الرواية الخليجية كسرت التابوه والعربية تصارع في عالم متغير

اليوم إعلان الفائزين بجائزة كتارا للرواية العربية

جانب من إحدى الندوات
جانب من إحدى الندوات
TT

الرواية الخليجية كسرت التابوه والعربية تصارع في عالم متغير

جانب من إحدى الندوات
جانب من إحدى الندوات

يشهد مسرح دار الأوبرا في المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا» مساء اليوم، حفل توزيع جائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الثانية.
وعرف المهرجان خلال يومين متتاليين تنظيم عدد من الجلسات والندوات الحوارية حول «الرواية العربية في عالم متغير».
وشهد اليوم الأول من مهرجان كتارا للرواية العربية في نسخته الثانية، تنظيم جلستين حواريتين، الأولى حول «كتاب الرواية العربية في القرن العشرين: التأسيس والتطوير والظهور والأنماط تأليف مشترك»، أدارتها الدكتورة مريم جبر من الأردن. وشارك فيها كل من الدكتور سعيد يقطين من المغرب والدكتور محمد الشحات من مصر. في حين ناقشت الجلسة الثانية كتاب «الرواية القطرية: قراءة في الاتجاهات» للدكتور أحمد عبد الملك.
وأبرزت مريم جبر أن هذين الكتابين يأتي إصدارهما في إطار مشروع جائزة كتارا، الذي اعتبرته مشروعا رائدا يضع الرواية العربية على محك أسئلة الفن والواقع، ويلفت اهتمام النقاد والقراء على السواء إلى كل جديد في تطور هذا النوع الأدبي الذي يبدو الأكثر حضورا وحظوة.
وأعرب الدكتور محمد الشحات، عن تشرفه بالإسهام ولو بقدر يسير في هذا الكتاب حين كُلِّف بالإسهام بالكتابة النقدية في هذا الكتاب وتحديدا في الفصل الخاص بالرواية في مصر والسودان في القرن العشرين، لافتا إلى أن الكتاب يمكن موضعته بوصفه كتابا تاريخيا نقديا لأنه معني برصد التحولات المفصلية في الرواية المصرية عبر مراحل مختلفة، ليعرج بعد ذلك على باقي الفصول.
واعتبر الناقد المغربي، الدكتور سعيد يقطين، الكتاب إنجازا نوعيا، وسيكون له دور كبير في تطوير رؤيتنا إلى الرواية العربية.
وذكر يقطين بعضا من الأسباب التي أسهمت في تأخر ظهور الرواية في دول المغرب العربي مقارنة بمصر، ومرحل تطور الرواية في المغرب تحديدا، مُرجعا ذلك إلى أن الأجيال الجديدة التي ظهرت فيما بعد الاستقلالات العربية وجدت الرواية المصرية قد تأصلت واكتملت، وبالتالي فإن كتاب الرواية في المغرب العربي جيل قارئ للرواية الكلاسيكية، ولكنه تكون في نطاق وعي يساري سواء على المستوى السياسي أو على المستوى الأدبي لذلك لن يستنسخ الرواية الرومانسية أو الكلاسيكية التي كتبت في مصر واندمج في موجات التجريب. وهذا السياق يسمح بالحديث عن رواية عربية لها ملامحها وخصوصيتها ومن بين ما تنتظره هذه الرواية توسيع هذا المشروع من خلال طرح أسئلة أخرى عن الرواية العربية.
وخلال الجلسة الثانية التي خصصت لكتاب «الرواية القطرية: قراءة في الاتجاهات» للدكتور أحمد عبد الملك، ذكر مؤلف الكتاب، أن الرواية القطرية بدأت نسائية، إذ في عام 1993 بدأت شعاع خليفة روايتها الأولى «العبور إلى الحقيقة»، وفي العام نفسه أصدرت شقيقة شعاع وهي دلال خليفة روايتها «أسطورة الإنسان والبحيرة» ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام 2005 توقفت الإصدارات ثم جاءت روايته «أحضان المنافي»، ثم ظهرت مريم آل سعد بروايتها «تداعي الفصول»، وعبد العزيز آل محمود بأول رواية تاريخية وهي «القرصان» ثم رواية «الشراع المقدس»، ثم ظهرت رواية عيسى عبد الله «كنز سازيران»، وبعد ذلك جاءت رواية جمال فايز «زبد الطين».
وأوضح عبد الملك أن الكتاب يمثل قراءة في تجارب قطرية مجيبا عن عدد من الأسئلة منها: ما الرواية القطرية؟ وما اتجاهاتها؟ باحثا في 23 عملا صنف منها 23 عملا يستحق أن يكون في لائحة انطباق الخصائص السردية على هذه الأعمال.
وقدم الإعلامي سمير حجاوي قراءة في الكتاب نيابة عن الدكتور أنطوان طمعة، إذ استعرضت الورقة التي قدمها النتائج الإيجابية التي حققتها الدراسة التأسيسية من حيث المنهجية والموضوعات، والحدود التي وقفت عندها والثغرات التي تخللتها، والعلاقة بين الإنتاج الروائي من جهة والإنتاج النقدي الإبداعي من جهة أخرى، وأهمية المواءمة بين الإبداع في مسار نمو الرواية القطرية وتطورها.
وخلال اليوم الثاني توالت الجلسات والندوات المصاحبة لمهرجان كتارا للرواية العربية الثاني.
وفي هذا الصدد، أدار الناقد الدكتور سعيد يقطين، جلسة بعنوان «المتغيرات في الرواية العربية المعاصرة»، شارك فيها الدكتورة رزان إبراهيم من جامعة البتراء والناقد الدكتور مصطفى جمعة من مصر.
وقالت الدكتورة رزان إبراهيم، في مداخلتها الموسومة بـ«الرواية العربية المعاصرة اتصال أم انقطاع؟»: «لا يستطيع أي منا أن يدّعي أنّ تغيرًا في الرواية يتم في شكل دوائر مغلقة، إذ لا توجد هناك قفزة مفاجئة من صيرورة سردية إلى أخرى».
وأثناء حديثها عن الأنماط الروائية السائدة الآذن، ذكرت رزان إبراهيم أن هناك نمطا سرديا له حضوره الآن ولم يتخلق مباشرة بعد عام 2010.
وتحدث الدكتور مصطفى جمعة عن «السرد الروائي العربي في الفضاء الرقمي»، وكيفية تفاعل الأدباء العرب معه، فناقش الباحث في الجزء النظري علاقة الأدب بعالم الإنترنت الذي بات حقًا من حقوق الإنسان المعاصر، ومن ثم تطرق إلى الجانب التطبيقي، وقد حصره في أشكال السرد الروائي على الإنترنت، وأنماطه المختلفة مثل الرواية الفيسبوكية والرواية التكنولوجية ورواية علاقات الإنترنت وغيرها، مناقشا الماهية والبنية والجماليات وأوجه الإضافة والتمايز عن الرواية التقليدية المطبوعة، ليسدل الستار عن الجلسة الأولى من اليوم الثاني بمداخلة للروائي الدكتور أمير تاج السر، قدم خلالها شهادة خاصة به.
وخلال الجلسة الثانية التي أدارها الدكتور شكري الماضي، قدم كل من الدكتور عبد الملك أشهبون والدكتور إبراهيم عبد المجيد، ورقتين: الأولى بعنوان: «التخيل السير ذاتي في السرد العربي: التركيب والدلالة»، بينما جاءت الثانية بعنوان: «الشكل الفني للرواية وتاريخ الفنون».
ويرى أشهبون أن الكاتب العربي في سعيه الحثيث للخروج من سجن الكتابة المباشرة للسيرة الذاتية، من أجل معانقة عوالم كتابة سيرة ذاتية أكثر تحررا وتمردا وشاعرية؛ عمد إلى الثورة على أبرز مقومات السيرة الذاتية المألوفة، من قبيل: «قول الحقيقة»، «الصدق»، و«الكتابة المطابقة للواقع»، في حين أفرزت رؤيته الجديدة تحققات سردية أغلبها يتأرجح بين الرواية والسيرة. وتساءل إبراهيم عبد المجيد من جهته: «هل يشكل المضمون قضية حقيقية للكاتب؟ سؤال إجابته تنهي الجدل التقليدي عن الشكل والمضمون»، مشيرا إلى أن المضمون لا يشكل قضية رئيسية للكاتب.
وأثناء الجلسة الثالثة التي اتُّخذ لها عنوان: «المحلي والإنساني في الرواية»، تحدث كل من الروائي الجزائري واسيني الأعرج والدكتورة هويدا صالح، والدكتور صالح هويدي، في حين أدارها الدكتور محمد الشحات.
وقال واسيني الأعرج في ورقته بعنوان «الرواية العربية الارتقاء بالمحلية وأنْسنة العالمية» إنه «لا توجد محلية إنسانية إلا بقدر ما تتحول هذه الأخيرة إلى قيمة إنسانية واسعة وعالية، مرجعها في النهاية الإنسان الكلي، المتشابه في كل الأصقاع»، مشيرا إلى أن كل قضايانا لها ما يبرر خصوصيتها المحلية، لكنها تصبح إنسانية في اللحظة التي تتحول فيها إلى انشغال بشري عام.
وفي موضوع «جدل المحلي والعالمي في الرواية العربية»، قالت د. هويدا صالح من مصر إن الرواية هي الجنس الأدبي الأكثر قدرة على تصوير طموحات الإنسان وتطلعاته، مآسيه وعذاباته، ومنذ بدايات الرواية في العالم لم يقتصر تصويرها، ولم تقتصر دلالاتها على مكان كتابتها أو على الزمن التاريخي الذي يدخله فضاؤها السردي، بل أبدعت الرواية عبر تاريخ كتابتها نماذج إنسانية متخيلة عامة تضم تحديدات بشرية في أوج تصاعدها وفي قمة إمكاناتها وتناقضاتها.
وناقش الدكتور صالح هويدي موضوع: «المحلي والإنساني: جدل أم تراتبية؟» من خلال بسط عدد من الأسئلة حول دلالة الصياغة الجديدة لهذه الثنائية ومتغيراتها، فضلا عن التساؤل عن دلالة صياغة الموضوعة في بنية العنوان: أيقصد بها الدلالة على الجمع بين المعطيين؟ أم وضع طرفيها إزاء بعض في صيغة تضاد، لاختيار أحدهما؟ أم المقصود بها منطق التسلسل التراتبي (التفضيلي)؟ منتقلا بعدها إلى السؤال الأهم وهو: هل ثمة فهم واضح محدد يمكننا الانطلاق منه لمفهوم المحلي والإنساني؟
وفي الجلسة الرابعة الأخيرة التي أدارها الدكتور خالد الجابر، تحدثت سعدية مفرح وعائشة الدرمكي ورجاء الصانع عن واقع وتحولات الرواية الخليجية في السنوات الأخيرة، وعن مضامين النصوص السردية، التي أصدرتها أصوات نسائية في الخليج العربي، كما أجمعن على خصوصية الرواية الخليجية، وبروز أصوات نسائية جديدة في هذا المجال.
في البدء قالت الروائية السعودية رجاء الصانع إنها ترفض التصنيف الجغرافي كما التصنيف الجنسي للرواية. وقالت إن الرواية الخليجية استفادت من غيرها لأنها كانت فتية وشابة وحاولت الابتداء من حيث انتهت التجارب الروائية في مصر والعراق والشام.
ولاحظت الصانع أنه حين حدثت الطفرة بداية التسعينات التي بدأها تركي الحمد بثلاثيته وغازي القصيبي بشقة الحرية عرف القارئ المثقف القضايا السياسية والفكرية.. تلاها المرحلة التي برز فيها عبده خال وليلى الجهني وآخرون وحدث تدرج متمهل وفي نسق زمني.
وقالت إنه بسبب الطفرة الإنتاجية أصبح هناك تدن في مستوى كتابة الرواية.. لكن الرواية حصلت على مدى جماهيري متسع لكن مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي تراجعت أهمية الرواية بنحو واضح.
من جانبه، قال الناقد السعودي الدكتور معجب العدواني، إن وجود المرأة كاتبة أو شخصية في الأعمال الروائية يمثل تطورا نوعيا للرواية. فالرواية السعودية في بدايتها كانت تستعير امرأة من خارج الحدود ولا تتجرأ على طرح امرأة محلية، كما في رواية «التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري التي استعارت شخصية امرأة فرنسية، أو رواية «ثمن التضحية» لحامد الدمنهوري التي استعارت نموذج المرأة المصرية وأخرى خليجية بديلا عن المرأة السعودية.



الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر
TT

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة، تدور حول مؤامرة حكومية لطمس تاريخ أول اتصال للبشرية مع لاجئين فضائيين.

وبعد مراسلة عشرين وكيلاً أدبياً وتلقيه سلسلة من الرفض، أمضى عدة أشهر في مراجعة روايته، بجهدٍ كبير، على أمل أن يقع على ناشر يوماً ما.

اليوم، يساور القلق بريسيو من أن عملية الحصول على عقد نشر، وهي عملية شاقة بطبيعتها لمؤلف مبتدئ ـ قد ازدادت صعوبة. ويخشى أن يتجنب الوكلاء والناشرون مخاطرة التعامل مع مؤلفين غير معروفين، خشية أن يكونوا قد استعانوا بالذكاء الاصطناعي في كتابة روايتهم.

اللافت أن حالة الذعر والريبة حيال الكتب المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، تفاقمت الشهر الماضي، عندما قررت دار نشر كبرى، «هاشيت»، إلغاء إصدار رواية الرعب «فتاة خجولة» للكاتبة ميا بالارد في الولايات المتحدة، بسبب أدلة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في كتابتها. كما سحبت دار «هاشيت» الرواية من المملكة المتحدة، بعد أن أطلقتها بالأسواق، العام الماضي، بعد إقدام بالارد على نشرها بنفسها، بادئ الأمر.

من جهته، لدى علم بريسيو، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بقرار عدم قبول روايته، انتابه شعور مؤلم بخيبة الأمل. وأكد أنه لا يستعين بالذكاء الاصطناعي في الكتابة، إلا لترجمة كلمة أو عبارة عابرة من لغته الأم الإسبانية إلى الإنجليزية، التي يتقنها كذلك، باستخدام برنامج الترجمة بالذكاء الاصطناعي «ديبل» (Deepl). غير أنه تساءل عما سيقوله نظام كشف الذكاء الاصطناعي عن عمله.

وعليه، اشترك في موقع Originality.ai وحمل فصلاً من روايته. وكانت المفاجأة أن أكد النظام بثقة تبلغ 100 في المائة أنه اعتمد على الذكاء الاصطناعي بطريقة ما.

وبالفعل، بحث بريسيو عن العبارات التي توقف عندها النظام، وحذف بعض الجمل، ثم أعاد تشغيله. هذه المرة، أكد البرنامج بنسبة 100 في المائة أن كاتباً بشرياً يقف خلف هذا النص. في نهاية المطاف، أجرى بريسيو محادثةً عبر الدردشة مع أحد ممثلي خدمة العملاء، الذي أخبره أنه إذا تلقى نتائج تُصنّف عمله خطأً باعتباره مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد يحتاج إلى نسخة مختلفة من البرنامج.

ولم تُسفر هذه المراسلات إلا عن مزيد من القلق لدى بريسيو؛ خاصة وأن تقارير موقع Originality.ai حول مسودته، التي شاركها مع صحيفة «التايمز»، كشفت أن إضافة أو حذف بضع جمل فقط يفضي إلى نتائج مختلفة تماماً.

وعن ذلك، علق بريسيو: «ماذا لو بدأ الناشرون أو الوكلاء الأدبيون بتشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي هذه على الجميع؟ سيتعامل الجميع بحذر شديد من الآن فصاعداً».

وفي الوقت الذي يُصارع قطاع النشر، مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب العمل تقريباً، يبدو أن هناك إجماعاً ضئيلاً حول ما يمكن أو ينبغي للناشرين فعله لتنظيم كيفية استخدام الكُتّاب لهذه التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن ما يتفق الكثيرون حوله اليوم أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار.

اليوم، يواجه عدد متزايد من الكُتّاب شكوكاً لا أساس لها حول استخدامهم للذكاء الاصطناعي، بينما يستخدمه آخرون دون الإفصاح عنه. في الوقت ذاته، يشعر الكثير من القراء بالحيرة والحذر، لعدم معرفتهم ما إذا كانت الكتب، التي يقرأونها من تأليف إنسان أم آلة.

في سياق متصل، جابه عدد من المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم، انتقادات لاذعة من القراء وأقرانهم الكتاب على حد سواء، لاستعانتهم الواضحة بالذكاء الاصطناعي. غير أن الجدل الدائر حول رواية «الفتاة الخجولة» قد يُشكّل نقطة تحوّل على صعيد صناعة النشر بأكملها.

في أعقاب إلغاء نشر الرواية، تساءل الكثير من القراء والكُتّاب عن كيفية فشل دار نشر كبرى، في رصد دلائل على استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة. وقد اشتكى مُعلّقون عبر منصتي «غود ريدز» و«ريديت» على مدار شهور، ممَّا وصفوه بأنه دليل واضح على استخدام لغة برامج الدردشة الآلية. ودفعت هذه الفضيحة بعض القراء إلى التساؤل عن مدى تدقيق دور النشر للأعمال التي تستحوذ عليها.

في هذا الصدد، صرَّحت أندريا بارتز، كاتبة روايات الإثارة، التي كانت المدعية الرئيسة في الدعوى الجماعية، التي رفعها مؤلفون ضد دار نشر «أنثروبيك»، بأنه: «ندخل الآن عصر انعدام الثقة، حيث لا توجد طريقة سهلة لإثبات صدق كتاباتك». جدير بالذكر أن الدعوى انتهت بالاتفاق على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار.

حديثاً، أدخلت بارتز بعض كتاباتها في برنامج «إيس» لرصد الذكاء الاصطناعي، وفوجئت عندما صنَّف البرنامج عملها باعتباره مُولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي بنسبة 82 في المائة. وبعد ذلك، اقترح عليها البرنامج حلّاً: «هل ترغبين في إضفاء طابع إنساني على نصك؟».

وعندما كتبت بارتز عن تجربتها على منصة «سبستاك»، شاركها عشرات الكتّاب. وعلّقت الروائية رينيه دينفيلد قائلةً: «أعتقد أن هذا ما يحدث عندما تتعرض كتبك للسرقة، بغية برمجة الذكاء الاصطناعي»، مشيرةً إلى أن برنامجاً لكشف الذكاء الاصطناعي، قد صنَّف كذلك بعض كتاباتها بشكل خاطئ، باعتبارها مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

في الإطار ذاته، قالت جين فريدمان، استشارية بمجال النشر: «يجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار لصناعة النشر».

اللافت أن معظم دور النشر الكبرى لا تملك قواعد واضحة بخصوص استخدام الذكاء الاصطناعي للمؤلفين، وإنما تكتفي بالاعتماد على الثقة وتوقع الشفافية من الكتّاب. غير أنه مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتب بطرقٍ عديدة، من البحث إلى التحرير إلى صياغة الجمل، يسود الارتباك حول أشكال استخدامه التي تتجاوز الحدود، ويتزايد الخوف من أن الكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتجاوز، بل وستتجاوز، حدود المحررين المحترفين.

من ناحيتها، عندما سمعت راشيل لويز أتكين، التي تتولى مراجعة الكتب على مواقع «غود ريدز» و«إنستغرام» و«تيك توك» لآلاف المتابعين، لأول مرة عن رواية «فتاة خجولة» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدت لها الرواية وكأنها ستنال إعجابها - قصة رعب نسوية آسرة وملتوية. وبالفعل، التهمت الرواية في يوم واحد وأوصت بها على نطاق واسع. وقالت إنها صُدمت عندما علمت بسحبها، بسبب أدلة تشير إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

تكتب ألكسندرا ألتر عن الكتب والنشر وعالم الأدب لصحيفة التايمز.

* خدمة «نيويورك تايمز»وعلقت على الأمر بقولها: «لو كنت متأكدة من أن شيئاً ما كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنت تجنبته. أعتقد أنه يجب أن نكون قادرين على اتخاذ القرار بشأن ما إذا كنا نريد قراءة شيء كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي».

أما المؤثرة في عالم الكتب، ستايسي سميث، فقد وقعت على رواية «فتاة خجولة» على موقع «نيت غالي» ـ موقع يتيح للقراء الاطلاع على الكتب ومراجعتها قبل نشرها ـ ومنحتها تقييم خمس نجوم على موقع «غود ريدز». وقد شعرت هي الأخرى بالاستياء لدى علمها بالاتهامات الموجهة للرواية.

وقالت: «لا أمانع مطالعة الكتب المكتوبة باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنني أرغب في معرفة أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي. إن الخداع هو ما يؤلمني هنا».

من جهتهم، يضيف بعض الكتّاب شعاراً إلى كتبهم ومواقعهم الإلكترونية، يُشير إلى أن «المؤلف بشري». هذه الشهادة، التي تُقدمها «نقابة الكتاب»، تُمكّن المؤلفين من الإقرار بأنهم ألفوا كتبهم دون استخدام الذكاء الاصطناعي، في توليد النصوص أو صياغتها بشكل جوهري. ورغم أن النقابة لا تتحقق بشكل مستقل من ادعاءات المؤلفين، فإن الكتّاب قد يتعرضون لدعاوى انتهاك حقوق الملكية الفكرية، إذا انتهكوا شروط استخدام الشعار.

يذكر أنه جرى توجيه اتهامات لسارينا بوين، كاتبة نشرت بعض كتبها بنفسها، وأصدرت أخرى بالتعاون مع دور نشر كبرى، باستخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم غلاف إحدى رواياتها. وقد نفت الكاتبة هذه الاتهامات بسهولة؛ إذ نُشرت الرواية قبل سنوات من انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق واسع. ومع ذلك، يساورها القلق اليوم بخصوص أغلفة الكتب التي يجري الحصول عليها من الإنترنت ـ ممارسة شائعة بين المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم ـ وما إذا كان فنان ما قد استخدم هذه التكنولوجيا لإنتاجها.

وعن هذا، قالت: «لا أعرف إلى أين سيقودنا هذا، لكن لحظة اتهامي باستخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم الغلاف، كانت محبطة للغاية. كل من ينشر الكتب يغرق في هذا العالم، الذي لا يمكن فيه التأكد من مصدر محتوانا».

وقالت لورا تايلور نيمي، روائية: «إذا كان هناك من سينفق ماله على كتاب، فإنه يرغب في أن يكون نابعاً من عقل وقلب المؤلف، لا من جهاز كمبيوتر سلب عقل الكاتب. وأنا أؤيد ذلك».

يتردد عدد متزايد من الكُتّاب في استخدام الذكاء الاصطناعي بينما يستخدمه آخرون من دون الإفصاح عن ذلك


بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير
TT

بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير

لقد سقط بودلير وهو في عز الشباب (46 سنة فقط). وأصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ. ومع ذلك فقد خلَّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة. لولا بودلير لما كان رامبو. لقد انفجر بودلير بالشعر انفجاراً وعاش من أجله، وله، ولم يكن له هدفٌ آخر في الحياة. أليس هو القائل: لقد عجنت الطين (أو الوحل) وصنعت منه الذهب؟ بمعنى آخر: من كلمات عادية جداً خلقت مجازات إبداعية مبتكرة وصوراً خارقة تدوخ العقول. وهنا تكمن معجزة الشعر، سر الشعر. جوهر الشعر. إنه السهل الممتنع إلا على عباقرة العباقرة. ولكن سارتر في كتابه الرائع عن بودلير يضيف قائلاً: «لم يكن هذا الرجل بلا نقيصة ولا خالياً من التناقضات والعيوب. فهذا المنحرف الضال تبنى أكثر الأخلاق امتثالية وشيوعاً في عصره. وهذا الشخص المترف الناعم كان يتردد على المومسات العواهر. وحبه للبؤس والانحطاط والانهيارات السيكولوجية هو الذي جعله يتعلق بتلك الزنجية البشعة حنة دوفال التي كانت عشيقته لسنوات طويلة. وهذا المتوحد كان يخشى الوحدة كثيراً ولا يخرج إلا مع رفاقه إلى مقاهي باريس وحاناتها. وكان يتمنى بناء حياة عائلية وعش منزلي دافئ ولكنه فشل في تحقيق ذلك فشلاً ذريعاً، فعاش متسكعاً، مشرداً، هامشياً. وكان يثني على الجهد والعمل، ولكنه كان عاجزاً عن أن يكمل أي عمل ينخرط فيه. وكان يحمس الناس للسفر إلى الأصقاع البعيدة واكتشاف العوالم القصية، ولكنه بقي متردداً طيلة ستة أشهر قبل أن يحسم أمره ويقرر أخيراً زيارة أمه في مدينة هونفلير التي لا تبعد عن باريس أكثر من مائتي كيلومتر... باختصار شديد فقد كان شخصاً مليئاً بالتناقضات».

في الواقع إن مشكلة بودلير الأساسية هي زواج أمه بعد وفاة والده. هنا يكمن جرحه الأنطولوجي إذا جاز التعبير. هنا يكمن الجرح العميق الذي دمره من الداخل تدميراً، وفجره تفجيراً. ولم يقم من تلك الضربة القاصمة طيلة حياته كلها. بودلير كان متعلقاً بأمه إلى أقصى الحدود. وعندما مات أبوه وعمره ست سنوات فقط لم يحزن عليه كثيراً بل ربما سعد بذلك. فقد اعتقد أن أمه سوف تكون له وحده منذ الآن فصاعداً... وبالفعل فقد قضى معها فترة رائعة لمدة سنتين تقريباً قبل أن يضرب القدر ضربته ويحصل ما لا تحمد عقباه. فقد أبلغته في صبيحة أحد الأيام أنها سوف تتزوج من الجنرال جاك أوبيك الذي أصبح الحاكم العسكري لمنطقة باريس لاحقاً بل والسفير الفرنسي في إسطنبول. عندما سمع بودلير بالخبر جن جنونه. شعر وكأن السماء انطبقت على الأرض. شعر وكأنه سقط من الجنة. لقد انتهت «جنة الطفولة» بالنسبة لشارل بودلير. عندئذ تعرف لأول مرة على تجربة الشر في العالم. حتى ذلك الوقت كان هذا الطفل المدلل ساذجاً كبقية الأطفال. كان يعتقد أن العالم كله خير، وبركة، وسعادة، وطمأنينة. وفجأة يكتشف شيئاً جديداً لم يكن في الحسبان. فجأة يكتشف أن الشر موجود في قلب العالم بل وينخر فيه كما تنخر الدودة في الثمرة. منذ ذلك الوقت حصل صَدْع في الأعماق النفسية لشارل بودلير. ومنذ ذلك الوقت أصبح الشعر ممكناً.

يقول عنه أحد النقاد: كان بودلير ذا روح رقيقة وحساسة جداً وحنونة أيضاً. وقد انكسرت من أول صدمة من صدمات الحياة. لم يتحمل بودلير أبداً زواج أمه. أمه لم تعد له وحده، بل لم تعد له بالمرة. أصبحت لرجل آخر يختلي بها في الغرفة المجاورة مغلقاً الباب في وجهه. لقد خانته أمه وتركته وحيداً على قارعة الطريق. أبداً لن ينسى هذه الإهانة. أبداً لن يغفر لها فعلتها تلك. ولذلك راح يصرخ في وجهها قائلاً: «من كان لها ابن مثلي لا تتزوج»! كيف يمكنه أن يثق بالحياة بعد الآن؟ لقد انتهى عهد الطمأنينة والشفافية واختل نظام الأشياء. وهذا ما حصل لسارتر أيضاً. فقد تزوجت أمه بعد وفاة والده. لهذا السبب حقد عليها وعلى زوجها تماماً مثلما فعل بودلير. كان يكره زوج أمه كره النجوس. كان يكرهه إلى درجة أنه رفض أن يدفن في المقبرة ذاتها. حتى بعد الموت كان شبحه يلاحقه. وربما لهذا السبب نجح كتابه عن بودلير نجاحاً باهراً. لقد عاش التجربة المرة الساحقة الماحقة ذاتها. لا تكاد تشبع من قراءته: نثر فلسفي متفجر أين منه الشعر... (بين قوسين: لن أغفر للغة الفرنسية ما حييت أنها تدعو زوجة الأب «بالأم الجميلة». ما هذه الحماقة؟ ما هذه الفضيحة؟ الأم الجميلة هي وحدها الأم الحقيقية).

ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نستنتج أن مرحلة الطفولة الأولى هي التي تصنعنا وتجبلنا وتصوغ شخصيتنا إلى الأبد. لا نستطيع منها فكاكاً. مستحيل. مؤخراً سمعت مطرباً فرنسياً شهيراً يقول بعد أن تجاوز الثمانين: والله حتى الآن لم أستطع أن أتجاوز طفولتي. والله حتى الآن لم أستطع أن أتصالح معها. ثم يضيف: من يستطيع أن ينجو من طفولته، من يستطيع أن يُشفى من طفولته؟ وهذا شخص شعبي، ناجح، تباع أشرطته بالملايين. فما بالك بالتعساء من أمثالنا؟ كيف يمكن أن تتصالح مع طفولة أصولية غياهبية، أو كارثية فجائعية؟

الآن دعونا نطرح هذا السؤال: كيف كانت شخصية بودلير في الحياة؟ لنستمع إلى مكسيم دوكامب، صديق فلوبير الشهير، يصوره لنا: «كان متوسط القامة، صلب الجسم، قوي العضلات، أو قل يُوحي بالقوة لمن يراه لأول وهلة. ولكن إذا ما تمعنَّا فيه عن كثب وجدناه مسحوقاً من الداخل أو حتى مدمَّراً تماماً. كانت تلوح عليه علائم التهالك والضعف والهُجران...».

كان بودلير ملاحقاً بالإحساس بالخطيئة والذنب دون أي ذنب. كان يشعر بأنه مدان أبدياً سرمدياً، ولا خلاص. طيلة حياته كلها لم يعرف القرار ولا الاستقرار النفسي السيكولوجي. يا جماعة اسمعوا وعوا: بودلير ما كان بحاجة إلى أعداء لكي يضربوه أو يجلدوه. كان هو يجلد نفسه بنفسه يومياً عشر مرات على الأقل. كان هو العدو اللدود لنفسه. أليس هو القائل:

أنا الطعنة والسكين

أنا الضحية والجلاد

أنا لقلبي مصاص الدم

وهو القائل أيضاً هذه الكلمات المعبرة:

«من يستطيع أن يقضي على الندم القديم، الطويل، ذلك الندم الذي يحيا، يختلج، يتلوى، يتغذى من أحشائنا كما تتغذى الدودة من جسد الميت، أو الأسروع من شجر السنديان؟

من يستطيع أن يقضي على الندم العنيد؟».

لقد عضت الحياة شارل بودلير أكثر مما ينبغي. لكن هل كان سيصبح شاعراً لولا ذلك؟ لولا زواج أمه إبان طفولته الأولى، لولا تلك الصدمة القاتلة، هل كان سيصبح أكبر شاعر في تاريخ فرنسا؟ كان بودلير يفكر على النحو التالي: بما أن الشر إجباري في هذا العالم، بما أنه سيد العالم، فلماذا لا نقبل يديه ورجليه وننحني أمامه؟ لماذا لا نجامله بل ونتغزل بأزهاره وجماله؟ آه أيها الشيطان يا أخي يا صديقي.. ولكن الخير ينتصر في نهاية المطاف على الشر، والله على الشيطان، وإلا فعلى الدنيا السلام... هذا ما يعتقده بودلير في قرارة نفسه. وهذا ما عبر عنه في قصائده مرات ومرات عندما كان يحلم بالشفافية ويحلق إلى أعلى السماوات. لكنه ظل يخشى ضربات الشر وغدرات الزمان. كيف يمكن أن تتحاشاها؟ هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فلو أن بودلير عنون ديوانه «أزهار الخير» لما سمع به أحد بل ولربما فشل فشلاً ذريعاً. وذلك لأن «الشعر نكد بابه الشر فإذا دخل في باب الخير ضعف» كما يقول الأصمعي. أخيراً ينبغي العلم أن بودلير قد يتحول أحياناً إلى شخص آخر مختلف تماماً. قد يتحول من تراجيدي إلى كوميدي. والدليل على ذلك هذه القصيدة الفكاهية المرحة:

زوجتي ماتت أنا حر

أستطيع أن أشرب على كيفي

عندما كنت أعود بلا فلس في جيبي

كانت زعقاتها تمزق أعصابي

أنا سعيد كملك متوج

أنا ملك الملوك

يا إلهي ما أرحب البيت بعد رحيلها

أعيش أجمل لحظات حياتي

أغني على كيفي

الهواء نقي والسماء ساطعة

عشنا صيفاً مشابهاً

عندما كنت مغرماً بها

إلخ...


لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21
TT

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

صدر أخيراً عن «منشورات الربيع» في القاهرة، رواية «بيت الخلد: الحياة السرية لفريدة المفتي»، للروائية والناقدة المصرية الدكتورة هويدا صالح.

تقع الرواية في نحو 300 صفحة من القطع المتوسط، وتدور أحداثها في الفترة من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وتعاين كثيراً من التحولات السياسية العالمية في تلك الفترات، بخاصة قضايا الاستعمار، واستعباد الأوروبيين لأبناء أفريقيا السوداء، وخطفهم من بلدانهم وقراهم في أفريقيا، وبيعهم في أوروبا؛ حيث يجري استعبادهم.

الرواية أقرب إلى نقد الفكر الاستعماري، فضلاً عن نقد الفكر الذكوري، ومن هنا تأتي مركزية المرأة ودورها في مجابهة هذا الاستعمار، وكيف تكون ضحية له في كثير من الأحايين، بوصفها الحلقة الأضعف، ومراوحتها بين مقاومة هذا الطابع الاستعماري، والخضوع والاستسلام له حيناً آخر، وفي الوقت ذاته مقاومة الاستبداد الذكوري الواقع عليها من بني جلدتها أحياناً.

تدور الرواية مكانياً في عدة فضاءات مترامية، بدءاً من مركز الأحداث في العاصمة المصرية، القاهرة، ومحافظة أسيوط في صعيد مصر، ثم إيطاليا؛ حيث ولد «بولدوين» الإيطالي الثري الذي وقع في عشق مصر والشرق عموماً، وحيث ولدت أيضاً عبدته «سورما». أما المكان الثالث فهو إثيوبيا، الموطن الأصلي لجدة «سورما» وأمها، اللتين اختطفتا وبيعتا في سوق العبيد بإيطاليا، واشتراهما جد «بولدوين».

الرواية تتمحور -حسب العنوان- حول شخصية «فريدة المفتي» التي تنحدر من مدينة قفط بمحافظة قنا، وتنتقل إلى القاهرة، وتؤسس وكالة تجارية كبيرة، على عكس الأعراف السائدة وقتها بأن التجارة والعمل للرجال فقط. ولا تكتفي بذلك؛ بل تؤسس بيتاً غريباً، وتسميه «بيت الخلد»، أقرب إلى بيت للمتعة، ولكنه يختلف عن بيوت البغاء التي كانت موجودة آنذاك ومعترفاً بها قانوناً؛ إذ وضعت قانوناً بأن تكون السيدات في هذا البيت لسن بغايا؛ بل سيدات فضليات، ولكنهن لا يشعرن بالحب تجاه أزواجهن، وأن كل امرأة في هذا البيت هي التي ستختار الرجل الذي تريده، وليس العكس كالمعتاد في هذه النوعية من البيوت، للحصول على متعتها، دون تقاضٍ لأي أموال، حتى تمنح كل امرأة حرية التصرف في جسدها.

في مقابل هذه الحرية التي تنطلق من الجسد، كانت شخصية «إستر»، الصعيدية ابنة أسيوط، خريجة الجامعة الأميركية، ترى هذا نوعاً من العبودية، وتؤمن بأن حرية المرأة تبدأ من امتلاك عقلها وليس الجسد، وانخرطت في حركات مقاومة الاستعمار، وكانت ضمن الطليعة الوفدية، وتزوجت «بولدوين» الإيطالي، المحب لمصر والكاره للميول الاستعمارية، والذي أطلق سراح جاريته «سورما» ومنحها حريتها، منذ أن جاءت معه إلى مصر.

ترصد الرواية حياة كل هؤلاء الشخوص، بجذورهم المختلفة، وخلفياتهم المعرفية المتباينة، وعلاقاتهم المركبة بعضهم ببعض، صانعةً خيوطاً درامية أشبه بضفيرة مركبة، تحضر فيها السياسة في الخلفية، وتقدم لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الماضي، مصورة الحياة الفنية الثرية آنذاك، فهناك حضور قوي لشخصيات فنية شهيرة، مثل: نجيب الريحاني، ويوسف وهبي، ومنيرة المهدية، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب.