«ألف داحس وليلة غبراء» مرثية براءة في زمن القذافي

الفيتوري.. حطّابا في غابات ليبيا ومتاهاتها

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«ألف داحس وليلة غبراء» مرثية براءة في زمن القذافي

غلاف الرواية
غلاف الرواية

«حلمت أن أبي مات.. في ساحة السجن، بعد سنوات عشر قضيتها فيه، عند لحظة إطلاق سراحي أخبرني أخي أن أبي قد مات». بهذه المرثية الصامتة الموجعة، يبدأ أحمد الفيتوري روايته «ألف داحس وليلة غبراء»، لكن هذا الحلم للبطل السجين ظل بمثابة صرخة تترنح أصداؤها في أجواء الرواية، مقلّبة وقائعها ومفارقاتها تارة بين الموت كحقيقة مباغتة في قبضة واقع يشبه المجهول، وتارة أخرى بين الحرية كفعل هش في قبضة حلم مخاتل دائما.
عشر سنوات قضاها بطل الرواية، الكاتب نفسه في السجن محكوما عليه بالبراءة، في قسم يحمل المعنى نفسه «قسم المحكوم عليهم بالبراءة»، وفي لحظة تلمسه شمس الحرية يصطدم بموت تاريخه الشخصي، متجسدا في رحيل والده حلقة الوصل الدفيء الحنون بين فواصل حياته، وعقدها الزمنية المتشابكة، تحت سقف وطن تحول إلى غابة من الخوف والتربص.
تتكون الرواية من ثلاث روايات صغيرة، هي بمثابة ثلاث كتل نصية تربط بينها رمزية الغابة (غابة الأشجار الميتة - غابة القضبان الحية – غابة الرءوس المقطوعة)، بينما يظل خيط درامي شفيف، في حالة شد وجذب طيلة صفحات الرواية المائتين والخمسين، يتكثف في العيش تحت ظل براءة مغتالة، صارت تهمة من لا تهمة له.
يفتح موت الأب الرواية على تخوم الماضي والحاضر معا، وعبر فصولها الثلاثة تتكشف أقنعة فترة حكم القذافي لليبيا والتي امتدت لأربعين عاما، تحولت فيها البلاد إلى ما يشيه المتاهة واللغز تحت شعارات سياسية واجتماعية قشرية مخادعة هي في جوهرها غطاء لقمعية النظام ومحاولة تأبيده في السلطة. ومن أبرز الأقنعة التي تكشف عنها الرواية في طوايا فصولها، المكان الذي أخفي فيه الزعيم الشيعي المعروف موسى الصدر، والذي اختفى في أثناء زيارة رسمية له إلى ليبيا، وكذلك المعارض الليبي منصور الكيخيا الذي اختطف في القاهرة بعد أن حضر من أميركا للمشاركة في مؤتمر عن حقوق الإنسان بصفته كحقوقي.
كما تكشف الرواية عن تفاصيل حروب القذافي في الداخل والخارج لتصفية خصومه، وتتناول خرافة حكاية حصان مدينة بنغازي الجامح الذي أرق القذافي في وكر حكمه الحصين بباب العزيزية بالعاصمة طرابلس، وعششت الحكاية الهلامية في مخيلته ككابوس ورمز ارتبط بمدينة ظلت شوكة في حلقه، فتم تهميشها، حتى انفجرت منها ثورة 17 فبراير 2011 التي أطاحت بحكمه، ولقي مصرعه في غبارها على يد «الثوار».
تسيطر ثلاثة مفاتيح رئيسية على فضاء الرواية هي: المخبز، المعتقل، اللجان الثورية، ويشكل كل مفتاح كتلة نصية، ينوع من خلالها الفيتوري مساقط السرد وأزمنته ومناخاته ومقوماته فنيا ولغويا، موليا شغفا خاصا بروح البيئة وبداهتها وحكمتها التي اكتسبها عبر تراكم الخبرات في عباءة التاريخ والزمن. تعكس لغة الرواية كل هذا في بساطة سردية سلسة، فيما يبدو زمنها مفتوحا على البدايات والنهايات، متواكبا مع عمر البطل نفسه، ولحظة مخاض وضعت المجتمع على عتبة تحول فاصلة نحو المستقبل مع بداية ظهور النفط في البلاد.
تشكل بنغازي لحم الرواية وذاكرتها، فهي مسقط رأس الكاتب (البطل)، وهي صرة الحكايات، تبدأ منها وتفترق، ثم تعود إليها، وكأنها نقطة ميزان الصراع ومصفاته ومجمرته في الوقت نفسه. إنها المدينة التي جعلها الكاتب نفسه بمثابة أسطورة خاصة في كتابه المهم «سيرة بنغازي»، وعرف ترابها خطى الشهداء وأقدام المحاربين العظماء.
في شوارع بنغازي وحاراتها وبحرها وغاباتها ومقابرها وصراعات أهلها البسطاء مع الحياة، ولقمة العيش تدور أحداث الرواية الأولى «غابة الأشجار الميتة»، ويتصدر المشهد «المخبز» وصورة الأب «الرايس» الخباز، صاحبه: «فارع القامة، وببشرته النبيذية وطوله كما جن النار يقف عند الفرن، مصارع متوثب، حتى لا تأخذه غفلة فيحصد جنون النار ما زرع».. الأب الذي تشرب مهنة الخبيز من معلمه الإيطالي، يعرف حكمة النار، ويعرف أيضا أن «الخباز الجيد عليه أن يتعلم الطبخ، فكل ما علاقة له بالبطن يحتاج لبعضه». إنه لاعب النار، يعرف كيف يهدهدها، حين تنضج أرغفة الخبز كما يحب ويشتهي، وقته موزع ما بين المخبز والنار وامرأتين رهن طاعته وحزمة من الأطفال الصغار. لكنه مع ذلك ممتلئ شهوانية بالحياة، يعرف كيف يستحلبها ويلهو بها إلى أقصى درجات النزق واللذة؛ يصفه الكاتب السارد في عبارة موجزة قائلا: «جعل من النار زوجة طيعة ومن الليل النادل».
يعكس المخبز صورة مصغرة لحياة المدينة، ففيه تتضافر مجموعة من الحرف تكمل بعضها بعضا، بداية من جالب وقود الفرن، من غابة الحطب الناشف، والعجان والخباز والكريك (آلة تسحب بها أرغفة الخبز من الفرن بعد أن تستوي)، ثم موزع الخبز، كما أن ما يحدث في المخبز سر، من العيب أن يطلع عليه أحد خارجه.
في هذا الجو ينبسط السرد أفقيا في فضاء المشهد، من خلال عين طفلة، هي عين البطل في خطواتها الأولى الغضة على عتبة المدرسة والحياة، لكن بعد موت الكريك، ومقتل الحصايني، صاحب أسطبل الخيول، حيث وجد مربوطا على ظهر حصانه في السوق، وفي رقبته علق السكين الذي ذبح به، كما قطع قضيب الحصان ودس في فم القتيل. لم يعثر البوليس على الجاني، لكن سرعان ما تناثر المشهد في لطشات سردية لاهثة، وتحولت حكاية الحصان بخيطها البوليسي إلى خرافة تتسع وتتنوع مشاهدها كل يوم على ألسنة الناس، فمنهم من شاهده بالليل يركض في الشوارع والساحات مجتاحا كل شيء، ومنهم من شاهده يضرب أسطح البيوت بحوافره الحادة، محاولا التخلص من فارس يمتطيه، ممسكا سوطا ذهبيا في يده، ومنهم من شاهده عند الشاطئ يصارع أمواج البحر.
يحاول الراوي الطفل مساعدة «الرايس» والده، ويتقن مهنة الكريك، لكن أحوال المخبز تسوء، بعد أن شح وقود الحطب، وتحول الكثير من المخابز إلى الاعتماد على الغاز، على نمط المخابز الآلية الإيطالية، وشيوع البطالة بين الشباب اللاهث للعمل بحقول معسكرات النفط.
في المعتقل الذي تدور حوله الرواية الثانية «غابة القضبان الحية»، يضعنا الراوي السجين على ذمة البراءة أمام واقع عبثي، يصعب تفكيكه، والوصول لأهدافه وغاياته، حيث تطالعنا كائنات مهمشة لمجموعة ضخمة من البشر تتسع كل يوم، تقبع ككتلة صماء بين جدران وقضبان حديدية صلدة، سجناء سياسيين، خدعتهم إغراءات الحياة وشعارات كاذبة لنظام فاسد، ليكتشفوا أنهم لم يعيشوا سوى الموت، خارج وداخل السجن.. ومع ذلك يتشبثون بإرادة الحياة والأمل في لحظة حرية.
ينعكس هذا الأمل على مناخ السجن، والذي يتحول إلى كتاب مفتوح، يخط كل سجين فيه صفحته الخاصة، كما ينعكس على حركة السرد في الرواية، فيأخذ سمتا توثيقيا، للأشياء على عبلها وفطرتها كما تحدث في السجن، وينسج الكاتب الراوي من خلال ضمير الأنا الساردة شبكة متعددة الثقوب، يطل منها على ذاته الضامرة الذابلة، وعلى الذوات الأخرى للسجناء، ململما قصصهم وحكاياتهم، كأغنية حزينة، أصبحت مجهولة النسب والهوية، وسط شلال من الزيف والكذب والخنوع يضرب الوطن في مقتل.
في السجن لا أحد يجاهر بالحقيقة، فهي مهتزة ومشوشة دائما، لا يعرفها، ولا يمتلكها، وعليه أن يستلهمها من نظريات الديكتاتور الحاكم. لكن في المسافة بين قسم البراءة بالسجن الجماعي حينا وحينا آخر في الزنزانة الانفرادية، يتناثر ظل هذه الحقيقة داميا موجعا، وبحسرة قاتلة يتأمل البطل فواجع تلك الحقيقة في ملامح وجوه وحيوات كثيرة تتشابك مع حياته ومصيره، مثل الجندي الألماني والمهندس الإيطالي وأمير جماعة التحرير الإسلامي ودي دمبا زعيم حركة تحرير أفريقية ورجال مخابرات لعبوا أدوارا مهمة لتنفيذ مخططات النظام ثم أصبحوا أوراقا محروقة في نظره، وجنود وعمال وكتاب وشعراء وصحافيين وبشر عاديين، من مصر وتونس وفلسطين وجنسيات أخرى.
وفي ظل كوابيس ثلاثة سجون تنقل بينها ينقسم الراوي على ذاته، فيتوهم أنه سرق روايته من راو آخر، يحمل اسمه نفسه كان رفيقه بالسجن، بل يخترع شخصية يسميها «كاتب الرواية» يستعين بها أحيانا كظله الهارب.. تكسر هذه الحيلة السردية من أحادية السرد وتنوع مساربه، ليعيد البطل استنطاق واستحضار الحكايات والأشياء كما تتراءى على مرآته وفي نفسه كذكريات سجين سياسي.. يشير الكاتب السارد إلى هذه الحيلة في بداية الرواية قائلا: «ليس مثل أن تزج في الزنازين وأنت بريء مثل أن تكون السجين الذي لم يتهم بأي جرم في الأساس».
وفي ذات السجن التقى الراوي من جعله يكتب رواية «غابة الأشجار الميتة» لكن إلى الساعة لم يعترف لأحد حتى لنفسه بأنه لم يكتبها بل سرقها، كثيرا ما يخيل إليه أنه كاتب الرواية، وليس كما يجوس في نفسه أنه سارقها.
في الجزء الثالث «غابة الرؤوس المقطوعة» تصل الرواية إلى ذروة أقنعة القذافي العبثية، فبعد خروج البطل الراوي من السجن ومكابدته العيش في حي ومدينة يرزحان تحت العنف والرعب ومطاردات اللجان الثورية، يخطف في ظروف غامضة وينقل إلى مكان مجهول لا يعلمه أحد، بل يقام له سرادق عزاء بعد اليأس من محاولات العثور عليه. لكنه يجد نفسه في جنة بلا أبواب ولا نوافذ، ويقدم له يوميا ثلاث وجبات منتظمة من ألذ وأشهى الطعام، بالغرفة مكتبة بها أحدث المؤلفات من روايات وكتب وأفلام سينمائية وشرائط موسيقى. حين طلب استخدام دورة المياه ليقضي حاجته ينفتح له باب، مطلا على حديقة غناء بها دورة مياه فخيمة.. «كنت أقضي الوقت كله كما في حكايات من ألف ليلة وليلة، ففي الصباح أفيق مبكرا لأمارس الرياضة وأتمشى في حديقة الدار، ثم أستحم وأدخل للإفطار وبعده أقرأ ما تيسر من كتب».
بعد استمالته النادل العجوز المكلف بخدمته، يكتشف أنه في وكر القذافي بباب العزيزية.. وشيئا فشيئا تنفك خيوط المكان، حيث يعرف أن جاره «الشبح الأسود» هو الإمام الشيعي موسى الصدر بعباءته المعروفة، وأن المناضل الحقوقي المعارض المختفي منصور الكيخيا يقبع بالوكر ويعاني من مرض السكري، وصحته في حالة خطرة.. وهو المرض نفسه الذي أصاب البطل في السجن، كما يشاهد القذافي وأذنابه ومدير مخابراته وحفلات اللهو والعربدة والسحر والشعوذة التي يعج بها الوكر ليلا.
تنشد خيوط السرد ببطء وثقل في منولوجات داخلية موجعة، وكأن الذات تطفو في منطقة من انعدام الجاذبية، يتساوى فيها الوعي واللاوعي، ويصبحان شيئا مبهما معلقا في سقف العدم. لكن بعد فترة يؤخذ الراوي في مكان آخر ويجلس على كرسي وثير، معصوب العينين، ثم تأتي لحظة إطلاق سراحه على يد القذافي.. يصف الراوي الكاتب هذا المشهد في آخر الرواية على هذا النحو: «لقد طلبته لساعات فيحجز هذا الوقت كله، وستقول لي إنك تخاف أن تذكرني. اذهب عني.. لا حول الله. وامتدت يده لتنزع غطاء عيني لم أر شيئا، ضوء الشمس كما غطاء بديل.. لقد استعنت بالسحرة الأفارقة وضاربات الودع، رميت النرد فحط على اسمك.. ما أربكني وكادت قواي تخور: قل ما الحصان الذي في بنغازي؟».
وهكذا تضعنا هذه الرواية الخصبة أمام حالة من حالات العود الأبدي، ليس بمفهوم نيتشه الفلسفي، وإنما بعبثية القذافي، التي لم تزل أقنعته تكبل الواقع الليبي في بحثه عن نقط ضوء لمستقبل يصنع حياة مستقرة.



الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي
TT

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل على يد الإمبراطور الأخميني، قورش الكبير، عام 539 ق.م. حتى الفتح العربي - الإسلامي عام 637؟

أسأل الأستاذ فيليب: هل هناك صورة واضحة عن التنوع الإثني للعراق خلال تلك الفترة الممتدة لأكثر من ألف سنة، عدا عن كون اللغة التي سادت آنذاك هي الآرامية؟

يجيب: «أنا مهتم جداً بمعرفة الهوية الإثنية أو الدينية في ذلك الوقت، وهذا لأن الحكام الساسانيين أو المسلمين الذين أعقبوهم، لم يكونوا مهتمين بذلك الجانب».

على ضوء ذلك، يرى وود أن الدولة العراقية الحديثة (خصوصاً خلال حكم صدام حسين) كان لديها حرص على اعتبار أن العراقيين كانوا جميعاً عرباً، وهذا مخالف للواقع. «على سبيل المثال، أنت تجد أهل الحلة يتكلمون العربية القريبة للجماعات البدوية، ولكن ذلك لا ينطبق على سائر العراق، فكما تعلم أن العربية العراقية هي نفسها متنوعة داخلياً، فالعربية التي يتكلمها المسيحيون واليهود في بغداد خلال الخمسينات من القرن الماضي، كانت أقرب إلى العربية السائدة في الموصل منها إلى العربية التي يتكلم بها البغداديون المسلمون... لذلك فإن العراق كما أرى، كان متعدد الإثنيات والديانات بشكل يجعل من الصعب اليوم استكشافه... هناك بعض منها له أصواته، بينما ربما مجموعات دينية محلية كثيرة أصبحت منقرضة، بحيث أصبحت غير سهلة علينا الكتابة عنها».

ولعل الحالة مماثلة، أو أكثر قليلاً، مع اللغة الآرامية السائدة في العراق عشية الفتح العربي - الإسلامي.

تعلم اللغات المحلية

يجرنا الحديث إلى مشوار تعلمه اللغة العربية. أسأله: ما الذي دفعك إلى تعلم لغة معقدة كلغتنا؟ فكأن السؤال أثار ذكريات محببة إلى نفسه قضاها في دمشق.

خلال فترة الزمالة الدراسية التي حصل عليها لما يعرف بـ«ما بعد الدكتوراه»، تبلورت في نفسه قناعة بأنه سيحتاج إلى تعلم العربية جنباً إلى جنب مع السريانية (التي هي واحدة من لهجات اللغة الآرامية)، وإذا كان فيليب قد تعلم قسطاً مهماً من الأخيرة خلال سنوات دراسته للدكتوراه، فإنه شعر وهو يشاهد المصادر الكثيرة المترجمة عن العربية في مكتبة الكلية التي انتسب إليها خلال تلك الفترة الواقعة بين عامي 2010 و2012، بضرورة تعلم هذه اللغة، فقد أدرك أن كثيراً من الدراسات المعنية بالإرث المكتوب بالسريانية، يهمل الدراسات السياسية والثقافية الأوسع. وقد شعر فيليب وود بأن السريانية تكون مفهومة أكثر عند تحاورها مع لغة أخرى: السريانية مع الإغريقية أو السريانية مع العربية.

لذلك لم يكن أمامه خيار سوى العثور على مدرس خاص يبدأ معه أولى الخطوات: «كان بروفسوراً متقدماً كثيراً في السن، وراغباً في تعليمي قواعد العربية من دون قاموس... كان مسرفاً في التدخين، وهو مهتم فقط بالفلسفة لكنه كان لطيفاً جداً معي».

في دمشق سجل فيليب بمعهد يقع في منطقة المزة، خاص بتعليم العربية لغير الناطقين بها، لكنه كان محظوظاً بعثوره على مدرس فلسطيني. «كان شخصاً عظيماً ومدهشاً ورائعاً»، يردد مبتسماً: «قال إنه لن يعلمني الفصحى فقط؛ بل هو طلب مني أن أبدأ بالكتابة بالعربية، طلب أن أكتب عن أي موضوع أريده، لذلك كتبت شيئاً عن السياسة المعاصرة، أو اكتشاف أميركا أو عن فيلم بريطاني... كانت طريقته أن يصحح لي أسلوبي، ويجعلني أقرأ بصوت عالٍ من كتاب، ثم نبدأ بالجدال حول موضوع ما. كنت أقدم عرضاً ما فيهاجم وجهة نظري ويدفعني كي أدافع عنها... كان يدخن باستمرار... وكان عليّ دائماً أن أزيل الرماد من أوراقي».

في مساء كل خميس، كان مدرس فيليب ينظم حفلات؛ فهو عضو في تنظيم يساري، فيلتقي خلاله برفاقه الشباب. «بعد العمل، كان يطبخ، وكنت أساعده في إعداد العشاء... كان وقتاً ممتعاً جداً... درّسني العربية مدة ستة أشهر في دمشق، وكنت هناك من وقت إلى آخر».

الموسوعي أدّاي شير

أسأل: «هل يمكنك إضاءة ما دار في مدينة سِعِرْت التي ذكرها عدد من المؤرخين المسلمين؛ مثل ياقوت الحموي والمقدسي وابن الأثير، باسم آخر هو (سِعِرْد)؟».

«هي مدينة تقع في شرق أناضوليا، ومكتشف الحولية (التي كانت موضوع كتابي الثاني) رجل اسمه أدّاي شير الذي كان رئيس الأساقفة في سِعِرْت، وهو الذي نقّحها وترجمها للفرنسية، وقد أُرسلت لحسن الحظ إلى الموصل قبل مقتله خلال الإبادة الجماعية التي ارتكبت عام 1915 على يد جماعات غير نظامية من الأتراك والكرد».

«كان من المفترض أن المكتبة أخفيت في بئر داخل منشفة»، يقول فيليب، «لكن لم يتم العثور عليها... وكان شير قد وضع فهرساً لهذه المخطوطات، قبل تدميرها. وهذا الفهرس يضم ملاحظات عديدة عن تلك النفائس غير القابلة للتعويض».

«كان شير فصيحاً في العربية والفرنسية والسريانية والتركية. لهذا السبب كان ذلك عالمه. لذلك أكملت - مع صديق هو مايل بونر - ترجمة مخطوطة الفهرست والهوامش التي كتبها والتعليق عليها، وستتولى دار النشر (كرومات) إصدارها بالإنجليزية».

كأن هذا الحوار الطويل مع البروفسور فيليب وود أثار في مخيلتي صورة العراق في تلك الحقبة الفارسية - الإغريقية: نخب صغيرة متفرقة في أماكن عديدة، وتيارات دينية متعددة، ولهجات مختلفة للغة نفسها: الآرامية؛ هناك الآرامية المندائية، والآرامية السريانية، والآرامية البابلية التي كان اليهود يتحدثون بها، والآرامية المانوية. من بين الحركات الدينية الكبرى التي ظهرت خلال تلك الحقبة كانت المانوية في القرن الثالث الميلادي، كما يقول وود، وهذا يتوافق مع ما جاء في رواية أمين معلوف «حدائق النور» المكرسة لحياة ماني.

استخدم ماني اللغة الآرامية في تأليف ما عُرف بـ«التراتيل المانوية» التي قال عنها فيليب «إنها آسرة».

علق محاوري على اللهجات المختلفة للآرامية، مستنداً إلى سليمان البصري مطران مدينة البصرة في القرن الثالث عشر، الذي قال إن هناك 12 لهجة آرامية تمتد ما بين سيناء والبصرة، لكن قد تكون اللهجات التي يتحدث بها الناس في الهلال الخصيب أكبر بكثير من هذا الرقم.

وأشار فيليب وود إلى أن «اللغة الآرامية المسيحية لغة مناسبة متطورة، وهي بمثابة الفصحى بالنسبة للناس الذين يتحدثون بلغة أخرى في الحياة اليومية، وهذه العملية حدثت أيضاً للمندائية حين أصبحت اللهجات الآرامية (آرامية مندائية). والشيء نفسه مع الآرامية المانوية، ولغات غيرها كان لها تاريخ باعتبارها لغات محلية، ثم أصبحت تُعرَّف بدين محدَّد، وبذلك أصبحت صيغاً معيارية مرتبطة بجماعات دينية».

مكان تدوين حولية سِعِرْت

أسأل فيليب عن مكان تدوين الوقائع التي تضمنتها هذه الحولية بالذات. «كثير مما حدث وكُتب عنه في الحولية، كان في طيسفون (المدائن)». يجيبني البروفسور وود: «كذلك هناك كثير من النشاطات جرى على نهر دجلة. كثير من الوصف لأديرة تقع في شمال العراق، وأماكن أخرى. وأديرة كثيرة من المذكورة لا يمكننا تحديد مواقعها... طبعاً سيكون أمراً رائعاً لو كانت هناك خريطة جميلة مع أسهم ونقاط صغيرة ودقيقة أستطيع أن أحدد كل شيء بدقة عليها».

العراق الوثني

يحضرني هذا السؤال: كيف كان لقاء الفاتحين العرب الذين أغلبهم من قبائل بدوية أو شبه بدوية، بالعراقيين الذين كانوا بالدرجة الأولى فلاحين؟

«حين فتح العرب المسلمون العراق، كانوا يسخرون ممن أطلقوا عليهم بالنبط الذين هم من دون أصول قبلية مثلهم، والذين لا يستطيعون التفاهم مع أحد خارج قريتهم. كثير من السكان آنذاك كان يتحدث بلهجات مختلفة من اللغة الآرامية، مع مجموعات دينية محلية كل واحدة منها قد لا تكون لديها آصرة مع غيرها، ثم تم جمعهم على يد فاتحين متعددين، مثل الفرس ثم العرب».

يستنتج وود موضحاً: «إذن بمعنى ما نحن نتكلم عن العراقي... هذه تصنيفات استخدمها الحكام، وربما لم تكن مدرَكة من قبل السكان أنفسهم؛ إذ لم تكن هناك هوية مشتركة يقر بها الفاتحون».

مع ذلك، فأمام النظرة الفوقية للفاتحين الجدد القادم أغلبهم من البوادي والصحارى، جاء الرد عبر كتاب «الفلاحة النبطية» لابن وحشية النبطي، «حيث تكلم فيه عن معتقدات ومعرفة الكلدانيين، ووصف نفسه بأنه كلداني اعتنق الإسلام».

وتضمن كتابه، الذي زعم أنه ترجمه عن السريانية، كثيراً من تراث قديم يعود إلى ما قبل سقوط بابل قبل أكثر من ألف سنة: أي إلى العراق الوثني. غير أن المادة الأساسية فيه، كما كشفت دراسات حديثة عنه، تعود إلى فترة متأخرة تقع بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين، فهي تعكس تقاليد عراقية متأخرة جداً عن العصور السومرية أو الأكدية أو الآشورية البائدة.

يسلط هذا الكتاب الضوء على جوانب مهمة في ابتكارات سكان وادي الرافدين القدامى بدلاً من سيرة الملوك. إنه يثير أسئلة من هذا النوع: من اكتشف الزراعة؟ ومن غرس أول نخلة؟ ومن علّم الناس الري؟ ومن صنَّف أنواع التربة؟ كأن الروايات التي تضمنها الكتاب، كما يرى البروفسور فيليب وود، تكشف عن اهتمام ابن وحشية النبطي، مؤلف العصر الوسيط في العراق، بأصول المعرفة العراقية القديمة، وتكشف ما يميز هذا الخليط الواسع من الإثنيات والأعراق التي استوطنت وادي الرافدين طويلاً، عن الفاتحين الجدد. وهذا بالضبط ما جعل مترجم الكتاب الفنلندي هامين أنتيلا، أن يعدّه محاولة لإحياء ذاكرة العراق القديم وتراثه الزراعي والحضاري.

لكأن هذا السؤال يفرض نفسه عليّ، بعد هذا الحوار الشيق مع فيليب وود أستاذ التاريخ والأديان المقارِنة: كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟

كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟


«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير
TT

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

لا تؤسِس رواية «في مدينة الذباب» (دار الشروق - القاهرة) للكاتب والروائي المصري أحمد عبد المنعم رمضان عالمها على الديستوبيا وحدها، بقدر ما تؤسسه على مساءلة المنطق الذي يمنح بعض السرديات حضورها المركزي، بينما يدفع أخرى إلى الهامش.

فمنذ تصدير الرواية باقتباس لمحمود درويش «أنا والذبابة حُرّان» يعود البطل لاحقاً إلى الشاعِر نفسه متسائلاً عن سبب الاحتفاء بـ«أثر الفراشة»، فيما لم ينتبه أحد يوماً إلى «أثر الذبابة».

هذا الأثر لا يبدو هيناً، فالرواية التي تفتتح أولى مشاهدها بطنين ذبابة شاردة في أذن سارِدها، لا تقدم هذا الطنين بوصفه إزعاجاً عابراً، بقدر ما تجعله نقطة انطلاق لتحوّلات ستطول البطل والمدينة معاً، فما يبدأ بذبابة مُنفردة، ينتهي بمدينة تستيقظ على حرب عبثية مُعلنة ضد الذباب، وسط بيانات رسمية تتحدث عن هجوم بيولوجي، وحظر تجوال، ومؤامرة تشارك فيها قوى خارجية بالتعاون مع الخونة، فيما أسراب الذباب تغطي السماء وتحجب معالم المدينة.

ويبدو اختيار الكاتب لبنية التقارير اليومية المؤرخة التي يكتبها سارِدها الوحيد على امتداد عام كامل، متسقاً مع العالم الديستوبي الذي تصوغه الرواية؛ عالم تحكمه المراقبة وجمع المعلومات والرصد المستمر للتفاصيل.

فالبطل، المنتمي إلى جهاز أمني غامض لا تُفصح الرواية عن طبيعته بشكل مباشر وتطلق عليه «الهؤلاء»، مُكلف برفع تقارير شهرية عن كل ما يلفت انتباهه؛ من انتشار مسلسل مكسيكي، إلى تناقص أوراق النقد من فئة معينة، إلى ازدياد أعداد الذباب في المدينة، حتى تصبح أكثر الملاحظات هامشية مادة للرصد والتحليل.

فرز ومراقبة

تمتد حالة الهوس بـ«الرصد» إلى شخصية الراوي، الذي يتباهى بمهارته في الإضافة والحذف وتعديل الجمل وترتيب الوقائع وتشذيبها، بل يعترف لاحقاً بأنه كان ماهراً في تلفيق القصص وحوك الحكايات: «أنا لا أسمي ذلك كذباً وتزويراً، مجرد إعادة صياغة وتنقيح»، فالرجل الذي يعيد صياغة التقارير قبل تقديمها إلى العامة والإعلام، يتعامل مع الواقع بوصفه مادة قابلة للتأويل وإعادة الكتابة.

ويبدو أن البطل الذي خضع لسلسلة من الاختبارات البدنية والعصبية والنفسية للانضمام إلى مؤسسة «الهؤلاء»، يعيد إنتاج منطق الفرز والمراقبة ذاته خارج المؤسسة، فاختيار الزوجة يتحوّل إلى عملية انتقاء دقيقة من بين مجموعة من المرشحات، بينما لا يقوده إعجابه اللاحق بـ«هند» إلى الاقتراب منها أو التعرّف إليها، بقدر ما يدفعه إلى إخضاعها لمراقبة أمنية مستمرة وإفراد ملف كامل لتتبع تفاصيل حياتها اليومية.

غير أن الرواية لا تكتفي بإبراز هذا السلوك بوصفه امتداداً لعمله داخل المؤسسة، بل تلمّح إلى جذوره النفسية الأعمق، فخلف رجل التقارير والمراقبة يُطل طفل خائف من الحشرات، يخوض معاركه الأولى ضد الذباب قبل أن يجد نفسه بعد سنوات مكلفاً رسمياً بتولي مهمة الحرب عليه، وهكذا يبدو هوسه بالتصنيف والمراقبة والسيطرة امتداداً لخوف مبكر من الفوضى وكل ما يستعصي على الإخضاع والتنظيم.

هوجة طبقية

تفتح الرواية مسارين لتتبع أثر الذباب الذي يستولى على أفق المدينة؛ أولهما داخل وعي بطلها المصاب بفوبيا الحشرات، وثانيهما عبر خيط اجتماعي يفجر قضية طبقية عُرفت بـ«كومة الزمالك» على إثر إلقاء أحد سكان حي راقٍ قمامته في مقلب قمامة في حي شعبي مجاور، وما يبدو في البداية خلافاً محدوداً سرعان ما يتحول إلى قضية رأي عام، فيما تتحول القمامة نفسها إلى علامة على اختلال بنيوي أعمق داخل المدينة.

في موازاة ذلك، يُعاد تأويل تلك الواقعة تدريجياً عبر الخطاب الرسمي؛ فـ«محمود»، الذي يعترض على إلقاء القمامة في حيّه، يُعرف في الخطاب الرسمي بوصفه مثيراً للمشاعر الطبقية ومهدداً للسلم العام، لتغدو القضية مثالاً آخر على الكيفية التي تُنتج بها السلطة سرديتها الخاصة للوقائع.

وينعكس أثر تلك المشاحنات على لغة الرواية نفسها، إذ تنتقل المفردات المستخدمة في وصف الذباب من المجال البيولوجي إلى المجال السياسي، فلا تعود الأسراب مجرد تجمعات حشرية، بل تتحوّل إلى «هوجة» شرسة، وهي اللغة نفسها التي تستدعي بصورة غير مباشرة أوصافاً ارتبطت بالاحتجاجات والحشود البشرية، بحيث يصبح الذباب مرآة للطريقة التي تنظر بها السلطة إلى كل ما يخرج عن السيطرة.

يتراجع حضور الذباب بوصفه ظاهرة طبيعية، ليُعاد تقديمه باعتباره خصماً يستدعي التعبئة والمواجهة، وهكذا تؤول المدينة تدريجياً إلى ساحة استنفار عام تنتهي بإعلان حرب كاملة على حشرة صغيرة، وسط حديث متصاعد عن المؤامرات والخونة والأيادي الخارجية.

وتبلغ السخرية السوداء ذروتها عندما تبدأ هذه الحرب في إنتاج ضحاياها من البشر، فبينما تُحشد الأجهزة المختلفة لمواجهة الأسراب وتُطلق المبيدات والغازات في حملات واسعة النطاق، يتعرض المشاركون أنفسهم للاختناق والإصابات، في مفارقة تجعل آثار المواجهة أكثر فتكاً من آثار العدو الذي أُعلنت الحرب عليه.

تدفع ملابسات تلك الحرب، بوجهيها العبثي والدستوبي، بطل الرواية إلى عالم موازٍ داخل مستشفى معزول للأمراض العقلية موصوماً بالجنون، فالرجل الذي احترف كتابة التقارير وإعادة تحرير الوقائع بما يتوافق مع السياسة الرسمية، يجد نفسه في نهاية المطاف مأخوذاً بنسج وقائع وهُوية جديدة لنفسه أكثر قبولاً، يدعمها بتقرّب من زملاء المستشفى «المثقفين» للحديث عن الكتب والروايات، بما في ذلك الأعمال التي تعرّضت للمنع والرقابة كأعمال جورج أورويل.

ولعل هذه النقلة السردية هي ما تمنح الرواية أحد أكثر مستوياتها ثراءً في التأويل، فبعد عام كامل من مطاردة الذباب ورصده والحرب ضده، يدخل البطل في مراجعة ملتبسة لعلاقته بتلك الحشرة، حين يصبح مأخوذاً بحكاية يسمعها عن «ذبابة سقراط»، ويتعهد في لحظة سلام عابرة بأن ينظر إلى الذباب نظرة مغايرة، لتترك الرواية نهايتها مفتوحة على أفق فلسفي يعيد التفكير في السلطة والخوف، وفي قدرة أكثر الكائنات ضآلة على إرباك الرِوايات الرسمية وإعادة مساءلتها.


ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري
TT

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

يقدم عامر درويش الخطيب، في كتابه «البطل الدرامي عند ميخائيل رومان»، دراسة عن تطور شخصية البطل الدرامي في كتابات رومان المسرحية، عبر نموجين من أعماله.

يقول عامر الخطيب في مقدمته: «أحسب أنه لم يسبق لكاتب مسرحي أن حظي بمثل الإهمال - غير المبرَّر - الذي حظي به ميخائيل رومان، ذلك الإهمال الذي يدعو إلى العجب والتساؤل. فمن يقتحم مثل هذا المضمار الشائك، وسط زخم من الكم والنوعية من الكتاب الذين زخر بهم مسرح الستينات في مصر، لا بد أن يكون قد وجد له - بموهبته ووعيه - مكاناً مقبولاً بينهم...».

من الواضح أن هذا الإهمال هو ما حرَّض المؤلف على اختيار ميخائيل رومان.

وواقع الحال أن الأدب العربي والعالمي يزخر بالكُتاب والشعراء والفنانين الذين لم تحالفهم الشهرة إلا بعد وفاتهم، أو بعد انقضاء الظروف السياسية والاجتماعية التي طمست أعمالهم. هذا قد يشمل كاتباً مصرياً بارزاً مثل عبد الحليم عبد الله، أو كتاباًعالميين مثل كافكا وإدغار ألان بو الذي لم ينشر في حياته غير قصيدة واحدة عنوانها «الغراب» مقابل 9 دولارات.

كما تعرَّض الألماني حائز نوبل غونتر غراس إلى مثل هذا النقد «التشهيري» المُغرض بعد روايته المعروفة «حقل شاسع»، التي انتقد فيها «العجالة» في توحيد ألمانيا وتسببها بانهيار اقتصاد ألمانيا الشرقية. حينها نشرت مجلة «دير شبيغل» نقداً لاذعاً كتبه شيخ النقاد الألمان مارسيل رايش رانيسكي «مزَّق» فيها الرواية شر تمزيق. وكان غراس يتعرض حينها إلى هجمة شرسة بسبب مواقفه المؤيدة للشعب الفلسطيني.

حالُ الكاتب المسرحي ميخائيل رومان (1924 ـ 1973) لا تختلف، وإن تعددت الدوافع والأسباب، ففضلاً عن الإهمال الذي طال أعماله في مصر، تعرَّض لهجمات غير مبررة (في حينها) من قِبل النقاد المصريين الكبار من أمثال محمد عودة والدكتور لويس عوض. حينها طالب الأول بالرحمة بالمسرح المصري من كتابات رومان، ولم ير الثاني في كتاباته سوى «دخان»؛ في إشارة إلى مسرحية «الدخان» لميخائيل رومان.

وربما يكون الناقد والمخرج المسرحي عامر درويش الخطيب أول من يحاول إعادة الاعتبار إلى ميخائيل رومان، من خلال دراسته الأكاديمية المعنونة «البطل الدرامي عند ميخائيل رومان»، التي صدرت عن دار السرد في 87 صفحة.

قبل أن يخوض الخطيب غمار الدفاع عن كاتب «مقهور»، مِثل شخصيته الدرامية «حمدي»، يُوجز مفهوم البطل في مسرح الدراما الممتدّ بين الإغريقي والملحمي، مروراً بالمدارس، أو لنقل، الاتجاهات الأخرى. ويعرض للقارئ أيضاً كيف انحدر البطل الدرامي عبر التاريخ من النبالة والأخلاقية العالية إلى فرد مقهور وفي مجتمعه.

يعدد الكاتب، في الفصول الأخرى، أعمال وتواريخ مسرحيات رومان، والمحظوظ منها الذي ظهر على المسارح أو الشاشات المصرية، ثم يركز بحثه على شخصية حمدي في مسرحيتَي «الدخان» و«الزجاج».

وفي حين يقدم لنا نقادُ المسرح في مصر، ما قبل هزيمة 1967، أبطال رومان كأبطال إشكاليين وطارئين على أجواء مصر «الديمقراطية» بعد ثورة يوليو، يقدم لنا الباحث بطل ميخائيل رومان على أنه مصري متمرد على واقعه ويعمل من أجل تغييره. ويقترب بذلك من البطل الملحمي في تناقضه مع ذاته ومع مجتمعه وعائلته باحثاً عن الأفضل للجميع.

يرى عامر الخطيب أن حمدي في مسرح رومان شخصية بطل مستلَب ومغترِب اجتماعياً، يتمحور صراعه في المسرحيات في صراع داخل عائلته وضد تطلعاتها الطبقية، وصراع مع شروط عمله الوظيفي وعبثية الواقع السياسي للمجتمع، فهو بطل واعٍ لطبقته يعمل «منحازاً إليها ومنحازاً ضدها».

نرى شخصية حمدي في مسرحية «الزجاج» (1968)، مثلاً، أكثر انفعالاً وحدية في طرح تناقضاته مع مجتمع «الفتارين» و«القفازات» مما كان في مسرحية «الدخان». وإذا كان حمدي في «الدخان» يدمن المخدرات، ولا يجد طريق الخلاص من إدمانه إلا بالتمرد على مسبّبات إدمانه السياسية والاجتماعية، يطرح حمدي نفسه في «الزجاج» كـ«دون كيشوت القرن العشرين». ونلاحظ هنا كيف تطورت شخصية حمدي «الدخان» (1962)، المتمردة على انتكاسة ثورة يوليو، إلى شخصية حمدي «الزجاج» الذي قهرته وهزّته من الأعماق هزيمة «نكسة 1967».

يختتم رومان مسرحياته بذروة تفاؤلية، قد تستجيب أو لا تستجيب إلى الصراع الكافكوي الذي تخوضه شخصياته، لكنه يعكس بذلك أهداف مسرحه التحريضي التعبوي من أجل التغيير.

يبدو هذا واضحاً في السطور الأخيرة لمسرحية «الدخان»

«حمدي: أنا والله ما ضعفت ولا ساومت ولا كنت بأدوّر على لذة، أنا كنت بأدوّر على الإيمان... كنت بأدوّر على هدف... وأنا حالاقي هدف (يبكي) لازم ألاقي هدف... لازم ألاقي هدف».

وينهي كلامه في «الزجاج»

«حمدي: فساد... فساد متكامل... فساد منظم (يكاد يبكي) عصابة، عصابة بتاكل بيت المال... بتخطف طعام الأطفال».

قد يجد بعض النقاد في هذا الطرح ضعفاً «مَعيباً» في أعمال الكاتب المسرحي رومان، لكن عامر الخطيب يتوصل في بحثه إلى أن هذه «المباشرة» في النص «ليست معيبة، بل تكون مطلوبة أيضاً» في مثل عروض المسرحيات الاجتماعية السياسية هذه.