«ألف داحس وليلة غبراء» مرثية براءة في زمن القذافي

الفيتوري.. حطّابا في غابات ليبيا ومتاهاتها

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«ألف داحس وليلة غبراء» مرثية براءة في زمن القذافي

غلاف الرواية
غلاف الرواية

«حلمت أن أبي مات.. في ساحة السجن، بعد سنوات عشر قضيتها فيه، عند لحظة إطلاق سراحي أخبرني أخي أن أبي قد مات». بهذه المرثية الصامتة الموجعة، يبدأ أحمد الفيتوري روايته «ألف داحس وليلة غبراء»، لكن هذا الحلم للبطل السجين ظل بمثابة صرخة تترنح أصداؤها في أجواء الرواية، مقلّبة وقائعها ومفارقاتها تارة بين الموت كحقيقة مباغتة في قبضة واقع يشبه المجهول، وتارة أخرى بين الحرية كفعل هش في قبضة حلم مخاتل دائما.
عشر سنوات قضاها بطل الرواية، الكاتب نفسه في السجن محكوما عليه بالبراءة، في قسم يحمل المعنى نفسه «قسم المحكوم عليهم بالبراءة»، وفي لحظة تلمسه شمس الحرية يصطدم بموت تاريخه الشخصي، متجسدا في رحيل والده حلقة الوصل الدفيء الحنون بين فواصل حياته، وعقدها الزمنية المتشابكة، تحت سقف وطن تحول إلى غابة من الخوف والتربص.
تتكون الرواية من ثلاث روايات صغيرة، هي بمثابة ثلاث كتل نصية تربط بينها رمزية الغابة (غابة الأشجار الميتة - غابة القضبان الحية – غابة الرءوس المقطوعة)، بينما يظل خيط درامي شفيف، في حالة شد وجذب طيلة صفحات الرواية المائتين والخمسين، يتكثف في العيش تحت ظل براءة مغتالة، صارت تهمة من لا تهمة له.
يفتح موت الأب الرواية على تخوم الماضي والحاضر معا، وعبر فصولها الثلاثة تتكشف أقنعة فترة حكم القذافي لليبيا والتي امتدت لأربعين عاما، تحولت فيها البلاد إلى ما يشيه المتاهة واللغز تحت شعارات سياسية واجتماعية قشرية مخادعة هي في جوهرها غطاء لقمعية النظام ومحاولة تأبيده في السلطة. ومن أبرز الأقنعة التي تكشف عنها الرواية في طوايا فصولها، المكان الذي أخفي فيه الزعيم الشيعي المعروف موسى الصدر، والذي اختفى في أثناء زيارة رسمية له إلى ليبيا، وكذلك المعارض الليبي منصور الكيخيا الذي اختطف في القاهرة بعد أن حضر من أميركا للمشاركة في مؤتمر عن حقوق الإنسان بصفته كحقوقي.
كما تكشف الرواية عن تفاصيل حروب القذافي في الداخل والخارج لتصفية خصومه، وتتناول خرافة حكاية حصان مدينة بنغازي الجامح الذي أرق القذافي في وكر حكمه الحصين بباب العزيزية بالعاصمة طرابلس، وعششت الحكاية الهلامية في مخيلته ككابوس ورمز ارتبط بمدينة ظلت شوكة في حلقه، فتم تهميشها، حتى انفجرت منها ثورة 17 فبراير 2011 التي أطاحت بحكمه، ولقي مصرعه في غبارها على يد «الثوار».
تسيطر ثلاثة مفاتيح رئيسية على فضاء الرواية هي: المخبز، المعتقل، اللجان الثورية، ويشكل كل مفتاح كتلة نصية، ينوع من خلالها الفيتوري مساقط السرد وأزمنته ومناخاته ومقوماته فنيا ولغويا، موليا شغفا خاصا بروح البيئة وبداهتها وحكمتها التي اكتسبها عبر تراكم الخبرات في عباءة التاريخ والزمن. تعكس لغة الرواية كل هذا في بساطة سردية سلسة، فيما يبدو زمنها مفتوحا على البدايات والنهايات، متواكبا مع عمر البطل نفسه، ولحظة مخاض وضعت المجتمع على عتبة تحول فاصلة نحو المستقبل مع بداية ظهور النفط في البلاد.
تشكل بنغازي لحم الرواية وذاكرتها، فهي مسقط رأس الكاتب (البطل)، وهي صرة الحكايات، تبدأ منها وتفترق، ثم تعود إليها، وكأنها نقطة ميزان الصراع ومصفاته ومجمرته في الوقت نفسه. إنها المدينة التي جعلها الكاتب نفسه بمثابة أسطورة خاصة في كتابه المهم «سيرة بنغازي»، وعرف ترابها خطى الشهداء وأقدام المحاربين العظماء.
في شوارع بنغازي وحاراتها وبحرها وغاباتها ومقابرها وصراعات أهلها البسطاء مع الحياة، ولقمة العيش تدور أحداث الرواية الأولى «غابة الأشجار الميتة»، ويتصدر المشهد «المخبز» وصورة الأب «الرايس» الخباز، صاحبه: «فارع القامة، وببشرته النبيذية وطوله كما جن النار يقف عند الفرن، مصارع متوثب، حتى لا تأخذه غفلة فيحصد جنون النار ما زرع».. الأب الذي تشرب مهنة الخبيز من معلمه الإيطالي، يعرف حكمة النار، ويعرف أيضا أن «الخباز الجيد عليه أن يتعلم الطبخ، فكل ما علاقة له بالبطن يحتاج لبعضه». إنه لاعب النار، يعرف كيف يهدهدها، حين تنضج أرغفة الخبز كما يحب ويشتهي، وقته موزع ما بين المخبز والنار وامرأتين رهن طاعته وحزمة من الأطفال الصغار. لكنه مع ذلك ممتلئ شهوانية بالحياة، يعرف كيف يستحلبها ويلهو بها إلى أقصى درجات النزق واللذة؛ يصفه الكاتب السارد في عبارة موجزة قائلا: «جعل من النار زوجة طيعة ومن الليل النادل».
يعكس المخبز صورة مصغرة لحياة المدينة، ففيه تتضافر مجموعة من الحرف تكمل بعضها بعضا، بداية من جالب وقود الفرن، من غابة الحطب الناشف، والعجان والخباز والكريك (آلة تسحب بها أرغفة الخبز من الفرن بعد أن تستوي)، ثم موزع الخبز، كما أن ما يحدث في المخبز سر، من العيب أن يطلع عليه أحد خارجه.
في هذا الجو ينبسط السرد أفقيا في فضاء المشهد، من خلال عين طفلة، هي عين البطل في خطواتها الأولى الغضة على عتبة المدرسة والحياة، لكن بعد موت الكريك، ومقتل الحصايني، صاحب أسطبل الخيول، حيث وجد مربوطا على ظهر حصانه في السوق، وفي رقبته علق السكين الذي ذبح به، كما قطع قضيب الحصان ودس في فم القتيل. لم يعثر البوليس على الجاني، لكن سرعان ما تناثر المشهد في لطشات سردية لاهثة، وتحولت حكاية الحصان بخيطها البوليسي إلى خرافة تتسع وتتنوع مشاهدها كل يوم على ألسنة الناس، فمنهم من شاهده بالليل يركض في الشوارع والساحات مجتاحا كل شيء، ومنهم من شاهده يضرب أسطح البيوت بحوافره الحادة، محاولا التخلص من فارس يمتطيه، ممسكا سوطا ذهبيا في يده، ومنهم من شاهده عند الشاطئ يصارع أمواج البحر.
يحاول الراوي الطفل مساعدة «الرايس» والده، ويتقن مهنة الكريك، لكن أحوال المخبز تسوء، بعد أن شح وقود الحطب، وتحول الكثير من المخابز إلى الاعتماد على الغاز، على نمط المخابز الآلية الإيطالية، وشيوع البطالة بين الشباب اللاهث للعمل بحقول معسكرات النفط.
في المعتقل الذي تدور حوله الرواية الثانية «غابة القضبان الحية»، يضعنا الراوي السجين على ذمة البراءة أمام واقع عبثي، يصعب تفكيكه، والوصول لأهدافه وغاياته، حيث تطالعنا كائنات مهمشة لمجموعة ضخمة من البشر تتسع كل يوم، تقبع ككتلة صماء بين جدران وقضبان حديدية صلدة، سجناء سياسيين، خدعتهم إغراءات الحياة وشعارات كاذبة لنظام فاسد، ليكتشفوا أنهم لم يعيشوا سوى الموت، خارج وداخل السجن.. ومع ذلك يتشبثون بإرادة الحياة والأمل في لحظة حرية.
ينعكس هذا الأمل على مناخ السجن، والذي يتحول إلى كتاب مفتوح، يخط كل سجين فيه صفحته الخاصة، كما ينعكس على حركة السرد في الرواية، فيأخذ سمتا توثيقيا، للأشياء على عبلها وفطرتها كما تحدث في السجن، وينسج الكاتب الراوي من خلال ضمير الأنا الساردة شبكة متعددة الثقوب، يطل منها على ذاته الضامرة الذابلة، وعلى الذوات الأخرى للسجناء، ململما قصصهم وحكاياتهم، كأغنية حزينة، أصبحت مجهولة النسب والهوية، وسط شلال من الزيف والكذب والخنوع يضرب الوطن في مقتل.
في السجن لا أحد يجاهر بالحقيقة، فهي مهتزة ومشوشة دائما، لا يعرفها، ولا يمتلكها، وعليه أن يستلهمها من نظريات الديكتاتور الحاكم. لكن في المسافة بين قسم البراءة بالسجن الجماعي حينا وحينا آخر في الزنزانة الانفرادية، يتناثر ظل هذه الحقيقة داميا موجعا، وبحسرة قاتلة يتأمل البطل فواجع تلك الحقيقة في ملامح وجوه وحيوات كثيرة تتشابك مع حياته ومصيره، مثل الجندي الألماني والمهندس الإيطالي وأمير جماعة التحرير الإسلامي ودي دمبا زعيم حركة تحرير أفريقية ورجال مخابرات لعبوا أدوارا مهمة لتنفيذ مخططات النظام ثم أصبحوا أوراقا محروقة في نظره، وجنود وعمال وكتاب وشعراء وصحافيين وبشر عاديين، من مصر وتونس وفلسطين وجنسيات أخرى.
وفي ظل كوابيس ثلاثة سجون تنقل بينها ينقسم الراوي على ذاته، فيتوهم أنه سرق روايته من راو آخر، يحمل اسمه نفسه كان رفيقه بالسجن، بل يخترع شخصية يسميها «كاتب الرواية» يستعين بها أحيانا كظله الهارب.. تكسر هذه الحيلة السردية من أحادية السرد وتنوع مساربه، ليعيد البطل استنطاق واستحضار الحكايات والأشياء كما تتراءى على مرآته وفي نفسه كذكريات سجين سياسي.. يشير الكاتب السارد إلى هذه الحيلة في بداية الرواية قائلا: «ليس مثل أن تزج في الزنازين وأنت بريء مثل أن تكون السجين الذي لم يتهم بأي جرم في الأساس».
وفي ذات السجن التقى الراوي من جعله يكتب رواية «غابة الأشجار الميتة» لكن إلى الساعة لم يعترف لأحد حتى لنفسه بأنه لم يكتبها بل سرقها، كثيرا ما يخيل إليه أنه كاتب الرواية، وليس كما يجوس في نفسه أنه سارقها.
في الجزء الثالث «غابة الرؤوس المقطوعة» تصل الرواية إلى ذروة أقنعة القذافي العبثية، فبعد خروج البطل الراوي من السجن ومكابدته العيش في حي ومدينة يرزحان تحت العنف والرعب ومطاردات اللجان الثورية، يخطف في ظروف غامضة وينقل إلى مكان مجهول لا يعلمه أحد، بل يقام له سرادق عزاء بعد اليأس من محاولات العثور عليه. لكنه يجد نفسه في جنة بلا أبواب ولا نوافذ، ويقدم له يوميا ثلاث وجبات منتظمة من ألذ وأشهى الطعام، بالغرفة مكتبة بها أحدث المؤلفات من روايات وكتب وأفلام سينمائية وشرائط موسيقى. حين طلب استخدام دورة المياه ليقضي حاجته ينفتح له باب، مطلا على حديقة غناء بها دورة مياه فخيمة.. «كنت أقضي الوقت كله كما في حكايات من ألف ليلة وليلة، ففي الصباح أفيق مبكرا لأمارس الرياضة وأتمشى في حديقة الدار، ثم أستحم وأدخل للإفطار وبعده أقرأ ما تيسر من كتب».
بعد استمالته النادل العجوز المكلف بخدمته، يكتشف أنه في وكر القذافي بباب العزيزية.. وشيئا فشيئا تنفك خيوط المكان، حيث يعرف أن جاره «الشبح الأسود» هو الإمام الشيعي موسى الصدر بعباءته المعروفة، وأن المناضل الحقوقي المعارض المختفي منصور الكيخيا يقبع بالوكر ويعاني من مرض السكري، وصحته في حالة خطرة.. وهو المرض نفسه الذي أصاب البطل في السجن، كما يشاهد القذافي وأذنابه ومدير مخابراته وحفلات اللهو والعربدة والسحر والشعوذة التي يعج بها الوكر ليلا.
تنشد خيوط السرد ببطء وثقل في منولوجات داخلية موجعة، وكأن الذات تطفو في منطقة من انعدام الجاذبية، يتساوى فيها الوعي واللاوعي، ويصبحان شيئا مبهما معلقا في سقف العدم. لكن بعد فترة يؤخذ الراوي في مكان آخر ويجلس على كرسي وثير، معصوب العينين، ثم تأتي لحظة إطلاق سراحه على يد القذافي.. يصف الراوي الكاتب هذا المشهد في آخر الرواية على هذا النحو: «لقد طلبته لساعات فيحجز هذا الوقت كله، وستقول لي إنك تخاف أن تذكرني. اذهب عني.. لا حول الله. وامتدت يده لتنزع غطاء عيني لم أر شيئا، ضوء الشمس كما غطاء بديل.. لقد استعنت بالسحرة الأفارقة وضاربات الودع، رميت النرد فحط على اسمك.. ما أربكني وكادت قواي تخور: قل ما الحصان الذي في بنغازي؟».
وهكذا تضعنا هذه الرواية الخصبة أمام حالة من حالات العود الأبدي، ليس بمفهوم نيتشه الفلسفي، وإنما بعبثية القذافي، التي لم تزل أقنعته تكبل الواقع الليبي في بحثه عن نقط ضوء لمستقبل يصنع حياة مستقرة.



تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر.


«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام
TT

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

يروي كتاب «الموزية»، وهي الترجمة الحرفية لـ«المُلهمة»، الصادر عن «دار المدى»، للكاتبة روث ميلينغتون، بترجمة عباس المفرجي، القصص الحقيقية للمُلهِمات الرائعات اللواتي ألهمن روائع تاريخ الفن. من مرسم ليوناردو دافنشي إلى أغلفة مجلة «فوغ»، تكشف مؤرخة الفن والناقدة والكاتبة الإنجليزية روث ميلينغتون عن الدور البارز للملهمات في بعض أشهر وأهم الأعمال الفنية في التاريخ. وبالتعمق في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن، يكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه، ويفكك الصور النمطية المُبسطة، ويعيد صياغة مفهوم الإلهام كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعلٍ في تاريخ الفن.

«كشف الشخصيات الخفية وراء تحف تاريخ الفن» هو العنوان الفرعي لكتاب الذي يقدم صورة حقيقية آسرة لثلاثين ملهمة رائعة، ودورهن في بعض أشهر روائع تاريخ الفن، حيث نتعرف وجوه العديد منهن من أشهر الأعمال الفنية في العالم، من خلال الأسئلة التي تثار من خلال متن الكتاب: من هي حقاً «المرأة الباكية» لبيكاسو؟ أو اللص في أعمال فرانسيس بيكون؟ ولماذا غطت الكتابة على الجدران غريس جونز؟ بعيداً عن كونهن مجرد عارضات صامتات، قدمت الملهمات الدعم العاطفي والطاقة الفكرية والإبداع الذي غيّر مسيرة الفنانين، فضلاً عن المساعدة العملية. مع ذلك، يُنظر إلى الملهمة على أنها نموذج سلبي وعاجز (عادةً ما تكون شابة وجذابة) تحت رحمة فنان ذكر مؤثر وأكبر سناً. هل يمكن أن يكون هذا الانطباع خاطئاً وظالماً؟ هل هذه الصورة النمطية مجرد أسطورة رومانسية؟ هل تقبّل الناس دور ومكانة الملهمة؟ والأهم من ذلك، أين كان سيصل الفنانون لولاهن؟

تسعى روث ميلينغتون في «الموزية» إلى إعادة تقييم هذا المصطلح واستعادة معناه في سردٍ احتفالي يُظهر مدى قدم المفهوم الشائع له. كما يستكشف الكتاب فكرة «الملهمة» من منظورٍ مختلف، مُتضمناً فنانات الأداء والمشاهير، وشخصياتٍ أيقونية ربما لم نعتبرها من قبل مصدر إلهام، مثل تيلدا سوينتون وغريس جونز، من خلال الغوص في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن. ويكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه في إثراء الأعمال الفنية التي ألهمتهن، والطرق المتنوعة التي تجاوز بها الناس الأدوار النمطية لـ«الملهمة».

من مشرفي العمل إلى المشردين في هارلم، يعرفنا الكتاب على نماذج غير متوقعة، ومُتجاهلة، ومنسية في تاريخ الفن، من خلال قصص ثلاثين شخصية استثنائية، ويُفكك الصور النمطية المُختزلة للملهمة، ويعيد صياغتها كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعل في تاريخ الفن.

الهدف الرئيسي لـ«الموزية» هو إعادة صياغة معنى «المُلهم/الملهمة» في الفن. بدلاً من رؤيته/رؤيتها شخصيةً سلبيةً أو تابعةً للفنان، أو مجرد جسم جمالي في خلفية اللوحة، أو أداة فقط في إبداع فني. تقول روث ميلينغتون إن «هذا التصور رائج لكنه مضلّل، وأن مَن يُسمّون بـ(muse)، كان لهم/لهن/ أدوار نشطة في إلهام الأفكار، أثروا في عملية الإبداع نفسها، ساهموا/ساهمن في دعم الفنانين عاطفياً، فكرياً، أحياناً عملياً»، وتذهب ميلنغتون أكثر من ذلك، حيث تدعو إلى اعتبار «الموزية» شريكاً في صناعة العمل الفني، وليس مجرد موضوع للرسّام أو النحات.

ولعل أحد أهم محاور الكتاب هو تفنيد الصورة النمطية التي تربط الملهمة بأنوثة خاضعة لصورة الرجل الفنان المتفوق. ويوضح الكتاب أن هذه الصورة لم تكن أصلية في التاريخ، بل أصبحت جزءاً من الثقافة بسبب الروايات الفنية المعتمدة التي كتبها الرجال عبر القرون.

وكما تشير ميلينغتون في مقدمتها، لم تكن الملهمات الأصليات مجرد أشياء سلبية، بل على العكس تماماً، فقد كنّ آلهة يونانية قديمة، صُوّرن في القصائد الملحمية قوى إلهيةً للإلهام.

وتضيف ميلينغتون: «قد تجد شاعراً يطلب من الملهمات المساعدة في سرد قصته»، وسيقول: «تحدثي إليّ يا ملهمتي، أخبريني القصة». إنه بذلك يستمد إلهامه من الملهمة. وهناك فكرة سائدة مفادها أن الملهمة تمتلك هذه القوة. وبحلول زمن بيكاسو، انقلب مفهوم الملهمة رأساً على عقب، وأصبح يُنظر إليها على أنها صفة يمتلكها الفنان الذكر العظيم. وتضيف: «إن تطور هذه الأسطورة كان أشبه بـ(احتراق بطيء) عبر الزمن والتاريخ. ففي عصر النهضة تقريباً، تحولت لوحات الملهمات تدريجياً من لوحات لآلهة إلى لوحات لنساء شابات نمطيات تتساقط ملابسهن. وبحلول زمن جماعة ما قبل الرفائيلية، بدأ الفنانون يتخذون نساءً معينات ملهمات لهم، وبحلول القرن العشرين، ترسخ التصور النمطي للملهمة كعارضة أزياء».


سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».