استمرت الحملة العسكرية النظامية - الروسية على حلب، عاصمة الشمال السوري، لليوم الخامس على التوالي واستطاعت قوات النظام والجماعات المتحالفة معها السيطرة على مخيم حندرات في أول تقدّم برّي لها منذ بدء الهجوم على المدينة ومحيطها، محكمة بذلك المزيد من الحصار على الأحياء الشرقية لحلب في ظل قصف جوي مكثف بالقنابل والصواريخ. وتحت وطأة القصف العنيف متطوعو الدفاع المدني عاجزون عن التحرك، خصوصًا بعدما استهدفت الغارات صباحًا مركزين تابعين لهم، ولم يتبق لهم سوى سيارتين للإسعاف. لكن في وقت لاحق أعلنت المعارضة السورية استعادتها لمخيم حندرات، إذ قال الناطق باسم تجمع «فاستقم كما أمرت» عمار صقار لـ «الشرق الأوسط» إن النظام والميليشيات المتحالفة معه انسحبوا من المخيم.
ويوم أمس أعلن عن مقتل 25 مدنيًا على الأقل، وإصابة العشرات؛ نتيجة القصف على حلب ومحيطها فيما لا تزال جثث الكثير من الضحايا تحت أنقاض المنازل، وأدان «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية»، ما أسماها «الجريمة المجنونة التي يقودها نظام الأسد والاحتلال الروسي على حلب». وإذ استهجن أداء المجتمع الدولي، ناشد الدول الشقيقة والصديقة والهيئات المدنية والحقوقية إلى «التحرك لإنقاذ المدنيين والأطفال في سوريا»، محذرًا من أن «ما يحصل في حلب سيفتح الباب أمام مستقبل أسود وعميق للمنطقة والعالم بأسره».
وللعلم، تمثل السيطرة على مخيم حندرات، الواقع على بعد بضعة كيلومترات عن حلب، أول تقدم بري كبير للحكومة في الهجوم الذي أعلنته يوم الخميس. وبذلك يكون جيش النظام قد سيطر على مخيم اللاجئين الفلسطينيين الواقع على ربوة مرتفعة تشرف على أحد الطرق الرئيسية المؤدية لحلب، بعدما كان بقي المخيم في قبضة المعارضة لسنوات. وأقر مسؤول في إحدى جماعات المعارضة الرئيسية في حلب لوكالة «رويترز» خلال حوار معه بسقوط حندرات، وجاء في بيان لقوات النظام أكد تقدمه في المنطقة أن «أعدادًا كبيرة من الإرهابيين قتلوا».
من جهة أخرى، أعلن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن «غارات عنيفة شنها الطيران الروسي على مناطق عدة من حلب الشرقية، وبراميل متفجرة ألقتها مروحيات النظام السوري، على الأحياء السكنية». وأفاد بأن بين القتلى «سبعة أشخاص كانوا من القلائل الذين خرجوا لشراء المواد الغذائية، قضوا بينما كانوا ينتظرون دورهم أمام أحد المخازن لشراء حاجاتهم». وأوضح مدير «المرصد» رامي عبد الرحمن، أن «النظام يقصف بشدة أحياء حلب الشرقية، لأنه يريد إرغام سكانها على المغادرة واستعادة السيطرة على المنطقة».
ومع تصاعد وتيرة العنف غير المسبوق في حلب، رأى مصدر عسكري معارض أن «هدف القصف بالدرجة الأولى هو استكمال سياسة التهجير القسري، التي بدأها بالزبداني وداريا مرورًا بمعضمية الشام وحي الوعر بحمص وستمتد إلى حلب». واعتبر أن «الهدف منه إحداث التغيير الديمغرافي الذي يطمح له ورسم دولة سوريا المفيدة». وكشف المصدر لـ«الشرق الأوسط» عن معلومات تشير إلى أن المعارضة «تتحضّر لتنفيذ هجوم مضاد في الأيام القليلة المقبلة»، معتبرًا في الوقت عينه أن «معركة حلب طويلة ومفتوحة ولن تنتهي خلال وقت قصير، بل ستمتد إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية». وعن المدى الذي ستبلغه هذه المعركة، أكد المصدر العسكري، أن النظام «يحاول اقتحام المدينة، لكنه لن يتمكن من ذلك؛ لأن المعارضة لديها قدرة على صدّ الهجمات». وأردف: «ما قام به النظام في هجومه الأخير على حلب يشبه الهجوم الذي نفذه «جيش الفتح» قبل أكثر من شهر، واستطاع بنتيجته تحرير الكليات المدفعية والعسكرية، إضافة إلى طريق الراموسة، قبل أن يستعيدها النظام مجددًا».
وفي سياق الوضع الميداني أيضًا، بات متطوعو «الخوذ البيضاء»، الدفاع المدني في حلب الشرقية، مع كثافة الغارات عاجزين عن التحرك، خصوصًا بعدما استهدفت الغارات صباحًا مركزين تابعين لهم، ولم يتبق لهم سوى سيارتين للإسعاف. وتجد سيارات الإسعاف صعوبة في التحرك بسبب نقص المحروقات والركام المتناثر على الأرض الذي فصل الأحياء عن بعضها وجعل بعض الطرق غير سالكة.كما ذكر مسؤولون في المعارضة السورية، أن الضربات الجوية المكثفة أمس السبت أصابت أربع مناطق على الأقل في شرق المدينة، حيث يقيم أكثر من 250 ألف نسمة. وشرحت أن «معظم الضربات كانت من تنفيذ طائرات روسية»، بينما قال مسؤول كبير في «الجبهة الشامية» المعارضة ومقرها حلب، في تصريحات لـ«رويترز» إن النظام «يستخدم أسلحة تهدف فيما يبدو لتدمير المباني»، مشيرًا إلى أن «معظم الضحايا تبقى تحت الأنقاض بسبب خروج أكثر من نصف الدفاع المدني عن الخدمة».
وفي جنوبي المدينة، دارت اشتباكات عنيفة بين القوات النظامية والفصائل المقاتلة في المنطقة المحيطة بحيي العامرية والشيخ سعيد. وأفادت مصادر إعلامية مقربة من المعارضة أمس السبت، عن «مقتل 20 عنصرًا من قوات النظام والمسلحين الموالين لها، وإصابة نحو 15 آخرين خلال اشتباكات في منطقة 1070 شقة غرب مدينة حلب». وقالت المصادر لوكالة الأنباء الألمانية إن «قوات النظام حاولت التقدم والسيطرة على مشروع الـ1070 شقة، بالتوازي مع سيطرتهم على مخيم حندرات، لكن مسلحي المعارضة تمكنوا من التصدي للهجوم وتكبيدهم خسائر جسيمة»، وأن «سبعة من مقاتلي المعارضة أصيبوا بينهم ثلاثة بحالات حرجة».
على صعيد ثانٍ، أدان «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» ما وصفها بـ«الجريمة المجنونة» التي «يقودها نظام الأسد والاحتلال الروسي على مدينة حلب»، منتقدًا أداء المجتمع الدولي، وداعيًا جميع الهيئات المدنية والحقوقية ومنظمات المجتمع المدني والنشطاء في كل البلاد إلى «التحرك لإنقاذ المدنيين والأطفال في سوريا».
وقال «الائتلاف» في بيان له إن «نظام الأسد والاحتلال الروسي ينفذان حملة إجرامية من القصف الجوي المسعور، مستهدفًا الأحياء السكنية المحاصرة لمدينة حلب، في مشهد كارثي مأساوي، حيث تنقل الصور القادمة من هناك إلى مختلف أنحاء العالم الصامت واقعًا لا يمكن وصفه بالكلمات»، معتبرًا أن «هذه الحملة الإجرامية تهدف لتصفية حسابات دولية على حساب دماء السوريين، مستهدفة الأطفال والنساء، بأسلحة روسية تستخدم لأول مرة، وتُلقى فوق البيوت والمدارس والمساجد والكنائس والمشافي». وأضاف «الائتلاف» أن «المجتمع الدولي يستمر في سلوك لا مسؤول، حيث يشاهد جريمة حرب ترتكب في وضح النهار، ويتم خلالها انتهاك سافر يستحق الإدانة والاستحقار»، معتبرًا أن المجتمع الدولي «يتعايش مع تلك الجريمة ويديرها ويستفيد منها، متغافلاً عن حقيقة مفادها أن النتائج الحتمية لهذا التعايش المشين لن تقتصر على العار وفضح المتواطئين والساكتين، كما لن تقف حدود ردود الفعل تجاهها على دفع البعض نحو المزيد من التطرف، بل ستفتح الباب أمام مستقبل أسود وعميق للمنطقة والعالم بأسره». وناشد «حكومات الدول الشقيقة والصديقة» بأن «تتحمل مسؤولياتها بعد أن ثبت للقاصي والداني أن المنظمة الدولية، بشهادة أعضائها ومدرائها ورؤسائها، تحولت إلى عقبة أمام تحقيق السلام والأمن». كما طالب «الائتلاف» حكومات «الدول الصديقة» بـ«اتخاذ إجراءات عاجلة توقف هذه الهجمة المجنونة، وتنقذ من بقي على قيد الحياة في حلب وسائر أنحاء سوريا». ودعا الهيئات المدنية والحقوقية ومنظمات المجتمع المدني والنشطاء، إلى «التحرك لإنقاذ المدنيين والأطفال في سوريا من هذا الجنون المسلط عليهم منذ قرابة ست سنوات، والعمل على دعم مطالبهم بالسلام والحرية والديمقراطية بكل الوسائل».
قوات النظام تخسر مخيم حندرات.. وتمطر أحياء حلب بالصواريخ
الجثث تحت الأنقاض والدفاع المدني عاجز عن التحرك... والائتلاف يحذّر من مستقبل أسود للمنطقة
طفل سوري يتلقى العلاج في أحد مستشفيات حلب بعد إصابته في قصف جوي (أ.ف.ب)
قوات النظام تخسر مخيم حندرات.. وتمطر أحياء حلب بالصواريخ
طفل سوري يتلقى العلاج في أحد مستشفيات حلب بعد إصابته في قصف جوي (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة










