التقرير السنوي لمعهد الدراسات الاستراتيجية لعام 2016: صورة قاتمة في الشرق الأوسط

التوترات زادت ومساحة التعبير ضاقت.. و«داعش» قد يحتفظ بمكانته تنظيمًا إرهابيًا حتى بعد فقدان كل أراضيه

د. جون شيبمان المدير العام والرئيس التنفيذي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية يلقي كلمته في مقر المعهد بلندن أمس خلال استعراض التقرير السنوي الذي أعده مجموعة من الخبراء والمختصين عن أحداث عام 2016 (أ.ف.ب)
د. جون شيبمان المدير العام والرئيس التنفيذي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية يلقي كلمته في مقر المعهد بلندن أمس خلال استعراض التقرير السنوي الذي أعده مجموعة من الخبراء والمختصين عن أحداث عام 2016 (أ.ف.ب)
TT

التقرير السنوي لمعهد الدراسات الاستراتيجية لعام 2016: صورة قاتمة في الشرق الأوسط

د. جون شيبمان المدير العام والرئيس التنفيذي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية يلقي كلمته في مقر المعهد بلندن أمس خلال استعراض التقرير السنوي الذي أعده مجموعة من الخبراء والمختصين عن أحداث عام 2016 (أ.ف.ب)
د. جون شيبمان المدير العام والرئيس التنفيذي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية يلقي كلمته في مقر المعهد بلندن أمس خلال استعراض التقرير السنوي الذي أعده مجموعة من الخبراء والمختصين عن أحداث عام 2016 (أ.ف.ب)

ركز التقرير السنوي لمعهد الدراسات الاستراتيجية لعام 2016 على الإحساس بخيبة الأمل واليأس التي تسود منطقة الشرق الأوسط، وقال المعهد البحثي، ومقره لندن في تقريره السنوي، إن الآمال المعقودة على انحسار التصعيد في القتال على جبهات عدة بالشرق الأوسط لم تتحقق، وعلاوة على ذلك فإن المعهد الدولي المختص بالدراسات الاستراتيجة أشار أيضا إلى أنه في الوقت نفسه لم تُبذل جهود مخلصة من أجل الإصلاح السياسي في المنطقة.
وعلى العكس من ذلك يرى التقرير الاستراتيجي أن التوترات في المنطقة قد زادت ومساحة التعبير قد ضاقت، حيث إن عدة أنظمة قد عززت من قبضتها على الأمور في بلدانها. واستعرض تقرير معهد الدراسات الاستراتيجية الذي وضعه مجموعة من الخبراء والمختصين في العلاقات الدولية والشؤون الشرق أوسطية، الحروب في سوريا والعراق واليمن وليبيا، حيث لم تسفر عن تحقيق انتصارات حاسمة، أو التوصل إلى تسويات سياسية، رغم التكلفة والخسائر البشرية العالية، والآثار المترتبة على ذلك.
وقال التقرير الاستراتيجي عن سوريا: «رغم أنها نقطة الارتكاز الأولى للمنافسة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، فإنها قد ظهرت أيضا نقطة اشتعال محتملة للصراع بين مختلف القوى الدولية، تلك النقطة التي اعتقد البعض في وقت من الأوقات أنه يمكن احتواؤها، إلا أن الصراع السوري قد أثبت وبشكل كامل آثاره المزعزعة للاستقرار في المنطقة، حيث شكل التدخل الروسي في سوريا، الذي بدأ أواخر الخريف عام 2015، الحرب الدائرة هناك، إلى جانب الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وضع حد نهائي للحرب هناك».
وأوضح التقرير السنوي عن الشؤون الدولية، للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن التدخل الروسي أثر أيضا على التصورات المأخوذة في المنطقة حيال الولايات المتحدة وروسيا وأثارت جدلا دوليا حول النظام الإقليمي.
وأضاف: «كان إضعاف نظام حكم الرئيس بشار الأسد خلال النصف الأول من عام 2015 على أيدي تحالف قوى المعارضة الذي اشتمل على الذراع السوري التابع لتنظيم القاعدة المعروف باسم (جبهة النصرة)، إلى جانب الفصائل الإسلامية والتيارات المتطرفة الأخرى، قد دفع بروسيا إلى بناء قواتها في المنطقة والتدخل بالتنسيق المباشر مع إيران».
وتطرق المعهد الاستراتيجي في تقريره السنوي لعام 2016 إلى «نشر موسكو قوات جوية كبيرة (بما في ذلك القاذفات والمقاتلات والمروحيات للإسناد الجوي القريب) جنبا إلى جنب مع موجة المقاتلين الإيرانيين والميليشيات الشيعية القادمة من العراق، ولبنان، وجنوب آسيا، بهدف تعزيز نظام حكم الأسد وبسط سيطرته على البلاد».
وقال: «كانت المرحلة الأولى من التدخل قد انتهت بحلول فبراير (شباط) 2016، وركزت بشكل كبير على العناصر والتيارات الإسلامية من قوات المعارضة في غرب وشمال سوريا، مما أوجد انتكاسات كبيرة لدى قوات المعارضة، ولا سيما حول مدينة حلب واللاذقية ودمشق».
وأوضح التقرير السنوي: «ساعد المستشارون الروس في إعادة تنظيم وتوجيه الحكومة السورية والقوات المتحالفة معها في ميدان القتال، وانتظرت روسيا حتى بدء المرحلة الثانية من التدخل لاستهداف الجماعات المتطرفة، ومن أبرزها (داعش)، الذي وفر صعوده المبرر الأساسي للتدخل الروسي. وسمح الدعم الروسي لقوات الأسد باستعادة مدينة تدمر التاريخية في مارس ، التي كان (داعش) قد سيطر عليها قرابة العام الكامل».
وأشار إلى أن نشر أنظمة الدفاع الجوي المتطورة والطائرات المقاتلة قد منح روسيا الهيمنة الجوية على القطاع الغربي من سوريا. ولقد رفع هذا الأمر من التكاليف بالنسبة للولايات المتحدة أو لغيرها من الدول التي تهدف إلى فرض منطقة حظر الطيران هناك، كما سمح لموسكو بفرض قواعد جديدة للعمل هناك على دول الجوار.
وتطرق التقرير إلى أن إسقاط تركيا للمقاتلة الروسية، التي عبرت لفترة وجيزة إلى داخل المجال الجوي التركي، دفع موسكو لمعاقبة أنقرة من خلال فرض حزمة من العقوبات الاقتصادية والبلطجة الدبلوماسية واستهداف المعارضة المدعومة من تركيا. كما سمحت روسيا لإسرائيل بتنفيذ الطلعات الجوية فوق الجنوب السوري لتحديد وتدمير الأهداف التابعة لإيران ولما يسمى «حزب الله» اللبناني، بما في ذلك تدمير شحنات الأسلحة المرسلة بين الجانبين.
وقال المعهد البحثي البريطاني في تقريره السنوي إن التدخل الروسي خلق مزيدا من المعضلات والمخاطر بالنسبة للولايات المتحدة، التي نفذت قواتها الجوية عمليات ضد مواقع «داعش» في شرق سوريا. ونتيجة لذلك، صارت واشنطن أكثر اهتماما من ذي قبل بشأن كيفية التقليل من حدة الصراع مع موسكو من دون الدخول في حالة من التعاون المباشر والفعال.
وبالنسبة للعراق، قال التقرير: «منذ البداية وحتى منتصف عام 2016، كان العراق بؤرة الاهتمام لثلاثة اتجاهات جيو - سياسية مختلفة معنية بزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط الكبير. وأول هذه الاتجاهات، والذي نشأ في أعقاب تغيير نظام الحكم في البلاد، كان الشكل العنيف للغاية والفعال للغاية من التطرف الأصولي الذي انتشر على أيدي (داعش) في المنطقة. ذلك التنظيم الذي تأسس في العراق على أيدي زعيم التطرف الأردني، أبو مصعب الزرقاوي، حيث أعلنت جماعته ولاءها وسمت نفسها تنظيم القاعدة في العراق في عام 2004، قبل أن تحمل اسم (داعش) في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2006. وبلغ التنظيم ذروة قوته في مايو (أيار) من عام 2015، عندما تمكن من الاستيلاء على مدينة الرمادي في محافظة الأنبار العراقية. ومع ذلك، بين يوليو 2015 ويونيو 2016، فقد التنظيم 50 في المائة من أراضيه التي سيطر عليها في العراق، حيث تم طرد مقاتليه من مدن الرمادي، والفلوجة، ومن مدينة سنجار إلى الشمال أيضا».
أما الاتجاه الإقليمي الثاني، بحسب التقرير الاستراتيجي، فقد كان ارتفاع وتيرة الطائفية السياسية بين النخبة الحاكمة في صورة الخطاب الذي تسيطر عليه الدولة، والعوام، من خلال الكراهية الطائفية المنتشرة فيما بينهم. وبدأت تلك الكراهية في التشكل في أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق في عام 2003، حيث كانت الانتخابات المتعاقبة والحكومات الناتجة عنها تدعو إلى مزيد من الفرقة والطائفية داخل البلاد.
وقال التقرير: «تفاقمت حدة الكراهية الداخلية في العراق عن طريق استخدام ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية، وكانت هذه الميليشيات غير الرسمية قد تشكلت في أعقاب سقوط مدينة الموصل في أيدي (داعش) في يونيو عام 2014، واستخدمت في تطهير المناطق التي كان (داعش) يسيطر عليها من قبل. وكانت تلك الميليشيات تُحشد وتُحرك بالخطاب الطائفي العلني، ولقد اتهمت مرارا وتكرارا من قبل (منظمة هيومان رايتس ووتش) و(منظمة العفو الدولية) بالتورط في انتهاكات حقوق الإنسان، وتهجير السكان، وعمليات القتل خارج نطاق القضاء».
أما الاتجاه الأخير بالنسبة للعراق، فكان نتيجة للضعف المستمر في أسعار النفط العالمية. والعراق هو أحد أكثر البلدان اعتمادا على النفط في العالم، مع تمويل ما يقرب من 95 في المائة من الإنفاق الحكومي من تصديرات المنتجات النفطية للخارج. وأدى الانخفاض في الخدمات العامة، متبوعا بالهبوط الحاد في أسعار النفط، إلى اندلاع الاحتجاجات الجماهيرية الحاشدة في جميع أنحاء جنوب العراق منذ يوليو 2015 وحتى الآن، حيث اندفع عشرات الآلاف من المواطنين العراقيين العاديين إلى الشوارع في ذروة الصيف الملتهب للاحتجاج على نقص إمدادات الكهرباء والمياه النظيفة، وألقوا باللائمة في ذلك على الفساد الحكومي المستشري، وكذلك على المحاصصة الطائفية، أو نظام الحصص الطائفية العراقية الذي كان قيد الاستخدام من جانب كل حكومة عراقية منذ عام 2003. ونتيجة لذلك، كان النصف الأول من العام الحالي يتسم محاولات مستمرة من قبل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لتلبية مطالب المحتجين ومحاولة إصلاح الحكومة.
وفيما يتعلق بتنظيم داعش الإرهابي، قال التقرير السنوي في نسخته لعام 2016: «عانى تنظيم داعش من نكسات عسكرية كبيرة خلال النصف الأول من عام 2016، حيث خسر كثيرا من الأراضي في العراق وسوريا، في حين يكافح التنظيم من أجل تحقيق بعض المكاسب المستدامة في خضم المشهد المتشدد المزدحم في ليبيا. وفي الأثناء ذاتها، ألهم التنظيم أو نفذ مباشرة كثيرا من العمليات الإرهابية خارج الحدود، بما في ذلك داخل أوروبا والولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن مشروع إقامة (الخلافة) يعاني من الفشل الذريع، فإن (داعش) قد يحتفظ بمكانته تنظيما إرهابيا حتى بعد فقدان كل أراضيه.
ويوضح التقرير السنوي البريطاني: «بلغ تأثير (داعش) ذروته في مايو من عام 2015، عندما سيطرت قواته على مدينة الرمادي العراقية. ومنذ ذلك الحين، والتنظيم يواصل خسارة الأراضي، والإيرادات، والكوادر، والرجال. وكان السبب الرئيسي في هذه الانتكاسات هو التنسيق العسكري المتزايد من جانب المعارضين. وبحلول يونيو من عام 2016، كان (داعش) قد خرج إلى حد كبير من مدينة الرمادي والفلوجة على أيدي قوات الأمن العراقية. التي أعيد تشكيلها وبناؤها بمساعدات أجنبية كبيرة، إلى جانب قوات الحشد الشعبي، وهي تشكيلات من الميليشيات الشيعية غير الرسمية ذات العلاقات الفضفاضة مع الحكومة المركزية في البلاد. ثم بدأت القوات تحركها ضد (داعش) في معقله بمدينة الموصل. وفي الأثناء ذاتها، كانت قوات البيشمركة الكردية تحقق نجاحات معتبرة في شمال العراق ضد التنظيم. وقد استعيدت أجزاء كبيرة من الحدود السورية العراقية من تنظيم داعش، مما تسبب في التعقيد في حرية حركة التنظيم الإرهابي بين البلدين. واستفادت هذه الحملة كثيرا من الدعم العسكري الغربي، ولا سيما من القوة الجوية الأميركية، والاستخبارات، والمستشارين العسكريين. ولكن الجهود أعيقت كثيرا بسبب الاضطرابات السياسية في بغداد وأعمال العنف الطائفية التي ترتكبها الميليشيات الشيعية، إلى جانب الأهداف المتباينة لكل فريق؛ حيث تضع الحكومة العراقية الأولوية لتحرير الفلوجة بدلا من الموصل التي تفضل الولايات المتحدة تحريرها أولا».
ويقول التقرير: «كان الوضع أكثر تعقيدا في سوريا، حيث تشتعل المنافسة بين جبهات مختلفة لمحاربة (داعش)، فهناك، تدعم الولايات المتحدة القوى الديمقراطية السورية، وهو تحالف كانت تهيمن عليه وحدات الحماية الشعبية الكردية - وهي الذراع الكردي لحزب العمال الكردستاني - وضمت هذه القوى كثيرا من قوات العشائر العربية ووحدات من الجيش السوري الحر. وتمكن التحالف من تحقيق نجاحات معتبرة ضد تنظيم داعش بمساعدة القوات الجوية الأميركية في شمال وشرق سوريا، خصوصا على طول الحدود السورية التركية».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...