البيت الأبيض لأعضاء الكونغرس: تصرفتم كتلاميذ ابتدائية

رفض اتهاماتهم بـ«التقصير» في شرح تداعيات قانون {جاستا}

صورة لسجين عراقي في سجن أبو غريب أثناء الاحتلال الأميركي للعراق ({الشرق الأوسط})
صورة لسجين عراقي في سجن أبو غريب أثناء الاحتلال الأميركي للعراق ({الشرق الأوسط})
TT

البيت الأبيض لأعضاء الكونغرس: تصرفتم كتلاميذ ابتدائية

صورة لسجين عراقي في سجن أبو غريب أثناء الاحتلال الأميركي للعراق ({الشرق الأوسط})
صورة لسجين عراقي في سجن أبو غريب أثناء الاحتلال الأميركي للعراق ({الشرق الأوسط})

في حين طلبت افتتاحية رئيسية في صحيفة «نيويورك تايمز» من الكونغرس إلغاء القانون الذي أجازه في الأسبوع الماضي، والذي يسمح لمواطنين أميركيين بمقاضاة الدول التي يزعمون أنها مسؤولة عن خسائر الإرهاب التي لحقت بهم، رد البيت الأبيض على اتهام بعض أعضاء الكونغرس بتقصيره في شرح تداعيات قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب»، قائلا إنهم «لم يدرسوه بما فيه الكفاية».
ونقل تلفزيون «اى بي سي»، أمس، عن جوش إيرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، قوله إن «أعضاء الكونغرس أجازوا القانون من دون أن يدرسوه، وهم الذين يتحملون مسؤولية ذلك»، مضيفا: «يتصرف أعضاء الكونغرس مثلما يتصرف تلاميذ في مدرسة ابتدائية.. لا يوجد عذر لخطأ غير الاعتراف به».
وقال إيرنست إن الرئيس باراك أوباما تحدث «في مرات كثيرة» مع أعضاء الكونغرس عن هذا الموضوع. وفي شهر أبريل (نيسان) الماضي بالتحديد، ناقش مع عدد منهم في المكتب البيضاوي الأخطار التي ستترتب على القانون، إذا أجيز، ثم مثل مسؤولون في وزارة الخارجية أمام لجان في الكونغرس، وأعادوا توضيح التداعيات المحتملة لهذا القانون على المصالح الأميركية عبر العالم، متابعا: «لكن، ها نحن نشاهد الكونغرس يتصرف بعقلية الشخص الذي يشترى أشياء في عجلة، ومن دون تفكير».
من جهتها، ردت وزارة الخارجية على اتهامات الكونغرس، على لسان مارك تونر، المتحدث باسمها، الذي قال: «أعلنا منذ البداية قلقنا حول هذا التشريع.. نحن نتفاهم ونتعاطف، طبعا، مع عائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، لكن لا ينتهي الموضوع هنا فقط»، مضيفا: «يجب أن نضع في الاعتبار الجهة المقابلة، المتمثلة في القلق حول أمن وسلامة جنودنا ودبلوماسيينا والموظفين الأميركيين الآخرين في الخارج.. نحن نؤمن بأن هذا القانون يمكن أن يعرّض هؤلاء للخطر، ويثير مصطلح الحصانة السيادية (لهؤلاء الأميركيين) قلقنا نحن، وقلق غيرنا أيضا، بل إن المسؤولين السعوديين عبروا كذلك عن قلقهم حول هذا القانون».
وجاءت هذه التصريحات بعد أن انتقد البيت الأبيض أعضاء في الكونغرس، بينهم زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب، نانسي بيلوسي، التي قالت إن الرئيس باراك أوباما لم يضغط عليها إطلاقا لمنع تجاوز الفيتو. وكانت بيلوسي قد صوتت مع أغلبية أعضاء مجلس النواب لإلغاء فيتو أوباما ضد القانون، رغم أنها أحد أقوى الحلفاء للبيت الأبيض في الكونغرس.
ورفضت بيلوسي تصريحات أوباما بأن التصويت ضد الفيتو كان «تصويتا سياسيا»، وقالت: «جاء توقيت اتخاذ الكونغرس هذه الخطوة بسبب ضغوط عائلات ضحايا الهجمات، وكان هناك اتفاق عام على إصدار القانون مع الذكرى الخامسة عشرة لمقتل أحبائهم».
ورغم أنها انتقدت أوباما، فإن بيلوسي قالت إن خوفه من تأثير القانون على علاقة الولايات المتحدة بحلفائها «خوف مشروع»، لافتة إلى أن القانون «كان يمكن أن يكتب بطريقة مختلفة قليلا لمراعاة بعض هذا الخوف».
كان أوباما قد وصف تصرف الكونغرس، الأسبوع الماضي، بأنه «سابقة خطيرة»، وقال لتلفزيون «سي إن إن»: «يمكن أن يعرض هذا القرار الولايات المتحدة لمواقف سلبية، ويمكن أن نجد أنفسنا، فجأة، عرضة لقضايا يرفعها أفراد أو دول أو منظمات ضدنا».
وفي غضون ذلك، قال قادة من الحزب الجمهوري في الكونغرس إنهم يريدون «إعادة النظر» في القانون. واعترف السناتور ميتش ماكونيل، زعيم الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، بأن «الأعضاء لم يدركوا التبعات القانونية المحتملة للقانون»، مضيفا: «كان الجميع يعرف من هم المنتفعون المحتملون من القانون (عائلات الضحايا)، لكن أحدا لم يركز بصورة جدية على التبعات، فيما يتعلق بعلاقاتنا الدولية». في المقابل، قالت تيري سترادا، رئيسة رابطة عائلات الضحايا: «يسعدنا هذا النصر، وننتظر يوم معركتنا القضائية، ويوم الحصول على إجابات عمن وقف حقيقة وراء هذه الهجمات».
كانت الافتتاحية الرئيسية في صحيفة «نيويورك تايمز» قد انتقدت هذا القانون، الخميس الماضي، وقالت: «ليس الحل الأفضل هو تعديل القانون، بل الحل الأفضل هو إلغاؤه».
من جهتهم، عبّر المشرعون الأميركيون، الأسبوع الماضي، بعد تصويت الكونغرس بشبه إجماع لصالح رد «الفيتو» الرئاسي وإقرار «جاستا»، عن شكوكهم، وقالوا إنه من المحتمل تقييد القانون الجديد الذي يتيح إقامة دعاوى قضائية ضد السعودية وغيرها، للحد من المخاوف من تأثيره على الأميركيين في الخارج.
وغداة أول رفض لحق النقض الرئاسي (فيتو)، خلال الفترتين الرئاسيتين لأوباما، فتح قادة الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ ومجلس النواب الباب لتعديل القانون، حيث حمّلوا أوباما (الديمقراطي) مسؤولية عدم توضيح عواقب القانون بشكل كاف.
وقال ميتش ماكونيل، زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، للمراسلين، مقرًا باحتمال حدوث «عواقب» لقانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب»: «لا أعتقد أن الأمر يستحق المزيد من المناقشة»، في حين اعتبر بول رايان، رئيس مجلس النواب، أن الكونغرس قد «يعدّل» التشريع من أجل حماية الموظفين الأميركيين بوجه خاص. ولم يذكر رايان إطارا زمنيا لتناول القضية. إلا أن بوب كوركر، العضو الجمهوري في مجلس الشيوخ ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس، قال إنه يعتقد أنه قد يتم مناقشة تلك الأمور في جلسة الكونغرس التي ستتم بعد انتخاب الكونغرس الجديد، وقبل انعقاد أول جلسة رسمية له، وذلك بعد انتخابات الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
ويقدم القانون استثناء للقاعدة القانونية للحصانة السيادية في حالات الإرهاب على أرض أميركية، مما يفسح الطريق أمام إقامة أسر ضحايا الهجمات لدعاوى قضائية، سعيًا وراء تعويضات من حكومات أجنبية.
وأشار جوش إرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، إلى سرعة تحول المشرعين من التصويت لإبطال حق النقض إلى الرغبة في تعديل القانون، وقال خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض: «أعتقد أن ما رأيناه في الكونغرس الأميركي قضية كلاسيكية تعبر عن ندم المؤيد السريع»، في حين انتقد كوركر البيت الأبيض، مؤكدا أنه حاول العمل مع الإدارة من أجل التوصل إلى اتفاق وسط قبل إبطال حق النقض، لكن الإدارة رفضت عقد اجتماع. وقال تشاك شومر، عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي، الذي دعم القانون في مجلس الشيوخ، إنه كان منفتحًا على تعديل التشريع، وأضاف خلال مؤتمر صحافي: «أعتزم النظر في أي اقتراح يقدمونه شريطة ألا يسبب ضررا للأسر».
من جهته، قال ترنت لوت، الرئيس السابق للأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، الذي يعمل حاليًا في شركة قانونية بواشنطن، إن المحامين سوف ينظرون بحرص في صياغة قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب»، مضيفا: «يمكن تعديل شيء كهذا».
لكن حتى في ظل القانون الجديد، فإن البيت الأبيض لا يزال بمقدوره الرجوع للمحكمة لتعطيله، وتعطيل غيره من القضايا، ويتيح القانون للمحكمة حق تعطيل أو تجميد سريان قضية مقامة ضد دولة أجنبية، حال أفادت الولايات المتحدة بأنها «في مفاوضات حسنة النية» مع تلك الدولة لحل النزاع.
كما جرت إضافة بند إيقاف الدعوى وغيره من التعديلات، للتغلب على المخاوف التي أثارها البيت الأبيض وحلفاؤه وشركات مثل «جنرال إليكتريك» و«داو كيميكال»، ومن المرجح أن يطالب أوباما بتفعيل بند إيقاف الدعوى.
وبهذا الصدد، أفاد ستيفين فيلديك، الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة تكساس، بأن تلك المراجعة وغيرها تسببت في حالة من عدم اليقين بخصوص هذا القانون، ومن الممكن أن تتسبب في مرحلة أخرى في المطالبة بتوضيح اللغة المستخدمة في مشروع القانون، مشيرا إلى أن «الخطة المقبلة هي إما تعليق حزمة من القضايا لأجل غير مسمى، أو إقامة عدد من الدعاوى لتحديد ما تعنيه كل تلك العقبات التي وضعها الكونغرس في مشروع القانون في الدقيقة الأخيرة».
وحتى في ظل المراجعة، فإن منتقدي القانون الجديد شعروا بقلق من أنه قد يشكل مصدر إلهام لدول أخرى للانتقام بإقامة دعاوى قضائية مماثلة ضد الولايات المتحدة وشركاتها، وأفاد مشرعون أن الكونغرس قد يعيد النظر في القانون لتضيقه وتحديد بنوده.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.