عبد الفتاح كيليطو وتجربة العشق بلسانين

يتجول في فضاءات مختلفة بروح قلقة تخرجنا من التكرار والجمود إلى التجدد والحيوية

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو
TT

عبد الفتاح كيليطو وتجربة العشق بلسانين

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو

حينما كنت أتصفح كتاب «مسار» لعبد الفتاح كيليطو، الصادر سنة 2014، وهو عبارة عن مجموعة حوارات أجراها مع مثقفين عرب وأجانب، حول أعماله طيلة مساره الفكري، فاجأتني صديقتي بسؤال: هل يعد كيليطو كاتبا أم روائيا أم مفكرا أم فيلسوفا؟ فأجبتها: عندما كنت أحضر محاضراته منذ عشرين سنة تقريبا، في الجامعة، شعرت بأنني في عالم من الأساطير التي تمكن من عدم الخضوع والتحليق من دون قيود في عوالم المعري، والجاحظ، والحريري، وابن رشد، ودانتي، وسرفانتس، وبروست، وتودوروف، وبارت. إنه «سندباد» يتجول بنا في فضاءات مختلفة، وينظر إلينا بروح قلقة ومضطربة، تخرجنا من التكرار والجمود إلى التجدد والحيوية.
أعتقد أنني لم أجب عن سؤال صديقتي، بقدر ما جعلت الأمر أكثر غموضا وتعقيدا، خصوصا أنني أمام قارئة متتبعة لما يصدره كيليطو. فكيف السبيل للخروج من هذا المأزق؟
قلت: ليس هناك مجال لتقويم أعمال كيليطو. إنه هذه التسميات كلها: فهو الناقد، والروائي، والمفكر، والفيلسوف. ويكفي أن تفتح أيا من كتبه ليأخذك إلى عالمه، حيث تكتشف ذاتك من خلال الأسئلة التي يطرحها والممكنات التي ينسجها، ليظهر لك أن لا حدود بين الواقع والخيال، وأن الخيال واقع، والواقع حكاية أي شيء يروى ولا يوجد إلا في السرد وبه.
إن تصنيف كتابات كيليطو ضمن مجال مخصوص جد صعب وغير وارد، لأن الأمر هنا، يتعلق بنمط جديد من الكتابة، يتجاوز الأشكال التقليدية، بتصور جديد عن التحول الذي وقع في الكتابة وعن الكتابة، باعتبارها استراتيجية في التعبير والتفكير، يتوخى تفكيك البنى الفكرية، والاجتماعية، السياسية، والفنية للوجود الإنساني. فلم تعد لا الفلسفة ولا الأدب يمارسان بالشكل التقليدي. أي أن الفلسفة لم تعد لها مباحث خاصة، وكذلك الأدب. ويكفي أن نقدم كلود ليفي ستروس ورولان بارت مثلا. أين يمكن تصنيفهما؟ الأمر نفسه ينطبق على كيليطو. فهو يجمع هذا الشتات، أقصد ممارسة الكتابة وإنتاج النصوص. وهذه الأخيرة أصابت شيئا ما من التراث النقدي العربي يصعب تحديده، حيث جعلت القارئ يحس برعشة غريبة، وبحرص شديد من نوع خاص في تلقيها بنوع من الدهشة. فالنص عند كيليطو: «حركة بين ممكن وواقع». وعلاقته بنصوص أخرى، هي اختبار لواحدة من إمكانياته التي لا تحصى. وحركته ناتجة عن كونه، في جوهره، متعددا ومختلفا. والمطلوب من المحلل المبدع، الكشف عن سر الحركة، أو سر الصنعة التي روعيت أثناء إنشائه، أي تحديد الدلالات والعلاقات التي لم تكن في الحسبان.
إن ما يميز كيليطو هو كونه مزدوج اللسان. ويمكن أن نتحدث في ذلك، عن تجربة عشق بلسانين، بتعبير عبد الكبير الخطيبي. هذه الازدواجية اللغوية، أو بالأحرى الثقافية، جعلته ينتقل بين متون مختلفة، ويؤلف باللغتين العربية والفرنسية. فمؤلفات «الأدب والغرابة»، و«الحكاية والتأويل»: «الغائب»، و«الأدب والارتياب» وغيرها.. كتبت جميعها باللغة العربية. بينما «المقامات»، و«لسان آدم»، و«العين والإبرة»: «حصان نيتشه»، وغيرها كتبت بالفرنسية. وعلى الرغم من هذه الازدواجية اللغوية، فإنه يستثمر الأسئلة الجوهرية التي تطرحها العلوم الإنسانية، والمعرفة الجمالية التي يقدمها الأدب والفن، بحيث تجعله مهاجرا يرتحل بين الثقافات من دون أحكام مسبقة أو مواقف آيديولوجية ضد هذه الثقافة أو تلك. مهما يكن، فإن كيليطو يكتب في اللغتين بنوع من الحرية، حيث ينتقل من عالم إلى آخر، ولا يفكر إلا في قارئه «المتعدد والمتواطئ»، من أجل تقليص المسافة بينهما، وتحويلها من علاقة عداء (القارئ عدو الكاتب)، حسب الجاحظ، إلى علاقة يغدو فيها القارئ أيضا عدو نفسه، فينسلخ ولو بصفة جزئية عن ذاته، عن عاداته وتقاليده، وعن قراءاته، وعن أفق انتظاره. ففي الوقت الذي تقرأ فيه نصوص كيليطو النقدية، تجد نفسك أمام قصص وحكايات. وفي الوقت الذي تقرأ فيه حكاياته وقصصه، تجد نفسك أمام قضايا نقدية ونظرية تتعلق بالكتابة؛ المؤلف، والسرد، واللغة، والغرابة، والنسيان، والذاكرة، والأثر، والهوية، والتراث، والترجمة وغيرها. هذا الوضع يخرجك من ذاتك، ويجعلك تكتشف ذواتا أخرى، أو بالأحرى قارات مجهولة، بحيث يغدو المتصل منفصلا، والمألوف غريبا، والماضي حاضرا، والنسيان ذاكرة.
إن جل نصوص كيليطو تقريبا، عبارة عن محكيات تتوفر على عناصر السرد، والتشويق، والنوادر، والإدهاش، وتحويل الأشخاص إلى شخصيات روائية. وهذا ما يضفي عليها نوعا من التفرد والتنوع بين خرائط النصوص الكلاسيكية والحديثة، العربية والغربية. إننا أمام مؤلف مستوعب للتراث ولحدوده، ولحاجاتنا إليه. فهناك مثل هندي يكرره كيليطو يقول: «إن آلهة المعرفة لا تبتسم لمن يهمل القدامى». وهذه المقولة تشكل الإطار المرجعي الذي يوجه كيليطو في طريقة تعامله مع التراث. إذ لا يعتبره عائقا حينما نتحكم فيه، لا أن يتحكم هو فينا. فالدراسة العلمية للقدماء، من وجهة نظره، هي التي ستمكننا من تجاوز التكرار والاجترار. فالتراث ينبغي أن يدرس بكامله كنظام. والنظام إذا عزلت منه جزءا ودرسته على انفراد، فقد هذا الجزء ارتباطه ودلالته. وحينما نأخذ جزءا من نظام معرفي سابق، ونقارنه بجزء من نظام معرفي حديث، فإننا نرتكب خطأ فاحشا. فالنصوص الكلاسيكية لا يمكن النفاذ إليها إلا بدراسة متأنية ومتواصلة، حيث يجب أن نرحب بها بكاملها، لا أن نقطع عنها أجزاء مبتورة وندرسها خارج سياقها. فلا يشكل الماضي، حسب كيليطو، خطرا عندما يكون هناك وعي بحدوده التاريخية والمعرفية. ويقدم لنا مثالا على ذلك، من خلال تأملنا للروايات التي توصف بأنها «عالمية»، حيث نلاحظ أنها، بلا استثناء، تعقد حوارا مع النصوص الكلاسيكية، وأن الروائيين الغربيين، لهم تكوين كلاسيكي مهم، يشمل أدب القرون الوسطى، والأدب اللاتيني، والأدب اليوناني. إذ إنه يقر بأن التفكير في تجربة الآخرين هو الذي دفعه إلى الاعتقاد بأن الكتاب العرب لن ينجحوا إلا إذا اطلعوا على النصوص الكلاسيكية. فهو يعتقد أن لها بعض الأشياء التي تريد قولها لنا، شرط أن نقترب منها انطلاقا من أشياء أخرى، انطلاقا مما ليست هي. وتتطلب دراسة التراث أيضا، الإلمام بالأدب الحديث والمعاصر، والعكس صحيح. وهذا ما نلاحظه عند الكتاب الكبار أمثال باختين، وأمبيرتو إيكو، وتودوروف وغيرهم. أما المناهج الحديثة، فينبغي وضعها، دائما، بين مزدوجين، باعتبارها أدوات إجرائية منفعتها نسبية، وليست أدوات سحرية تحقق ما نتمناه حسب كيليطو. بهذا المعنى ليست هناك منظومة نقدية عربية صرفة، لا ماضيا ولا حاضرا، أي أن كل منظومة تتكون وتتطور وتفكر في ذاتها، من خلال حوارها المستمر ومجابهتها المتواصلة لمنظومات أخرى. على هذا الأساس يتساءل كيليطو: كيف يمكن أن نكتب تاريخ النقد الأدبي العربي، إذا لم نأخذ بعين الاعتبار تاريخ النقد الغربي؟ وكيف يمكن أن نؤرخ للأدب العربي من دون التأريخ للأدبين الفرنسي والإنجليزي؟
هذه الرؤية للتراث تحمل تصورا معينا عن طبيعة التأويل عند كيليطو، حيث ينطلق كل تأويل من العلامات والعلاقات، ويرتبط بثقافة المؤوّل، أي بمراجعه وإحالاته. وهو لا يكشف أسرار النص فقط، وإنما انشغالات المؤوّل أيضا. وقد يغيب النص أحيانا، ولا تبقى إلا هواجس المؤول ووساوسه. يبدو في نظر كيليطو أن قوة التأويل تأتي من استعداد الباحث للتخلي عن نفسه، ولو بصفة جزئية، أثناء عملية التحليل. فالمؤول الحق في اعتقاده، هو الذي يقبل أن يغير مقاصده، إن قليلا أو كثيرا، وعندما ينهمك في دراسة النص، يقبل أن يملي عليه النص مقاصد جديدة. فالتأويل بحث وعثور على علامة تشكل لحظة الانطلاق، وبالتدريج يتم الربط بينها وبين أخرى، إلى أن تتسق شبكة العلامات وتنتظم تحت عنوان يرمز إليها.



مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
TT

مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».

بمناسبة مئوية ميلادها التي تحلُّ هذا العام 2026، أعادت الأوساط الثقافية الفرنسية اكتشاف الوجه الآخر لأسطورة السينما مارلين مونرو من خلال الترجمة الأولى لكتاب الصحافي البريطاني ويليام ويذربي «حوارات مع مارلين» (Conversations avec Marilyn). هذا الكتاب، الصادر عن دار «سيغير» في 12 فبراير (شباط) الماضي يقدم شهادةً حية تُفكك الصورة النمطية التي سعت هوليوود لترسيخها حول «الشقراء القنبلة» أو «ممثلة الإغراء» التي لا تملك سوى جمالها.

يكشف ويذربي، الذي التقى بمونرو خلال تصوير فيلم «المختلون» عام 1960 واستمرت لقاءاتهما في حانات نيويورك المتوارية، عن امرأةٍ مسكونة بهواجس الفكر، تتحدث عن الأدب والسياسة والتحليل النفسي بوعيٍ حادٍ واهتمام بالغ. كانت مونرو تدرك تماماً «اللعبة» التي تفرضها الصناعة السينمائية؛ حيث وصفت الشخصية التي تؤديها بأنها «عبءٌ ثقيل» وفستانٌ ترتديه وتخلعه حسب الطلب، بينما يظل جوهرها الحقيقي غارقاً في بطون الكتب وعوالم الأدب.

ويذكر ويذربي أن مارلين مونرو لم تكن مجرد ممثلةٍ طاردتها العدسات، بل كانت «مثقفةً متخفية» في جسد أيقونة إغراء، وقد جاء كتابه «حوارات مع مارلين» ليمنح هذه الحقيقة توثيقاً إنسانياً بعيداً عن صخب النجومية. ففي ثنايا لقاءاتها السّرية بمدينة نيويورك، تبرز مونرو كعاشقة للأدب والشعر، تتعامل مع القراءة بوصفها ملاذاً أخيراً من زيف العالم الذي يحيط بها، وكأداةٍ لفهم الذات والمجتمع.

يشرح الكاتب أن مكتبة مارلين الشخصية لم تكن مجرد ديكور في الغرفة، بل بمثابة مختبر لعقلٍ جائع للمعرفة، حيث احتوت على أكثر من 430 كتاب، تنوعت بين الفلسفة والتحليل النفسي والأدب والشعر، منها أعمال لألبير كامو وبودلير وفيتزجيرالد، وعملاق الأدب الآيرلندي جيمس جويس التي كانت تحتفظ بنسخٍ مُعلّمة بخط يدها من أعماله، ولا سيما روايته «يوليسيس» التي تُعدُّ من أبرز أعمال الأدب الحداثي وتحدياً فكرياً يستحق المحاولة المتكررة، بحسب ما نقله الصحافي البريطاني. كما كانت مارلين قارئة نهمة للأدب الروسي، لتولستوي وبالأخص لدوستويفسكي الذي وجدت في شخصياته المعذبة صدىً لمعاناتها الشخصية، حيث قرأت «الإخوة كارامازوف» مرتين، وكانت تُعلّم المقاطع التي تتحدث عن الألم والخلاص، وكتبت عنه في مدونتها التي نشرت في السيرة الذاتية المخصصة لها بعنوان «الشظايا» ما يلي: «دوستويفسكي يفهمني، يعرف ما معنى أن تكون ممزقاً بين الضوء والظلام، بين الرغبة في القداسة والسقوط في هاوية الخطيئة». كما كانت من عشاق أعمال فرانز كافكا، واحتفظت بنسخة من روايته «المحاكمة»، وكانت مليئة بالملاحظات في الهوامش، ومنها هذه العبارة التي كتبت بخط يدها: «هذا هو عالم هوليوود بالضبط: محاكمة دائمة دون معرفة التهمة الحقيقية».

مكتبة مارلين مونرو

وأشار الكاتب إلى أن مارلين كانت تحب قراءة أعمال من الأدب الاجتماعي التقدمي، كأعمال لينكولن ستيفنز، الصحافي الاستقصائي الذي فضح الفساد في أميركا، لكنها كانت تخفي كتبه في مواقع التصوير خوفاً من الاتهام بالتعاطف مع اليسار في تلك الحقبة التي عرفت بالمكارثية واضطهاد الاشتراكيين، كما قرأت أيضاً لجون شتاينبك، خاصة «عناقيد الغضب»، ووجدت في روايته صوتاً للمهمشين والفقراء، الطبقة التي انتمت إليها قبل أن تصبح نجمة. وكانت قد صرَّحت للكاتب ويذربي في حواريهما: «شتاينبك يكتب عن الناس الحقيقيين، الناس الذين عرفتهم في طفولتي، هؤلاء الذين يشكلون أميركا العميقة. هوليوود تريد مني أن أنسى من أين أتيت، لكن هذه الكتب تذكّرني دائماً بأصولي».

كما كان للشعر مكانة خاصة في قلب مارلين. فكانت تحتفظ بدواوين والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب». أما كارل ساندبرغ، الشاعر الذي وصفته بـ«صوت أميركا الحقيقي»، فقد كان بمثابة الأب الروحي لها. التقت به شخصياً عدة مرات، وكانت تستشيره في قراءاتها، وكان قد أهداها نسخة موقعة من سيرته الذاتية عن أبراهام لينكولن، قرأتها أكثر من ثلاث مرات. أحبت مارلين قصائد إي. إي. كامينغز وكذلك إديث سيتويل وكانت تميل إلى الشعر الذي يكسر القواعد ويتمرد على الأشكال التقليدية، ربما لأنها رأت في ذلك انعكاساً لرغبتها الدائمة في التمرد على القوالب النمطية التي حُبست فيها. وما يجهله البعض هو أن مارلين مونرو قد كتبت نصوصاً شعرية جُمعت في كتاب «الشظايا» الذي نشر في 2010، كشفت عن موهبة شعرية حقيقية تبحث عن نفسها، حيث تناولت في كتابتها موضوعات الوحدة، والحب المضطرب، والهوية المشتتة.

كانت تتعامل مع القراءة بوصفها ملاذاً أخيراً من زيف العالم الذي يحيط بها

في قصيدة أسمتها «الحياة» كتبت ما يلي:

أنا من كلا الاتجاهين

أبقى بطريقة ما معلّقة نحو الأسفل أكثر ما أكون

لكنّني قوية كخيط العنكبوت في مواجهة الريح

أشدّ حضوراً حين يتجلّى الصقيع البارد المتلألئ

بيد أنّ أشعتي المُحبَّبة تحمل الألوان

التي رأيتها ذات مرة في لوحة

آه أيتها الحياة، لقد خدعوك

كما أشار كاتب «حوارات مع مارلين مونرو» إلى أن اهتمام مارلين بالتحليل النفسي أكثر من مجرد فضول فكري، حيث قرأت معظم أعمال فرويد، وكانت تحضر جلسات التحليل النفسي مع أساتذة معروفين، كما احتفظت بنسخٍ من «تفسير الأحلام» و«الأنا والهو»، وكانت تحاول فهم عقدها النفسية من خلال نظريات فرويد. في حواراتها مع ويذربي تقول: «فرويد علّمني أن أفهم لماذا أبحث دائماً عن الحب في الأماكن الخاطئة، ولماذا أخاف من النجاح بقدر ما أسعى إليه». كانت تقرأ أيضاً لكارل يونغ، وانجذبت بشكل خاص لنظريته حول «الظل»، أو الجانب المظلم من الشخصية الذي نحاول إخفاءه.

لم ينفصل وعي مارلين الثقافي عن التزامها بالقضايا الإنسانية الكبرى. ففي حواراتها مع ويذربي، أبدت فضولاً عميقاً تجاه نضال الأميركيين الأفارقة من أجل الحقوق المدنية، وربطت بين قراءاتها التاريخية وبين واقع التمييز الذي كانت ترفضه بشدة.

 


«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية
TT

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

في رواية «طواحين الهوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي مسرح صعيد مصر بؤرة لطرح تأملاته في ذلك الهامش المكاني، الذي يبدو فضاءً زاخراً بالمهمشين الذين يلتحفون الكفاف، وهم «يكافحون الانصهار»، ليتجاوز المكان كونه مجرد خلفية جغرافية؛ بل بنية ضاغطة تُعيد إنتاج الفقر والقهر، كما تُعيد الطاحونة دورانها الأبدي.

في الرواية -الصادرة عن دار «تشكيل» للنشر والتوزيع بالقاهرة- يمهِّد الكاتب أرضيته السردية بنسج عالم يلوذ بالحكايات و«النميمة»، بوصفهما تسرية عن قسوة اليوم ووحشة الليل، لتصبح الحكايا هنا آلية بقاء، وطريقة جماعية لتخفيف ثقل الحياة، ومتعة ليلية بعد «قهر النهار»، يلتف حولها الناس بجوار «كانون» الشاي الثقيل، وقد اختار الكاتب تلك التهيئة الجمعية تمهيداً لتفاعل الأهالي مع لغز اختفاء أبناء النجع «حامد» و«صباح»، لتشتعل حولهما الشائعات.

سيزيف مُعاصر

يستدعي الراوي الذي تربطه بـ«حامد» علاقة ممتدة، حكاية هذا الفتى قليل الكلام، قوي البنيان، المُحب للغناء الصعيدي، والذي يقضي يومه عاملاً باليومية مستنداً إلى قوته الجسدية وحدها، يتندر به أهل القرية ويصفونه بالأبله، غير أن السارِد يبدو حريصاً على إنصافه سردياً، بعد أن حُكم عليه اجتماعياً.

يبدو اختيار مهنة «الفاعِل» اختياراً دالاً؛ فـ«حامد» أقرب إلى «سيزيف» معاصر، مربوط في طاحونة اليوم، يحمل ثقله كل صباح من أجل يومية زهيدة لا يرجو منها سوى «دُخان المعسل» الذي يكون عزاءه الوحيد في اليوم، ليُنذر ما تبقى من يوميته لأمه؛ حيث لا تبدو «اليومية» قيمة في ذاتها بالنسبة له، بقدر ما يعيد كل يوم الفعل نفسه، بما يُحيل إلى استعارة الطاحونة، في دينامية لا تتغيَّر ولا تفضي إلى تحول يُذكر.

يتروى العديسي في رسم سياقات القرية مشهدياً، ما بين قيظ يشتد، وعلامات طبيعية من حقول قصب وذرة، وأسطح بيوت فقيرة، محرراً الطقس من كونه مجرد خلفية ليصبح سلطة رمزية تُهيمن على المشهد: «كان صيف هذا العام ساخناً. والقيظ على أشده يتبختر بخيلاء بين الجميع وهو يعلن سلطانه على الملأ. تارة يتمشى بين حقول القصب، وتارة أخرى يقطع الطريق على الناس»، ليبدو القيظ هنا متصرفاً ومهيمناً، يفرض حضوره كما تفرض البنية الاجتماعية سلطانها. وكذلك الهواء المحمَّل بالسخونة يبدو متواطئاً على نشر الشائعات في البلدة الصغيرة التي «تأكل الحكايات وتقتات من فضلات الأخبار». هكذا يتقدم السرد على وقع اقتيات أهل النجع لخبر هروب «حامد» و«صباح»، بوصفهما «عاشقين» خرجا عن تقاليد القرية. وعلى إيقاع تلك الحكايا تُرسم صورة «حامد» (الأبله) الذي وُضع على هامش العقل، و«صباح» التي وُضعت على هامش الجمال، كثنائي اختارته القرية مسبقاً ليكون خارج مركزها، لذلك لم يكن هروبهما مجرد فضيحة؛ بل مناسبة لا تخلو من التندر والسخرية.

نباهة شعبية

يتجلى تعلُّق «حامد» بالراديو، وبغناء المداحين، وأغاني «الكف»، كنافذة لفهم تركيبته الإنسانية، فالراوي يتوقف عند مفارقة لافتة في قوله: «من الأشياء التي استوقفتني في أهل قريتي عموماً، أن بعضهم لم يتعلم القراءة والكتابة، ورغم ذلك يستمعون بشغف إلى غناء المداحين، وأحياناً يستوقفهم المعنى الجميل رغم صعوبة فهمه. كيف لهؤلاء إدراك المعنى الصعب في قصائد ابن الفارض وابن عربي؟ لم أصل إلى إجابة محددة، فتركت التفكير في هذا الأمر مثل أمور أخرى عجزت عن فهمها». هذا الاعتراف بالعجز يكشف عن وعي نقدي يتسرَّب داخل طبقات السرد، عبر لسان الراوي الذي ينظر إلى القرية من داخلها مع احتفاظه بمسافة تحليلية، فهو لا يدَّعي الفهم الكامل؛ بل يعترف بغموض الحس الشعبي، ونباهة ذلك الإدراك الحدسي الذي يتجاوز حدود التعليم النظامي.

عندليب أسود

يستدعي السارد ذكرياته مع «حامد» (الهارِب)، كمقوم سردي يظل يضيء تلك المنطقة الإنسانية الملتبسة لدى «حامد» الذي يسخر منه أهل النجع، ويُنابذونه بلقب «العندليب الأسود» وهو يغني بصوته الغليظ، في مقابل سعيه الدؤوب لحضور تجمعات المداحين والموالد والعزاءات والأفراح، بما يكشف عن توقه إلى الانتماء الجمعي، وإلى مساحة بديلة يجد فيها اعترافاً لا توفره له بنية القرية اليومية، بينما تبدو علاقته بوالدته «شفا» التي تحتل مكانة طيبة في النجع، علاقة رعاية ممتدة؛ فهي تظل حتى وفاتها ترعاه بحنو بالغ، لا يخلو من وعي باستعصاء حال ابنها اجتماعياً، وبالهامش الذي كُتب عليه أن يقيم فيه.

يبدو صوت الراوي المتداخل مع استدعاء ملامح «حامد»، قائماً على طبقتين ينهض عليهما السرد في تداخلٍ واضح، فمن جهة يستعيد طفولته التي جمعته بـ«حامد»، ومن جهة أخرى يكشف عن إحساسٍ غامضٍ يلازمه تجاهه، فيقول: «منذ أن كان طفلاً، كان دائماً يلازمني شعور ما بأن (حامد) ليس طفلاً عادياً؛ القوة البدنية التي يمتلكها، شروده الدائم وعدم إلمامه بما يدور حوله، تلكؤه الغريب وصمته اللامتناهي، نظراته الزائغة دوماً، حتى ردود أفعاله البطيئة، كانت تعبر دوماً عن شيء مغاير يمتلكه هذا (الحامد) دوناً عن الآخرين؛ شيء ليس بالذميم أو الحميد، ولكنْ هناك اختلاف ما يسترعي انتباه من يتعامل معه».

لا يحسم السارِد طبيعة هذا «الاختلاف»؛ بل يتركه موارباً، وهذا الإرجاء يمنح الشخصية عمقاً سردياً؛ إذ لا يُختزل «حامد» في توصيف جاهز؛ بل يظل في منطقة رمادية بين البراءة والغموض، بوصفه «شيئاً مغايراً»، وفي هذه المسافة يتجلى موقف السارِد بوضوح؛ فهو لا يتبنى حُكم الجماعة؛ بل يعيد مساءلته.

مع عودة «حامد» و«صباح» يدخل السرد إلى مساحة اشتباك أوسع، تكشف عن تبادل مواقع الهامش والسخرية، وكأن القرية باتت في حاجة إلى إعادة تعريف مركزها؛ حيث تتقاطع موازين القوة بين التمرُّد والسلطة الاجتماعية، وقوانين الثأر، غير أن رهان «حامد» في النهاية لا يتجاوز الوقوع في الحب، والتعلُّق بأغاني الصعيد الشجيَّة التي يتلقاها بحساسيته المرهفة، فتبادله الهوى بالحساسية نفسها.


سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.