تدابير أميركية لحماية الملاحة في باب المندب بعد تعرض إحدى بوارجها لهجوم حوثي

دبلوماسي أميركي: جيشنا سيتخذ الإجراءات المناسبة * الجيش اليمني يحذر من المخاطرة بأمن الملاحة

مدمرات أميركية تجوب البحر الأحمر بالقرب من باب المندب أمس بعد تعرض إحدى البوارج لهجوم من قبل الحوثيين (أ.ف.ب)
مدمرات أميركية تجوب البحر الأحمر بالقرب من باب المندب أمس بعد تعرض إحدى البوارج لهجوم من قبل الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

تدابير أميركية لحماية الملاحة في باب المندب بعد تعرض إحدى بوارجها لهجوم حوثي

مدمرات أميركية تجوب البحر الأحمر بالقرب من باب المندب أمس بعد تعرض إحدى البوارج لهجوم من قبل الحوثيين (أ.ف.ب)
مدمرات أميركية تجوب البحر الأحمر بالقرب من باب المندب أمس بعد تعرض إحدى البوارج لهجوم من قبل الحوثيين (أ.ف.ب)

أكدت الولايات المتحدة، أمس، التزامها بالتدابير اللازمة في باب المندب، لتأمين خطوط الملاحة في المياه الدولية التي تعبر من خلالها البواخر الأميركية، وذلك بعد ساعات من إطلاق التمرد الحوثي صاروخا على بارجة أميركية قبالة السواحل اليمنية.
وجاء التأكيد الأميركي في الوقت الذي حذر فيه الجيش الوطني اليمني من المخاطرة بأمن مضيق باب المندب في ظل امتلاك التمرد الحوثي الصواريخ الباليستية وغيرها من الأسلحة النوعية، واستمرار اغتصاب السلطة على عدد من الموانئ اليمنية الخارجة عن سيطرة الحكومة الشرعية.
وقال هاينز ماهوني المسؤول عن الشؤون اليمنية العامة في السفارة الأميركية لدى اليمن التي تتخذ من جدة مقرا مؤقتا لها، إن الولايات المتحدة «ملتزمة بضمان سلامة الملاحة البحرية للبواخر الأميركية». وشدد في تصريحات أدلى بها إلى «الشرق الأوسط»، على أن بلاده «ستتخذ جميع الخطوات اللازمة لتأكيد سلامة السفن الأميركية».
وقال هاينز ماهوني إن ضابطا كبيرا في البحرية الأميركية يدعى جيف ديفيز أكد أن الصواريخ التي كان تصويبها باتجاه البارجة الأميركية انطلقت من أماكن تقع تحت سيطرة التمرد الحوثي، في إشارة منه إلى ثبوت تورط الحوثيين بالاعتداء على البارجة الأميركية. وبشأن الإجرءات التي سيتم اتخاذها لحماية البوارج الأميركية الموجودة في المياه الدولية قبالة السواحل اليمنية الواقعة تحت سيطرة التمرد الحوثي، قال: «أنا قلق في الرد على هذا الاستفسار، فأنا لست خبيرا عسكريا».
وزاد هاينز ماهوني بالقول: «على أي حال لا أظن أن الجيش الأميركي سيعلق، لأنه لن يكشف التدابير الأمنية التي سيتخذها لمنع الاعتداء على السفن والبواخر التابعة للأسطول الأميركي»، مشددا على أنه سيتم تأمين سلامة ملاحة السفن الأميركية في المياه الدولية والإقليمية بالطرق التي يراها الجيش مناسبة.
وعلى الطرف الآخر، أكد لـ«الشرق الأوسط» اللواء سمير الحاج، قائد قوات الاحتياط في الجيش الوطني اليمني خطورة تداعيات سكوت المجتمع الدولي على امتلاك الانقلابيين السلاح، الأمر الذي من شأنه تعريض مضيق باب المندب للخطر، على الرغم من أن هذا المضيق يعتبر أهم الممرات المائية في العالم وأكثرها احتضانا للسفن، الذي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن الذي تمر منه كل عام 25 ألف سفينة تمثل 7 في المائة من الملاحة العالمية.
وقال إنه «إذا لم يستيقظ المجتمع الدولي لخطورة وجود أسلحة في أيدي عصابات منفلتة أثرت على الجميع فنحن أمام خطر دائم، فهذه العصابات لا يمكن أن تحكم مثل القراصنة أو أي عدو يتواجد في البحر، ولا بد من اتخاذ خطوات أكثر جدية وأكثر قوة لكسر جناح هذه المجموعات الانقلابية حتى يأمن مضيق باب المندب وتأمن الملاحة البحرية».
وعن البوارج العسكرية الموجودة في المياه الإقليمية أوضح الحاج أن حمايتها وأمنها تخضع لمسؤوليتها، فهي من تحمي نفسها بنفسها وليس للجانب اليمني أو قوات التحالف دور في تأمين حمايتها، وأن تعرض البارجة الأميركية لصاروخين من قبل الانقلابيين إضافة لحادثة الاعتداء على سفينة الإغاثة الإماراتية يؤكد أن المناطق التي يسيطر عليها الانقلابيون غير آمنة وخطرة على سير الملاحة الدولية بشكل عام.
ولفت إلى أن الخمسة موانئ الأساسية الموجودة في اليمن تقع ثلاث منها تحت سيطرة الانقلابيين «ميناء الصليف، والمخا، والحديدة»، مقابل اثنين فقط تحت سيطرة الحكومة الشرعية «ميناء المكلا وعدن»، في حين تسيطر قوات التحالف الإماراتية والسعودية إلى جانب القوات المصرية سيطرة كاملة أمنية على مضيق باب المندب.
وعرج أثناء حديثه على أن إيران تلعب دورا مهما وخطيرا في إمداد الحوثيين بالأسلحة عن طريق تهريبها في سفنها الكبيرة الموجودة في عرض البحر، التي تعمل على إدخالها لليمن بطريقتين، إما من خلال تفريغ حمولة الأسلحة لسفن الصغيرة تدخل بها إلى اليمن عن طريق الموانئ الفرعية وليس الرئيسية، أو أنها تقوم بتخبئة هذه الأسلحة في جنبات البضائع القادمة لليمن.
من جهته، رأى الخبير في الشؤون السياسية، أحمد البحيح، أن «قيمة اليمن عند العالم تكمن في وجود الممر الدولي باب المندب فإذا كان غير آمن فإن المجتمع الدولي سيتدخل لتأمينه»، مؤكدا أن «باب المندب ثاني أهم ممر دولي يربط الشرق بالغرب فحركة التجارة العالمية بين قارات العالم تمر منه ومثلها الطاقة النفطية، وباب المندب يمثل مع قناة السويس طرفي أنبوب». ولفت البحيح إلى أن إيران كانت تخطط للاستيلاء على باب المندب، لكون امتلاكه لديها أهم وأخطر من امتلاك المفاعل النووي إذا ما أضيف مضيق هرمز الخاضع لسيطرتها لتتحكم بحركة السفن. وذهب إلى أن اعتداء الانقلابيين على السفن كما حدث للبارجة الأميركية وسفينة الإغاثة الإمارتية «مقصود لإظهار أن قوات التحالف عاجزة عن تأمين الممر الدولي وبالتالي إفراغ حربها في اليمن من محتواها وذريعة لإبعادها عن الممر البحري الدولي وعملية إحلال أميركي مكانها».
وعن الموانئ اليمنية الواقعة تحت سيطرة الانقلابيين قال البحيح: «ميناء المخا والحديدة تحت سيطرة الحوثيين، ما يعني أن الملاحة في البحر الأحمر في خطر طالما البلد يعيش فراغ سلطة». واعتبر الأمن في المنطقة برمتها مهددا إذا استمر الانقسام والحرب والصراع ولم تقم دولة قوية تفرض الأمن وتتحكم بالسلاح، مبينا أن بقاء أهم ثلاث موانئ رئيسية تحت قبضة الانقلابيين سيحدث اختراقات كالتي طالت السفينة الإماراتية والهجوم على المدمرة الأميركية ما لم تنتصر الشرعية وتضبط الأوضاع في كل الأراضي اليمنية البرية والبحرية.
من جهة أخرى، تدير مؤسسة موانئ البحر العربي اليمنية وتشغل كل الموانئ المطلة على بحر العرب وتتكون من ثلاثة موانئ، هي ميناء المكلا في محافظة حضرموت وميناء سقطرى بمحافظة سقطرى وميناء نشطون في محافظة المهرة. ويتحمل ميناء المكلا حاليا مهمة تأمين الاستقرار التمويني وضمان تدفق المواد الغذائية والمشتقات النفطية والمعدات، منذ بداية الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد. وفي هذا الخصوص، أكد الرئيس التنفيذي لمؤسسة موانئ البحر العربي، المهندس سالم باسمير، أن ميناء المكلا يواصل نشاطه الملاحي والتجاري بوتيرة عالية رغم التحديات والصعوبات التي تواجهه حيث تتواصل أعمال تفريغ البواخر الرأسية في أرصفة الميناء المكلا التي تحمل على متنها المشتقات النفطية والمواد الغذائية ميناء المكلا.
وأوضح أن ميناء المكلا يمارس نشاطه الملاحي اليومي في استقبال البواخر المتنوعة وناقلات المشتقات النفطية (بترول وديزل ومازوت) بصورة طبيعة وبتنسيق وتعاون مستمر على أعلى المستويات مع السلطة المحلية بالمحافظة متمثلة في محافظ المحافظة، اللواء الركن أحمد سعيد بن بريك، وشركة النفط اليمنية فرع حضرموت وجمرك ميناء المكلا وغرفة وتجارة وصناعة حضرموت والوكلاء الملاحيين والجهات الأمنية المتواجدة بالميناء.



«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.


قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
TT

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)

يراقب الشارع اليمني انخراط الجماعة الحوثية في الحرب لدعم إيران عسكرياً في مواجهة أميركا وإسرائيل بقلق متزايد؛ خشية أن تتحول البلاد المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية ساحةً جديدةً لصراع إقليمي أوسع. ويتساءل قطاع واسع من اليمنيين عن الفارق الذي ستحدثه هذه الخطة الحوثية، وسط آمال بانتهاء انقلاب الجماعة المتحالفة مع طهران.

وعلى الرغم من الخطاب التعبوي للجماعة عن «معركة كبرى» مزعومة ضد إسرائيل وحلفائها، يبدي السكان في صنعاء ومدن أخرى، مخاوف متنامية من تداعيات هذا الانخراط، بدءاً من احتمال تعرض البلاد لضربات عسكرية، وصولاً إلى مزيد من الضغوط المعيشية على مجتمع يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومنذ الساعات الأولى لإعلان الجماعة إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، بدأت ردود فعل متنوعة في أوساط السكان ما بين التهكم والقلق والغضب والاستعداد للنزوح وشراء مواد تموينية ضرورية، خصوصاً الوقود والغاز المنزلي، إلا أن هناك من رأى أن ما أقدمت عليه الجماعة قد يكون سبباً في حل الأزمة اليمنية، أو منحها بعداً جديداً.

يقول، مراد أحمد، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إنه وعائلته يتابعون التطورات بقلق متزايد، ويفكرون في خياراتهم إذا ما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة مزيد من أعباء الحياة اليومية إذا أصبحت البلد في قلب حرب إقليمية جديدة قد يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس مظاهرة للجماعة تأييداً لإيران (رويترز)

وتتردد في أوساط اليمنيين تعليقات متكررة تنتقد أولويات الجماعة الحوثية في ظل الأزمة المعيشية، فبينما ينتظر غالبية الموظفين العمومين الرواتب منذ سنوات، تتحول النقاشات توقعات ردود الفعل بعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى التي يستنكر الغالبية حضورها بينما تنقطع الكهرباء ويختفي الغاز وغالبية الخدمات ويتأجل الحديث عن الرواتب المنقطعة منذ قرابة عقد.

يشير جمال مصطفى، وهو موظف عمومي آخر ممن انقطعت رواتبهم منذ سنين، إلى أن التهكم في حد ذاته أصبح قاسياً ومريراً. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن اليمنيين، وبينما يخشون من التأثيرات الاقتصادية للحرب وتداعيات استهداف منشآت الطاقة، يجدون أنفسهم عُرضة لأن يكونوا أكثر من يدفع ثمن صراع أكبر منهم.

مغامرة غير محسوبة

وتتفاوت تقديرات المتابعين لمدى فاعلية ومساهمة المشاركة الحوثية في المواجهة الجارية في المنطقة، خصوصاً أن صواريخها ومسيّراتها التي استهدفت إسرائيل سابقاً لم تكن مؤثرة عسكرياً، مقابل هجماتهم السابقة في البحر الأحمر التي عطلت الملاحة الدولية وتسببت بخسائر كبيرة في الاقتصاد والتجارة العالميين ورفعت تكلفة النقل والتأمين البحري.

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتفعّل خطاباً تعبوياً للتصعيد رغم مخاوف السكان على معيشتهم (رويترز)

يذهب فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، إلى أن التدخل الحوثي المؤجل منذ بداية المواجهة كان مفروضاً على الجماعة، لكنه جاء في توقيت غير محسوب، فبعد أن كانت إيران تتوقع أن يؤثر الحوثيون في المعركة، فإن الضربات الأميركية - الإسرائيلية فككت قدرات النظام الإيراني وجعلت المساهمة الحوثية هشة وبلا مبرر، خلافاً للشروط التي وضعتها الجماعة قبل هجماتها.

ويضيف البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن لا تأثير لدخول الحوثيين في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً، سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم التحتية، لكنه في الآن ذاته كتب على الحوثي النهاية، وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؛ ما سيكون سبباً لخلاص اليمن والمنطقة من الجماعة.

المزاج الشعبي

ويبدو المزاج الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية معزولاً عن خطابها التعبوي، فبينما يخشى كثيرون من تبعات مغامراتها، ينتظر غيرهم أن تعجّل جميع ممارساتها بإنهاء نفوذها.

يقول باحث يمني أكاديمي في السياسة والإعلام، إن قطاعاً من السكان باتوا يتوقعون أن تكون نهاية الأزمة اليمنية مرتبطة بالتصعيد الذي تشهده المنطقة، وإن مشاركة الجماعة الحوثية في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي إلى حل غير متوقع للصراع في اليمن.

الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

وحسب ما ينقله الباحث، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته لإقامته في صنعاء، فإن أصحاب هذا الرأي لا ينتمون إلى طبقة أو فئة اجتماعية محددة، وإنهم موجودون في كل المستويات الاجتماعية والعلمية والثقافية. ويفسر آراءهم بأنها تأتي نتيجة الضبابية والغموض في مستقبل الأزمة اليمنية، وصعوبة توقع حل سلمي لها، خصوصاً مع تعنت الجماعة الحوثية، واستعداداتها الدائمة لمعارك لا تنتهي.

استنزاف داخلي

يتفق كثير من المراقبين على أن ارتباط الأزمة اليمنية بالحرب الإقليمية الحالية من التدخل الحوثي، سيمنحها مساراً جديداً، لكنهم يختلفون في طبيعته وتفاصيله.

فوقاً لما يورده الباحث، هناك من يرى أن الحوثيين - بقدر ما يعرّضون البلد للمزيد من الخراب وتدمير البنية التحتية ويهدّدون حياة وسلامة السكان، إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الرد على هجماتهم - يعرّضون أنفسهم بالمقابل لاستنزاف كبير، خصوصاً إذا طالت المواجهة، وهذا يسهِم في إضعافهم، ويعزز من إمكانية التمرد عليهم.

دخان غارة إسرائيلية وسط صنعاء في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى جانب آخر، يرجّح آخرون أن يؤدي إضعاف الجماعة عسكرياً واستنزافها اقتصادياً إلى قبولها مستقبلاً بعملية سلام فعلية، بعد أن يجري تجريد النظام الإيراني من أدواته ووسائل دعم أذرعه في المنطقة، وفي هذه الحالة ستتعاطى بانتهازية لتجنب نفسها الانهيار الداخلي وصراع الأجنحة الذي ستتسبب به محدودية الموارد والنفوذ.

وطبقاً لتوقعات أخرى، فإن مغامرة الجماعة قد تؤدي إلى زيادة حظوظها في السيطرة والنفوذ في حال خروج إيران من المواجهة دون هزيمة كاملة تنهي قدرتها على التدخل في شؤون دول المنطقة؛ وهو ما سيعزز من خطاب الجماعة الذي يزعم قدرتها على فرض نفسها كقوة إقليمية، وسيقابله تفاقم معاناة السكان تحت سيطرتها.

ويرى أصحاب هذا التوقع أن ذلك سيفرض على اليمنيين مواجهة مباشرة وحاسمة مع الجماعة التي ستتوقع أنها فرضت نفوذها إلى الأبد، بينما هي عرضت نفسها لاستنزاف قدراتها وإمكانات سيطرتها، وضاعفت من غضب السكان عليها، كما حدث لنظام الأسد في سوريا أواخر العام قبل الماضي.


«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.