طقوس الكتابة عند الأدباء العرب.. و«الانسداد الكتابي»

كان محفوظ يمشي مسافات طويلة.. وتاج السر يكتب في الصباح ولا يزيد على ألف كلمة

الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد
الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد
TT

طقوس الكتابة عند الأدباء العرب.. و«الانسداد الكتابي»

الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد
الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد

هل هناك طقوس للكتابة؟ نعرف من سير الأدباء، قديمًا وحديثًا، أن هذه «الطقوس»، أو فلنقل شحن النفس بالاستعداد لدخول هذا المحراب، موجودة عند غالبيتهم، وقد تكون شاقة أحيانًا، وحتى إن بعض الأدباء يستعد لذلك.. عضليا، مثلما كان يفعل نجيب محفوظ حيث كان يسير مسافات طويلة في الصباح الباكر. والبعض لا يكتب إلا وبجواره فنجان القهوة، مصحوبة بعلبة السجائر، مثل بلزاك وفولتير اللذين كانا يحتسيان ما بين 40 و50 فنجان قهوة، والبعض يفضل الجلوس بالمقهى، فيما يعشق البعض الآخر العزلة والهدوء التامين، وهناك من يعشق الموسيقى، وهناك من يرتدي ملابسه كاملة كمن يستعد لمغادرة المنزل. وما بين الغرابة والطرافة والتلقائية تتنوع «العادات الكتابية» أو الطقوس، لكن ذلك لا يمنع أيضًا من أن يطارد المبدع شبح «الانسداد الكتابي»، وحينها قد يغير من عاداته أو يثور عليها أو يستسلم للانسداد ريثما يغادره ذاك الشبح. «فضاءات» دخلت محراب عدد من الأدباء العرب للتعرف على عاداتهم وطقوسهم، وأيضًا أسلحتهم لمحاربة الانسداد الكتابي:
الروائي اللبناني جبور دويهي، صاحب «شريد المنازل» يكشف عن عاداته الكتابية قائلا: «الواقع أني رجل عادات ومقاهٍ. أكتب في الخارج، أبعد ما يكون عن غرفة نومي، يوميًا من دون استثناء عندما انطلق في مشروع روائي، بين العاشرة صباحًا والواحدة، في مقهى يكون متوسط الضجيج.. أبدأ بقلم الرصاص وأنتهي أمام لوحة مفاتيح حاسوب (أبل). وقبيل الفراغ من الكتابة أترك ذخيرة لليوم التالي أبدأ منها من جديد. لكني عموما بطيء.. فلا يتجاوز عدد كلماتي التي أعدّها دائمًا المائة كلمة».
أما الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، صاحب «لا أحد ينام في الإسكندرية»، فهو لا ينام فعلا طوال الليل، المخصص كله للكتابة. يقول: «علاقتي بالكون هي الكتابة. وعاداتي أثناء الكتابة بسيطة للغاية ولم تتغير منذ بدأت أمارسها، حتى عند انتقالي من منزل لآخر لم أغير غرفة مكتبي بما تحويه، أحتفظ فيها بثلاثة دواليب للكتب، وما يزيد عنها أتبرع به أو أهديه للأصدقاء.. أحب الضوء الأبيض (الفلوريسنت). أكتب الروايات عادة من بعد منتصف الليل وحتى شروق الشمس، لا بد أن أرى ضوء الصباح قبل أن أخلد للنوم، وأراجع ما كتبته بالنهار». وعن نمط كتابته الروائية، يقول: «لا أعمل بشكل منتظم. قد أكتب 3 سطور أو 3 صفحات. استمع إلى الراديو وتحديدًا (إذاعة البرنامج الموسيقى)، التي تبث الموسيقى الكلاسيكية والخفيفة طوال الليل دون انقطاع.. بجواري زجاجة مياه.. أشرب كثيرًا منها، وربما هي سبب بقائي على قيد الحياة.. كنتُ في الماضي أشرب الشاي والقهوة. مع التقدم بالعمر أصبحت أراجع قبل منتصف الليل فلم أعد أملك ترف الوقت»، أما كتابة المقالات فهو يكتبها في أي وقت وأي مكان. ويذكر أنه «في الماضي كنت أسافر للإسكندرية كل أسبوع وأزور معالمها لأن مشروعي الروائي كان مرتبطًا بها، لكني أومن بأن النسيان هو الثروة الحقيقية». ويتقبل صاحب «البلدة الأخرى» عقبة الانسداد الكتابي ويعترف: «تزورني من وقت لآخر لكني أعرف أنها ستزول تلقائيًا، وأحاول أن أسافر كثيرًا، وأستمع للموسيقى وأقرأ أكثر من أي وقت».
«لا توجد لدي طقوس للكتابة» هكذا يوضح الروائي الأردني صبحي فحماوي، صاحب «الإسكندرية 2050»، ويفسر ذلك «لأنني متورط في أكثر من مجال ثقافي، وكثيرًا ما اضطر لتحويل وقت قراءتي إلى كتابة.. والعكس صحيح.. فأنا أقرأ بغزارة يوميًا، ثم أكتب القصة، أو الأقصوصة، أو أواصل متابعة كتابة روايتي، أو أتابع نسج الدراما في عمل مسرحي، أو أكتب النقد.. ثم أعد وأقدم برنامجي الثقافي التلفازي الأسبوعي بعنوان (قناديل) على قناة (برايم) الفضائية». وعن نمط كتابته الروائية، يقول: «أصدر سنويًا رواية، أو عدة كتب منها قصص أو نقد، ولهذا لا توجد لدي طقوس كتابة.. فأنا لا أدخن، ولا أشرب الكحول، وقليلاً جدًا، ما أزور مقهى، ذلك لأن معظم المقاهي الأردنية مريضة بالتدخين والأرجيلة أولاً».
أما عن أسلوب حياته، فيقول: «منذ السادسة صباحًا أغسل، وأمارس الرياضة سيرًا سريعًا لمدة ساعة، أتفقد فيها نباتات حديقتي، وأُفتِّح في كل زهرة جديدة من أزهار حديقتي الحبيبة، أو أودع محزونًا كل زهرة تذبل لتجف.. حيث إنني مهندس حدائق.. أعبر في عبير الحدائق وأتأمل كل زواياها خمسين دورة يوميًا.. ثم أعود لتصفح وقراءة الصحف. وأكتب مقالاتي. وبعدها أنام القيلولة لأعود بعد ذلك للكتابة التي لا تكون مبرمجة، بل تكون مثل موج البحر».
أما عن الانسداد الكتابي، فيقول صاحب «قصص عشق كنعانية»: «لا أشعر به، فمثل شراهتي في الأكل، عندي شره في الكتابة التي ابتدأتها بتوسع عام 2005، فأنجزت حتى اليوم أكثر من 20 كتابًا.. وكثيرًا ما أشعر بألم المخاض في حمل صادق لرواية يثقلني حملها.. فأواجه هذه الآلام بالقراءة أو الابتعاد برحلة سياحية.. أو بالنوم.. نعم أنام مرة في الليل، ومرة أو مرتين في النهار لمدة ساعة في كل مرة، (أفلتر) خلالها تراكم الكتابات والمعلومات والقضايا الشائكة التي تملأ رأسي.. وأحاول التخلص من فضلاتها التي تملأ رأسي».
وتقول الروائية المصرية منة الله سامي عن عاداتها الكتابية: «عادة أكتب في وقت متأخر من الليل بعد أن يخلد الجميع إلى النوم، حينئذ تستنفر في داخلي طاقة الإبداع بعد أن تتبدد طاقتي في مواجهة متطلبات حياتي اليومية وعملي. وأنا لا أستجدي فكرة لأشكل منها قصتي لأنني لا أكتب إلا إذا كنت مسكونة تمامًا بهذه الفكرة التي تلح علي في صحوي وفي منامي، وعادة ما تكون مرتبطة بحدث يؤلمني مثل اجتياح الدواعش لآثار (نينوى)، في العراق، ومحاولتهم محو أثر إنساني قاوم الزمن لقرون وقرون. وقد تكون الفكرة أقرب إلى شطحة من شطحات العلماء الذين يتطلعون إلى مستقبل البشرية فتجيء ومضة خاطفة يصنفها النقاد تحت (أدب الخيال العلمي)».
وعن نمط كتابها الروائية توضح: «أنا ممن يكتبون القصة دفقة واحدة، ربما على الورق وربما على الحاسوب مباشرة أو ربما على هذه الهواتف الذكية التي فقدت من خلالها كثيرًا من نصوصي. وعادة ما تجر القصة أخواتها لتشكل مجموعة قصصية في موضوع بعينه، هكذا فعلت في (مخدع) التي تستلهم أساطير اليونان والشرق القديم، أو (كِمت) التي تتساءل عن أصل مصر، وتدين السفهاء منا، أو (فلول وأنوف) التي تعالج ما طرأ على المجتمع المصري من متغيرات عجيبة إبان ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، ومحاولة الالتفاف عليها من جماعة بعينها».
ويتحدث لنا الروائي والطبيب السوداني أمير تاج السر، صاحب «صائد اليرقات» عن طقوس الكتابة لديه قائلاً: «لا أكتب في البيت إلا نادرًا، ولا أكتب في الليل كما يفعل الكثيرون، وقد قمت منذ سنوات طويلة، باختراع مكان خاص بالكتابة، ارتاده يوميًا حين أكون منغمسًا في نص جديد، أو حتى لكتابة مقال من تلك التي أكتبها بصفة دورية، هذا المكان هو ركن ليس هادئًا تمامًا، في فندق متوسط بمدينة الدوحة حيث أقيم، وفي ذلك الركن أفتح كومبيوتري، وأنغمس بسرعة في كتابتي، ويمكن أن أرد على تحية عابر بقربي، ولا أنفصل عن الكتابة، أو أنهض وأتمشى قليلا وأعود».
وعن نمط كتابته الروائية، يكشف: «أكتب في العادة صباحًا، من الثامنة حتى الثانية عشر ظهرًا، وفي العادة أكتب ألف كلمة في اليوم، لا أزيدها إلا نادرًا، وحين يكون الزخم شديدًا، ويجبرني على الكتابة، في الثانية عشرة أغلق الكومبيوتر، وأذهب لعملي الرسمي، الذي أحوله للمساء، وكما ترين فهي مسألة مرهقة أن يقوم الإنسان بكل ذلك، وهي حقيقة أيام اكتئاب قصوى، أنفصل فيها عن عالمي المعتاد، ولا أتحدث مع أفراد أسرتي إلا قليلا. في اليوم التالي أعود صباحا، أقرأ ما كتبته بالأمس قبل الانتقال لفقرات جديدة، وحقيقة أنا لا أخطط لأي نص، تأتيني الفكرة وأقوم بكتابتها مباشرة وأترك النص يقودني إلى حيث يريد، وكثيرا ما ينتهي نهاية لا أتوقعها قط، لكني أتركها ولا أقوم بتعديلها».
وعن العادات المصاحبة للكتابة الروائية، يقول: «أشرب القهوة بكثرة أيام الكتابة حتى ينتهي النص، وتتراوح عادة بين شهر وثلاثة أشهر، بحسب طول النص واتساعه. في الماضي كنت أدخن كثيرا، لكني تركت التدخين منذ سنوات واستطعت أن أواصل الكتابة بلا سجائر. حين ينتهي نصي، أقوم بمراجعته وإجراء بعض التعديلات البسيطة، لأنني أومن بأن النص الحقيقي، هو الذي يجيء في دفقة الكتابة الأولى، ولا ينبغي تخريبه بالحذف والإضافات الكثيرة».
أما عن الانسداد الكتابي لديه، يقول صاحب «مهر الصياح»: «ليس لدي مسألة انسداد الكتابة، فأنا أعتقد أنها عمل احترافي، أو صنعة مثل غيرها من الصنع، وعلى الكاتب الموظف في الكتابة، أن يعمل باستمرار، أو على الأقل، يترك للقراءة والكتابة بضع ساعات في يومه».
وعن الكتابة وطقوسها لدى الروائي المصري ناصر عراق، صاحب «الأزبكية» يقول: «الكتابة بالنسبة لي ومضة فرح.. الكتابة فعل حياة ممتع ومعذّب.. إنها عمل مجهد ومضن، مثل الفلاحة في الأرض، حيث لا يمكن أن تمنحك ثمارها الشهية إلا عندما تخلص لها ويسيل من روحك عَرَق الإبداع».
أما عاداته الكتابية فيلخصها بقوله: «منذ زمن بعيد أدركت أن الكتابة الناجحة المؤثرة لن تتأتى إلا بالالتزام الصارم، بمعنى، الإقبال عليها وممارستها بشكل يومي، دون انتظار وحي يأتي من هنا، أو خاطر يطل من هناك. إن الدأب والمثابرة والاستمرارية هي التي تولد الوحي، وهي التي تشحذ سلاح الإلهام، وقد تعلمت هذه الحكمة من والدي المرحوم عبد الفتاح عراق الذي اعتبره مثقفا عصاميًا بامتياز».
ويستطرد: «هكذا إذن أصبحت أعانق الكتابة كل صباح منذ سنوات طويلة.. أعانقها بشغف ومحبة.. أستعجل النوم مبكرًا في الليل، لأصحو صافي الذهن قادرًا على استقبال معشوقتي التاريخية. أجل كل صباح دون مبالغة، ففي تمام السادسة صباحًا أجلس إلى مكتبي، سواء في العمل أو في البيت، في حضرة الورقة والقلم فيما مضى، أو أمام شاشة الكومبيوتر حاليًا.. أكتب نحو ساعتين أو ثلاث في صمت تام، لا حركة.. لا صوت.. لا نأمة.. ولا موسيقى ناعمة، ولا زقزقة عصفور.. ففي حضرة الكتابة لا يعلو صوت فوق صوت الكلمة!».
أما القاصة والروائية سعاد سليمان، صاحبة «شهوة الملايكة» فتقول: «لا توجد لدي طقوس خاصة للكتابة. أستعد للكتابة بالقراءة المكثفة التي قد تصل إلى 100 كتاب، حتى أجد نفسي أمسكت بالقلم الجاف والورق المسطر وبدأت أكتب». وعن نوعية قراءاتها التي تستعد بها للكتابة، قالت: «أقرأ في جميع المجالات.. تاريخ وأدب وفلسفة وشعر ومسرح». أما عن عاداتها في الكتابة فتقول: «أكتب في عزلة وأنا بمفردي، لا أحدد لنفسي وقتًا محددًا للكتابة، وقد أظل 5 سنوات دون كتابة أي عمل جديد».
وعن اختلاف عادات الكتابة ما بين القصة والرواية، تقول سليمان الحائزة على جائزة «متحف الكلمة» العالمية في القصة القصيرة: «القصص تخرج كلها دفعة واحدة، لا يمكن أن تتم على مراحل، لا بد أن أنتهي منها في جلسة واحدة. قد أعدل بعضا منها أو كلها أو حتى أتخلص منها أو أقطعها.. هي بالنسبة لي (موال الإبداع) الذي يخرج دفقة واحدة، أما الرواية فقد أكتب كل شهر فصلا مثلا».



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟