تركيا تعود رويدًا رويدًا إلى الانقسام والاستقطاب

كل فصيل في مربعه القديم.. والحكومة تريد البقاء على «التوافق» الناتج عن الانقلاب

رجال الشرطة التركية خلال مظاهرة ضد قانون إيقاف العاملين في الجهاز التعليمي بسببب الاتهام بالضلوع في الانقلاب الفاشل (أ.ف.ب)
رجال الشرطة التركية خلال مظاهرة ضد قانون إيقاف العاملين في الجهاز التعليمي بسببب الاتهام بالضلوع في الانقلاب الفاشل (أ.ف.ب)
TT

تركيا تعود رويدًا رويدًا إلى الانقسام والاستقطاب

رجال الشرطة التركية خلال مظاهرة ضد قانون إيقاف العاملين في الجهاز التعليمي بسببب الاتهام بالضلوع في الانقلاب الفاشل (أ.ف.ب)
رجال الشرطة التركية خلال مظاهرة ضد قانون إيقاف العاملين في الجهاز التعليمي بسببب الاتهام بالضلوع في الانقلاب الفاشل (أ.ف.ب)

بعد أكثر من شهرين إلا قليلاً على محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في منتصف يوليو (تموز) الماضي، تعود ملامح حالة الانقسام والاستقطاب لتفرض نفسها رويدًا رويدًا على أجواء السياسة والمجتمع التركي بوجه عام.
وبرزت على الساحة ملفات محددة زادت من التعقيد وأعادت المعارضة، ولا سيما حزب الشعب الجمهوري الذي يتزعمه كمال كليتشدار أوغلو، إلى قطع حالة التوافق التي ولدها مناخ الالتفاف حول الشرعية في البلاد، من أجل تأكيد كل فصيل أنه يلتزم بوقوف في مربعه القديم، وأن دعم الشرعية والدفاع عن الديمقراطية لا يعني قبول كل ما يصدر عن الحكومة في ظل حال الطوارئ التي أعلنت عقب الانقلاب.
الملف الأبرز، الذي بدا أنه لا يزال يحتفظ بحد معقول من التوافق بشأنه بين الحكومة والمعارضة هو حملة الاعتقالات والوقف عن العمل الموسعة التي طالت ما يقرب من 100 ألف موظف في مختلف مؤسسات الدولة، وتركزت أكثر في قطاع التعليم الذي كانت تنشط فيه بقوة، وتأثير حركة الخدمة التابعة للداعية فتح الله غولن، المتهم من جانب السلطات بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة.
وبعد انتقادات من كليتشدار أوغلو للتوسع في هذه الحملات، لاحظ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن هذه الحملات طالت بالفعل أشخاصًا ربما لا تكون لهم علاقة بما يجري، وأن الكثيرين بدأوا يخضعون لتصنيفات ظالمة، وأنه توصل من خلال متابعته أحيانًا لبعض البرامج التلفزيونية أن «الحابل اختلط بالنابل»، وأن هناك أناسًا يعتقدون أنهم سيسيرون الإجراءات التي تتخذها الدولة على هواهم. حزب الشعب الجمهوري شكل لجانًا في فروعه المختلفة لتلقي التظلمات من الاعتقالات والوقف عن العمل، وقالت مصادر في الحزب إن حصيلتها بلغت في أسبوع واحد 25 ألف تظلم، وقال رئيس الحزب كمال كليتشدار أوغلو، إن أحد العسكريين من ضباط الصف فصل من الخدمة لمجرد أنه أجرى حوالة مصرفية عن طريق «بنك آسيا» التابع لحركة الخدمة، الذي فرضت الدولة وصايتها عليه منذ عام 2014، بينما الرجل قام بإجراء الحوالة من هذا البنك بالذات لأن تكلفتها أقل، مشيرًا إلى أنه هناك ما لا يقل عن مليون مظلوم في الدائرة المحيطة بالمعتقلين والموقوفين عن العمل.
من جانبها، استشعرت الحكومة التركية أن حملات الاعتقالات والإقالات توسعت بشكل ربما لا يكون دقيقًا، وبادرت عقب تصريح الرئيس التركي الذي أدلى به في طريق عودته من الصين، حيث كان شارك في اجتماعات مجموعة العشرين أخيرًا، إلى تشكيل لجان داخل مجلس الوزراء وفي المحافظات لتلقي التظلمات من هذه الحملات.
أما الملفات الأخرى، التي تعد محورًا للتباينات، في الفترة التي ترغب فيها الحكومة وإردوغان، الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وقوة الدفع التي اكتسبتها بسبب محاولة الانقلاب، فتتركز في حالة الطوارئ نفسها، وكذلك في عدم الاتفاق على صيغة التعديلات الدستورية التي تعمل عليها لجنة برلمانية ثلاثية من أحزاب العدالة والتنمية الحاكم، والشعب الجمهوري والحركة القومية المعارضين، إلى جانب عملية درع الفرات التي تنفذها القوات التركية في شمال سوريا.
وفي محاولة لتقليص هذه التباينات، التقى رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، الخميس، كليتشدار أوغلو وبهشلي بمقر حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة، كلاً على حدة، حيث تم التركيز على محاولة التوافق على صيغة للتعديلات الدستورية التي كان مقررًا الإعلان عنها قبل عطلة عيد الأضحى، لكنها تأجلت بسبب تباينات في موقف الأحزاب حول التعديلات المقترحة.
وبحسب مصادر بمجلس الوزراء التركي، تمت مناقشة سير التحقيقات الخاصة بمحاولة الانقلاب الفاشلة، وعبر رئيس حزب الشعب الجمهوري عن قلقه من الأسلوب الذي تتم به حملات الاعتقالات والإقالات وفرض السرية على التحقيقات.
وأكد يلدريم خلال اللقاء أن «الحكومة تتبع سياسة دقيقة في هذا الصدد، ولتحقيق ذلك، شكَلت لجانًا داخل جميع المحافظات لتلقي وتقييم الشكاوى حول هذا الموضوع».
وتم الاتفاق خلال اللقاءين على ضرورة حل الخلافات بشأن التعديلات الدستورية، كما تم اطلاع زعيمي حزبي المعارضة على تطورات عملية درع الفرات في سوريا، التي أعلنا من قبل دعمهما لها، بالإضافة إلى تطورات مكافحة الإرهاب في تركيا. ويناقش البرلمان التركي حاليًا مذكرة مقدمة من الحكومة بشأن تمديد تخويلها الصلاحية اللازمة لإرسال قوات تركية إلى سوريا والعراق.
وفيما يتعلق بحالة الطوارئ المعلنة في البلاد، ناقش يلدريم الأمر مع كليتشدار أوغلو، حيث أعلن رئيس المجموعة البرلمانية للحزب، النائب ليفنت جوك، أن الحزب يدرس 8 مراسيم أصدرتها الحكومة بموجب حالة الطوارئ وستتقدم إلى المحكمة الدستورية بطلب لإلغاء ما تراه مخالفًا للدستور والقانون فيها، وأن هذه الشكاوى من المفروض أن تكون تقدمت أمس الجمعة.
وذكر جوك أنه حتى الآن أصدرت الحكومة ثمانية مراسيم، ناقش البرلمان المرسوم الأول الذي يحمل رقم 667 فقط قبل عطلة عيد الأضحى المبارك.
وأشار إلى أنهم سينقلون مواد المرسوم الأول المُختلف عليها إلى المحكمة الدستورية عقب الانتهاء من بحثها داخل البرلمان، قائلاً إن «المراسيم الصادرة ابتعدت تمامًا عن هدفها. فالحزب الحاكم يستغل حالة الطوارئ ويجري تعديلات مختلفة بعيدًا عن إطار حالة الطوارئ وهدفها ومدتها، مبتعدًا بهذا عن مبدأ دولة القانون. وتسبب هذا الأمر في كثير من حالات الظلم، إذ نتلقى يوميًا آلاف الشكاوى بهذا الصدد».
على صعيد آخر، تقدمت مجموعة محامين من أعضاء جمعية حقوقيي «بلاد الرافدين» وجمعية الحقوقيين الأحرار بطلب إلى الأمم المتحدة، بشأن فرض الحكومة التركية الوصاية على البلديات التابعة لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي بعد عزل رؤسائها.
وطالب المحامون، الأمم المتحدة، بالتحرك فورًا وتشكيل لجنة لمراقبة الوضع، كما أفادوا بأن السلطات التركية أعلنت حالة الطوارئ في البلاد في 20 يوليو الماضي، مؤكدين أن الطوارئ تقلص بشكل خطير الحقوق والحريات الأساسية لجميع المواطنين، وعلى رأسهم الأقليات الدينية والعرقية واللغوية.
وأشار الطلب إلى إصدار السلطات التركية ثمانية مراسيم عقب إعلان حالة الطوارئ تم بمقتضاها وقف فعاليات 1263 من مؤسسات المجتمع المدني، من بينها 1229 جمعية خيرية، و19 نقابة عمالية واتحادًا و15 وقفًا خيريًا، وإغلاق 1043 مؤسسة تعليمية خاصة، وفصل أكثر من 50 ألفًا من موظفي الحكومة.
وفرضت الحكومة التركية في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الحالي الحراسة القضائية على 28 بلدية، من بينها 24 بلدية تابعة لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي و3 لحزب الحركة القومية وواحدة لحزب العدالة والتنمية الحاكم بدعوى دعمها للإرهاب، مما أثار انتقادات شديدة.
وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قال في تصريحاته عقب فرض الوصاية على البلديات، التي اختير رؤساؤها بالانتخابات عام 2009، إن رؤساء البلديات «المنتخبين» من الممكن أن يُعزلوا من مناصبهم بكل تأكيد، وإن هذه الخطوة جاءت متأخرة.
وانتقد نائبا حزب الشعوب الديمقراطي الكردي؛ عبد الله زيدان ونهاد أكدوغان، فرض الوصاية على 24 بلدية تابعة للحزب من بين 28 بلدية اتهم رؤساؤها بدعم الإرهاب، إلى جانب حملات الاعتقال.
وقال أكدوغان: «اعتبارًا من 11 من سبتمبر الحالي تم تعيين شخص لا يعرفه الشعب ولا يرغبون في معرفته على بلدية سبق أن انتخب الشعب رئيسها، وذلك تحت اسم نقل البلديات إلى الإرادة الشعبية».
أما زيدان فانتقد حالة الطوارئ واعتبر أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يواصل انقلاب الخامس عشر من يوليو، وأن الحزب ينكر نفسه بنفسه من خلال هذه الإجراءات ويطلق الرصاص على قدميه، لأن سبب وجود العدالة والتنمية والظروف التي أظهرته هو كونه حركة سياسية تقاوم الوصاية العسكرية والبيروقراطية المنافية لإرادة الشعب، وتولى الحكم في تركيا بحصده دعم الشعب، بسبب ظلم تلك الوصاية وحصل على دعم قطاع من الشعب التركي بهذه الطريقة. واليوم يتجاهل إرادة الشعب بفرضه موظفًا حكوميًا على إرادة الشعب، وهو أكبر خطأ ارتكبه الحزب في حق نفسه.



تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...