مثقفون في المغرب يرصدون مدى التفاعل بين مثقفي المشرق والمغرب

أكدوا أن الجامعة العربية الحقيقية بين العرب هي الثقافة

نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن
نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن
TT

مثقفون في المغرب يرصدون مدى التفاعل بين مثقفي المشرق والمغرب

نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن
نجيب العوفي - عبد الرحيم العلام - سعيد يقطين - حسن نجمي - حسن المودن

بين الأمس واليوم، تحولات كثيرة همت الوضع الثقافي العربي، ومن خلالها قيمة التفاعل بين المثقفين، في المغرب والمشرق. وما بين زمن «الرسالة» و«الآداب» و«الأديب» و«الشعر»، وغيرها من المجلات التي مكنت العرب من التعرف على تجارب بعضهم البعض، خالقة تفاعلاً حقيقيًا بين المثقفين، وصولاً إلى زمن التواصل التكنولوجي، ترتفع أصوات، هنا أو هناك، لتقارن بين زمن مثمر بين المثقفين، من خلال مجلاته ومهرجاناته، وحاضر مأخوذ بسرعة التكنولوجيا و«جنون» العولمة، غارق في «الاستعراضات والبهرجة والوجاهات الاجتماعية».
لا شك أننا نعيش راهنًا ثقافيًا عربيًا مختلفًا عن سابقه، يعكس مستوى التحول الذي طال العقليات، بعد أن تراجعت هواجس وأحلام الماضي، على وقع المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية التي عرفها العالم، منذ تسعينيات القرن الماضي بشكل خاص. في المغرب لا يمكن لرصد حاضر الممارسة الثقافية، بين أطراف العالم العربي، خاصة على مستوى التفاعل والتواصل بين المثقفين، وبالتالي الحصيلة العامة للمنجز الثقافي، إلا أن ذلك يستحضر نقاشًا تواصل منذ عقود، بل منذ قرون، بصدد تفاعل المثقفين العرب فيما بينهم، تم اختصاره، بشكل خاص، في ثنائية «المشرق والمغرب» أو «المركز والهامش».
* العلام: تواصل المثقفين العرب شهد تطور كثيرًا
يقول عبد الرحيم، الناقد ورئيس اتحاد كتاب المغرب، إن سؤال التواصل والتفاعل بين المثقفين، في المشرق والمغرب العربيين: «سؤال قديم جدًا، لكنه ما فتئ يتجدد باستمرار، رغم أن تلك الشكوى القديمة من انقطاع التواصل، بين الطرفين، لم تعد قائمة بمثل حدتها الأولى، إذ كثر، في وقت سابق، وبشكل مبالغ فيه، عتاب المغاربة للمشارقة، لتجاهلهم لهم ولإنتاجهم الثقافي والأدبي والفني، بما هو عتاب يعكس، في أحد تجلياته، جانبا من أزمة الثقافة العربية، بشكل عام، في صورها ومكوناتها المختلفة». لكن، رغم ذلك، يضيف العلام، ففي اعتقادي، وحسب ما تكشف عنه تمظهرات التواصل الثقافي، اليوم، بين المشرق والمغرب، أن هذا السؤال، لم يعد يطرح بالحدة نفسها والأهمية السابقة، فالحوار والتواصل الثقافيان بين المثقفين والكتاب في المغرب والمشرق العربيين، ظلا قائمين ومفتوحين، بل يمكن القول إنهما قد تطورا بشكل لافت، في ضوء المتغيرات والتحولات المتسارعة التي يعرفها عالم اليوم، والتي أسهمت فيها الثورة التكنولوجية بنصيب كبير، دون أن نلغي الأخذ بعين الاعتبار، أيضًا، غياب التكافؤ الجغرافي بين أقطار المشرق العربي ومغربه، واختلاف طبيعة النسيج الاجتماعي، موازاة مع تبدد جانب كبير من تلك العوائق التقليدية والادعاءات الوهمية التي كانت تحول دون تحقيق حوار وتواصل مخصب بين الطرفين، في إطار مفهوم الوحدة عبر التعدد والتنوع. فما تعيشه مجتمعاتنا العربية اليوم، وهي تواجه أخطر ما يهدد كيانها، ألا وهو التطرف والإرهاب، أصبح يستلزم منا أن نوسع، بشكل أكبر، مجال حوارنا، حتى لا يبقى داخليا فقط، فالحرب اليوم، هي حرب ثقافية، بالأساس، ما يلزمنا، أكثر من أي وقت مضى، أن نعمل على توحيد المواقف، وتشكيل جبهات ثقافية، وتعميق حوارنا مع محيطنا ومع الآخر من حولنا، على أساس مبادئ التواصل والاستمرار والتعايش، بعيدًا عن أي قطيعة كأداء يرتضيها الفكر المتطرف. ومع ذلك، فقد كان الحوار مثمرًا بين المشارقة والمغاربة، بما يوازيه من نفي لأي قول بـ«القطيعة» و«الانفصال»، دون أن ننسى، هنا، ما تثيره قضية «مشرق ومغرب» لدى البعض من التباس وسوء فهم أحيانا. وكلنا، هنا، يتذكر ذلك الحوار المخصب والمثير بين المفكر محمد عابد الجابري والمفكر حسن حنفي، في موضوع «حوار المشرق والمغرب»، بما أعقبه من ردود ومناقشات أغنته، بما هو حوار يعكس صورة لقاء المشرق والمغرب في أبهى تجلياته، بمثل ما يعكس حلما دائما، لم يبدده لا الزمن ولا تغير السياسات والقناعات والحساسيات والآيديولوجيات، ما يدفعنا اليوم إلى تغيير نظرتنا إلى هذا المفهوم الضيق الذي يؤطر العلاقة بين المشرق والمغرب، لأجل تجاوزه».
* نجمي: لقاءاتنا الثقافية العربية هشة
من جهته، يرى حسن نجمي، الشاعر والروائي والرئيس السابق لاتحاد كتاب المغرب، أن «الثنائية القائمة بين المشرق والمغرب، على المستوى الثقافي والأدبي، أصبحت تتقادم تدريجيًا، ولم تعد تحظى بالأولوية التي كانت لها في الماضي على مستوى التواصل بين المبدعين والأدباء والفاعلين في الحقل الثقافي، وإن كانت لا تزال أكثر إلحاحًا على المستوى السياسي والدبلوماسي».
وقال نجمي إن «إشكالية التواصل بين مثقفي المشرق والمغرب كانت تلقي بظلالها في نقاشاتنا العربية - العربية، في مختلف المحافل والمؤتمرات الأدبية، فكنا دائما نجهر بمظلمتنا كمغاربيين، كلما أحسسنا بأن أشقاءنا العرب في المشرق يعاملون إنتاجاتنا كما لو كانت إبداعًا من درجة ثانية. كما شعرنا بأن هناك نوعا من (المركزية المشرقية)، كانت تظل كامنة خلف الخطابات والإشارات والتلميحات المختلفة. وبالتأكيد لا يزال قدر بسيط من ذلك، حتى اليوم، لدى عدد قليل من الأسماء المشرقية، ومن ذلك، مثلا، أن الشاعر عبد المعطي حجازي يبقى نموذجًا لافتًا للانتباه في هذا الاتجاه، خاصة في بعض حواراته التي ينتقص فيها من الشعرية المغاربية، لكن ذلك يتضاءل باستمرار أمام الوعي المتبصر لدى الأسماء الأدبية والفكرية المرجعية والمؤثرة في صياغة المشهد الثقافي والأدبي والإعلامي في مشرقنا العربي. وهناك عدد من العقلاء يدركون حجم التحولات الهائلة في الساحة الأدبية العربية في المغرب والجزائر وتونس بالخصوص، ويتفاعلون مع مختلف التجارب والأصوات والأجيال المختلفة، ويتبادلون الإشارات تلو الإشارات، ولهم شعور حقيقي بأن التجربة الأدبية العربية واحدة وموحدة، رغم الاختلافات والتباينات القائمة مقارنة مع المنجز الأدبي والمعرفي والفكري في العالم اليوم».
ولاحظ نجمي أن المثقفين المغاربة «أخذوا يضعون هذه الثنائية خلف ظهورهم ويعتبرونها جزءا من الماضي»، قبل أن يستدرك، قائلا: «ثمة إحساس ملموس بأن علينا أن نقود تجربتنا الأدبية في اتجاه أفقها الكوني».
ولاحظ نجمي أن «التفاعل بين المثقفين العرب أصبح، اليوم أوضح وأسرع والانتعاش أكبر، كما صار أكثر حيوية، واتسعت مساحته أكثر من أي وقت مضى، من جهة أن وسائل التفاعل صارت لحظية وسريعة»، مشيرًا إلى أن هذا «التفاعل لا يخلو من نقاط قوة ونقاط ضعف»، مشددًا على أن «التفاعل المستمر، الإيجابي، الخلاق والبناء يحتاج إلى إيقاع خاص وإلى استغراق زمني، على عكس ردود الفعل والتفاعلات المستعجلة التي يفرضها إيقاع (فيسبوك) ومختلف شبكات الاتصال العنكبوتية». وانتقد نجمي كثيرًا اللقاءات الثقافية التي يتم تنظيمها على صعيد العالم العربي، مشيرًا إلى أن «فيها كثيرًا من الهشاشة»، مرجعًا ذلك إلى المسؤولين عنها، والذين قال عنهم إنهم، غالبًا، ما يكونون إداريين، تجدهم يحرصون أكثر على تمثيلية أكبر عدد من الدول العربية أكثر من البحث في نوعية المشاركين، الشيء الذي ينعكس على قيمة الأسماء المشاركة والمحتوى العلمي والفكري الذي يتمخض عن هذه المواعيد الثقافية. واستغرب نجمي، في هذا الإطار، لعدم توجيه كثير من المظاهرات العربية، ذات التوجه المسرحي الدعوة للدكتور حسن المنيعي، أو التي يدور موضوعها حول القصة لأحمد بوزفور، أو الشعر لمحمد بنيس أو محمد بنطلحة، مثلا.
ورأى نجمي أن طرح سؤال «من يمثلنا في التظاهرات الثقافية؟» يبقى ضروريًا، لأنه يبرر، في أكثر الأحيان، تواضع المنتوج الذي تفرزه هذه التظاهرات وضعف التفاعل بين المثقفين، منتهيًا إلى أن «هناك خللاً تنظيميًا، بالأساس، مرده إلى أن من يشرفون على التظاهرات الثقافية العربية هم، في غالب الأحيان، إداريون لا معرفة لهم بالحقل الثقافي. وهذا شيء مؤسف».
* العوفي: عكاظات ثقافية
من جهته، يرى الناقد نجيب العوفي أن التفاعل بين مثقفي المغرب والمشرق «قديم وموصول امتدّت وتوثّقت عُراه على امتداد التاريخ، وما يزال»، وأن «وتائره قد تنامت وتضاعفت الآن، بحُكم إمكانات التواصل المتطورة ودخول الإنترنت على خطّ هذا التواصل، حيث أجهز على خرائط العالم».
وشدد العوفي على أن «المشرق كان حاضرًا باستمرار في الذّاكرة الثقافية المغربية ورافدًا أساسيا لها»، مشيرًا إلى أن «هذا الاحتفاء الحفي والبهي بالمشرق من طرف المغرب، كان يُقابل، للأسف، بصمت ولامبالاة المشرق تجاه المغرب، وفقًا لثُنائية المركز والهامش التي كانت سائدة آنئذ؛ إن لم نقلْ، إن المشرق كان ينظر من عل إلى المغرب، معتبرًا إياه ذيلاً وتكْملة، وكأنّه يستعيد تلك المقولة المأثورة للصاحب بن عبّاد (هذه بضاعتنا رُدّت إلينا)»، الشيء الذي «أشعر المثقفين المغاربة، يضيف العوفي، بالضّيم والتبخيس، ودفع أحد روّادهم الأوائل وهو عبد الله كنون إلى كتابة سِفْره الكبير - الشهير (النبوغ المغربي في الأدب العربي)». والآن، يضيف العوفي: «لعلّ الموازين قد تبدّلت أو عَرَاها بعضُ تبدّل وتحوّل، فأصبح الهامش بدوره مركزًا، وفقد المركز الثقافي المشرقي الأثيل، بعض دالته وسلطته. وتلك الأيام نُداولها بين الناس. وهكذا، أصبحنا نُعاين الآن نوعًا من (النّدّية) الثقافية بين المغرب والمشرق، وبخاصّة لدى الأجيال الجديدة والشابّة من المثقفين.
وفي العُقود الأخيرة، لم يعد التفاعل الثقافي المغربي - العربي محصورًا في دائرة حواضر المشرق التقليدية (القاهرة - بغداد - دمشق - بيروت)، بل امتدّ وتوَاشج مع الفضاء الخليجي، وبخاصة بعد الحَراك الثقافي – الدّؤوب الذي شهدته بعض الأقطار الخليجية.
وصِرْنا نلاحظ في المدة الأخيرة (هجرة) كثير من الأقلام المغربية صوْب المنابر والمطابع الخليجية والمشرقية.. وكأنّ البيت ضاق على أهله. ولعل ازدهار اللقاءات الثقافية بين المغرب والمشرق، في السنوات الأخيرة، قرينة أخرى على حيويّة هذا التفاعل ومتانة عُرَاه».
وتحدث العوفي عن مشاركاته في اللقاءات الثقافية العربية، فقال: «شخصيًّا، كان لي شرف المشاركة في أكثر من لقاء عربي، مشرقي وخليجي، وذلك منذ ثمانينات القرن الفارط إلى الآن. وكانت هذه اللقاءات بحقّ، عُكاظات ثقافية تنزع فيها العروبة عن قوس واحدة، وتغرّد بلسان واحد، وكأن لا فرق بين مغرب ومشرق، بما يؤكّد أن الجامعة العربية الحقيقية بين العرب، هي الثقافة».
* المودن: نحتاج خطابًا ثقافيًا جديدًا
من جهته، يفترض الناقد حسن المودن أن التفاعل بين مثقفي المشرق والمغربي «ينبغي أن يسير في اتجاه بلورة خطاب ثقافي جديد يستجيب للأسئلة والقضايا والتحديات التي تواجهها البلدان العربية، شرقًا وغربا، في الوقت الراهن». ويفترض المودن، في سبيل ذلك، «مهمتين كبريين مستعجلتين ينبغي للخطاب الثقافي أن يشتغل بهما، نظريًا وعمليًا»: المهمة الأول، تتلخص في «أن يعمل هذا الخطاب الثقافي على أن يَحلَّ التفكيرُ الحواري مَـحَــلَّ التفكير العَـقَـدِيِّ»؛ فيما تتلخص الثانية في «الاهتمام بالأسئلة العملية التي تطرحها مجتمعاتنا.
وهي أسئلة كثيرة ذات طابع إشكالي، تتطلب حلولاً عملية، ما يجعل الثقافة اليوم مسألة مستعجلة»، مشيرًا، في هذا السياق، إلى أن «الأمر يتعلق بأسئلة عملية لا يتدخل فيها الخطاب الثقافي بالشكل المطلوب، أي بالسهر على أن يتشكل حوارٌ موسَّعٌ بين جميع الأطراف المعنية، وأن يتمَّ إسماعُ كلِّ الأسئلة والأجوبة المحتملة، وأن يعمل على خلق شروط التحاجج والتفاهم بين الأطروحات المتعارضة من أجل الوصول إلى أفضل الحلول التي تُجنِّب بلداننا مصير تلك الصدامات العنيفة التي تكون عواقبها وخيمة».
* يقطين: غياب المؤسسات الثقافية الحقيقية
ويرى الناقد سعيد يقطين أن «التفاعل بين مثقفي المغرب والمشرق قائم أبدا. فالحوار عبر المواقع التواصلية مستمر، والمساهمات في بعض الندوات التي تقام هنا وهناك متواصلة. وتبادل النقاش، والتأليف المشترك، والشراكات بين بعض الجامعات العربية، ومواكبة ما يجري على الساحة العربية لا شك فيه. غير أن التفاعل الحقيقي الذي يمكن أن يوحد الرؤى، ويدفع إلى النقاش حول الواقع العربي الحالي غائب تماما».
يرى يقطين أننا «نعيش واقعًا مختلفا عن السابق. وليس هذا الواقع سوى امتداد لذلك الماضي»، مشيرًا إلى أنه «كان من الممكن أن يأخذ هذا التطور الذي يعرفه الوطن العربي حاليا صورة أخرى من التفاعل بين المثقفين للعمل على مواجهة التحديات التي يعرفها عالمنا»، معتبرا أن «التردي الذي يعرفه الوطن العربي، بعد وقائع ما يسمى بالربيع العربي، لم يعمل فقط على تغيير العلاقات بين الأقطار العربية، ولكنه عمل أيضا على إيجاد القطائع بين مثقفي المغرب والمشرق. كانت اللقاءات الثقافية في المنتديات والمؤتمرات العربية أهم قنوات التواصل والتعارف والحوار. لكن واقع الحرب العربية حال دون استمرار مثل هذه الفعاليات. وأهم اللقاءات الحالية تستضيفها دول الخليج العربي».
وأوضح يقطين أننا «حين نتحدث عن المثقفين في الوطن العربي، نعني بصورة واضحة أفرادًا من مختلف تلك الأقطار لهم مساهمات ثقافية. وهؤلاء يتدبرون شؤون تواصلهم وتفاعلهم عبر القراءة لبعضهم، أو تبادل الرسائل، أو حضور الملتقيات. لكن المؤسسات الثقافية غائبة في هذا المشهد. كان من الممكن أن تضطلع الاتحادات والروابط بدور كبير في هذا الواقع، لكنها وليدته أيضا. غياب المؤسسات الثقافية الحقيقية دال على تعثر التفاعل الثقافي العربي».



تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.