمشتقات النفطية والمعدات، منذ بداية الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد. وفي هذا الخصوص، أكد الرئيس التنفيذي لمؤسسة موانئ البحر العربي، المهندس سالم باسمير، أن ميناء المكلا يواصل نشاطه الملاحي والتجاري بوتيرة عالية رغم التحديات والصعوبات التي تواجهه حيث تتواصل أعمال تفريغ البواخر الرأسية في أرصفة الميناء المكلا التي تحمل على متنها المشتقات النفطية والمواد الغذائية ميناء المكلا.
وأوضح أن ميناء المكلا يمارس نشاطه الملاحي اليومي في استقبال البواخر المتنوعة وناقلات المشتقات النفطية (بترول وديزل ومازوت) بصورة طبيعة وبتنسيق وتعاون مستمر على أعلى المستويات مع السلطة المحلية بالمحافظة متمثلة في محافظ المحافظة، اللواء الركن أحمد سعيد بن بريك، وشركة النفط اليمنية فرع حضرموت وجمرك ميناء المكلا وغرفة وتجارة وصناعة حضرموت والوكلاء الملاحيين والجهات الأمنية المتواجدة بالميناء.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».