تغريدة واحدة يمكن أن تحرك الأسواق

مع طرح أسهم «تويتر» للاكتتاب العام

تغريدة واحدة يمكن أن تحرك الأسواق
TT

تغريدة واحدة يمكن أن تحرك الأسواق

تغريدة واحدة يمكن أن تحرك الأسواق

بينما كان الجميع يتساءل خلال الأسبوع الماضي عن القيمة التي يساويها موقع «تويتر» بعد كشف النقاب عن طرح أسهمه للاكتتاب العام الأولي، فقد قضيت بعض الوقت في عملية حسابية مختلفة بعض الشيء. ما القيمة التي يمكن أن تساويها تغريدة واحدة منشورة على «تويتر»؟
ما رأيك إذا كانت القيمة تبلغ مليار دولار أميركي؟ أو ربما 6 مليارات دولار؟ إذا كانت التغريدة منشورة بأنامل كارل إيكان، مدير صندوق التحوط النشط، يمكن أن تكون الحجة متمثلة في وجود ذهب بين أحرف هذه التغريدة المنشورة البالغ عددها 140 حرفا.
سنسهل حساب سلسلة القيمة هذه في دقيقة واحدة. دعنا نضع شرطا أولا بأنه إذا لم تكن تاجرا يبرم صفقات يومية، فإن الكثير من الأخبار التجارية في الوقت الحالي مملة. وتدور الأخبار في نطاق وجود تدفق صفقات محدود جدا وإلغاء اندماج الشركاء القدامى ومنح أو أخذ العرض الطارئ لطرح أسهم «تويتر» في الاكتتاب العام الأولي أو إغلاق الحكومة. فليس هناك الكثير للتحدث عنه ما لم يكن الخبر يشير إلى فضيحة الليبور أو التسهيل الكمي.
ويعني ذلك أن التركيز والانتباه ينصب على الأشخاص الذين يحدثون إثارة وتهييجا أو الأشخاص المقيمين بعيدا عن مقار عملهم والذين ينشرون أخبارا تجارية وأرقاما تقفز على صفحاتهم وشاشاتهم. ويمكن أن يكون ذلك هو السبب وراء استمرار الظهور الجنوني لجيم كريمير على قناة «سي إن بي سي».
وكان ذلك هو السبب أيضا وراء إمكانية صنع إيكان - البالغ من العمر 77 عاما والذي يصل صافي ثروته إلى 20 مليار دولار أميركي - أخبارا مثيرة، عندما ينشر تغريدة أو ثلاث تغريدات بشأن شركة «أبل». وما زال بإمكان إيكان قلب الأوضاع وتحريك السوق في ضوء نطاق الانتشار الواسع الذي لا يمكن تصوره لمواقع التواصل الاجتماعي، مثل «تويتر» أو المتابعة الواسعة لقناة تلفزيونية مثل «سي إن بي سي».
وهنا يأتي التأريخ. فبالرجوع إلى شهر أغسطس (آب)، أعلن إيكان في تغريديتن منفصلتين أنه كان يشتري أسهم «أبل»، كما أنه خطط لسداد توزيعات أرباح كبيرة للمستثمرين.
ووفقا لما أوضحته مجلة «فورشن»، ففي غضون ساعة من نشره لتغريداته على «تويتر»، ارتفعت سوق رأس المال لشركة «أبل» بقيمة 17 مليار دولار أميركي.
بعدها، في يوم الاثنين الماضي، تناول إيكان وجبة العشاء مع تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة «أبل»، وفي صباح يوم الثلاثاء، نشر إيكان التغريدة التالية:
«تناولنا عشاء وديا في الليلة الماضية، وقد شجعته على عملية إعادة الشراء مقابل 150 مليار دولار، وقررنا الاستمرار في هذا الحوار لمدة نحو ثلاثة أسابيع».
ثم أمسك إيكان بمكبر الصوت على قناة «سي إن بي سي» في يوم الثلاثاء، واقترح مجددا أن شركة «أبل» تحتاج لاقتراض 150 مليار لتمويل عملية إعادة الشراء. يعد هذا الرقم طلبا خياليا، حيث إنه مبلغ كبير من الدين لشركة تمتلك مبلغا ضخما من النقد في متناول يدها. ولا تحتاج «أبل» - من بين الشركات الأخرى - إلى المال.
«لدي شعور قوي للغاية بشأن هذا الأمر»، وفقا لما ذكره إيكان في برنامج «Fast Money» على قناة «سي إن بي سي». وأضاف إيكان «ليس بإمكاني أن أعدكم بارتفاع الأسهم وأنهم سيقومون بإعادة الشراء. ولكن يمكنني أن أعدكم أنني لن أنصرف عن هذا الأمر حتى يسمعوا مني الكثير بخصوص هذه الصفقة». ومع إغلاق التداول بحلول مساء الثلاثاء، ارتفع رأس مال السوق الخاص بشركة «أبل» بمقدار مليار دولار أميركي، ليصل إلى 443 مليار دولار، مع الصعود الكبير بعد تغريدة إيكان التي نشرها على «تويتر» وتعليقاته على قناة «سي إن بي سي».
لقد تحققت مكاسب بقيمة 18 مليار دولار أميركي بسبب ثلاث تغريدات، أو ما يعادل 6 مليارات دولار لكل تغريدة مع منح أو أخذ القليل من الدولارات بالنسبة لمدى تأثير الظهور على قناة «سي إن بي سي».
وربما يجب على كوك تناول العشاء مع إيكان مرات أكثر وأكثر.
وعلى الرغم من أن إيكان ليس حتى من بين أكبر 20 حامل أسهم بشركة «أبل» - حيث تقدر الأرصدة بملياري دولار - فإنه يمتلك 0.5 في المائة من الشركة، ولذلك يعير الناس سمعهم وتركيزهم لمتابعة أخباره.
وذلك لأنه فيما قد يكون إيكان كبيرا في السن، فإنه يمتلك بعض الحيل الجديدة، بما في ذلك استخدام ونشر تغريدات استراتيجية لتحقيق الإثارة. لقد صار «تويتر» منحة بالنسبة لإيكان - فلديه 90,000 متابع - ويرجع السبب وراء ذلك جزئيا إلى عدم احتواء «تويتر» على فلترة وكذلك إلى عدم وجود فلترة لدى إيكان أيضا. وبالنسبة لقناة «سي إن بي سي»، فإن إمساك إيكان لمكبر الصوت بيده يعد أمرا واضح المعالم، حتى على الرغم من أن تصوراته بشأن «أبل» بعيدة الاحتمال. وبوجه عام، يتعين على قناة «سي إن بي سي» أن تتبنى في جميع أساليبها وجود المسؤولين التنفيذيين المهدئين الذين لا يفصحون عن أي شيء بشأن الأمور كافة.
يولي الناس والمؤسسات الإخبارية اهتمامهم نحو إيكان لأن الشركات التي تتجاهله - مثل «موتورولا» و«ياهو» - تفعل ذلك على نحو يجعلها عرضة للخطر. لا تشغل بالك على الإطلاق باحتمالية عدم معرفة إيكان الفارق بين هاتف «آي فون» وهاتف «غالاكسي إس4». ففي العالم الذي تقوده السوق، تعد أسعار الأسهم هي كل شيء، بل الشيء الوحيد. ولا يمتلك إيكان أسهما في شركة تسمى «أبل»، بيد أنه يمتلك قائمة أسهم تسمى AAPL.
إن إيكان يشبه العم المجنون لكل شخص والذي يجب عدم الاستماع إليه. وباستثناء ما يفعله الجميع، فغالبا ما تكتشف أنه على صواب. إن السبب وراء فوزه ونجاحه يرجع جزئيا إلى معرفته بالجانب الخارجي للعبة الإعلامية بشكل جيد للغاية. وفي ضوء استخدام منافذ الأخبار التجارية ومواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الحالي، يمتلك إيكان القدرة على زلزلة مجلس إدارة أي مؤسسة وجعل المديرين التنفيذيين يرتعدون خوفا بسبب معرفتهم أنه سيصرح بأي شيء، وغالبا ما يفعل إيكان ذلك.
وعادة ما يوجه إيكان كل اهتمامه نحو الشركات المتعسرة، ولكن في هذه الحالة فإنه يشير ساخرا إلى أنها واحدة من أنجح الشركات في العالم - شركة أعلنت بالفعل عن خطط بقيمة 100 مليار دولار في صورة حصص الأرباح وعمليات إعادة الشراء - ويجب أن تقترض الشركة 150 مليار دولار، مع البدء في التحرك على أرض الواقع. ويعد ذلك المبلغ دينا فعليا على الرغم من امتلاك الشركة 147 مليار دولار نقدا في متناول يدها. (توجد معظم الأموال النقدية لشركة «أبل» في الخارج ولا يمكن استخدامها لإغراء المستثمرين).
ومن المحتمل أن لا تبتلع «أبل» طعم «تويتر». ولقد حلت الشركة محل «كوك» كأكثر الأسماء التجارية المعترف بها على مستوى العالم، بسلسلة مطردة من المنتجات الناجحة. والسؤال إذن: هل تحتاج الشركة فعلا إلى نصيحة إيكان؟
يعتقد الكثير من الأشخاص الجادين أن الشركة لديها كم هائل من المال، ولكن شركة «أبل» تفكر مليا وبدقة قبل اتخاذ القرارات ولن تعدل استراتيجيها الإدارية لاستيعاب احتياجات شخص ما مقابل عوائد مربحة على المدى القصير.
ويعتبر كوك شخصية محترمة للغاية والذي لم ير - على الأرجح - أي ضرر لإخبار إيكان بأمر وجها لوجه. بيد أن مفهوم نشر خبر إجراء محادثة أثناء تناول وجبة عشاء على الفور في مواقع التواصل الاجتماعي ليس أمرا عظيما. وبعد كل ذلك، إذا كان إيكان يلقى آذانا صاغية من كوك، أفلا يجب أن يوجه الأشخاص الآخرون اهتمامهم إليه؟
«في كل يوم يقول شخص ما في مكان ما أنه لو كان ستيف جوبز على قيد الحياة، ما حدث شيء لشركة أبل، بيد أن هذا الرأي لا يكون صائبا بنسبة 99 في المائة في كل مرة من تلك المرات،» حسبما ذكر جون غروبر، الذي يتم متابعة مدونته «ديرينغ فايربول» عن كثب فيما يخص كافة الأمور المتعلقة بشركة أبل. ويضيف غروبر قائلا «لكن في هذه الحالة، سيكون هذا التفكير صائبا، حيث إن ستيف جوبز لا يتناول وجبة العشاء مع كارل إيكان».
ومرة أخرى، إذا أقر إيكان بأنه سيتناول العشاء بشيء من الزهو فيما يتعلق بشركة «أبل» أو - الأمر الأكثر احتمالا - قنع بجزء بسيط مما أراده، لكان من المحتمل أن يعلن ذلك صراحة فقط. وفي يوم الجمعة، استخدم إيكان حسابه على «تويتر» للاستسلام في حربه مع شركة «ديل»، قائلا إنه «حظي بانتفاع أفضل مقابل ملياري دولار». ولكن في ضوء وضع يده على قبضتي مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام القديم، صار لدى إيكان القدرة - مثلما كان معروفا عن جوبز - على خلق مجال يشوه الحقيقة.
ومع الوضع في الاعتبار أن إيكان قد حقق - من خلال التغريدات الثلاث - نحو 18 مليار دولار في صورة قيمة سوقية لشركة «أبل»، فلا عجب إذن من تحمس الناس بشأن طرح أسهم «تويتر» للاكتتاب العام الأولي. وفي حال ثبت صواب تلك الخطوة، يمكن أن يكون «تويتر» آلة سحرية لجمع الثروات، في حين يتم تشغيل تلك الآلة غالبا من خلال هراء لا معنى له.

*خدمة «نيويورك تايمز»



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.