كلينتون ترهن فوزها في الولايات المتأرجحة بأصوات الأقليات

التوترات العرقية الأخيرة قضية محورية في الحملات الانتخابية

المرشحة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية الأميركية هيلاري كلينتون في كنيسة بمدينة شارلوت في 2 أكتوبر الحالي (رويترز)
المرشحة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية الأميركية هيلاري كلينتون في كنيسة بمدينة شارلوت في 2 أكتوبر الحالي (رويترز)
TT

كلينتون ترهن فوزها في الولايات المتأرجحة بأصوات الأقليات

المرشحة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية الأميركية هيلاري كلينتون في كنيسة بمدينة شارلوت في 2 أكتوبر الحالي (رويترز)
المرشحة الديمقراطية للانتخابات الرئاسية الأميركية هيلاري كلينتون في كنيسة بمدينة شارلوت في 2 أكتوبر الحالي (رويترز)

تحتاج المرشحة الديمقراطية للبيت الأبيض هيلاري كلينتون إلى مشاركة كثيفة من الأقليات، وخصوصا الأفريقيين - الأميركيين لتتمكن من الفوز على خصمها الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية وتصبح أول امرأة رئيسة للولايات المتحدة.
فهل تنجح في تعبئتهم للمشاركة والإدلاء بأصواتهم في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) في الولايات التي تشهد منافسة محتدمة مثل كارولينا الشمالية وبنسلفانيا وفلوريدا؟ يجيب سانتي جونز (37 عاما)، رجل الأعمال الأفريقي الأميركي، متحدثا لوكالة الصحافة الفرنسية أمام ملعب في كارولينا الشمالية قبل بدء مباراة لكرة القدم، أنه «بوسعها تحقيق ذلك، لكن عليها أن تبذل جهودا أكبر بقليل».
شهدت الولايات المتحدة منذ العام الماضي سلسلة من الحوادث قتل فيها سود برصاص الشرطة، ما أجج التوترات العرقية في هذا البلد. واتهم البعض رجل الأعمال الثري دونالد ترامب بالمساهمة في تعميق الشقاق من خلال الخطاب الاستفزازي الذي بنى حملته الانتخابية عليه، والسنوات التي قضاها يروج لفكرة أن باراك أوباما، أول رئيس أسود للولايات المتحدة، لم يولد على الأراضي الأميركية، وتقربه من أنصار نظرية تفوق العرق الأبيض.
وحين سئل ترامب خلال مناظرته الأولى مع هيلاري كلينتون، عما إذا كان من الضروري معالجة الانقسام العرقي في الولايات المتحدة، في أعقاب اضطرابات دامية التي هزت مدينة شارلوت، رد مؤكدا «أننا بحاجة إلى فرض القانون والنظام في بلادنا».
وتعتبر كارولينا الشمالية محورية في جهود كلينتون لحشد التأييد التاريخي الذي قدمه السود لباراك أوباما، وتكرار التجربة لصالحها هذه المرة في الولايات المتأرجحة التي ستحسم نتيجة الانتخابات.
وفاز أوباما بفارق ضئيل في كارولينا الشمالية عام 2008، لكنه عاد وخسر الولاية بعد أربع سنوات. وتكثف كلينتون حملتها حاليا لتحويل مسار الولاية لتصب لصالح الحزب الديمقراطي من جديد.
تشكل الأقلية الأفريقية - الأميركية 12 في المائة من الناخبين الأميركيين، وهم يؤيدون هيلاري كلينتون بنسبة تقارب 90 في المائة، بحسب مختلف استطلاعات الرأي. ورغم ذلك، لا يزال الكثير منهم يبدون حماسة ضعيفة لها.
وفي مؤشر إلى حجم التحدي الذي تواجهه كلينتون، قال جونز نفسه بأنه رغم تأييده لوزيرة الخارجية السابقة، ليس متأكدا من أنه سيدلي بصوته. وفي أحد مكاتب حملة كلينتون في الشارع التجاري من مدينة شارلوت، كان متطوعون بينهم أرنيتا ستريكلاند (56 عاما) يجرون اتصالات هاتفية لتحفيز الديمقراطيين والناخبين المترددين وحضهم على المشاركة في التصويت.
حين سئلت ستريكلاند التي تعمل سكرتيرة طبية، عما إذا كان بوسع ترامب أن يفعل أو يقول أي شيء لحملها هي أو سواها من السود على تبديل رأيهم والتصويت له، هزت رأسها نافية. وقالت: «إن السود ديمقراطيون بمعظمهم. ومهما قال، هم لن يصوتوا له. إننا معتادون على التكاتف فيما بيننا».
ورغم ذلك، فإن ستريكلاند التي تطوعت لأوباما، أبدت شكوكا حول ما إذا كانت المشاركة لصالح كلينتون «ستوازي المشاركة لصالح أوباما».
ولفت الرئيس الشهر الماضي انتباه الأميركيين السود إلى الأمر، فقال خلال حفل عشاء لمنظمة «مؤتمر السود في الكونغرس»: «ليس هناك ما يمكن اعتباره صوتا لا يحدث فرقا». وقال مستنهضا تأييد السود لكلينتون «بعد أن حققنا مشاركة تاريخية في 2008 و2012، وخصوصا من مجتمع السود، سوف أعتبر الأمر إهانة شخصية، إهانة لإرثي، إن تهاونت هذه المجموعة وفشلت في تعبئة نفسها في هذه الانتخابات».
وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم كلينتون بفارق ضئيل في كارولينا الشمالية، غير أنها قد تحظى بدفع جديد في الأيام المقبلة بعد الفضيحة المدوية التي أثارها تسجيل نشر الجمعة، يسمع فيه ترامب يتبجح بكلام فاضح وبذيء بمضايقة النساء والتحرش بهن.
وروى الحلاق بريندان واتسون في محل «اندرتون» للحلاقة في شارلوت أنه سجل مع زملائه ألفي ناخب جديد في انتخابات 2008 و2012، وقال: «أتوقع أن نفعل الأمر نفسه هذه المرة. ألمس حسا بالضرورة الملحة داخل مجموعة السود، سوف تظهر على أرض الواقع». غير أنه أقر رغم ذلك بأن كارولينا الشمالية ستكون معركة «صعبة».
ويطرح هذا التحدي في ظل تصاعد للتوترات العرقية في الولايات المتحدة، تؤججها حوادث قتل سود على أيدي شرطيين. وبين مؤيدي كلينتون المشاركين في حملة جمع الأصوات لها، أمهات شباب سود قتلوا برصاص الشرطة أو أثناء اعتقالهم في مراكز الشرطة، وقد شكلن مجموعة تعرف بـ«أمهات الحركة».
ومن بينهن جينيفا ريد - فيل، والدة ساندرا بلاند التي أثار مقتلها أثناء توقيفها في سجن بولاية تكساس حركة احتجاجات.
وقالت ريد - فيل بأن كلينتون ربما لا تلهم السود بقدر أوباما، لكنها تأمل أن يترجم ولاؤهم للديمقراطيين أصواتا انتخابية. وترى ريد - فيل أن الصعوبات التي تواجهها كلينتون في الفوز بأصوات السود ناجمة عن قانون جنائي مثير للجدل وقعه زوجها بيل كلينتون حين كان رئيسا.
وقالت هيلاري كلينتون في خطاب ألقته عام 1996 بأن القانون يستهدف «المجرمين الكواسر»، في تعبير اعتبر الكثيرون أنه يستهدف الشباب السود. واعتذرت لاحقا عن كلامها، غير أن مشاعر الاستياء بقيت قائمة حيال هذا التصريح.
من جهته، لا يزال ترامب عاجزا عن اجتذاب ناخبين من الأقليات. وخلال المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري الذي عين المرشح رسميا في يوليو (تموز)، حصل على أدنى عدد من المندوبين السود منذ قرن.
ومن بين هؤلاء المندوبين الذين صوتوا لترامب آدا فيشر، وهي طبيبة متقاعدة في سالسبوري، ومن أعضاء اللجنة الوطنية الجمهورية في كارولينا الشمالية، وقد أعربت عن ثقتها بفوز المرشح بنحو 10 في المائة من أصوات السود تأييدا لرؤيته الاقتصادية للبلاد. وقالت: إنه سيكون ضربا من «الجنون» أن يؤيد السود كلينتون، معتبرة أن الليبراليين يتحملون مسؤولية ظروف الفقر التي تعم مناطق السود.
وقالت فيشر (68 عاما) «الديمقراطيون هم الذين يديرون هذه المناطق، وليسوا الجمهوريين». وأضافت أن التربية وإصلاح نظام السجون لطالما كانا من طروحات الجمهوريين سعيا لكسب تأييد السود، أكثر من الإدارات الديمقراطية التي تعمد إلى توزيع المساعدات. وتابعت: «سأسأل السود: قولوا لي ما الذي فعله أوباما من أجلنا، عدا عن أن لون بشرته تشبه لون بشرتنا؟».



شغفه بالطيور كلفه حياته... من هو «المريض صفر» في تفشي «هانتا» على متن السفينة السياحية؟

عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
TT

شغفه بالطيور كلفه حياته... من هو «المريض صفر» في تفشي «هانتا» على متن السفينة السياحية؟

عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)

كشفت السلطات الأرجنتينية هوية ما يُعرف بـ«المريض صفر» في تفشي فيروس هانتا القاتل على متن السفينة السياحية «إم في هونديوس»، وهو عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد، الذي يُرجّح أن شغفه بمراقبة الطيور قاده إلى العدوى التي أودت بحياته وحياة زوجته لاحقاً.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية، فقد كان شيلبيرورد، البالغ من العمر 70 عاماً، وزوجته ميريام (69 عاماً)، يقومان برحلة استمرت خمسة أشهر في أميركا الجنوبية، بدأت في الأرجنتين أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قبل أن يتنقلا بين تشيلي وأوروغواي ثم يعودا مجدداً إلى الأرجنتين في مارس (آذار)، حيث خاضا رحلة لمراقبة الطيور انتهت بمأساة.

وتم التعرف على هوية الزوجين، المتحدرين من قرية هاوليرويك الهولندية الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 3000 نسمة، في نعي نُشر في مجلة قريتهما الشهرية.

وعُرف الزوجان بشغفهما الكبير بعالم الطيور، وسبق لهما نشر دراسة علمية عن الإوز ذي الأقدام الوردية نُشرت في مجلة علم الطيور الهولندية «هيت فوغلجار» عام 1984، وانطلقا في رحلات استكشافية حول العالم، من بينها رحلة خاصة لا تُنسى استغرقت 12 يوماً لمراقبة الطيور والحياة البرية في سريلانكا عام 2013، حيث أبدى الزوجان إعجابهما الشديد برؤية بومة سرنديب سكوبس النادرة.

وبحسب السلطات، زار الزوجان في 27 مارس مكب نفايات يقع قرب مدينة أوشوايا الأرجنتينية، وهو مكان يقصده هواة مراقبة الطيور لرؤية طائر نادر يُعرف باسم «الكاراكارا أبيض الحنجرة»، رغم تحذيرات السكان المحليين من خطورته بسبب انتشار القوارض الحاملة لفيروس «هانتا».

وتشتبه السلطات الأرجنتينية في أن الزوجين الهولنديين استنشقا في مكب النفايات جزيئات من براز جرذان الأرز القزم طويل الذيل، التي تحمل سلالة الأنديز المخيفة من فيروس هانتا؛ وهي السلالة الوحيدة المعروفة بانتقالها من إنسان إلى آخر.

وفي الأول من أبريل (نيسان)، استقل الزوجان سفينة «إم في هونديوس» من أوشوايا، برفقة 112 شخصاً آخر، كان العديد منهم من هواة مراقبة الطيور أو العلماء.

وفي السادس من أبريل، ظهرت على ليو أعراض خطيرة شملت الحمى والصداع وآلام المعدة والإسهال، قبل أن يتوفى على متن السفينة بعد خمسة أيام.

أما زوجته ميريام، فقد غادرت السفينة مع جثمان زوجها، في 24 أبريل، خلال توقف مقرر في جزيرة سانت هيلينا بالمحيط الأطلسي، ثم سافرت إلى جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا لاستكمال رحلتها نحو هولندا، إلا أن حالتها الصحية تدهورت بشكل حاد، وتم إنزالها من الطائرة قبل الإقلاع بعدما بدت غير قادرة على السفر، لتنهار في المطار وتفارق الحياة في اليوم التالي.

وأعلنت منظمة ‌الصحة العالمية يوم الجمعة أن ثمانية أشخاص أصيبوا ‌بالمرض، من بينهم ثلاثة توفوا، هما الزوجان الهولنديان ‌ومواطن ألماني.

وأفادت المنظمة بأنه تم تأكيد إصابة ستة من الثمانية بالفيروس، مع وجود حالتين مشتبه فيهما.

وأعلن المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن جميع ركاب السفينة السياحية التي شهدت تفشي الفيروس مصنفون على أنهم من المخالطين المعرضين لخطر كبير.

يأتي ذلك فيما رست السفينة اليوم الأحد قبالة جزيرة تينيريفي الإسبانية.

وقال المركز ‌أمس (السبت) إن الركاب ⁠الذين لا تظهر عليهم أعراض ستتم إعادتهم إلى بلدانهم للخضوع للحجر الصحي الذاتي عبر وسائل نقل مرتبة خصيصاً لهذا الغرض، وليس عبر الرحلات الجوية التجارية العادية.


العملات المستقرّة... سلاح جيوسياسي صاعد

واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
TT

العملات المستقرّة... سلاح جيوسياسي صاعد

واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)

ظهرت فكرة العملات المستقرة تدريجياً مع تطوّر سوق العملات الرقمية، إلا أن انطلاقتها الفعلية حصلت في منتصف العقد الماضي. وكانت Tether أول عملة مستقرة تحظى بانتشار واسع، علماً أنها أُطلقت عام 2014 تحت اسم Realcoin.، ومع توسّع سوق العملات الرقمية، خاصة بعد الانتشار الكبير لـBitcoin، ظهرت مشاريع أخرى مثل Dai في عام 2017، وUSD Coin في عام 2018.

بشكل عام، أصبحت العملات المستقرة واقعاً راسخاً بين 2017 و2019، مع تزايد استخدامها في التداول، ومجالات التمويل اللامركزي، وهو نظام مالي يتيح القيام بتعاملات مباشرة من دون المرور بوسطاء مثل المصارف. وتعود أهمية هذه العملات إلى طبيعة السوق الرقمية نفسها، إذ تعاني عملات مثل Bitcoin وEthereum تقلبات سعرية حادة، بحيث تشهد ارتفاعات أو انخفاضات كبيرة خلال فترات قصيرة. وهذا ما جعل استخدامها في الحياة اليومية أمراً صعباً، إذ لا يمكن الاعتماد عليها باعتبارها وسيلة دفع مستقرة، كما يتردد التجار في قبولها بسبب التغير المستمر لقيمتها، وحتى المتداولون أنفسهم يحتاجون إلى ملاذ آمن في السوق لحماية أموالهم من هذه التقلبات.

عملة البتكوين الرقمية (رويترز)

من هنا برزت العملات المستقرة على أنها حل عملي، فهي عملات رقمية مصممة للحفاظ على قيمة شبه ثابتة، وغالباً ما تكون مرتبطة بالدولار الأميركي، أو بأصول تقليدية أخرى منها الذهب. وتجمع هذه العملات بين مزايا الاستقرار الذي تتمتع به العملات التقليدية، والمرونة والسرعة اللتين توفرهما العملات الرقمية.

تعتمد العملات المستقرة على عدة آليات للحفاظ على استقرارها. فمنها ما هو مدعوم بعملات تقليدية (Fiat - backed)، فتُغطّى كل وحدة رقمية باحتياط حقيقي من عملة مثل الدولار، ومحفوظ في مؤسسات مالية، كما هو الحال في Tether وUSD Coin. وهناك أيضاً عملات مدعومة بأصول رقمية، أي تضمنها عملات مشفرة أخرى ضمن نظام ضمانات يهدف إلى الحفاظ على استقرار قيمتها، كما في Dai. وثمة عملات، منها Pax Gold، مدعومة بالذهب.

*تعزيز الهيمنة

استناداً إلى التطورات والتحليلات التي شهدتها الفترة 2025-2026، يُنظر إلى العملات المستقرة المقومة بالدولار الأميركي على نطاق واسع بوصفها أداة فعّالة لتعزيز الهيمنة المالية الأميركية في العصر الرقمي. ورغم أنها تجلب مخاطر جديدة إلى النظام المالي، فإنها تُساهم بشكل كبير في ترسيخ دور الدولار ليصبح عملة احتياط عالمية من خلال تعزيز استخدامه في المعاملات الرقمية. فللحفاظ على ربط العملات المستقرة بالدولار، يجب على الجهات المُصدِرة (مثل Tether وCircle) الاحتفاظ باحتياطات من سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل. وبذلك يُضيف نمو العملات المستقرة مليارات الدولارات إلى الطلب على الديون الأميركية، مما يُعزز الدولار، ويُساعد الولايات المتحدة على تمويل عجزها بأسعار فائدة أقل.

المستقبل لعملة Tether وسواها من العملات الرقمية المستقرة؟ (أرشيفية - رويترز)

وفي البلدان التي تشهد تضخماً مرتفعاً (مثل نيجيريا والأرجنتين)، يتزايد إقبال الأفراد على استخدام العملات المستقرة المدعومة بالدولار، والتي غالباً ما يكون الوصول إليها أسهل من الدولار التقليدي. ولا شك في أن هذه الديناميكية توسّع نطاق النفوذ النقدي الأميركي بشكل تلقائي. ومن خلال تبني العملات المستقرة المنظمة والمدعومة بالدولار (بدعم من قانون توجيه وتأسيس الابتكار الوطني للعملات المستقرة الأميركية GENIUS الذي أُقرّ في عام 2025)، تضمن الولايات المتحدة أن تعتمد التجارة الرقمية العالمية على الدولار في وجه بدائل مثل اليوان الرقمي الصيني الموجود، واليورو الرقمي الموعود (مبدئياً في 2029)، وسواهما.

لكن مقابل الهيمنة المالية الأميركية، تبرز «معضلة تريفين» (واضع النظرية هو الأميركي–البلجيكي روبرت تريفين) التي تعني حصول تضارب جوهري في المصالح بين أهداف الولايات المتحدة الاقتصادية المحلية ومسؤولياتها الدولية بصفتها مُصدر العملة الاحتياطية الرئيسة في العالم. فلكي تؤدي العملة وظيفتها بوصفها عملة احتياطية عالمية، يجب أن تكون متاحة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم. وهذا يُشكل «فخاً» للدولار الأميركي، إذ يجب على الولايات المتحدة تزويد العالم بما يكفي من الدولارات لتسهيل التجارة والاستثمار العالميين، وبالتالي تسجيل عجز تجاري مستمر في ظل الحاجة إلى استيراد واسع من الخارج يفوق التصدير بهدف ضخ الدولارات في النظام المالي العالمي.

مع ذلك، يبقى الهدف من رقمنة الدولار حفاظ الولايات المتحدة على هيمنتها المالية، مع محاولة إعادة بناء قاعدتها الصناعية المحلية.

وفي هذا السياق، يمكن العودة إلى تصريحات الرئيس دونالد ترمب التي يدافع فيها بقوة عن قطاع العملات المشفرة، معلناً نيته جعل الولايات المتحدة عاصمة هذه العملات في العالم. وفي إطار هذا المسعى، أقرت الولايات المتحدة في يوليو (تموز) 2025 قانون «جينيوس»، بهدف إنشاء بيئة تنظيمية للعملات المستقرة، وضمان تطورها السليم.

*القيمة السوقية

بلغة الأرقام، بلغت القيمة السوقية الإجمالية للعملات المستقرة حتى نهاية مايو (أيار) الماضي نحو 230 مليار دولار، إلا أن هذه السوق تعد شبه احتكارية، إذ تستحوذ عملتان مستقرتان، هما Tether وUSD Coin، على معظم هذه القيمة (نحو 80 في المائة). والعملتان تصدَران في الولايات المتحدة، وتعتمد احتياطاتهما على الدولار الأميركي، أو سندات الخزانة الأميركية.

والواضح أن إدارة ترمب تسعى إلى استثمار هذه الهيمنة لجعل العملات المستقرة المقومة بالدولار معياراً عالمياً لإصدار العملات المشفّرة، وتداولها، وبالتالي الحفاظ على مكانة الدولار لتكون عملة احتياط عالمية بحكم الواقع. وبذلك تؤدي العملات المستقرة دوراً شبيهاً بدور الدولار في تجارة الطاقة العالمية منذ التخلي عن التغطية الذهبية للعملة الأميركية (نظام بريتون وودز) في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1971.

متجر في شنغهاي الصينية يقبل اليوان الرقمي (رويترز)

من المؤكد أن التحكم في السيولة يجعل العملات المستقرة أداة لاستهداف تدفقات الأموال لجهات معينة، مثل محاولات تجفيف السيولة في مناطق الصراع لمنع تمويل حركات مسلحة، أو كيانات سياسية «معادية». ولكن في المقابل، قد تسمح هذه الأداة نفسها بتجاوز العقوبات عبر الالتفاف على القيود المالية الدولية، مما يحولها إلى سلاح جيوسياسي في الصراعات الدولية.

بطبيعة الحال، العمل جارٍ لتحصين هذه العملات، واستخدامها على نحو لا يفيد إلا القائمين عليها، وهذه طبعاً مهمة شاقة، لأن تأطير التكنولوجيا وسدّ الثغرات ومعالجة نقاط الضعف ليست أموراً سهلة على الإطلاق.

*بين أميركا والصين

المهم أنه مع إعادة تشكّل الاقتصاد العالمي بفعل التفتّت الجيوسياسي، بدأت العملات المستقرة تكتسب مستوى جديداً من الأهمية. فهي لا تزال جزءاً من عالم الأصول الرقمية، لكن دورها لم يعد محصوراً داخل أسواق العملات المشفرة، بل امتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

هكذا أصبحت هذه العملات تؤثر بشكل متزايد في المدفوعات عبر الحدود، وفي الدور الدولي للدولار، وفي متانة البنية التحتية المالية، وكذلك في قدرة الدول على صَون استقلال سياساتها النقدية. هذا التداخل جعل منها قضية ذات أبعاد جيوسياسية، إذ باتت تقع عند نقطة التقاء التكنولوجيا، والمال، والنفوذ.

لا بد من التسليم بالريادة الأميركية في هذا المجال، لكن الأمر قد يتغير إذا نجحت الصين في تسويق اليوان الرقمي على نطاق واسع، لأنها ستبدأ في هذه الحالة تقويض هيمنة الدولار الأميركي، خاصة في آسيا، وأفريقيا، وأسواق «مبادرة الحزام والطريق» التي تسمح للصين بالسيطرة على قسط وافر من تدفقات التجارة. وسيغيّر تقديم بكين بديلاً رقمياً ناجحاً خاضعاً لسيطرة الدولة ومصمماً لترسيخ النفوذ داخل البنية التحتية المالية هيكل النظام المالي العالمي في شكله القائم منذ عقود.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلى يساره وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال لقاء في لاس فيغاس حول السياسة الضريبية (رويترز)

في هذا السيناريو المستقبلي تستطيع بكين أن تشنّ هجوماً مضاداً استراتيجياً عبر تموضع هونغ كونغ باعتبار أنها مركز عالمي للتكنولوجيا المالية، وإطلاق عملات مستقرة متنوّعة مرتبطة باليوان -إلى جانب اليوان الرقمي الموجود حالياً- ومُحسِّنة للتسويات عبر الحدود في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية. وقد تنجح أيضاً في إنشاء شبكة مالية بديلة بعيداً عن النفوذ الأميركي.

يبدو واضحاً أن السباق المالي بين الولايات المتحدة والصين سوف يستمر، تماماً مثل السباقات الأخرى التي يخوضانها، سواء في حلبة التجارة الدولية، أو حول مصير تايوان، أو توترات بحر الصين الجنوبي، أو النفوذ في أفريقيا، وسوى ذلك... لكن الفريقين يدركان حتماً أن الاستخدام المتزايد للعملات المستقرة في المدفوعات الدولية يهدد بتسريع ظاهرة «الدولرة» في اقتصادات الأسواق الناشئة، وتقويض قدرتها على التحكم في تدفقات الأموال، وفتح الباب أمام نشاطات إجرامية، وفقاً لتحذيرات مسؤولين كبار في مصارف مركزية.

في هذا الإطار، قال بابلو هيرنانديز دي كوس، المدير العام لبنك التسويات الدولية، إن العملات المستقرة «تولّد مخاطر جدية على نزاهة النظام المالي، ويمكن أن تسهّل التحايل على القوانين التنظيمية». ورأى أن الارتفاع السريع في استخدام العملات المستقرة قد «يسهّل التهرب من ضوابط رأس المال» في الأسواق الناشئة، والدول النامية. وأضاف أن شعبيتها المتزايدة «تفتح آفاقاً جديدة للتهرب الضريبي»، مشيراً إلى تقديرات تفيد بأن «العملات المستقرة باتت تمثل معظم التعاملات غير المشروعة داخل منظومة العملات الرقمية».

الذهب يدعم بعض العملات المستقرة (رويترز)

في 14 و15 مايو يلتقي دونالد ترمب وشي جينبينغ في بكين، فهل سيشمل البحث العملات المستقرة؟ ربما، لكن المؤكد أن الرئيسين سيلعبان بضع أوراق في لعبة المواجهة الناعمة، ويحتفظان بأوراق كثيرة أخرى للمواجهات المقبلة التي لا يُستبعد أن يكون بعضها خشناً.

فلنراقب تطور اليوان الرقمي الذي خرج من مرحلته التجريبية في الأول من يناير (كانون الثاني) 2026...


كندا: اعتقال مراهق مشتبه بإطلاقه النار أمام كنيس يهودي

عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)
عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)
TT

كندا: اعتقال مراهق مشتبه بإطلاقه النار أمام كنيس يهودي

عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)
عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)

قالت الشرطة الكندية، يوم الجمعة، إنها اعتقلت شاباً (18 عاماً) لصلته بهجومين يشتبه أنهما وقعا بدافع الكراهية ضد الجالية اليهودية في مدينة تورونتو.

وقالت شرطة تورونتو إنه بعد تحقيق أجرته وحدة أمن مكافحة الإرهاب، تم توجيه أربعة اتهامات إلى الشاب بالاعتداء بسلاح وتهمتين بحيازة سلاح لغرض خطير، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويرتبط اعتقال الشاب بحادثتين وقعتا خلال ما يزيد قليلاً عن أسبوع.

ففي 30 أبريل (نيسان)، تم إطلاق النار على ثلاثة أشخاص «من أفراد الجالية اليهودية الذين يمكن التعرف عليهم بشكل واضح» باستخدام نسخة من سلاح ناري من شخص كان في سيارة بينما كانوا يسيرون في الشارع في منطقة شمال يورك في تورونتو، وفق الشرطة.

وأصيب الضحايا بجروح طفيفة.

وفي حادث آخر وقع في 7 مايو (أيار)، في شمال يورك أيضاً، تم إطلاق النار على ثلاثة أشخاص «يبدو أنهم أعضاء في الجالية اليهودية» بنسخة من سلاح ناري من سيارة بينما كانوا واقفين خارج كنيس يهودي في تورونتو. وأصيب أحد الضحايا بجروح طفيفة.

وقالت الشرطة إنه يجري التحقيق في الحوادث باعتبارها «جرائم كراهية».