ملفات تبقي باب التوتر مفتوحًا في العلاقات التركية ـ الأميركية

ملفات تبقي باب التوتر مفتوحًا في العلاقات التركية ـ الأميركية

قد تشهد مزيدًا من التصعيد حال فوز كلينتون أو ترامب بالرئاسة
الخميس - 13 ذو الحجة 1437 هـ - 15 سبتمبر 2016 مـ رقم العدد [ 13806]
لقاء الرئيسين رجب طيب إردوغان وباراك أوباما خلال أعمال قمة مجموعة العشرين في الصين. (رويترز)

على الرغم من تعدد الزيارات واللقاءات بين المسؤولين الأتراك والأميركيين وآخرها لقاء الرئيسين رجب طيب إردوغان وباراك أوباما خلال أعمال قمة مجموعة العشرين في الصين الأخيرة يبدو أن الملفات التي شكلت أساسا للتوتر أحيانا وللفتور والتباعد أحيانا أخرى بين أنقرة وواشنطن لا تزال قائمة ولم يطرأ عليها تغيير.

تعرضت واشنطن لانتقادات حادة من الجانب التركي في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا منتصف يوليو (تموز) الماضي وتراوح الموقف التركي بين اللوم والهجوم ووصل إلى حد الاتهام بدعم المخابرات الأميركية لمحاولة الانقلاب.

وجاء الهجوم على الموقف الأميركي في سياق موقف تركي من الغرب عموما بسبب عدم إبداء رد الفعل الكافي إزاء محاولة الانقلاب، فضلاً عن إصرار واشنطن على تقديم أدلة قاطعة على اتهام السلطات التركية الداعية فتح الله غولن المقيم في أميركا منذ عام 1999 بالوقوف وراء محاولة الانقلاب، حتى تسلمه لتركيا، مع تنصل الإدارة الأميركية من ملف التسليم باعتباره ملفا قانونيا بحتا، لكن أنقرة أرادت إدخاله في علاقة التحالف الاستراتيجي مع واشنطن.

ومن قبل محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، كانت العلاقات التركية الأميركية تمر بفصل من البرود انعكس في انقطاع الاتصالات واللقاءات إلى حد شكوى الرئيس رجب طيب إردوغان من تجاهل الرئيس الأميركي باراك أوباما الرد على اتصالاته. وشكلت التباينات بين أنقرة وواشنطن في التعامل مع الملف السوري والجماعات التي تقاتل على الأرض ولا سيما وحدات حماية الشعب الكردية واحدة من نقاط التوتر، التي لم تنته حتى الآن، وإن كان تم تحييدها من أجل هدف آخر وهو تنشيط التعاون ضد تنظيم داعش الإرهابي ورغبة تركيا في تعزيز أمن حدودها وإقامة منطقة آمنة بامتداد 95 كيلومترا وعمق 45 كيلومترا على حدودها مع سوريا تقطع الصلة بين أكراد سوريا وحدودها.

وبحسب خبراء، فإن ملف الأكراد يبقى دائما واحدا من ملفات التوتر والتأثير في العلاقات بين أنقرة وواشنطن، وينبني الموقف الأميركي في هذا الملف على بعد ديمقراطي وحقوقي على الرغم من تصنيف أميركا منظمة حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية كما هو الحال في تركيا فإن هناك تفاصيل كثيرة داخل ملف المشكلة الكردية في تركيا تبقى بابا مفتوحا للخلافات.

وعلى مدى الأيام القليلة الماضية فتح عزل 28 رئيس بلدية، من المنتخبين منهم 24 من الأكراد في شرق وجنوب شرقي تركيا وتعيين أوصياء في أماكنهم وما تبعه من احتجاجات، صفحة جديدة للتوتر بين أنقرة وواشنطن بعد أن قالت السفارة الأميركية في أنقرة في بيان إنها قلقة بشأن تقارير تحدثت عن اشتباكات في جنوب شرقي تركيا بعد قرار حكومي بعزل رؤساء أكثر من 20 بلدية للاشتباه في صلتهم بالمسلحين الأكراد.

واتهمت الحكومة 24 رئيس بلدية تابعين لحزب الشعب الديمقراطي الكردي، ثالث أكبر حزب في البرلمان التركي بدعم منظمة حزب العمال الكردستاني و4 آخرين بدعم ما تسميه منظمة «فتح الله غولن» في إشارة إلى حركة الخدمة التابعة للداعية فتح الله غولن المقيم في أميركا والذي تتهمه بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف يوليو الماضي.

وقالت السفارة الأميركية إنها تدعم حق تركيا في الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب، لكنها أشارت إلى أهمية احترام الإجراءات القانونية وحق الاحتجاج السلمي بعد أن استخدمت قوات الأمن التركية مساء الأحد القنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين الذين احتشدوا عند مقر مجلس مدينة سروج في شانلي أورفا جنوب شرقي تركيا احتجاجًا على عزل رؤساء البلديات بموجب حالة الطوارئ المطبقة حاليا في تركيا.

وجاءت ردود المسؤولين الأتراك لتعبر عن الاستياء من الموقف الأميركي، حيث قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم «إنهم (الأميركيين) لن يعلمونا القانون ولن يعطونا دروسا في الديمقراطية».

وطالب وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو سفراء الولايات المتحدة لدى بلاده بأداء واجباتهم بمهنية وعدم محاولة التصرف كحكام قائلا: «إننا لن نسمح لهم بذلك قطعا، ولا مناص أمام الولايات المتحدة سوى التعامل مع تركيا كشريك على قدم المساواة».

كما وصف وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، الذي اتخذ قرار إقالة رؤساء البلديات، البيان الأميركي بأنه «غير مقبول».

ويرى سونار تشاغتاي مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط أن الأزمة السورية وضعت العلاقات الأميركية التركية تحت ضغط هائل، وهو توتر ناتج عن الأولويات المختلفة لديهما، ففي حين تريد أنقرة إسقاط نظام بشار الأسد باعتباره خطرًا محدقًا عند حدودها، حددت واشنطن أهدافها بمحاربة تنظيم داعش وفي المقابل، تخشى كل دولة أن تتبنى أهداف الدولة الأخرى فتهمّش بذلك أهدافها الرئيسية الخاصة، وأنه على الرغم مما يبدو أنه تجاوز لهذه النقطة الآن فإن الأزمة السورية تبقى حافلة بكثير من النقاط الخلافية بين أنقرة وواشنطن ومنها الموقف من أكراد سوريا الذين تعتبرهم تركيا امتدادا لمنظمة حزب العمال الكردستاني بينما تنظر إليهم أميركا كقوة أساسية في الحرب على «داعش».

ولفت تشاغتاي إلى أن السلطات التركية ترى أنه قد تكون هناك مصالح مشتركة بين تركيا والولايات المتحدة، غير أنهما لا تملكان هوية مشتركة، وأنه في حين كان الزعماء الأتراك السابقون يتبنون شعار مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك المنادي بالتقارب مع الغرب، تؤمن نخبة حزب العدالة والتنمية بأن على تركيا أن تصبح قوة مستقلة في الشرق الأوسط لا تتعاون مع واشنطن إلا عندما كان هذا التعاون يخدم مصالحها. وباتت الوحدة الاستراتيجية خيارا «انتقائيًا» أكثر فأكثر لدى تركيا.

ويرى تشاغتاي أن تركيا بحاجة إلى الولايات المتحدة من أجل التصدي بفاعلية للأسد وتنظيم داعش على حد سواء، لكن نخبة العدالة والتنمية حائرة بين حلمها بتحويل تركيا إلى قوة إقليمية تعمل بشكل مستقل عن واشنطن، وبين الإقرار على مضض بزعامة الولايات المتحدة في المنطقة. ومن الممكن أن يحدث هذا الاحتمال الأخير إذا ما أكدت واشنطن لأنقرة التزامها بالإطاحة بالأسد.

من جانبها، رأت جول نور آي بيت رئيسة قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة بهشة شهير التركية أنه في حال واصلت أميركا اتجاهها نحو من تسميهم بـ«الأصدقاء» أي فتح الله غولن وحزب الاتحاد الديمقراطي السوري، فإن الفجوة مع تركيا ستتسع. واعتبرت آي بيت أنه لا بد لواشنطن من أن تكف عن ربط سياستها تجاه تركيا بمشاعرها تجاه رئيسها وأن تتحكم العقلانية والاستراتيجية في هذه العلاقة مع دولة تحارب منظمات إرهابية تمثّل خطرا على كل دول العالم.

وشددت على أن تركيا لا تريد أن ترى ممرا كرديا على حدودها مع سوريا وأنها أثبتت قدرتها على صد وحدات حماية الشعب الكردية بدخولها جرابلس في شمال سوريا وكان بإمكانها أن تتقدم أكثر لولا اتفاق الهدنة في سوريا الذي حصر الجماعات المستهدفة بتنظيم داعش وجبهة «فتح الشام» أو النصرة سابقا. ويعتقد بعض الخبراء أن العلاقات التركية الأميركية ستشهد مزيدا من التوتر أيا كان الفائز في سباق انتخابات الرئاسة الأميركية الحالي، لأن كلا من هيلاري كلينتون ودونالد ترامب لن يكونا على وفاق مع أنقرة.

وبحسب هؤلاء الخبراء، ومنهم الكاتبة المتخصصة في الشؤون الخارجية بصحيفة «سوزجو» التركية زينب غورجانلي، هناك علاقات وثيقة تربط بين المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون ومؤسسات الداعية فتح الله غولن التي تقول أنقرة إنها تدعم حملة كلينتون بملايين الدولارات، ولها تصريحات سابقة كثيرة تستحسن نشاطات غولن الثقافية وتصفها بالتنويرية مما سيصعب تسليم غولن إذا فارت كلينتون بالانتخابات.

كما أن وصول ترامب، الجمهوري، إلى الحكم في أميركا سيؤجج الحرب الكلامية التي بدأها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مبكرا ردا على تصريحات ترامب العدائية ضد المسلمين، والتي لا يتوقع أن يتراجع عنها، وفي كلتا الحالتين تبقى العلاقات التركية الأميركية عرضة لمزيد من التوتر.


اختيارات المحرر

فيديو