مثقفون في المغرب يرصدون مدى التفاعل بين مثقفي المشرق والمغرب

أكدوا أن الجامعة العربية الحقيقية بين العرب هي الثقافة

نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن
نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن
TT

مثقفون في المغرب يرصدون مدى التفاعل بين مثقفي المشرق والمغرب

نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن
نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن

بين الأمس واليوم، تحولات كثيرة همت الوضع الثقافي العربي، ومن خلالها قيمة التفاعل بين المثقفين، في المغرب والمشرق. وما بين زمن «الرسالة» و«الآداب» و«الأديب» و«الشعر»، وغيرها من المجلات التي مكنت العرب من التعرف على تجارب بعضهم البعض، خالقة تفاعلاً حقيقيًا بين المثقفين، وصولاً إلى زمن التواصل التكنولوجي، ترتفع أصوات، هنا أو هناك، لتقارن بين زمن مثمر بين المثقفين، من خلال مجلاته ومهرجاناته، وحاضر مأخوذ بسرعة التكنولوجيا و«جنون» العولمة، غارق في «الاستعراضات والبهرجة والوجاهات الاجتماعية».
لا شك أننا نعيش راهنًا ثقافيًا عربيًا مختلفًا عن سابقه، يعكس مستوى التحول الذي طال العقليات، بعد أن تراجعت هواجس وأحلام الماضي، على وقع المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية التي عرفها العالم، منذ تسعينيات القرن الماضي بشكل خاص. في المغرب لا يمكن لرصد حاضر الممارسة الثقافية، بين أطراف العالم العربي، خاصة على مستوى التفاعل والتواصل بين المثقفين، وبالتالي الحصيلة العامة للمنجز الثقافي، إلا أن ذلك يستحضر نقاشًا تواصل منذ عقود، بل منذ قرون، بصدد تفاعل المثقفين العرب فيما بينهم، تم اختصاره، بشكل خاص، في ثنائية «المشرق والمغرب» أو «المركز والهامش».
* العلام: تواصل المثقفين العرب شهد تطور كثيرًا
يقول عبد الرحيم، الناقد ورئيس اتحاد كتاب المغرب، إن سؤال التواصل والتفاعل بين المثقفين، في المشرق والمغرب العربيين: «سؤال قديم جدًا، لكنه ما فتئ يتجدد باستمرار، رغم أن تلك الشكوى القديمة من انقطاع التواصل، بين الطرفين، لم تعد قائمة بمثل حدتها الأولى، إذ كثر، في وقت سابق، وبشكل مبالغ فيه، عتاب المغاربة للمشارقة، لتجاهلهم لهم ولإنتاجهم الثقافي والأدبي والفني، بما هو عتاب يعكس، في أحد تجلياته، جانبا من أزمة الثقافة العربية، بشكل عام، في صورها ومكوناتها المختلفة». لكن، رغم ذلك، يضيف العلام، ففي اعتقادي، وحسب ما تكشف عنه تمظهرات التواصل الثقافي، اليوم، بين المشرق والمغرب، أن هذا السؤال، لم يعد يطرح بالحدة نفسها والأهمية السابقة، فالحوار والتواصل الثقافيان بين المثقفين والكتاب في المغرب والمشرق العربيين، ظلا قائمين ومفتوحين، بل يمكن القول إنهما قد تطورا بشكل لافت، في ضوء المتغيرات والتحولات المتسارعة التي يعرفها عالم اليوم، والتي أسهمت فيها الثورة التكنولوجية بنصيب كبير، دون أن نلغي الأخذ بعين الاعتبار، أيضًا، غياب التكافؤ الجغرافي بين أقطار المشرق العربي ومغربه، واختلاف طبيعة النسيج الاجتماعي، موازاة مع تبدد جانب كبير من تلك العوائق التقليدية والادعاءات الوهمية التي كانت تحول دون تحقيق حوار وتواصل مخصب بين الطرفين، في إطار مفهوم الوحدة عبر التعدد والتنوع. فما تعيشه مجتمعاتنا العربية اليوم، وهي تواجه أخطر ما يهدد كيانها، ألا وهو التطرف والإرهاب، أصبح يستلزم منا أن نوسع، بشكل أكبر، مجال حوارنا، حتى لا يبقى داخليا فقط، فالحرب اليوم، هي حرب ثقافية، بالأساس، ما يلزمنا، أكثر من أي وقت مضى، أن نعمل على توحيد المواقف، وتشكيل جبهات ثقافية، وتعميق حوارنا مع محيطنا ومع الآخر من حولنا، على أساس مبادئ التواصل والاستمرار والتعايش، بعيدًا عن أي قطيعة كأداء يرتضيها الفكر المتطرف. ومع ذلك، فقد كان الحوار مثمرًا بين المشارقة والمغاربة، بما يوازيه من نفي لأي قول بـ«القطيعة» و«الانفصال»، دون أن ننسى، هنا، ما تثيره قضية «مشرق ومغرب» لدى البعض من التباس وسوء فهم أحيانا. وكلنا، هنا، يتذكر ذلك الحوار المخصب والمثير بين المفكر محمد عابد الجابري والمفكر حسن حنفي، في موضوع «حوار المشرق والمغرب»، بما أعقبه من ردود ومناقشات أغنته، بما هو حوار يعكس صورة لقاء المشرق والمغرب في أبهى تجلياته، بمثل ما يعكس حلما دائما، لم يبدده لا الزمن ولا تغير السياسات والقناعات والحساسيات والآيديولوجيات، ما يدفعنا اليوم إلى تغيير نظرتنا إلى هذا المفهوم الضيق الذي يؤطر العلاقة بين المشرق والمغرب، لأجل تجاوزه».
* نجمي: لقاءاتنا الثقافية العربية هشة
من جهته، يرى حسن نجمي، الشاعر والروائي والرئيس السابق لاتحاد كتاب المغرب، أن «الثنائية القائمة بين المشرق والمغرب، على المستوى الثقافي والأدبي، أصبحت تتقادم تدريجيًا، ولم تعد تحظى بالأولوية التي كانت لها في الماضي على مستوى التواصل بين المبدعين والأدباء والفاعلين في الحقل الثقافي، وإن كانت لا تزال أكثر إلحاحًا على المستوى السياسي والدبلوماسي».
وقال نجمي إن «إشكالية التواصل بين مثقفي المشرق والمغرب كانت تلقي بظلالها في نقاشاتنا العربية - العربية، في مختلف المحافل والمؤتمرات الأدبية، فكنا دائما نجهر بمظلمتنا كمغاربيين، كلما أحسسنا بأن أشقاءنا العرب في المشرق يعاملون إنتاجاتنا كما لو كانت إبداعًا من درجة ثانية. كما شعرنا بأن هناك نوعا من (المركزية المشرقية)، كانت تظل كامنة خلف الخطابات والإشارات والتلميحات المختلفة. وبالتأكيد لا يزال قدر بسيط من ذلك، حتى اليوم، لدى عدد قليل من الأسماء المشرقية، ومن ذلك، مثلا، أن الشاعر عبد المعطي حجازي يبقى نموذجًا لافتًا للانتباه في هذا الاتجاه، خاصة في بعض حواراته التي ينتقص فيها من الشعرية المغاربية، لكن ذلك يتضاءل باستمرار أمام الوعي المتبصر لدى الأسماء الأدبية والفكرية المرجعية والمؤثرة في صياغة المشهد الثقافي والأدبي والإعلامي في مشرقنا العربي. وهناك عدد من العقلاء يدركون حجم التحولات الهائلة في الساحة الأدبية العربية في المغرب والجزائر وتونس بالخصوص، ويتفاعلون مع مختلف التجارب والأصوات والأجيال المختلفة، ويتبادلون الإشارات تلو الإشارات، ولهم شعور حقيقي بأن التجربة الأدبية العربية واحدة وموحدة، رغم الاختلافات والتباينات القائمة مقارنة مع المنجز الأدبي والمعرفي والفكري في العالم اليوم».
ولاحظ نجمي أن المثقفين المغاربة «أخذوا يضعون هذه الثنائية خلف ظهورهم ويعتبرونها جزءا من الماضي»، قبل أن يستدرك، قائلا: «ثمة إحساس ملموس بأن علينا أن نقود تجربتنا الأدبية في اتجاه أفقها الكوني».
ولاحظ نجمي أن «التفاعل بين المثقفين العرب أصبح، اليوم أوضح وأسرع والانتعاش أكبر، كما صار أكثر حيوية، واتسعت مساحته أكثر من أي وقت مضى، من جهة أن وسائل التفاعل صارت لحظية وسريعة»، مشيرًا إلى أن هذا «التفاعل لا يخلو من نقاط قوة ونقاط ضعف»، مشددًا على أن «التفاعل المستمر، الإيجابي، الخلاق والبناء يحتاج إلى إيقاع خاص وإلى استغراق زمني، على عكس ردود الفعل والتفاعلات المستعجلة التي يفرضها إيقاع (فيسبوك) ومختلف شبكات الاتصال العنكبوتية». وانتقد نجمي كثيرًا اللقاءات الثقافية التي يتم تنظيمها على صعيد العالم العربي، مشيرًا إلى أن «فيها كثيرًا من الهشاشة»، مرجعًا ذلك إلى المسؤولين عنها، والذين قال عنهم إنهم، غالبًا، ما يكونون إداريين، تجدهم يحرصون أكثر على تمثيلية أكبر عدد من الدول العربية أكثر من البحث في نوعية المشاركين، الشيء الذي ينعكس على قيمة الأسماء المشاركة والمحتوى العلمي والفكري الذي يتمخض عن هذه المواعيد الثقافية. واستغرب نجمي، في هذا الإطار، لعدم توجيه كثير من المظاهرات العربية، ذات التوجه المسرحي الدعوة للدكتور حسن المنيعي، أو التي يدور موضوعها حول القصة لأحمد بوزفور، أو الشعر لمحمد بنيس أو محمد بنطلحة، مثلا.
ورأى نجمي أن طرح سؤال «من يمثلنا في التظاهرات الثقافية؟» يبقى ضروريًا، لأنه يبرر، في أكثر الأحيان، تواضع المنتوج الذي تفرزه هذه التظاهرات وضعف التفاعل بين المثقفين، منتهيًا إلى أن «هناك خللاً تنظيميًا، بالأساس، مرده إلى أن من يشرفون على التظاهرات الثقافية العربية هم، في غالب الأحيان، إداريون لا معرفة لهم بالحقل الثقافي. وهذا شيء مؤسف».
* العوفي: عكاظات ثقافية
من جهته، يرى الناقد نجيب العوفي أن التفاعل بين مثقفي المغرب والمشرق «قديم وموصول امتدّت وتوثّقت عُراه على امتداد التاريخ، وما يزال»، وأن «وتائره قد تنامت وتضاعفت الآن، بحُكم إمكانات التواصل المتطورة ودخول الإنترنت على خطّ هذا التواصل، حيث أجهز على خرائط العالم».
وشدد العوفي على أن «المشرق كان حاضرًا باستمرار في الذّاكرة الثقافية المغربية ورافدًا أساسيا لها»، مشيرًا إلى أن «هذا الاحتفاء الحفي والبهي بالمشرق من طرف المغرب، كان يُقابل، للأسف، بصمت ولامبالاة المشرق تجاه المغرب، وفقًا لثُنائية المركز والهامش التي كانت سائدة آنئذ؛ إن لم نقلْ، إن المشرق كان ينظر من عل إلى المغرب، معتبرًا إياه ذيلاً وتكْملة، وكأنّه يستعيد تلك المقولة المأثورة للصاحب بن عبّاد (هذه بضاعتنا رُدّت إلينا)»، الشيء الذي «أشعر المثقفين المغاربة، يضيف العوفي، بالضّيم والتبخيس، ودفع أحد روّادهم الأوائل وهو عبد الله كنون إلى كتابة سِفْره الكبير - الشهير (النبوغ المغربي في الأدب العربي)». والآن، يضيف العوفي: «لعلّ الموازين قد تبدّلت أو عَرَاها بعضُ تبدّل وتحوّل، فأصبح الهامش بدوره مركزًا، وفقد المركز الثقافي المشرقي الأثيل، بعض دالته وسلطته. وتلك الأيام نُداولها بين الناس. وهكذا، أصبحنا نُعاين الآن نوعًا من (النّدّية) الثقافية بين المغرب والمشرق، وبخاصّة لدى الأجيال الجديدة والشابّة من المثقفين.
وفي العُقود الأخيرة، لم يعد التفاعل الثقافي المغربي - العربي محصورًا في دائرة حواضر المشرق التقليدية (القاهرة - بغداد - دمشق - بيروت)، بل امتدّ وتوَاشج مع الفضاء الخليجي، وبخاصة بعد الحَراك الثقافي – الدّؤوب الذي شهدته بعض الأقطار الخليجية.
وصِرْنا نلاحظ في المدة الأخيرة (هجرة) كثير من الأقلام المغربية صوْب المنابر والمطابع الخليجية والمشرقية.. وكأنّ البيت ضاق على أهله. ولعل ازدهار اللقاءات الثقافية بين المغرب والمشرق، في السنوات الأخيرة، قرينة أخرى على حيويّة هذا التفاعل ومتانة عُرَاه».
وتحدث العوفي عن مشاركاته في اللقاءات الثقافية العربية، فقال: «شخصيًّا، كان لي شرف المشاركة في أكثر من لقاء عربي، مشرقي وخليجي، وذلك منذ ثمانينات القرن الفارط إلى الآن. وكانت هذه اللقاءات بحقّ، عُكاظات ثقافية تنزع فيها العروبة عن قوس واحدة، وتغرّد بلسان واحد، وكأن لا فرق بين مغرب ومشرق، بما يؤكّد أن الجامعة العربية الحقيقية بين العرب، هي الثقافة».
* المودن: نحتاج خطابًا ثقافيًا جديدًا
من جهته، يفترض الناقد حسن المودن أن التفاعل بين مثقفي المشرق والمغربي «ينبغي أن يسير في اتجاه بلورة خطاب ثقافي جديد يستجيب للأسئلة والقضايا والتحديات التي تواجهها البلدان العربية، شرقًا وغربا، في الوقت الراهن». ويفترض المودن، في سبيل ذلك، «مهمتين كبريين مستعجلتين ينبغي للخطاب الثقافي أن يشتغل بهما، نظريًا وعمليًا»: المهمة الأول، تتلخص في «أن يعمل هذا الخطاب الثقافي على أن يَحلَّ التفكيرُ الحواري مَـحَــلَّ التفكير العَـقَـدِيِّ»؛ فيما تتلخص الثانية في «الاهتمام بالأسئلة العملية التي تطرحها مجتمعاتنا.
وهي أسئلة كثيرة ذات طابع إشكالي، تتطلب حلولاً عملية، ما يجعل الثقافة اليوم مسألة مستعجلة»، مشيرًا، في هذا السياق، إلى أن «الأمر يتعلق بأسئلة عملية لا يتدخل فيها الخطاب الثقافي بالشكل المطلوب، أي بالسهر على أن يتشكل حوارٌ موسَّعٌ بين جميع الأطراف المعنية، وأن يتمَّ إسماعُ كلِّ الأسئلة والأجوبة المحتملة، وأن يعمل على خلق شروط التحاجج والتفاهم بين الأطروحات المتعارضة من أجل الوصول إلى أفضل الحلول التي تُجنِّب بلداننا مصير تلك الصدامات العنيفة التي تكون عواقبها وخيمة».
* يقطين: غياب المؤسسات الثقافية الحقيقية
ويرى الناقد سعيد يقطين أن «التفاعل بين مثقفي المغرب والمشرق قائم أبدا. فالحوار عبر المواقع التواصلية مستمر، والمساهمات في بعض الندوات التي تقام هنا وهناك متواصلة. وتبادل النقاش، والتأليف المشترك، والشراكات بين بعض الجامعات العربية، ومواكبة ما يجري على الساحة العربية لا شك فيه. غير أن التفاعل الحقيقي الذي يمكن أن يوحد الرؤى، ويدفع إلى النقاش حول الواقع العربي الحالي غائب تماما».
يرى يقطين أننا «نعيش واقعًا مختلفا عن السابق. وليس هذا الواقع سوى امتداد لذلك الماضي»، مشيرًا إلى أنه «كان من الممكن أن يأخذ هذا التطور الذي يعرفه الوطن العربي حاليا صورة أخرى من التفاعل بين المثقفين للعمل على مواجهة التحديات التي يعرفها عالمنا»، معتبرا أن «التردي الذي يعرفه الوطن العربي، بعد وقائع ما يسمى بالربيع العربي، لم يعمل فقط على تغيير العلاقات بين الأقطار العربية، ولكنه عمل أيضا على إيجاد القطائع بين مثقفي المغرب والمشرق. كانت اللقاءات الثقافية في المنتديات والمؤتمرات العربية أهم قنوات التواصل والتعارف والحوار. لكن واقع الحرب العربية حال دون استمرار مثل هذه الفعاليات. وأهم اللقاءات الحالية تستضيفها دول الخليج العربي».
وأوضح يقطين أننا «حين نتحدث عن المثقفين في الوطن العربي، نعني بصورة واضحة أفرادًا من مختلف تلك الأقطار لهم مساهمات ثقافية. وهؤلاء يتدبرون شؤون تواصلهم وتفاعلهم عبر القراءة لبعضهم، أو تبادل الرسائل، أو حضور الملتقيات. لكن المؤسسات الثقافية غائبة في هذا المشهد. كان من الممكن أن تضطلع الاتحادات والروابط بدور كبير في هذا الواقع، لكنها وليدته أيضا. غياب المؤسسات الثقافية الحقيقية دال على تعثر التفاعل الثقافي العربي».



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.