الزهراني: التطرف فكر متوحش.. لكن التاريخ لا يصنعه الحمقى

المدير الجديد لمعهد العالم العربي في باريس انفرد بشغفه بالثقافة الفرنسية

معجب الزهراني - جانب من معهد العالم العربي
معجب الزهراني - جانب من معهد العالم العربي
TT

الزهراني: التطرف فكر متوحش.. لكن التاريخ لا يصنعه الحمقى

معجب الزهراني - جانب من معهد العالم العربي
معجب الزهراني - جانب من معهد العالم العربي

في عام 1979 اختار معجب الزهراني فرنسا وجامعة السوربون خصوصًا لدراسته العليا، رغم أنه حصل على فرصة للتوجه لجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، أسوة بآلاف السعوديين الذين اختاروا الدراسة هناك، لكن الزهراني انفرد منذ ذلك الوقت بشغفه بالثقافة الفرنسية. واحتضنته باريس عشر سنوات (حتى منتصف 1989)، حيث حصل على شهادة «الدرجة العليا في اللغة الفرنسية»، من جامعة السوربون الرابعة، عام 1982، ودبلوم الدراسات المعمقة في الأدب العربي الحديث، من جامعة السوربون الجديدة، عام 1984، وشهادة الدكتوراه في الأدب العام والمقارن، من جامعة السوربون، سنة 1989. عن أطروحة بعنوان: «صورة الغرب في الرواية العربية الحديثة». وها هو يعود إليها مجددًا مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي ، مديرًا لمعهد العالم العربي في باريس بعد أن اختاره مجلس السفراء العرب نهاية مايو (أيار) الماضي. وكان عمل قبل ذلك، أستاذا لعلم الجمال والأدب الحديث، بجامعة الملك سعود، ومشرفا على كرسي غازي القصيبي بجامعة اليمامة، كما أنه كاتب ومؤلف الكثير من الدراسات، ومشرف على الكثير من الرسائل العلمية، وناقد في مجال الشعر والأدب والنقد، وهو أيضًا روائي صدرت له مؤخرا رواية «رقص».
أما معهد العالم العربي، فقد تأسس في العام 1980 بمبادرة من 18 دولة عربية، وهو يسعى لأن يكون جسرًا ثقافيًا بين فرنسا والعالم العربي، عبر تشجيع المبادلات الثقافية والمعرفية، خصوصا في مجالات العلوم والتقنيات. وهو يُدار مناصفة بين الدولة الفرنسية والدول العربية عبر مجلس السفراء العرب، ويخضع للقانون الفرنسي، ويقوم المعهد، منذ تأسيسه، على رئيس ومدير. الأول فرنسي يرشحه رئيس الجمهورية الفرنسية، والثاني عربي يختاره مجلس السفراء العرب المؤلّف من 22 دولة. هنا حوار مع الدكتور معجب الزهراني بعد توليه مسؤوليته الجديدة:
> مع تسلمك رئاسة معهد العالم العربي في باريس، ما أولى مهامك في هذا الوقت الحرج الذي يشهد «انعدام الثقة» بين الثقافات؟
- لا علاقة لمهمتي بالظروف العابرة بكل تأكيد. المعهد مؤسسة عريقة عمرها ثلاثة عقود، وهناك أنظمة ولوائح تحدد الصلاحيات النظامية لكل موظف، بغض النظر عن موقعه. نعم ربما يكون للأحداث المؤسفة التي تشير إليها دور المحفز على ضرورة بذل المزيد من الجهد الفاعل للتواصل والتبادل لتعريف الآخرين بثقافة عريقة يمثلها المبدعون المنتجون في كل المجالات، وليس هؤلاء القتلة المنحرفون الذين يعيثون فسادًا في كل مكان.
> هل يمكن لمعهد العالم العربي أن يكون جسرًا ثقافيًا بين فرنسا والعالم العربي يتعالى على عناصر التوتر القائمة؟
- المعهد ليس جسر عبور محايدا، بل هو فضاء تواصل وتفاعل، يلعب دوره ويؤدي وظيفته بكفاءة عالية، كغيره من المؤسسات الثقافية الجادة في كل مكان. ولأنه كسب ثقة كبيرة ومصداقية عالية لدى جمهور متنوع الاتجاهات والاهتمامات بفضل منتجاته الخلاقة خلال عقود فقد زاد عدد زواره حتى تجاوزوا المليونين الآن. وكل من يطلع على برامجه وأنشطته سيدرك أن القائمين عليه يحرصون كل الحرص على التنويع والابتكار لتلبية الحاجات، وإرضاء كافة التطلعات المتوقعة لجمهور باريسي هجين يبحث عن المتعة والفائدة في مدينة جذابة غنية كريمة مع كل مقيم وعابر.
> ماذا يلزمه لتحقيق هذا الهدف؟
- الاستمرارية مع التطوير هو هدف كل مؤسسة ثقافية حديثة فاعلة. وتراكم التجارب والخبرات هو ذخيرة ثمينة لكل من يريد أن يجتهد ويبدع ويضيف لبنة في البناء أو شجرة في الحقل ذاته. لا مجال هنا لاستئناف البدء أو للقطيعة والتأسيس كما يتوهم كثيرون في بلداننا، حيث يحولون المؤسسات إلى حقول تجارب ينقض بعضها بعضًا، فلا خبرة تتعمق ولا عمل ينجز.
> هل نحن، بصفتنا عربا، في حاجة فعليًا إلى التواصل مع فرنسا؟ ماذا تضيف لنا الثقافة الفرنسية؟
- نحن في أمس الحاجة إلى لتواصل الثقافي الخلاق مع كل العالم. ولعل فرنسا من أكثر البلدان الأوروبية أهلية وجاذبية لتواصل كهذا، والسبب بيّن بنفسه. فالجالية العربية الأكبر والأهم في الغرب تقيم في فرنسا كما نعلم. وفرنسا الرسمية والشعبية قريبة جدًا من تطلعات شعوب المنطقة وقضاياها، وفي مقدمتها قضية فلسطين. هذا فضلاً عن تقارب نخبها السياسية المتعاقبة يسارية كانت أو يمينية مع سياسات دول المنطقة العربية، وبخاصة في شمال أفريقيا ودول الخليج. ومن ينسى أن النخب الثقافية العربية التنويرية ظلت تجد في فرنسا الحديثة النموذج الأكثر جاذبية وفتنة بعد أن توجهت أولى البعثات التعليمية إلى مدينة النور منذ بداية القرن التاسع عشر، وظلت الصيرورة متصلة حتى منتصف القرن العشرين. ولعل كبار المفكرين والمبدعين الفرانكفونيين في بلدان المغرب بالأمس واليوم أهم ثمرة للتواصل مع اللغة والثقافة الفرنسية، حيث زال الاستعمار وبقيت الغنيمة.
> ما الذي يميز الثقافة الفرنسية والفرانكفونية تحديدًا، عن الثقافات العالمية الأخرى؟
- الثقافة الفرنسية جزء من الثقافة الغربية الحديثة، وتأثيراتها الكونية لم ولن تنافس تأثيرات الثقافة الإنجليزية دون ريب. لكن المؤكد أنها طالما تميزت بأمرين لا جدال فيهما. الأول تدشينها للدولة الحديثة، حيث مثلت فرنسا ما بعد الثورة الثمرة العملية لعصر التنوير وفكر الأنوار حد أن «هيغل» عد الجمهورية الأولى النموذج العملي المتحقق للوعي أو التاريخ بالمعنى الحديث. والثاني نمط الحياة الراقي المرهف، أو ما يسمى «معرفة العيش» الذي ما زال معترفًا به شرقًا وغربا، ويشمل بالطبع فنون الأكل والشرب واللباس والتخاطب، حد أن باريس تعد عاصمة الموضات الجديدة في مختلف الفنون التي قد تبدأ من أي مكان، لكنها لا تنتشر وتكسب مشروعيتها الجمالية إلا منها. وهناك طرفة شائعة لا تخلو من دلالة بهذا الصدد مفادها أن الأفكار العظيمة تخرج من ألمانيا وتستعمل في بريطانيا وتشيع أو تشع من فرنسا. ولعل أكثر من يعرف هذه المميزات أو الخصوصيات ويعترف بها هم الأميركان الذين يرون في فرنسا النموذج الحضاري الأرقى والأكثر جاذبية رغم أنهم امتداد للثقافة الإنجليزية العريقة كما نعلم. أما من منظور عربي، فالكل يعلم أن الثقافة الفرنسية شكلت المثال أو الحلم الذي رنت إليه النخب المصرية، ثم العربية جيلاً بعد آخر منذ عهد محمد علي حتى اليوم.
> عانت فرنسا من الصدام الثقافي الذي أفرز التطرف والإرهاب وآخرها ما حدث في باريس ونيس وغيرهما.. كيف يمكن لهذا المعهد أن يعيد الثقة للثقافة العربية باعتبارها صالحة للشراكة الأممية؟
- قلت في مناسبات سابقة وأكرر أن تحولات التاريخ تخضع لمنطق أبستمولوجي عميق لا تصنعه ولا تمنعه الحوادث العابرة أيًا كانت. الإرهاب آفة كونية ضرب فرنسا كما ضرب غيرها من قبل، ولا بد أن هناك جماعات عملت وستعمل على استثمار الكارثة لصالحها كما يفعل اليمين المتطرف في أوروبا وأميركا. لكن التاريخ لا يصنعه الحمقى ولا ينصت طويلاً لصراع الجهالات كما يسميه إدوارد سعيد. والمعهد بدأ استجابة لشرط تاريخي عميق، وسيظل يعمل في سياقه لتحقيق أهدافه ولو كره المتطرفون من كل الأعراق والأديان والمذاهب والأحزاب.
> بالمناسبة نتحدث عن التطرف العربي الذي غزا فرنسا، لكننا نغفل أن هناك موجة تطرف مضاد تتمثل في صعود اليمين الفرنسي والأوروبي، وصعود ترامب في الولايات المتحدة.. هل هو عصر الأصوليات المتشابكة، أم هو ردود فعل متجانسة للأصولية الإسلامية؟
- لا يوجد شيء اسمه التطرف العربي، بل هناك تطرف ديني مذهبي من جهة، وتطرف قومي أو وطني من جهة أخرى، والجامع بينهما ما سميته فكر التوحش الذي عادة ما يرى في الآخر المختلف خطرا يهدد وجوده أو هويته أو مصالحه. ومع وجاهة هذا الطرح إلا أنه من الضروري التفريق بين تطرف عبثي متفلت من كل منطق عقلي أو أخلاقي أو قانوني وبين تطرف يحاصره قانون الدولة ذاته ولا يستطيع ممثلوه التفوه بعبارة عنصرية عدائية دون أن يحاكموا بكل صرامة. وفي كل حال التاريخ لا يصنعه الحمقى وحروب الجهالات تزعج الأفراد والجماعات هنا وهناك، لكنها لن تجد لها أفقا مناسبا في عصر يفرض على الجميع المزيد من التواصل والتعاون لمواجهة الرهانات والتحديات المشتركة.
> هل يمكن للثقافة أن تنجح فيما أفسدته السياسة والأصوليات المتوحشة؟
- الثقافة الشاملة للفكريات والعلميات والجماليات هي ما ميز الإنسان عن غيره من الكائنات، بالأمس، وهي ما يؤنسن البشر كل يوم، في كل لحظة اليوم وغدا. السياسة يفترض أن تكون جزءا من الثقافة بهذا المعنى لأنها تعني علم أو فن إدارة الدولة وتنمية طاقاتها البشرية وثرواتها الطبيعية والصناعية بما يضمن سعادة غالبية الأفراد المواطنين. وانحراف الفعل السياسي إلى مسارات خطرة دليل خلل في فكر النخب الحاكمة، وعادة ما ينتهي بزوالها لصالح نخب جديدة تحترم منطق التاريخ ومعطيات الواقع، وتلتزم أخلاقيا وقانونيا بحقوق المجتمعات والشعوب، وهنا يعود دور الثقافة التي توجه السياسة وليس العكس.
> هل يمكن لمعهد العالم العربي أن يستفيد من الحضور الثقافي العربي المنفتح على الحداثة لتعزيز التواصل وتوسيع قاعدة التغيير الإيجابي في العالم العربي؟
- هذا ما أنشئ المعهد من أجله وما يحرص عليه دائما؛ لأن الحداثة كانت وستظل أفقا متسعا لكل فعل تواصلي يروم تعزيز علاقات التبادل والتعارف والتعاون بين الثقافات والشعوب، لكنه لا يستطيع اجتراح المعجزات، خصوصا أن عالمنا العربي مليء بمؤسسات تقليدية معتبرة تعمل ليل نهار ضد كل حداثة وتحديث، ولبعضها قدرة كبيرة على التأثير في علاقات المجتمع، بل والتحكم أحيانا في منظومات التعليم نفسها.
> هل تعول على مشاركة الدول الراعية لمعهد العالم العربي؟ هل هناك مساحة للمثقف العربي غير الرسمي لكي يسهم معكم في المعهد؟
- الدول العربية التي لعبت دورًا رياديا في تأسيس المعهد، وفي مقدمتها المملكة (العربية السعودية) حتمًا، لم تقصر في دعمه، وإن ارتبكت المسيرة في فترة معينة نتيجة اجتهادات خاطئة من إدارات سابقة، أو سوء فهم عابر من قبل حكومات معينة. هناك حاجة ماسة إلى تصحيح المسار وتجديد الثقة بين جميع الأطراف، وهذا تحديدًا ما تعمل عليه الإدارة الحالية بقيادة جاك لانج، ويسرني أن أسهم بجهدي الخاص بهذا الصدد، وكلي ثقة في حكمة المسعى ونبل الهدف المشترك.
> التواصل بين فرنسا والعالم العربي قديم، لكنه متركز في شمال أفريقيا وجزء من الشام، وأنت القادم من الخليج والشرق الأوسط، هل يمكنك أن تفتح مسارات جديدة تعزز الحضور الثقافي بين الضفتين؟
- للجغرافيا والتاريخ منطق يفرض على الجميع. الفضاءات العربية التي يشير إليها السؤال توطدت بينها وبين فرنسا علاقات تواصل وتفاعل متنوعة من بدايات الحقبة الاستعمارية دون شك. لكني واثق تماما أن المعهد اليوم يحرص كل الحرص على توسيع دائرة اهتماماته لتشمل كامل المنطقة العربية كما تدل عليه الفعاليات الكبرى الأنشطة النوعية الصغيرة التي نظمت في الماضي القريب أو البعيد. وهناك بعد آخر للقضية يجب تذكره والتذكير به دائما ويتعلق بالجالية العربية الكبيرة في باريس وفرنسا، وهي في معظمها من شمال أفريقيا والساحل الشامي، ومن حقها علينا جميعا أن نتفهم تطلعاتها وحاجاته قدر الممكن. وفي كل حال نثمن كل اقتراح مهم، وسنحاول جهدنا التفاعل معه؛ عسى أن نلبي كل الطموحات المشروعة لكل الجهات والتوجهات.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.