مع ارتفاع احتمالات نشوب حرب نووية بين الروس والأميركيين تبعًا لسياستين متناقضتين حيال الوضع في سوريا (وخفاء في مناطق أخرى حول العالم) لا بد من التذكير بأن السينما سبقت كل السيناريوهات المحتملة لنشوب الحرب النووية وما قد يحدث للعالم الذي نعيش فيه من أذى لا يمكن إصلاحه.
لم يكن الأمر بالنسبة لمعظم ما تم إنتاجه من أفلام الكوارث الناتجة عن إلقاء القنبلة النووية (التي سميت بـ«الذرية» آنذاك) مجرد توقعات يتم رسمها للتسلية والتخويف. الكثير منها كان رسائل موجهة تحذر من مغبة الخطر النووي بصرف النظر عمن يقوم به أولاً ولأي سبب.
هذا التحذير شمل أفلاما صغيرة وأخرى كبيرة. لا أحد مثلاً يسمع اليوم عن فيلم عنوانه «قتلة من الفضاء» (1954) للي وايلدر (غير المخرج الأشهر بيلي وايلدر) لكن الفيلم الخيالي - العلمي يبدأ بمشهد إجراء الأميركيين تجربة نووية ينتج عنها اختفاء طائرات حربية من سماء صحراء نيفادا حيث تم إجراء التجربة.
* صاروخ بطريق الخطأ
طبعًا الأمر ليس وقفًا على فيلم واحد ولا حتى على عشرة أفلام أو عشرين. الخوف من انفجار كوني نتيجة إلقاء القنبلة الكبرى حرّك سينمات عدّة لطرحها من خلال أعمال مختلفة بداية بالسينما الأميركية بعدما أدركت، عقب إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما سنة 1945 المخاطر الناجمة، وتناولتها إما في أفلام خيال علمية كالفيلم المذكور أو من خلال أفلام رعب حول حشرات وحيوانات تضخّمت بفعل تعرضها للإشعاع وانطلقت تقتل أبرياء المدن الأميركية الوسطى.
السينما اليابانية فكّرت أن خير دعوة للامتناع عن استخدام القنبلة مرّة أخرى هو التخويف من نتائجها. ابتدعت في الخمسينات المخلوق البرمائي الهائل «غودزيللا» الذي كان، حسب الحكاية الأصلية، يعيش آمنًا في قاع المحيط، لكن المزيد من التجارب النووية دفعته للخروج من مكمنه مشحونًا بالإشعاعات النووية ومنتقمًا من البشر ومدنهم.
المشترك بين هذه الأفلام هي أنها ناتجة عن تحذير عام يستخدم نوعي الخيال العلمي والرعب لإيصال رسالة معادية خافتة في أحيان كثيرة وبارزة إلى حد واضح في أفلام أخرى. هذا استمر إلى عام 1964 عندما خرج في سنة واحدة ومن دون تخطيط مسبق فيلمان لم يكتفيا بالتحذير بل طرحا إمكانية اشتعال الجبهة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (آنذاك).
الفيلمان هما «دكتور سترانجلوف أو: كيف تعلمت التوقف عن القلق وأحببت القنبلة» لستانلي كوبريك والثاني هو «آمن من الفشل» لسيدني لوميت. فيلم كوبريك شهد عرضه في نهاية الشهر الأول من تلك السنة وفيلم لوميت شهد عرضه في منتصف سبتمبر (أيلول) / في العام نفسه.
انطلق الفيلمان من موضوع متشابه: ماذا يحدث لو أن حاملة قنابل نووية أميركية انطلقت صوب موسكو بهدف إلقاء القنبلة عليها وذلك من دون أوامر من البنتاغون أو البيت الأبيض.
في «دكتور سترانجلوف» يأمر جنرال متطرف (سترلينغ هايدن) الطائرة الحربية بالانطلاق صوب موسكو وإفراغ حمولتها. على متن الطائرة ملاح تكساسي (سلِم بيكنز) سوف ينفذ الأمر من دون تردد، خصوصًا وأن الطائرة بعد مسافة معينة لا يمكن استرجاعها حتى ولو اتصل رئيس الجمهورية الأميركية نفسه بالملاح وأمره بالعودة.
هذا ما يحدث أيضًا في «آمن من الفشل» حيث تنطلق الطائرة الحاملة للصواريخ النووية لكن بطريقة الخطأ. في كلا الفيلمين يحاول رئيس الجمهورية الأميركية تجنب الكارثة بالاتصال بالملاحين لاستعادة الطائرة لكنه، وتبعًا للقوانين الصارمة، يخفق في تنفيذ الأمر. الملاحون لديهم أوامر مسبقة بعدم تغيير مهامهم تحت أي ظرف أو إلحاح.
في كليهما أيضًا يتصل الرئيس الأميركي بالرئيس السوفياتي ليخبره بالخطر المحدق وليبحث معه ما يمكن فعله (لا شيء). في كليهما هناك قدر ملحوظ من التعاطف مع الروس على أساس أنهم لم يتسببوا بما سيقع وفي المقابل نقد لجهات يمينية متطرفة تريد استغلال الخطأ كفرصة لمحو الروس عن الأرض. هذا من دون إعفاء السوفيات من المسؤولية كونهم قاموا بتسخين الحرب الباردة أكثر من مرّة بحيث فقدت كل دولة ثقتها بالأخرى.
لكن في حين أن فيلم كوبريك يقبض على الموضوع بشحنة هائلة من السخرية السوداء، يعالج لوميت موضوعه كما لو كان واقعًا حاضرًا. في النهاية كلاهما يقدم نظرة سوداوية معادية للانتشار النووي وما بدا، في صميم الحرب الباردة بين الشرق والغرب حينها، احتمالاً كبيرًا لنشوب حرب نووية قاضية.
* الجاد والساخر
يبدأ «آمن من الفشل» بتقديم شخصيات في أربع مدن أميركية مختلفة تستيقظ في الساعة الخامسة والنصف صباحًا على احتمال إلقاء قنبلة نووية فوق موسكو بعدما تعذر إرجاع الطائرة التي استجابت للأمر خطأ. كعادة المخرج ليس هناك وقت للمزاح. بعد عشر دقائق نحن في وسط الأزمة والوسائل التي تعتمدها الرئاسة والبنتاغون لتجنب آثار ما سيقع. هناك قصّة قوية يستند إليها لوميت (وضعها كرواية هارڤي ويلر ويوجين بوردِك) وينفذها جيدًا ويستخرج عصارتها الدرامية بمهارة، باستثناء أن الإنتاج من الضعف بحيث كان عليه الاكتفاء بمشاهد أرشيفية للطائرات تتكرر ولا تتحوّل إلى تجسيد خطر فعلي. كذلك حقيقة أن الرئيس الأميركي (هنري فوندا) لن يهبط للملجأ ويدخل غرفة عارية من الأثاث وبصحبته رجل واحد فقط هو المترجم. أيضًا يمثل وولتر ماثاو شخصية بروفسور لديه حقد أعمى ضد الشيوعيين ويؤيد تدمير موسكو قصدًا. أداء ماثاو كاريكاتيري وفي أفضل الحالات ليس الشخص المناسب في المكان المناسب.
في «دكتور سترانجلف» يؤدي بيتر سلرز خمس شخصيات مختلفة بينها دور رئيس الجمهورية، ودور الدكتور سترانجلوف المقعد. العالم الذي أوصل العالم إلى مشارف الخطر. ويلعب جورج س. سكوت شخصية وزير الدفاع الأميركي الذي لا يقل تطرفًا عن جنراله هايدن الذي يعتقد أن الشيوعيين سممت مياه الشرب وذلك لغسل أدمغة الأميركيين.
يوظف كوبريك مشاهد التواصل بين الرئيسين الأميركي والروسي لخلق تعليق يدعو إلى السخرية منهما معًا، لكن الفيلم ليس أقل نقدًا من فيلم لوميت وهو من يتم النظر إليه اليوم كأفضل فيلم في موضوعه حققته السينما وكيف أن سخريته السوداء تلك كانت أقرب إلى مطرقة تهوي على كل الرؤوس في دعوة صريحة لإنقاذ الحياة على الأرض من الدمار الشامل.
الأفلام الجادة لم تتوقف بعد ذلك، وإن كان معظمها دار حول نتائج ما بعد الانفجار الكبير كسلسلة «ماد ماكس» وكما الحال في فيلم جون هانكوك قبل ثلاثة أعوام وعنوانه «الطريق». أحد أبرز الأفلام التي تحدثت عما بقي من حياة بعد الدمار النووي كان «آخر رجل على الأرض» لسيدني سالكو، الذي تم توزيعه في الشهر الثالث من العام ذاته الذي شهد عرض فيلمي كوبريك ولوميت راصدًا ما قد يحدث لآخر رجل بقي على قيد الحياة.
أميركا أرسلت طائراتها لقصف موسكو في فيلمين كلاسيكيين
سيناريو من الستينات عن نشوب الحرب النووية قد يتكرر اليوم
سلِم بيكنز على ظهر الصاروخ النووي في «دكتور سترانجلوف».
أميركا أرسلت طائراتها لقصف موسكو في فيلمين كلاسيكيين
سلِم بيكنز على ظهر الصاروخ النووي في «دكتور سترانجلوف».
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة






