أميركا أرسلت طائراتها لقصف موسكو في فيلمين كلاسيكيين

سيناريو من الستينات عن نشوب الحرب النووية قد يتكرر اليوم

سلِم بيكنز على ظهر الصاروخ النووي في «دكتور سترانجلوف».
سلِم بيكنز على ظهر الصاروخ النووي في «دكتور سترانجلوف».
TT

أميركا أرسلت طائراتها لقصف موسكو في فيلمين كلاسيكيين

سلِم بيكنز على ظهر الصاروخ النووي في «دكتور سترانجلوف».
سلِم بيكنز على ظهر الصاروخ النووي في «دكتور سترانجلوف».

مع ارتفاع احتمالات نشوب حرب نووية بين الروس والأميركيين تبعًا لسياستين متناقضتين حيال الوضع في سوريا (وخفاء في مناطق أخرى حول العالم) لا بد من التذكير بأن السينما سبقت كل السيناريوهات المحتملة لنشوب الحرب النووية وما قد يحدث للعالم الذي نعيش فيه من أذى لا يمكن إصلاحه.
لم يكن الأمر بالنسبة لمعظم ما تم إنتاجه من أفلام الكوارث الناتجة عن إلقاء القنبلة النووية (التي سميت بـ«الذرية» آنذاك) مجرد توقعات يتم رسمها للتسلية والتخويف. الكثير منها كان رسائل موجهة تحذر من مغبة الخطر النووي بصرف النظر عمن يقوم به أولاً ولأي سبب.
هذا التحذير شمل أفلاما صغيرة وأخرى كبيرة. لا أحد مثلاً يسمع اليوم عن فيلم عنوانه «قتلة من الفضاء» (1954) للي وايلدر (غير المخرج الأشهر بيلي وايلدر) لكن الفيلم الخيالي - العلمي يبدأ بمشهد إجراء الأميركيين تجربة نووية ينتج عنها اختفاء طائرات حربية من سماء صحراء نيفادا حيث تم إجراء التجربة.
* صاروخ بطريق الخطأ
طبعًا الأمر ليس وقفًا على فيلم واحد ولا حتى على عشرة أفلام أو عشرين. الخوف من انفجار كوني نتيجة إلقاء القنبلة الكبرى حرّك سينمات عدّة لطرحها من خلال أعمال مختلفة بداية بالسينما الأميركية بعدما أدركت، عقب إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما سنة 1945 المخاطر الناجمة، وتناولتها إما في أفلام خيال علمية كالفيلم المذكور أو من خلال أفلام رعب حول حشرات وحيوانات تضخّمت بفعل تعرضها للإشعاع وانطلقت تقتل أبرياء المدن الأميركية الوسطى.
السينما اليابانية فكّرت أن خير دعوة للامتناع عن استخدام القنبلة مرّة أخرى هو التخويف من نتائجها. ابتدعت في الخمسينات المخلوق البرمائي الهائل «غودزيللا» الذي كان، حسب الحكاية الأصلية، يعيش آمنًا في قاع المحيط، لكن المزيد من التجارب النووية دفعته للخروج من مكمنه مشحونًا بالإشعاعات النووية ومنتقمًا من البشر ومدنهم.
المشترك بين هذه الأفلام هي أنها ناتجة عن تحذير عام يستخدم نوعي الخيال العلمي والرعب لإيصال رسالة معادية خافتة في أحيان كثيرة وبارزة إلى حد واضح في أفلام أخرى. هذا استمر إلى عام 1964 عندما خرج في سنة واحدة ومن دون تخطيط مسبق فيلمان لم يكتفيا بالتحذير بل طرحا إمكانية اشتعال الجبهة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (آنذاك).
الفيلمان هما «دكتور سترانجلوف أو: كيف تعلمت التوقف عن القلق وأحببت القنبلة» لستانلي كوبريك والثاني هو «آمن من الفشل» لسيدني لوميت. فيلم كوبريك شهد عرضه في نهاية الشهر الأول من تلك السنة وفيلم لوميت شهد عرضه في منتصف سبتمبر (أيلول) / في العام نفسه.
انطلق الفيلمان من موضوع متشابه: ماذا يحدث لو أن حاملة قنابل نووية أميركية انطلقت صوب موسكو بهدف إلقاء القنبلة عليها وذلك من دون أوامر من البنتاغون أو البيت الأبيض.
في «دكتور سترانجلوف» يأمر جنرال متطرف (سترلينغ هايدن) الطائرة الحربية بالانطلاق صوب موسكو وإفراغ حمولتها. على متن الطائرة ملاح تكساسي (سلِم بيكنز) سوف ينفذ الأمر من دون تردد، خصوصًا وأن الطائرة بعد مسافة معينة لا يمكن استرجاعها حتى ولو اتصل رئيس الجمهورية الأميركية نفسه بالملاح وأمره بالعودة.
هذا ما يحدث أيضًا في «آمن من الفشل» حيث تنطلق الطائرة الحاملة للصواريخ النووية لكن بطريقة الخطأ. في كلا الفيلمين يحاول رئيس الجمهورية الأميركية تجنب الكارثة بالاتصال بالملاحين لاستعادة الطائرة لكنه، وتبعًا للقوانين الصارمة، يخفق في تنفيذ الأمر. الملاحون لديهم أوامر مسبقة بعدم تغيير مهامهم تحت أي ظرف أو إلحاح.
في كليهما أيضًا يتصل الرئيس الأميركي بالرئيس السوفياتي ليخبره بالخطر المحدق وليبحث معه ما يمكن فعله (لا شيء). في كليهما هناك قدر ملحوظ من التعاطف مع الروس على أساس أنهم لم يتسببوا بما سيقع وفي المقابل نقد لجهات يمينية متطرفة تريد استغلال الخطأ كفرصة لمحو الروس عن الأرض. هذا من دون إعفاء السوفيات من المسؤولية كونهم قاموا بتسخين الحرب الباردة أكثر من مرّة بحيث فقدت كل دولة ثقتها بالأخرى.
لكن في حين أن فيلم كوبريك يقبض على الموضوع بشحنة هائلة من السخرية السوداء، يعالج لوميت موضوعه كما لو كان واقعًا حاضرًا. في النهاية كلاهما يقدم نظرة سوداوية معادية للانتشار النووي وما بدا، في صميم الحرب الباردة بين الشرق والغرب حينها، احتمالاً كبيرًا لنشوب حرب نووية قاضية.
* الجاد والساخر
يبدأ «آمن من الفشل» بتقديم شخصيات في أربع مدن أميركية مختلفة تستيقظ في الساعة الخامسة والنصف صباحًا على احتمال إلقاء قنبلة نووية فوق موسكو بعدما تعذر إرجاع الطائرة التي استجابت للأمر خطأ. كعادة المخرج ليس هناك وقت للمزاح. بعد عشر دقائق نحن في وسط الأزمة والوسائل التي تعتمدها الرئاسة والبنتاغون لتجنب آثار ما سيقع. هناك قصّة قوية يستند إليها لوميت (وضعها كرواية هارڤي ويلر ويوجين بوردِك) وينفذها جيدًا ويستخرج عصارتها الدرامية بمهارة، باستثناء أن الإنتاج من الضعف بحيث كان عليه الاكتفاء بمشاهد أرشيفية للطائرات تتكرر ولا تتحوّل إلى تجسيد خطر فعلي. كذلك حقيقة أن الرئيس الأميركي (هنري فوندا) لن يهبط للملجأ ويدخل غرفة عارية من الأثاث وبصحبته رجل واحد فقط هو المترجم. أيضًا يمثل وولتر ماثاو شخصية بروفسور لديه حقد أعمى ضد الشيوعيين ويؤيد تدمير موسكو قصدًا. أداء ماثاو كاريكاتيري وفي أفضل الحالات ليس الشخص المناسب في المكان المناسب.
في «دكتور سترانجلف» يؤدي بيتر سلرز خمس شخصيات مختلفة بينها دور رئيس الجمهورية، ودور الدكتور سترانجلوف المقعد. العالم الذي أوصل العالم إلى مشارف الخطر. ويلعب جورج س. سكوت شخصية وزير الدفاع الأميركي الذي لا يقل تطرفًا عن جنراله هايدن الذي يعتقد أن الشيوعيين سممت مياه الشرب وذلك لغسل أدمغة الأميركيين.
يوظف كوبريك مشاهد التواصل بين الرئيسين الأميركي والروسي لخلق تعليق يدعو إلى السخرية منهما معًا، لكن الفيلم ليس أقل نقدًا من فيلم لوميت وهو من يتم النظر إليه اليوم كأفضل فيلم في موضوعه حققته السينما وكيف أن سخريته السوداء تلك كانت أقرب إلى مطرقة تهوي على كل الرؤوس في دعوة صريحة لإنقاذ الحياة على الأرض من الدمار الشامل.
الأفلام الجادة لم تتوقف بعد ذلك، وإن كان معظمها دار حول نتائج ما بعد الانفجار الكبير كسلسلة «ماد ماكس» وكما الحال في فيلم جون هانكوك قبل ثلاثة أعوام وعنوانه «الطريق». أحد أبرز الأفلام التي تحدثت عما بقي من حياة بعد الدمار النووي كان «آخر رجل على الأرض» لسيدني سالكو، الذي تم توزيعه في الشهر الثالث من العام ذاته الذي شهد عرض فيلمي كوبريك ولوميت راصدًا ما قد يحدث لآخر رجل بقي على قيد الحياة.



بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.