أحمد رحمي.. رحلة التحول من «مهرج» الفصل الدراسي إلى منفذ تفجيرات مانهاتن

مهاجر ناقم مشتت بين عالمين وعاجز عن أن يجد لنفسه مكانًا في أي منهما

أحمد رحمي منفذ تفجيرات مانهاتن (نيويورك تايمز) - محمد رحمي والد منفذ تفجيرات مانهاتن فشل في احتواء تطرف ابنه (نيويورك تايمز)
أحمد رحمي منفذ تفجيرات مانهاتن (نيويورك تايمز) - محمد رحمي والد منفذ تفجيرات مانهاتن فشل في احتواء تطرف ابنه (نيويورك تايمز)
TT

أحمد رحمي.. رحلة التحول من «مهرج» الفصل الدراسي إلى منفذ تفجيرات مانهاتن

أحمد رحمي منفذ تفجيرات مانهاتن (نيويورك تايمز) - محمد رحمي والد منفذ تفجيرات مانهاتن فشل في احتواء تطرف ابنه (نيويورك تايمز)
أحمد رحمي منفذ تفجيرات مانهاتن (نيويورك تايمز) - محمد رحمي والد منفذ تفجيرات مانهاتن فشل في احتواء تطرف ابنه (نيويورك تايمز)

إذا كان هناك طفل واحد كان يخشى محمد رحمي من أن يجلب العار على أسرته، فقد كان المشتبه به أحمد. عندما كان تلميذًا في الصف الخامس، اشتكى معلمه إلى والده السيد رحمي من أن أحمد يتصرف بشغب وتهريج داخل الفصل الدراسي. أما في المرحلة المتوسطة فكسر أحمد أنف صديق له. لكن الأسوأ من هذا جاء عندما كان في المدرسة الثانوية - بعد أن رتب السيد رحمي لزواجه من فتاة أفغانية طيبة من كابل، واعد أحمد فتاة دومينيكانية، وحملت منه في سنة التخرج من المدرسة».
ونشب بينهما كثير من المشاجرات. في البداية، لأن أحمد كان يتشبه بالسلوكيات الأميركية بشكل مبالغ فيه بالنسبة إلى أبوين محافظين من أفغانستان، وكانا قد انتقلا إلى نيوجيرسي بعد قتال السيد رحمي في أفغانستان ضد قوات الجيش السوفياتي ضمن قوات المجاهدين في الثمانينات من القرن الماضي.
وبعد ذلك، في السنوات القليلة الأخيرة، نشب بينهما شجار حول مخاوف أسوأ بكثير. كان المشتبه به أحمد يقضي ساعات في مشاهدة مقاطع الفيديو على الإنترنت، فتشبع بفكر التطرف العنيف، وبات مؤيدا لعدد من أبرز مروجي هذه الرسالة: بن لادن والعولقي وأبو محمد العدناني المتحدث باسم «داعش» الذي قتل الشهر الماضي، وهم الرجال الأغنياء عن ذكر أسمائهم الأولى في عالمنا هذا.
يتذكر الأب قوله لأحمد، أحد أبنائه الثمانية: «هذا خطأ. أنت لا تعرف ما إذا كان هؤلاء هم من يمثلون الإسلام الحقيقي. لا ينبغي عليك مشاهدتهم، وليس لك أي علاقة بهم».
لكن شيئا لم يوقف المشتبه به أحمد خان رحمي، 28 عاما، المتهم الآن بالضلوع في تفجيرات في نيويورك ونيوجيرسي، وسلسلة من المحاولات الأخرى ولا مناشدات السيد رحمي لثاني أكبر أبنائه بأن مثل هذا الإعجاب بفيديوهات المتشددين «مرض» ولا فتح مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» وحفظه للتحقيق في نشاطه خلال عام 2014.
وتتشابه قصة المشتبه به أحمد، من وجوه عدة، مع قصص مرتكبي الهجمات الإرهابية الأخرى الأخيرة في الولايات المتحدة وأوروبا: مهاجر ناقم من الجيل الأول، مشتت بين عالمين، وعاجز عن أن يجد لنفسه مكانا في أي منهما؛ شاب لم يكن قد وجد طريقا ذا معنى في الحياة، تم تجنيده بسهولة لصالح قضية تعد بالنعيم الإلهي. وهي تشبه بوجه خاص حياة جوهر تسارنايف، طالب المدرسة الشهير الراحل، الذي عوقب بالإعدام قبل بضع سنوات على تخرجه، لدوره في تفجيرات ماراثون مانهاتن في 2013.
لكن ثمة اختلافات دقيقة في قصة أحمد، تبين إلى أي مدى كان من الصعب بالنسبة إليه أن يجد لنفسه سبيلا في أميركا، بينما كان يحاول أن يخرج من دائرة أسرته المحافظة، وهو شيء، بدا أنه كان يسعى إليه بشدة في فترة من الفترات. لم يكن تمرده الأول موجها ضد الغرب. إنما كان ضد والده، الشخصية المحافظة، والرجل المتسلط الذي حاول إدارة أسرته كما كان يفعل في بلاده. ثم بعد ذلك، لاحقا، تخلى أحمد عن هذه المعركة لأجل معركة أخرى، وهي على ما يبدو محاولة التطرف على طريقته الخاصة، محتقرا البلد الذي رحب بأسرته كلاجئين».
في مخططه الأخير، بدا أحمد معزولا ومشوشا في بعض الأحيان. لم يكن هناك أي أخ يتولى توجيهه، كما كان في حالة السيد تسارنايف. ولم تكن هناك أي خلية إرهابية تساعده بصورة فعالة على ما يبدو. كذلك لم تكن هناك زوجة تعتنق التشدد، كما كانت حال الزوجين اللذين نفذا عملية إطلاق النار الجماعي في ديسمبر (كانون الأول) في سان بيرناردينو، بولاية كاليفورنيا، ولا جماعة سارعت بتبني الاعتداءات التي نفذها. لا «القاعدة»، ولا «داعش»، على الرغم من إشادة أحمد بشخصيات من كلتا الجماعتين في المفكرة التي وجدت بحوزته. أظهرت هذه المفكرة كذلك خوفه من أن يتم القبض عليه قبل إتمام مهمته، بحسب ما كشفت السلطات.
إذن ما الذي حول أحمد، مهرج الفصل الدراسي، والشاب الذي أراد في فترة ما أن يصبح ضابط شرطة أو مترجما مع الجيش الأميركي، إلى رجل متهم الآن بتدبير أخطر هجوم إرهابي في مدينة نيويورك منذ هجمات 11 سبتمبر؟ يبقى كثير من هذه الأسئلة من دون إجابة، لكن هنالك شيئا واحدا من خلال المقابلات التي أجريت مع والده وأصدقائه: لقد وجد التشدد على الإنترنت، في فترة من حياته، لم يكن فيها شيء شديد السوء، لكن لم يكن فيها شيء حلو كذلك.
كانت حياته متوقفة مكانها. حتى عندما كان هناك تقدم بالنسبة لأشقائه، الذين تخرج بعضهم من الجامعة، وعمل بعضهم الآخر سائقا في «أوبر»، كان حياة أحمد محلك سر. حاول أن يجد وظيفة وأخفق، وعاد في النهاية إلى الشيء الوحيد الذي يعرفه وكان يريد منه فكاكا: مطعم الدجاج المقلي الذي تديره الأسرة. تراكمت سنوات من الإهانات الصغيرة، وقضايا الأحداث التي تورط فيها. مرت حياة أحمد بمرحلتين أساسيتين قبل أن يبدأ مشاهدة الفيديوهات الجهادية في 2013 وبعدها، حيث صار أكثر تشددا. في سنوات مراهقته كان منغمسا في الروح الأميركية من حيث اختياره لملابسه وتحدثه بلغة عامية، ومواعدته لصديقات، بل وكتابته قصائد حب في مفكرته.
وعندئذ كانت رغبة السيد رحمي في إرسال أحمد إلى أفغانستان في محاولة لتقويم تفكيره، وكبح تجاوزاته، تبدو كتهديد، وعقاب، لا كبوابة إلى اعتناق قضية المتطرفين. لكن عندئذ جاءت الرحلة الأخيرة. في أبريل (نيسان) 2013. رحل أحمد ليقضي ما يقرب من العام في باكستان. ومن هناك ذهب إلى تركيا وأفغانستان، بحسب مسؤولين بالهجرة وإنفاذ القانون في باكستان والولايات المتحدة. وبحسب والده، بدأ أحد الأقارب في كويتا، باكستان، يعرب عن تخوفه من الطريق الذي يمضي إليه أحمد. وبحسب أحد الأقارب في أفغانستان، والذي طلب عدم ذكر اسمه تجنبا لغضب الأسرة، كان أحمد قد وقع تحت تأثير رجل دين متشدد في كويتا، يدعى الملا قودري. عاد أحمد إلى بيت الأسرة غاضبا وعنيفا. وبعد ذلك ببضعة شهور طعن والدته، وأحد أشقائه وإحدى شقيقاته. وبلغ الأب من القلق مبلغا أن تحدث إلى الإف بي آي. لكن في ذلك الوقت، ومع غلق التحقيق، حاول السيد رحمي أن يتصالح مع نجله.
* خدمة: «نيويورك تايمز»



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».