إبيكتيتوس: العبد الأعرج فيلسوفًا رواقيًا مثاليًا

علمنا كيف نغير ذواتنا حينما تكون الظروف خارج السيطرة

إبيكتيتوس
إبيكتيتوس
TT

إبيكتيتوس: العبد الأعرج فيلسوفًا رواقيًا مثاليًا

إبيكتيتوس
إبيكتيتوس

يروى أن الفيلسوف إبيكتيتوس، كان عبدا لشخص يدعى «إبافروديت». وذات يوم قرر سيده أن يلهو به بطريقة غريبة، وهي ليّ ساقه بآلة للتعذيب. فقال له إبيكتيتوس: «إنك ستكسر رجلي». لكن سيده لم يأبه لذلك، وتمادى في ليّها، وإبيكتيتوس يتحمل صابرا ولا يبدي جزعا، حتى كسرت ساقه. ولم يقل بعدها، سوى: «ألم أقل لك يا سيدي إنك ستكسر ساقي؟».
بالطبع، هذا الحادث سيجعل إبيكتيتوس يعيش بقية حياته، يعاني من ضعف الجسم وعرج الساق، لكنه يظهر لنا أيضا، وجها من فلسفته المنتمية إلى المدرسة الرواقية، التي تدعو إلى ضرورة الثبات عند الشدائد، والخضوع لتصرفات القدر، والصبر على المدلهمات، والسيطرة على الانفعالات العنيفة.. فمن هو إبيكتيتوس؟ وما أبرز ملامح مواقفه الرواقية؟
لمعالجة هذا الأمر، سنعتمد بالأساس، على كتاب إبيكتيتوس «المختصر»، الذي ترجمه إلى العربية وشرحه وعلق عليه، الدكتور عادل مصطفى، وأصدرته دار «رؤية» سنة 2015.

من هو إبيكتيتوس؟

يعد إبيكتيتوس من أهم فلاسفة الرواقية المتأخرين. وهو لم يكتب، شأنه شأن الفيلسوف سقراط. ويعود الفضل في كتابة سيرته وتوثيق أخباره وكتبه، لتلميذه فلافيوس آريانوس، الذي قام بمثل ما قام به أفلاطون مع أستاذه سقراط.
ولد إبيكتيتوس عام 50م، في مدينة تدعى هيرابوليس، في آسيا الصغرى (تركيا حاليا)، لوالد غير معروف، وأم جارية تعلم منها اليونانية. وقد ولد إبيكتيتوس عبدا، ولم تتح له فرصة التعلم. وحتى كلمة «إبيكتيتوس» مجرد لقب وليست اسمه الحقيقي، وتعني حرفيا باليونانية: «الشخص المقتنى» أو «العبد». وقد صار إبيكتيتوس، ينتقل من سيد إلى سيد، ومن مدينة إلى أخرى، إلى أن أصبح عبدا لرجل يدعى إبافروديت. وهو سكرتير الإمبراطور نيرون، وربما كان سيدا سيئًا. ويكفي أنه كسر له رجله لهوا، إلا أنه على الرغم من ذلك، قد قام بعمل جليل يشكره التاريخ عليه. فهو حالما اكتشف موهبة عبده، منحه مباشرة تعليما حرا. وقد كان التعليم آنذاك امتيازا. بل أرسله ليستمع إلى محاضرات الفيلسوف الرواقي البارز، آنذاك، موسونيوس روفس. وبعد الدراسة بسنوات، أصبح إبيكتيتوس فيلسوفا. وقد كان محظوظا، لأن لقبه فيلسوفا سيتزامن مع حصوله على حريته من سيده شديد الصرامة، قانونيا، وباعتراف «البريتور»، وهو القاضي الكبير عند الرومان. فأصبح مواطنا يعيش في روما في بيت صغير شبه متهدم ودون باب، ولا يوجد فيه سوى مائدة وحصير ومصباح من الحديد. وقد سرق منه المصباح الحديدي ليغيره بمصباح من الطين. عموما، كانت الوحدة والبساطة سمتي حياته. ويحكى أنه ذات يوم وجد طفلا متروكا بلا مأوى، فقرر أن يعوله مستخدما امرأة فقيرة للعناية به.
عندما تولى الإمبراطور دوميتيان الحكم، أصدر أمرا بطرد الفلاسفة من إيطاليا. وهجر إبيكتيتوس نحو سنة 91م روما، ليستقر في مدينة نيقوبوليس ببلاد اليونان، وفتح بها مدرسة، أصبحت تستقبل الطلاب أفواجا. وكان كثير منهم من علية القوم، أي من الشبيبة الأرستقراطية الرومانية. وكانوا يحرصون على الاستماع إلى دروس الفيلسوف العبد الأعرج. فحصل إبيكتيتوس على المجد والشهرة، من دون أن يسعى إلى ذلك، حتى قيل إن الناس كانت تقصده للشفاعة والوساطة.
ينتمي إبيكتيتوس إلى قمم الرواقيين أمثال المؤسس زينون، (355/ 263ق.م، وخريسيبوس (280/ 206ق.م)، والفيلسوف الشاعر الروماني سينيكا (4/ 65ق.م) والإمبراطور ماركوس أوريليوس (121/ 180م). إلا أن ميزة إبيكتيتوس، كانت في تطبيقه الصارم لتعاليم الرواقية. فحياته كانت صورة صادقة لفلسفته. كان يطبق ما كان ينادي به، فعاش حياة البسطاء مع القليل من الرزق، خيرا وصبورا، متحملا للنائبات. وكان عكسه مثلا، الفيلسوف سينيكا، الذي لم يلتزم برواقيته في سلوكه، فهو على الرغم من احتقاره المال، جمع ثروة هائلة، كما تورط في بعض المؤامرات وجرائم القصر الإمبراطوري.
ترك لنا إبيكتيتوس مؤلفين؛ هما: «الأحاديث» و«المختصر»، وهو لم يدون شيئا كما أشرنا. والفضل في بقاء كنوزه، يعود إلى تلميذه آريانوس الذي سجل خطب إبيكتيتوس باللغة اليونانية، التي كانت لغة الكلام والكتابة في ذلك الوقت. فكتاب «الأحاديث» هو، في الحقيقة، 8 كتب، لم يبق منها سوى 4 كتب، تضم 95 فصلا، عبارة عن خواطر نفسية وأخلاقية. أما كتابه «المختصر»، فهو ذائع الصيت، وكان يستعمله حتى رهبان الأديرة، ويضم 53 شذرة تعد أثمن متن في الأدب الرواقي، بل في الأدب الأخلاقي بوجه عام، ويمتاز بعبارات وجيزة ومركزة.
نقش على شاهد قبر إبيكتيتوس العبارة التالية: «عبد أعرج معوز.. ولكن عزيز لدى الآلهة». أحبه الإمبراطور هادريان وزاره في مدرسته في نيقوبوليس؛ بل اقتبس منه الإمبراطور الرواقي، ماركوس أوريليوس، كثيرا في كتابه «التأملات»، وأثنى عليه القديس أوغسطين. أما الفيلسوف بليز باسكال، فكان يعتبر أحاديث إبيكتيتوس أعز ما يقرأ.

فلسفة إبيكتيتوس

تعد الشذرة الأولى من مؤلف «المختصر»، خلاصة الأخلاق الرواقية. وهي بعنوان: «ما في قدرتنا وما ليس في قدرتنا»، حيث يوضح فيها إبيكتيتوس الموقف الرواقي الذي يفرق فيه المرء بين الأشياء التي له؛ أي التي في قدرته وتحت قبضة إرادته، والأشياء التي تخرج عن أمره؛ أي تلك الخارجة عن قدرته والمتجاوزة له. بعبارة أخرى، على الحكيم الرواقي أن يسأل نفسه: فيم يثق الإنسان؟ أكيد ليس في المال والممتلكات، أو الجسد والصحة، أو المجد والمنصب والمكانة، فهي أمور خارجة عن سيطرتنا، لكن يمكن الثقة، كل الثقة، في إدراكاتنا واختياراتنا وأفكارنا وأحكامنا على الأشياء، فهي الوحيدة التي توجد في إطار سيطرتنا. باختصار، علينا أن نفحص الأشياء، فإذا وجدناها لا تقع تحت تحكمنا، فلا ينبغي أن نعيرها وزنا. وكمثال توضيحي لذلك، نتجه صوب الشذرة الخامسة، التي تعالج قضية الموت. يقول إبيكتيتوس: «ليست الأشياء ما يكرب الناس، ولكن أحكامهم عن الأشياء. الموت مثلا ليس مريعا.. وإنما المريع هو الحكم بأن الموت مريع. لذا فعندما ينتابنا الإحباط أو الاضطراب أو الحزن، فإن علينا ألا نلوم غير أنفسنا، أعني غير أحكامنا نحن. أن يلوم المرء الآخرين على ما أصابه، فذلك من شيمة الجاهل. أما بداية العلم، فأن تلوم نفسك، وأما تمام العلم، فألا تلوم نفسك ولا غيرك».
إن إبيكتيتوس خصوصا، والرواقية عموما، يؤكدان على أن الضرر لا يكون إلا ذاتيا، وهو ليس موضوعيا أبدا.. فالمشكلة ليست في العالم الخارجي، بل في تصوراتنا، فالإنسان ضحية نفسه، فالموت لا حيلة لنا فيه، ولكن يمكن التحكم في الخوف من الموت، فهذا نقدر عليه. يقول إبيكتيتوس: «من التعس أن تنضج أكواز الذرة ثم لا تحصد، ومن التعس أن يكبر الإنسان ثم لا يموت». وعلى الحكيم الرواقي، الإيمان بالقدر والخضوع له من دون تلكؤ.
إن خلاص الإنسان أو تلفه بيده.. فإذا كان قدري أن أصفد بالأغلال، فبإمكاني ألا أئن وأعول. وإذا كان محتما علي النفي، فبمقدوري أن أذهب للمنفى مبتسما ومنشرحا. وإذا كان ينبغي أن أموت، فيمكن أن أموت راضيا من دون خوف. لهذا نجد إبيكتيتوس يؤكد أنه ليس لزاما أن نتخلص من الفقر، بل المهم هو التخلص من فكرتنا عن الفقر لنكون في أحسن الأحوال. فالرواقي النموذجي، يصحح ذاته وتصوراته، ولا يكثرت لما تأتي به صروف الدهر.. فهو يجتهد لتصحيح الفكر، ليصحح الانفعال ويحوله من السلبي إلى الإيجابي.. على الرغم من المرض، فإنه سعيد. وعلى الرغم من الخطر، فإنه سعيد. وعلى الرغم من السجن، فإنه سعيد.. سأقول لك إنه رواقي مثالي.
يقول الدكتور عادل مصطفى، إن عبارة «تصحيح الفكر لتصحيح الانفعال»، لهي فكرة رواقية بسيطة، تلقفها السيكولوجيون المعاصرون، قصد علاج الأمراض النفسية، كالاكتئاب والقلق والخوف والهلع.. فتشغيل الفكر قادر على تحويل النفس. ناهيك بأنه يشير، في التفاتة نبيهة، إلى أن الرواقية يمكن أن تكون ترياقا ضد المادية الاستهلاكية المعاصرة، لأنها تعلم عدم اللهاث وراء الأشياء الخارجية، والاكتفاء بالعالم الداخلي، فهو الخلاص.
بكلمة ختامية نقول مع إبيكتيتوس: «أعطني فكرا، وخذ كل أشياء العالم».



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».