مدير «دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي»: دول الخليج الأكثر قدرة على التكامل

عبد الله العور قال إن التشابه في الاستراتيجيات أحد العوامل التكاملية بين بلدان المجلس

عبد الله العور - جانب من جلسات قمة الاقتصاد الإسلامي الماضية («الشرق الأوسط})
عبد الله العور - جانب من جلسات قمة الاقتصاد الإسلامي الماضية («الشرق الأوسط})
TT

مدير «دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي»: دول الخليج الأكثر قدرة على التكامل

عبد الله العور - جانب من جلسات قمة الاقتصاد الإسلامي الماضية («الشرق الأوسط})
عبد الله العور - جانب من جلسات قمة الاقتصاد الإسلامي الماضية («الشرق الأوسط})

قال عبد الله العور، المدير التنفيذي لمركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي، إن عوامل تحقيق التكامل الاقتصادي وتعزيز التعاون بين دول مجلس التعاون كثيرة، وتحظى بفرص وإمكانات كبيرة، حيث تتشابه دول المجلس في التركيبة الاقتصادية، وعوامل النمو والتحديات التي تواجهها.
وقال العور، إن من ضمن العوامل التي تساعد دول المجلس على التكامل، هو التشابه في الاستراتيجيات التنموية التي عبّرت عنها كل دولة على حدة كـ«رؤية الإمارات 2021» و«رؤية السعودية 2030» وغيرهما من دول المجلس، إضافة إلى التشابه في التحديات التي تتمثل بالحالة العامة للاقتصاد العالمي وتراجع أسعار النفط وضرورات التنوع الاقتصادي بالاعتماد على القطاعات غير النفطية المنتجة.
وبين في حديث لـ«الشرق الأوسط» احتياجات دول مجلس التعاون للاستمرار بالصرف على مشروعات البنية التحتية ومشروعات تحفيز نمو قطاعات الإنتاج، وأضاف أن «تقرير لوكالة (إس آند بي غلوبال للتصنيفات الائتمانية)، أشار إلى توفر فرص أكثر إيجابية لإصدار الصكوك من قبل الشركات وكيانات البنية التحتية على المدى المتوسط إلى الطويل».
وقال العور على هامش استعدادات دبي لعقد قمة الاقتصاد الإسلامي التي تنطلق غدًا، إن تقرير «اس آند بي غلوبل» توقع أن يصل إنفاق حكومات الخليج على المشروعات، بما في ذلك عقود البنية التحتية الممنوحة للفترة بين 2016 - 2019 إلى نحو 330 مليار دولار. وبيّن التقرير أن إجمالي الصكوك الصادرة عن الشركات وكيانات البنية التحتية في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2016 في دول مجلس التعاون الخليجي، بلغ 2.5 مليار دولار، مقارنة بـ2.3 مليار دولار في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2015.
ولفت إلى أن اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي سيقود النمو الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث إن كفاءة الاقتصاد الخليجي ومتانته سيكون لهما آثار إيجابية على الاقتصاد العالمي ككل؛ وليس على اقتصاد دول مجلس التعاون فقط.
وأكد العور، أن الاقتصاد الإسلامي فرصة تاريخية للدول في مجلس التعاون الخليجي لتعزز مكانتها على الخريطة الاقتصادية للعالم ككتلة اقتصادية واحدة تحت إطار منظومة اقتصادية لها قيمها وتشريعاتها ومعاييرها الخاصة، بحيث تكون أكثر قدرة على المنافسة وعلى التأثير في توجهات الاقتصاد العالمي. مضيفا: «أثبت الاقتصاد الخليجي كفاءة عالية ومرونة مميزة أثناء وما بعد الأزمة المالية العالمية، وأثبتت المصارف الإسلامية الخليجية على وجه التحديد مقدرة لافتة على تجاوز تداعيات الأزمة».
وتطرق مدير مركز دبي إلى تقرير «التنافسية العالمية للقطاع المصرفي الإسلامي (إرنست أند يونغ)»، الذي أشار إلى أن مجموع أرباح المصارف الإسلامية في دول الخليج العربي، تجاوزت 12 مليار دولار، للمرة الأولى، وقال: «هذا السبق يتحقق في ظل تراجع أسعار النفط، وتباطؤ النمو في معظم الاقتصادات العالمية؛ مما يعني أن الصناعة المالية الإسلامية بخير ونموها يفوق مثيلاتها التقليدية بكثير. كما أن هذه الأرقام تشير إلى امتلاك دول مجلس التعاون أهم أدوات التنمية الاقتصادية وهي التمويل الإسلامي».
وأكد أن قمة الاقتصاد الإسلامي المقبلة ستناقش سبل وآليات إنجاز مهام التنمية الاجتماعية؛ كونها هدف الاقتصاد الإسلامي النهائية، وكونها غاية معاييره وأخلاقياته ومبادئه، وكذلك كونها القضية المركزية للدول كافة؛ لذلك ركزت القمة المقبلة على 5 محاور، من ضمنها مناقشة الدور المستقبلي للشباب في إطار منظومة الاقتصاد الإسلامي، والتأهيل الذي يحتاج إليه الاقتصاد الإسلامي للكوادر بشكل أوسع وأشمل من التأهيل التقليدي، حيث يحتاج الاقتصاد الإسلامي إلى كوادر مؤهلة ثقافيًا وأخلاقيًا من خلال غرس المعايير والغايات التي يتبناها الاقتصاد الإسلامي. وذلك إضافة إلى مناقشة واقع العمل الخيري كأداة للرعاية والتنمية الاجتماعية. وستعرض القمة المقبلة قطاعات الاقتصاد الإسلامي، لتقف على ما وصلت إليه من نمو، وستناقش احتياجات كل قطاع بشكل منفرد على ضوء احتياجات السوق والقدرة على تلبية الطلب وإدارة المنتج وآليات الترويج.
وأشار المدير التنفيذي لمركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي، إلى أن القمة ستشمل أيضا بحث دور التمويل الإسلامي في تحقيق التنمية المستدامة، والعلاقة بين الأدوات والسياسات المالية التي ترعاها التشريعات والنظم والأخلاقيات وبين الحد من المخاطرة وإدارتها في الأسواق المفتوحة، وكيف على القطاع المالي أن يكون انعكاسًا للواقع الحقيقي ومقياسًا لحجم الإنتاج والتداول من دون انفصال هذا القطاع عن القطاعات الأخرى.
وقال إنه «ستتم أيضا خلال جلسات القمة مناقشة دور المصارف الإسلامية في تحقيق توازن الأسواق من خلال دعمها المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتعاونيات الإنتاجية؛ كونها أثبتت أنها الوسيلة الأفضل للحفاظ على أخلاقيات ومبادئ الاستدامة، والحد من تفرد الشركات الضخمة متعددة الجنسيات بالسياسات الاقتصادية في الأسواق العالمية».
وستناقش القمة مدى استيعاب الاقتصاد الإسلامي للمتغيرات التي أحدثتها الثورة الصناعية الثالثة، ومدى استعداده لاستقبال الثورة الرابعة التي يجب أن تقدم حلولاً للمعضلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تواجه العالم.
وحول التجربة الغربية للأوقاف التعليمية، وهل تشكل إلهاما لاستنهاض الأوقاف في الدول العربية والإسلامية، قال العور «أعتقد أن التجربة الغربية تشكل حافزًا وليس إلهامًا، فتجربة الأوقاف التعليمية الغربية ناجحة من حيث قدرتها على جذب السيولة، ومن حيث قدرتها على بناء مؤسسات وقفية ربحية تشكل رافدًا للمؤسسة التعليمية، هذه التجربة التي تركت آثارًا إيجابية على جودة التعليم، لم تترك آثارها الاجتماعية المباشرة المرجوة منها».
وزاد: «على سبيل المثال أوقاف جامعة هارفورد تخطت 36 مليار دولار، ومع أنها ساهمت في دعم البحث العلمي وتطوير برامج التعليم، فإنها لم تخفّض من تكاليف الدراسة في الجامعة ولم تمكّن الفقراء من التحصيل العلمي الذي يساوي فرصهم بالأغنياء، وبقيت الأقساط الجامعية مرتفعة وتتراوح بين 40 و55 ألف دولار للسنة الواحدة».
وأكد العور، أن مهمة المؤسسات الوقفية في الاقتصاد الإسلامي هي رعاية الفئات الاجتماعية كافة بالتساوي، وتمكين الفقراء من الحصول على فرصهم في التعليم والتوظيف، والحد من التفاوت الاجتماعي الذي تعانيه الكثير من الدول، وذلك من خلال الاعتماد على الموارد الذاتية للمؤسسة الأكاديمية للحد من تكاليف الدراسة وتخفيض الأقساط وجعلها متاحة للجميع.
مشيرا إلى أن «هذه الفوارق غاية في الأهمية، وهي التي تشكل الفارق الأساسي بين الأوقاف الغربية وبين الأوقاف الإسلامية في الدول العربية. من المهم جدًا أن تتساوى الفرص في التعليم، فالاقتصاد يتجه أكثر فأكثر نحو التحول بالكامل لاقتصاد تقني رقمي، وحرمان جزء كبير من الفئات الاجتماعية من حقها في التعليم يعني أننا بصدد اقتصاد نخبوي، يقوده ويحدد اتجاهاته أولئك القادرون على تحمل نفقات التعليم، وهذه الحال تؤثر بشكل عميق في استراتيجية التنمية العادلة والشاملة التي نحتاج إليها لاستدامة النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي».



صندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو اقتصاد اليابان جراء الحرب

ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو اقتصاد اليابان جراء الحرب

ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)

من المتوقع أن يتباطأ نمو الاقتصاد الياباني إلى 0.8 في المائة في عام 2026، تحت وطأة ضعف الطلب الخارجي، وتداعيات الصراع في الشرق الأوسط، وفقاً لما أعلنه صندوق النقد الدولي الذي أشاد بالمرونة الاقتصادية القوية لليابان في مواجهة الصدمات العالمية، لكنه أوصى بنك اليابان بمواصلة رفع أسعار الفائدة تدريجياً نحو مستوى محايد، لكبح التضخم الأساسي. وتأتي هذه التوقعات في وقت أبقى فيه بنك اليابان الباب مفتوحاً أمام مزيد من التشديد النقدي، مؤكداً أن تطبيع السياسة سيستمر إذا تحققت التوقعات الاقتصادية، والمالية، رغم المخاطر «الجديدة، والكبيرة» التي فرضتها الحرب على آفاق ثالث أكبر اقتصاد في العالم.

وذكر المجلس التنفيذي للصندوق، في ختام مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2026، أنه ينبغي على بنك اليابان «مواصلة تحريك سعر الفائدة نحو مستوى محايد»، لتحقيق مستهدف التضخم البالغ 2 في المائة، مؤكداً اتفاق أعضاء المجلس على أن البنك «يسحب سياسة التيسير النقدي بشكل مناسب».

وفي ظل حالة عدم اليقين الكبيرة بشأن الأوضاع الخارجية، شدد أعضاء المجلس على دعمهم لنهج «مرن، وشفاف، ويعتمد على البيانات»، مع التنبيه إلى ضرورة حماية القوة الشرائية للأسر التي بدأت تتآكل جراء التضخم السنوي، رغم الارتفاع التاريخي في الأجور الاسمية.

وكان المدير التنفيذي لبنك اليابان، كوجي ناكامورا أشار يوم الجمعة إلى أن أثر ارتفاع أسعار الوقود الناتج عن النزاع الإقليمي قد يكون أعمق من المرات السابقة؛ نظراً لاستعداد الشركات المتزايد لتمرير التكاليف إلى المستهلكين. وقد انعكست هذه التوترات الجيوسياسية مباشرة على قطاع الأعمال، حيث سجلت ثقة الشركات اليابانية في مارس (آذار) تدهوراً جماعياً شمل كافة القطاعات العشرة للمرة الأولى منذ عام 2023، متأثرة بقفزة تكاليف الشحن، والمدخلات اللوجيستية، وضعف الين بنسبة 2 في المائة منذ اندلاع الحرب، ما يضع طوكيو أمام اختبار صعب للموازنة بين التطبيع النقدي الذي يزكيه الصندوق، وحماية قطاع الخدمات الذي سجل أدنى نمو له في ثلاثة أشهر.

محافظ بنك اليابان كازو أويدا يحضر مؤتمراً صحافياً عقب اجتماع السياسة النقدية للبنك في طوكيو (رويترز)

إشادة بمرونة الاقتصاد

وفي تقييمهم للمرحلة المقبلة، أشاد المديرون التنفيذيون بالمرونة الاقتصادية القوية لليابان، لكنهم اتفقوا على أن الحرب في الشرق الأوسط تشكل مخاطر جديدة كبيرة على التوقعات، مؤكدين على ضرورة مواصلة إعادة بناء الاحتياطيات المالية، والمضي قدماً في تطبيع السياسة النقدية، ودفع إصلاحات سوق العمل لدعم مكاسب مستدامة في الأجور الحقيقية.

ورحب أعضاء مجلس الإدارة بجهود اليابان في ضبط أوضاعها المالية بعد الجائحة، مشددين على ضرورة اتباع موقف مالي أكثر حيادية على المدى القريب، وإجراء تعديلات مالية داعمة للنمو على المدى المتوسط، مدعومة بإطار مالي موثوق.

وبشأن خطة الحكومة اليابانية لخفض ضريبة الاستهلاك، شدد أعضاء المجلس على ضرورة أن «تستهدف أي إجراءات الأسر، والشركات الأكثر ضعفاً، وأن تكون مؤقتة، ومحايدة من حيث تأثيرها على الموازنة» لتجنب زيادة العجز المالي. كما دعا الصندوق إلى إصلاحات هيكلية تشمل إعادة تأهيل العمالة لمواجهة النزوح الوظيفي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، لضمان استمرار نمو الأجور الحقيقية، وصمود الاقتصاد أمام صدمات العرض الخارجية العنيفة.

لوحة مؤشر الأسهم معروضة داخل مبنى بينما تمر حركة المرور عند تقاطع شارع في طوكيو (إ.ب.أ)

الدين العام

فيما يخص ملف الدين العام، حمل بيان صندوق النقد الدولي تحذيراً صريحاً من المسار المستقبلي رغم الأداء المالي الجيد مؤخراً. وأوضح الصندوق أنه رغم أن الأداء المالي الأخير لليابان قد تجاوز التوقعات، فإنه من المنتظر أن يتسع العجز في عام 2026.

وحذر المديرون التنفيذيون من أن استمرار الارتفاع في الإنفاق على الفوائد، وتصاعد تكاليف الرعاية الصحية والخدمات طويلة الأجل الموجهة للسكان الذين يعانون من الشيخوخة، سيؤديان في نهاية المطاف إلى زيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي اعتباراً من عام 2035.

ولمواجهة هذا السيناريو، شدد الصندوق على النقاط التالية:

- الحذر المالي: ضرورة تبني خطة مالية حازمة تضمن وضع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي على مسار نزولي مستدام.

- إطار مالي موثوق: دعا الصندوق إلى إجراء تعديلات مالية داعمة للنمو على المدى المتوسط، مدعومة بإطار عمل يضمن الحفاظ على ثقة الأسواق في ظل ضغوط الإنفاق طويلة الأجل.

- كفاءة الإنفاق: أوصى المديرون بتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، وتعزيز تدابير تعبئة الإيرادات المستدامة لمواجهة «الفاتورة» المتزايدة لفوائد السندات، وتكاليف الرعاية الاجتماعية.


«رياح الشرق» تعصف بالتضخم الأميركي وسط توقعات لقفزة كبرى

شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
TT

«رياح الشرق» تعصف بالتضخم الأميركي وسط توقعات لقفزة كبرى

شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)

يدخل الاقتصاد العالمي أسبوعاً حاسماً، حيث تجد الأسواق المالية نفسها محاصرة بين فكي كماشة: من جهة، بيانات التضخم الأميركي المرتقبة التي تعكس أثر صدمة الطاقة، ومن جهة أخرى، مرونة سوق العمل التي أظهرت انتعاشاً قوياً فاق التوقعات، مما يضع البنوك المركزية أمام معضلة تاريخية في تحديد مسار الفائدة.

قبل صدور بيانات التضخم المحورية، تلقى المستثمرون جرعة من التفاؤل الحذر مع صدور أرقام الوظائف لشهر مارس (آذار). فقد أضاف الاقتصاد الأميركي 178 ألف وظيفة، متجاوزاً التوقعات التي كانت تشير إلى 65 ألفاً فقط، وهو ارتداد قوي بعد شهر فبراير (شباط) الذي تضرر بفعل الإضرابات والعواصف الشتوية.

ومع انخفاض البطالة إلى 4.3 في المائة، تبدو الصورة وردية، غير أن التفاصيل تشير إلى تركز التوظيف في قطاعات محدودة مثل الرعاية الصحية والضيافة، بينما تعاني قطاعات أخرى من حالة جمود.

ويرى المحللون أن هذا الانتعاش قد يكون مؤقتاً، حيث يهدد استمرار الصراع في الشرق الأوسط بدفع أصحاب العمل نحو سياسات تقشفية نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود وضغوط الربحية.

وقال كبير استراتيجيي الاستثمار المشارك في شركة «مانوليف جون هانكوك»، ماثيو ميسكين: «سيكون من الصعب صرف انتباه السوق عن الشرق الأوسط وأسعار النفط والمخاطر الناشئة، فالمستثمرون يركزون على التطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة».

ساعة الحقيقة

تتجه الأنظار يوم الجمعة إلى صدور مؤشر أسعار المستهلكين، حيث تشير التوقعات إلى قفزة حادة في التضخم الرئيسي ليصل إلى 3.4 في المائة، وهو ارتفاع كبير مقارنة بنسبة 2.4 في المائة المسجلة في فبراير الماضي. هذا الفارق يعكس بشكل مباشر الأثر الأولي لارتفاع أسعار الوقود والطاقة العالمية منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، مما ينهي فترة الاستقرار النسبي التي شهدتها الشهور السابقة.

عامل بناء يعمل في منزل جديد قيد الإنشاء في مدينة ألهامبرا بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)

وقال بنك «بي إن بي باريبا» في مذكرة استباقية لتقرير مؤشر أسعار المستهلكين: «نتوقع أن تظهر تأثيرات أسعار النفط على الوقود بدءاً من مارس».

«العدوى» التي تخشاها الأسواق

لا يتوقف القلق عند أسعار الطاقة فحسب، بل يمتد إلى التضخم الأساسي (الذي يستثني الغذاء والطاقة). فبعد أن استقر هذا المؤشر عند 2.5 في المائة في فبراير، تتوقع الأسواق ارتفاعه إلى 2.7 في المائة في مارس. هذا الارتفاع المستمر يشير إلى أن ضغوط التكلفة بدأت تتسرب إلى السلع والخدمات الأخرى، وهو ما يعزز من مخاوف «جمود التضخم» بعيداً عن مستهدفات «الاحتياطي الفيدرالي» (2 في المائة)، ويقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة في وقت قريب.

قبل صدور بيانات التضخم، سيحلل المستثمرون يوم الأربعاء محاضر اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» الأخير لفهم كواليس القرار وتوجهات صانعي السياسة بشأن أسعار الفائدة. وتشير بيانات مجموعة بورصة لندن إلى أن أسواق المال الأميركية تتوقع حالياً ثبات أسعار الفائدة في الأشهر المقبلة، مع احتمال بنسبة 27 في المائة لخفضها بحلول نهاية عام 2026. وقال محللون إن قراءة مؤشر أسعار المستهلكين لشهر مارس «ستظهر التأثير الأولي لارتفاع أسعار الطاقة، حتى وإن كانت الولايات المتحدة بمنأى نسبياً عن هذا التأثير نظراً لكونها مُصدِّراً صافياً للنفط والغاز». ورجحوا أن يُولى اهتمام كبير للرقم الأساسي، الذي يستثني تكاليف الغذاء والطاقة المتقلبة، لفهم ما إذا كان التضخم ينتشر على نطاق أوسع في الاقتصاد.

كما ستصدر بيانات أخرى مهمة تشمل مسح (ISM) للخدمات يوم الاثنين، وطلبات الإعانة الأسبوعية يوم الخميس. وفي سوق السندات، ستختبر وزارة الخزانة الأميركية شهية المستثمرين عبر مزادات لبيع نوتات وسندات لآجال (3 و10 و30 عاماً)، وهي اختبارات حاسمة للعوائد في ظل حالة عدم اليقين.

عامل يملأ خزان سيارة في محطة وقود بشنغهاي (أ.ف.ب)

الصين وآسيا

خارج الولايات المتحدة، تعيش القوى الكبرى حالة استنفار مماثلة. إذ تترقب الأسواق يوم الجمعة أول تقرير كامل للتضخم في الصين منذ اندلاع الحرب. وتشير التوقعات إلى خروج مؤشر أسعار المنتجين من المنطقة السالبة ليصل إلى 0.5 في المائة بعد ثلاث سنوات من الانكماش، وهو ما يعكس انتقال ضغوط التكلفة العالمية.

وفي اليابان، يراقب البنك المركزي نمو الأجور والإنفاق المنزلي، بينما تستعد كوريا الجنوبية ونيوزيلندا والهند لاجتماعات بنوكها المركزية وسط توقعات بتثبيت الفائدة، مع تبني نبرة «حذرة» لمواجهة ضعف العملات المحلية أمام الدولار القوي.

الحي المالي في مدينة لندن (رويترز)

أوروبا وبريطانيا

تبدأ الأسواق الأوروبية أسبوعاً قصيراً بعد عطلة الفصح، مع التركيز على بيانات الإنتاج الصناعي في ألمانيا وإيطاليا. وفي بريطانيا، يبرز مسح «RICS» لأسعار المنازل يوم الخميس؛ حيث يخشى المستثمرون من أن يؤدي ارتفاع معدلات الرهن العقاري - مدفوعاً بتوقعات رفع الفائدة - إلى كبح الطلب في سوق الإسكان الذي بدأ يعاني بالفعل.

وتكتمل الصورة مع صدور بيانات التضخم في الفلبين وتايلاند والنرويج، وهي دول تتأثر بشكل مباشر بتقلبات إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط. وفي تايوان، رغم ضغوط التضخم، تظل صادرات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هي صمام الأمان، مع توقعات بنمو صادراتها بنسبة قد تصل إلى 35.5 في المائة.


عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية يوم الجمعة بعد أن أظهرت البيانات أن أكبر اقتصاد في العالم أضاف وظائف أكثر بكثير من المتوقع في مارس (آذار)، مما عزز التوقعات بأن «الاحتياطي الفيدرالي» سيُبقي أسعار الفائدة ثابتة لفترة أطول ولن يخفضها قريباً.

وارتفع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 3.3 نقطة أساس بعد صدور بيانات الوظائف، ليصل إلى 4.347 في المائة. ومع ذلك، انخفضت عوائد السندات لأجل 10 سنوات خلال الأسبوع بنحو 9.4 نقطة أساس، متجهةً نحو تسجيل أكبر انخفاض أسبوعي لها منذ 23 فبراير (شباط)، وفق «رويترز».

كما صعد عائد السندات لأجل عامين، الذي يعكس توقعات أسعار الفائدة، بمقدار 5.2 نقطة أساس ليصل إلى 3.85 في المائة. وحتى الآن هذا الأسبوع، انخفضت عوائد السندات الأميركية لأجل عامين بمقدار 6 نقاط أساس، مسجلةً أكبر انخفاض أسبوعي منذ أواخر فبراير.

انتعاش سوق العمل وتراجع البطالة

أظهرت البيانات أن نمو الوظائف في الولايات المتحدة انتعش بأكثر من المتوقع الشهر الماضي، حيث أضيف 178 ألف وظيفة بعد انخفاض معدل التعديل نزولاً إلى 133 ألف وظيفة في فبراير، مدعوماً بانتهاء إضراب العاملين في مجال الرعاية الصحية وارتفاع درجات الحرارة. كما انخفض معدل البطالة بشكل طفيف إلى 4.3 في المائة، مقارنة مع 4.4 في المائة في الشهر السابق.

مع ذلك، قال المحللون إن التقرير لم يكن بالقوة التي بدا عليها.

وأوضح زاكاري غريفيث، رئيس قسم الائتمان ذي الدرجة الاستثمارية في شركة «كريديت سايتس» بمدينة شارلوت في ولاية كارولاينا الشمالية: «كان رد فعل سوق السندات أقل حدةً بعض الشيء. شهدنا مراجعات نزولية إضافية. بلغ مؤشر فبراير -133 ألف وظيفة، ما يشير بوضوح إلى وجود تقلبات كبيرة في هذه البيانات».

توقعات الأسواق المالية والسياسة النقدية

في آجال استحقاق أطول، ارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بمقدار 2.4 نقطة أساس لتصل إلى 4.914 في المائة. إلا أن هذه العوائد انخفضت هذا الأسبوع بمقدار 7 نقاط أساس، مسجلةً أكبر انخفاض أسبوعي منذ 23 فبراير.

وأشارت تقديرات مجموعة بورصة لندن إلى أن العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية يوم الجمعة توقعت انخفاضاً طفيفاً في أسعار الفائدة بمقدار نقطة أساس واحدة فقط هذا العام، بانخفاض عن 7 نقاط أساس في وقت متأخر من يوم الخميس و55 نقطة أساس قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط.

وقال غريفيث: «إن عتبة أي تعديلات في السياسة النقدية من قِبَل (الاحتياطي الفيدرالي) مرتفعة للغاية في الوقت الراهن. ربما هم في وضع الترقب والانتظار، لا سيما بعد أن تجاوزت بيانات الوظائف المعلنة التوقعات بأكثر من 170 ألف وظيفة، وهو رقم يفوق بكثير ما كان يتحدث عنه (الاحتياطي الفيدرالي) في ما يتعلق بمستوى التعادل للبطالة».