ماريتان.. رهان على الروح في زمن الحضارة المادية

خالف معاصريه في تهويل دور العلم

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

ماريتان.. رهان على الروح في زمن الحضارة المادية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

إنه الطبيب الروحي والمعالج النفسي لكثير من المثقفين الفرنسيين. وقد لعب دورًا كبيرًا مع زوجته رايسا، في فترة ما بين الحربين العالميتين داخل الأوساط الثقافية والسياسية الفرنسية والأوروبية. ومنذ البداية فتح معها أكبر صالون للنقاشات الفلسفية والدينية والأدبية في فترة مهمة من فترات فرنسا. وكان ذلك طيلة النصف الأول من القرن العشرين. ومعلوم أن الصالونات الفكرية لعبت دورًا كبيرًا في تاريخ فرنسا منذ القرن الثامن عشر وأيام فولتير وبقية الفلاسفة. فمن هو جاك ماريتان يا ترى؟ لقد ولد في باريس عام 1882 في عائلة بروتستانتية وبورجوازية. وكان جده لأمه جول فابر أحد القادة السياسيين لفرنسا في ذلك الزمان. وفي ظله نما وترعرع. وقد درس في أفضل المدارس الفرنسية كجميع أبناء الأغنياء قبل أن ينتقل إلى الجامعة ويدخل السوربون.
وهناك راح يدرس العلوم، خصوصًا علم الكيمياء والبيولوجيا والفيزياء. ثم التقى على مقاعد الدرس بفتاة روسية تدعى رايسا مثل اسم زوجة غورباتشوف. وقد تزوجها عام 1904 وأصبحت رفيقة عمره وصاحبة دربه في البحث المشبوب عن الحقيقة.
ومعلوم أن عبادة العلم كانت منتشرة جدا آنذاك وتهيمن على السوربون. كان الناس يعتقدون أن الدين انتهى بعد كل النجاحات التي حققها العلم والفلسفة الوضعية. ولكن جاك ماريتان لم يقتنع بذلك، ففي رأيه أن العلم، على أهميته الكبرى، لا يستطيع أن يجيب عن الأسئلة الوجودية والميتافيزيقية التي يطرحها الإنسان على نفسه لا محالة.
صحيح أن العلم حقق قفزات رائعة في مجال استكشاف القوانين الفيزيائية والرياضية التي تتحكم بالكون. وصحيح أنه أدى إلى تقدم الصناعة والتكنولوجيا بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ. وصحيح أنه أدى إلى صنع الآلات الحديثة التي وفّرت على الإنسان بذل الجهد العضلي المضني الذي كان ينهكه سابقا. وصحيح أن الإنسان أصبح ينعم بالرفاهية وسهولة العيش بفضل تقدم العلم. كل هذا صحيح وأكثر.
ولكن المشكلة هي أن العلم لا يستطيع أن يقول لنا من أين جئنا؟ ومن نحن؟ وإلى أين المصير؟ هذه تساؤلات وجودية أو ميتافيزيقية يصعب على العلم أن يجيب عنها. وبالتالي فلم يبق لنا من عزاء إلا الدين. وعلى أي حال فالدين بصيغته العقلانية التنويرية لا يتعارض مع العلم إطلاقا. الدين يكمل العلم والعلم يكمل الدين. والحضارات الكبرى تكون عادة مبنية على ثلاث ركائز: الدين، والعلم، والفلسفة. هكذا كانت الحضارة العربية الإسلامية إبان العصر الذهبي. وهكذا أشعت على العالم من بغداد وقرطبة. ولكن عندما كفرنا الفلسفة والعلم انهارت حضارتنا ودخلنا في عصور انحطاطية طويلة لم نخرج منها حتى الآن. بل ربما كنا نعيش الآن أحلك لحظاتها..
ولكي يجد أجوبة عن تساؤلاته الحارقة راح جاك ماريتان يستشير أحد كبار الشعراء والكتاب الفرنسيين آنذاك: شارل بيغي. فنصحه بحضور دروس الفيلسوف هنري بيرغسون في السوربون. ومعلوم أنه كان أكبر فيلسوف فرنسي في ذلك الزمان. ولم يكن ماديا محضا على عكس معظم مفكري عصره، وإنما كان يولي للروح شأنًا كبيرًا.
وقد زرع هذا الفيلسوف في قلب جاك ماريتان وزوجته رايسا حب المطلق بلا حدود. ثم سافرا بعدئذ إلى ألمانيا لإكمال دراساتهما. ولكن قبل أن يسافرا كانا قد غيّرا مذهبهما البروتستانتي وتحولا إلى المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني. وهو مذهب الأغلبية الفرنسية. فكيف استطاع وهو الأقلوي أن ينضم إلى صفوف المذهب الذي اضطهد آباءه وأجداده على مدار القرون؟ لا يمكن فهم ذلك إلا ضمن السياق الفرنسي الذي تجاوز الحزازات المذهبية بعد انتصار الحداثة والأنوار. فالأصولية الكاثوليكية المتطرفة كانت قد انتهت منذ زمن طويل. وما عادت تغتال المثقفين والفلاسفة كما كان يحصل إبان القرون الوسطى. كما لم تعد تضطهد الأقليات. لهذا السبب كان من السهل عليه أن يترك مذهبه ويعتنق مذهبها. على أي حال في ألمانيا اكتشف «ماريتان» مؤلفات أكبر فيلسوف مسيحي في العصور الوسطى: القديس توما الأكويني. ويشبهه البعض بابن رشد. والواقع أنه كان من المتأثرين به والمواظبين على قراءته على الرغم من انتقاده له. وكان يستشهد به ذاكرًا: كما قال الشارح العربي.
وقد وجدا عنده الأجوبة عن تساؤلاتهما الميتافيزيقية الملحة. ثم دفعتهما قراءته إلى قراءة أستاذه، المعلم الأول: أرسطو. ومعلوم أن القديس توما الأكويني خلع الطابع الإيماني والمسيحي على فكر أرسطو فلم يعد وثنيًا أو عقلانيًا صرفًا. لقد دجنه وجعله مسيحيًا تقريبًا أو قل صالحه مع المسيحية بشكل من الأشكال مثلما صالحه ابن رشد مع الإسلام من خلال كتابه الشهير: فصل المقال. ومثلما صالحه ابن ميمون مع الديانة اليهودية أيضًا من خلال كتابه: دلالة الحائرين.
ثم عاد جاك ماريتان وزوجته رايسا إلى فرنسا لكي يصبح زوجها أستاذًا في المعهد الكاثوليكي بباريس. ثم ذاعت شهرته بعد أن نشر كتبه الأولى، وأصبحت مختلف جامعات العالم تتنافس عليه وتدعوه لزيارتها أو المحاضرة فيها. وهكذا أصبح أستاذًا في المعهد البابوي للدراسات القروسطية بمدينة تورنتو بإيطاليا عام 1933. وبعدئذ أصبح أستاذا زائرا في جامعة كولومبيا بنيويورك، ثم في جامعتي شيكاغو وبرنستون، وهي من أفضل الجامعات الأميركية.
وبعد عودته إلى فرنسا تورط جاك ماريتان مع اليمين المتطرف الفرنسي الذي كان يقوده آنذاك شخص شهير يدعى: شارل موراس. وقد عابوا عليه ذلك كثيرا لاحقا. ولكنه سرعان ما ابتعد عنه بعد أن أدانه بابا روما بحجة أن أطروحات هذا اليمين العنصري مضادة لمبادئ الدين والإنجيل.
وهكذا راح جاك ماريتان يبتعد عن هذا الخط المتعصب ويقترب من الخط الديني الوسطي المستنير. وقد أسهم في دفع إيمانويل مونييه إلى تأسيس مجلة سيكون لها شأن كبير لاحقا: هي مجلة «إسبري» (أي الروح أو الفكر بالفرنسية). وهي لا تزال تصدر حتى الآن. وكان من بين كتابها ومستشاريها الفيلسوف الكبير: بول ريكور.
ومعلوم أن مونييه هذا كان من مدشني الفلسفة الشخصانية الجديدة: أي الفلسفة التي توفق بين مبادئ الدين المسيحي من جهة، ومبادئ العقلانية الفلسفية لعصر التنوير من جهة أخرى. نعم، للحداثة ولكن لا لاحتقار الدين، خصوصًا في صيغته التنويرية العقلانية.
وشهد هذا التيار الفكري انتعاشا ملحوظا في فرنسا آنذاك. وكان من أكبر فلاسفته غابرييل مارسيل وبول ريكور نفسه، وآخرون كثيرون. وقد قلّده الفيلسوف المغربي محمد العزيز الحبابي لاحقًا عندما أسس الشخصانية الإسلامية، وذلك على غرار الشخصانية المسيحية. وهي فلسفة توفق بين المبادئ المثالية الرائعة للتراث الإسلامي الكبير والعقلانية الفلسفية الحديثة.
فالدين يمكن أن يفهم بمعنيين: إما بمعنى متحجر ومضاد للحرية والنزعة الإنسانية، وإما بمعنى منفتح ومتوافق مع هذه النزعة. وقد اختار فلاسفة الشخصانية الخط الثاني بالطبع.
وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية كان جاك ماريتان في الولايات المتحدة، ولذلك لم يعد إلى فرنسا لأنه كان من أنصار الجنرال ديغول، ومضادا لحكومة فيشي العميلة للألمان. ولذا فبعد انتهاء الحرب وتقديرا لمواقفه، عينه الجنرال ديغول سفيرا لفرنسا لدى الفاتيكان. وقد ظل يشغل هذا المنصب طيلة ثلاث سنوات من عام 1945 إلى عام 1948. ثم عاد بعدها إلى الولايات المتحدة للتدريس في جامعة برنستون.
وقد استقال من مناصبه الجامعية بدءًا من عام 1960 بعد أن تقدم في العمر وتجاوز السابعة والسبعين. ثم عاد إلى فرنسا حيث فتح بيته للمثقفين من جديد. وكانوا يأتون إليه من شتى الجهات لكي يجدوا عنده العون النفسي والإرشاد الروحي بعد أن ضاعت بوصلة الحياة لديهم.
فالكثيرون كانوا مجروحين من الداخل ولا يجدون شفاء لأوجاعهم في خضم الحضارة المادية الرأسمالية التي لا قلب لها ولا إحساس.
ومن بين هؤلاء كتاب وشعراء ومثقفون كثيرون. وكلهم توافدوا على بيت الفيلسوف وزوجته في إحدى ضواحي باريس الجميلة لكي يجدوا عندهما العزاء والحضن الرحب الذي يحتضن همومهم وأوجاعهم. ومن بين هؤلاء جان كوكتو، الكاتب الشهير. فالجميع معرضون للهزات النفسية بمن فيهم الكتاب الكبار. فإذا كان كاتب ملحد إباحي كجان كوكتو اضطر للجوء إلى الدين للتخفيف من أوجاعه فما بالك بالآخرين؟
لقد استطاع جاك ماريتان أن يقف في وجه الموجة الوضعية الإلحادية الصاعدة في الغرب: أي الموجة التي لا تعبأ كثيرا بالقيم الروحية والإنسانية.
إنها لا تؤمن إلا بالربح المادي والاستهلاك المسعور للشهوات والملذات. وكل ما عدا ذلك تعتبره سرابا في سراب. أما هو فيرى أن الإنسان بحاجة إلى إشباع روحي أيضًا وليس فقط إشباعا ماديا. ثم توفي عام 1973 عن عمر طويل يناهز التسعين عاما. من بين كتب جاك ماريتان نذكر: «المصلحون الثلاثة: لوثر.. ديكارت.. روسو»، ثم «النزعة الإنسانية الكاملة»، ثم «رد على جان كوكتو»، ثم «الدين والثقافة».. إلخ.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.