قذاف الدم لـ «الشرق الأوسط»: الغرب يسعى إلى احتلال ليبيا بفتح جبهة طرابلس

القيادي السياسي الليبي قال إن حزبه يراهن على «الحوار لإنقاذ بلادنا.. ولدينا خيارات أخرى»

قذاف الدم لـ «الشرق الأوسط»: الغرب يسعى إلى احتلال ليبيا بفتح جبهة طرابلس
TT

قذاف الدم لـ «الشرق الأوسط»: الغرب يسعى إلى احتلال ليبيا بفتح جبهة طرابلس

قذاف الدم لـ «الشرق الأوسط»: الغرب يسعى إلى احتلال ليبيا بفتح جبهة طرابلس

لا يكف أحمد قذاف الدم، القيادي البارز في جبهة النضال الوطني الليبية، وابن عم الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي ومبعوثه الشخصي لسنوات طويلة، عن استخدام تعبير «ثورة الفاتح»، التي جاءت بالقذافي للحكم عام 1969، ويذكر ذلك بلهجة تنم عن قوة وثقة أكبر من أي وقت مضى، منذ سقوط النظام السابق في «ثورة فبراير (شباط) 2011»، لكنه يقول إن محاولة إعادة النظام القديم أمر غير واقعي، وإن حزبه لا يسعى لاستعادة السلطة، ولكن استعادة الوطن لكل الليبيين.
وتحدث في حوار مع «الشرق الأوسط»، عن «حراك جديد» داخل ليبيا يضم قادة من أنصار القذافي، وقادة من أنصار «فبراير»، إضافة إلى كتائب عسكرية، بهدف إنقاذ ليبيا بالطرق السلمية، إلا أنه لوَّح بإمكانية لجوء هذا الحراك لوسائل أخرى في حال فشلت محاولات الخروج من الأزمة بالتفاوض، قائلا إن الحراك يضم أصحاب خبرة سياسية وعسكرية وأمنية.
ولوحظ خلال الفترة الأخيرة أن عددا من القيادات الليبية يحرصون على زيارته في بيته في وسط القاهرة، من كافة أنواع الطيف السياسي الليبي، خاصة مع بدء عدة محاور لمفاوضات بين الأفرقاء الليبيين من توجهات مختلفة، بعيدا عن مسار الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة. وفي حواره حذر من خطر الفوضى، وقال إن تنظيم داعش ما زال يتلقى الدعم بالسلاح والمقاتلين عبر البحر والبر تحت أعين المجتمع الدولي. وأعرب عن اعتقاده بأن دولا غربية تسعى، بعد انتهاء الحرب في سرت، إلى فتح جبهة طرابلس لبث الفوضى تمهيدا لاحتلال ليبيا.

* يجري حاليا الحديث حول مقترح بإمكانية إنشاء مجلس عسكري ليبي يضم السراج وحفتر. هل ترى أن هذا ممكن؟
- توجد مسكنات وتوجد حلول جذرية. هذا المقترح قد يكون مجرد مُسكِّن لمرحلة معينة لأن القوى الرئيسية تغيب عنه. هذا وطننا. ونحن شركاء فيه. ما لم يتم تصحيح الوضع المقلوب فإن ليبيا لن تسير على قدميها. حتى يومنا هذا ما زال هناك تدفق للمقاتلين والأسلحة عبر البحر المتوسط ومن الجنوب إلى المتطرفين في ليبيا، بمن في ذلك «داعش». هذا يحدث تحت سمع وبصر العالم. «داعش» ليس لغزا بالنسبة لي. هؤلاء مدعومون. بالطبع سرت أُفرغت من سكانها في الحرب الطاحنة على ليبيا في 2011، وهي آخر مدينة سقطت. واليوم عليك أن تسأل من أين أتى «داعش سرت» بكل هذه الملايين من الدولارات لكي يستعد للحرب ويجلب الأسلحة والمقاتلين. المدد يأتيهم من البحر ومن طائرات تقوم بإنزال أسلحة ودعم وإمدادات طبية. قام شبابنا بتصوير هذا في سرت وفي منطقة اسمها النقازة. وأخيرا جرى إمداد تنظيم داعش بزوارق نقل بها 500 من مقاتليه من سرت إلى مدينة الخُمس (على الساحل الليبي غربا). «داعش» موجود في طرابلس وصبراتة وفي الجنوب وفي أكثر من مكان. الغرب يريد إغراق ليبيا في الفوضى حتى يجد مبررا لاحتلالها، ولهذا أتوقع معركة طاحنة في طرابلس لتدمير ما تبقى من العاصمة، وأتمنى من الله ألا يحدث هذا.
* بعد اللقاء الأخير الذي جرى في تونس لترميم حوار الصخيرات السياسي ودعم السراج، كيف ترى المستقبل؟
- لقد قلنا منذ اليوم الأول بأن ما يجري في الصخيرات، مع شكرنا الكبير لأشقائنا المغاربة لاحتضان هذا الحوار الأممي، ليس حوارا منصفا، بل حوار أعرج، لأنه يستثني أكثر من نصف الشعب الليبي الذين هم أنصار «ثورة الفاتح». نحن الرقم الصعب في المعادلة الليبية، كما أقول دائما. والغرب يريد أن يواري سوءته بما قام به في ليبيا. لقد دمَّر البنية التحتية ودمر النسيج الاجتماعي. لا شك أن شظايا الدمار الليبي وصلت إلى مصر وتونس وتشاد وغيرها. هذه الشظايا نراها اليوم وقد وصلت كذلك إلى أفريقيا الوسطى، وإلى أوروبا أيضا.. (بعض) الأسلحة التي استخدمت (على يد متطرفين) في أوروبا خرجت من ليبيا. للأسف قد يطال هذا الدمار آخرين كثيرين..
* هل تعتقد أنه لا توجد إرادة دولية موحدة لحل الأزمة في ليبيا؟
- الغرب حين جاء إلى ليبيا في 2011 جاء مجمعا، وكتلة واحدة، هو وحلفاؤه، لضرب القوات المسلحة وتدمير ليبيا. والآن انقسم على نفسه.. جزء منه أصبح يدعم القوات المسلحة في شرق ليبيا، ودول أخرى تدعم مصراتة وطرابلس (في غرب البلاد)، ودول أخرى أيضا أوروبية، تدعم «داعش» في ليبيا. هذا الحلف الدولي ما زال هو نفس الحلف، لم ينقسم على نفسه إلا في هذه المهام. أصبحت لديه مهام لدعم هؤلاء ودعم أولئك من الأفرقاء الليبيين.
* ما تفسيرك لهذا الأمر الذي طرحته الآن؟
- هذا الحلف يريد أن يقضي على القوى (الليبية) التي جاء بها في 2011، يسعى اليوم من أجل سحقها. الصورة الآن، حين تضع خريطة ليبيا أمامك.. ستشاهد الدعم الغربي لهؤلاء وأولئك. دعم مستتر بالطبع وعن طريق بعض الأدوات، وأحيانا يكون دعما مباشرا. والآن ظهر بشكل ظاهر للعيان بالفعل. لو أرادت أميركا أن تتخلص من «داعش» في مدينة سرت، فالأمر لا يزيد عن معركة يوم واحد. لكنها تقصف هنا وتقصف هناك. قصفوا أعدادا كبيرة من أهلنا في مصراتة (غالبية مقاتلي البنيان المرصوص ضد «داعش» من هذه المدينة).. أعداد من شباب مصراتة قُتلوا بصواريخ أميركا وهم يحاربون «داعش». هذه الصواريخ وهذه الطائرات الحديثة، لا تخطئ أهدافها. كما أن لديها على الأرض تقنية عالية تستطيع أن تميز حتى الذبابة في منتصف الليل.
* وهل يوجد ما يؤكد أن مقاتلين من عملية البنيان المرصوص سقطوا بفعل الضربات الأميركية؟
- نعم يوجد.. وإخواننا في مصراتة يعرفون ذلك.
* في تفسيرك.. ماذا يريد الغرب من ليبيا؟
- ببساطة يريد أن يحصل على ثمرة إسقاطه للنظام السابق وبالتالي السيطرة على سواحل ليبيا على البحر المتوسط التي تمتد بطول ألفي كيلومتر، وكذا يريد أن يفتح الطريق عبر ليبيا للوصول بكل سهولة إلى قلب القارة الأفريقية. ليبيا غنية بالثروات من النفط للغاز والذهب واليورانيوم. أعتقد أن الغرب يريد أن يستثمر الفوز كما يقول العسكريون. وعندما وصلت الأمور إلى هذا الحد، أصبح يريد أن يتخلص من العصابات التي بثها على الأرض الليبية منذ 2011، وأن يقضي على هذه الفيروسات التي أطلقها في الواقع الليبي الذي كان آمنا ومستقرا. والآن يريد أن ينهيها بطريقة أو بأخرى. يدعم كل الأطراف حتى يقتل الناس بعضهم بعضا دون معنى. شبابنا يتساقطون بتمويل ودعم.. في الحقيقة شيء مؤلم.. ماذا سيستفيدون؟ ولماذا هذا العناد؟ ولماذا هذا الدمار؟ ولماذا كل هذه الخسائر المادية والمعنوية؟ ولماذا تدمير مقدرات الوطن وثرواته. لمصلحة من؟ وإلى أين نحن ذاهبون بوطننا؟ هم (الغرب) وضعوا خططهم ونحن ننفذها بغباء شديد وبحماس شديد. وعلى هذا أن يتوقف فورا. وأدعو إخواننا العرب، عن طريق هذه الصحيفة الموقرة، أن يتحملوا مسؤوليتهم فيما حدث، لأن القرار الأول الذي فتح طريق التدخل في ليبيا خرج من الجامعة العربية. كان قرارا غير مدروس وغير قانوني أيضا، لأن الجامعة العربية لم ترسل في ذلك الوقت لجنة تقصي حقائق لما كان يحدث في ليبيا. بل طلبت من الأمم المتحدة التدخل، وهذا ما وصلنا إليه في نهاية المطاف.
* قد يقول قائل إن هذا أصبح جزءا من الماضي؟
- نحن لا نبكي على الماضي، ولا نريد أن نتحدث عن اللبن المسكوب.. ولكن نحن اليوم نريد إنقاذ وطن. وبالتالي على الجامعة العربية أن تتحرك. أنا أثق في أمينها العام (الحالي)، السيد أحمد أبو الغيط، وهو رجل منصف وخبير في الشؤون الدولية، ومدرك لمثل هذه المؤامرة منذ زمن طويل.. تستطيع الجامعة العربية أن تأخذ زمام الأمر أو أن تستعيد الملف مرة أخرى من الأمم المتحدة. الضرر كما قلت ليس على ليبيا فقط. دول كثيرة مجاورة لليبيا وأخرى في وسط أفريقيا، كان لديها علاقات اقتصادية قوية معنا. أي إن الضرر اقتصادي بالإضافة إلى الجانب الأمني. وأصبحت مثل هذه الدول مُصدرة للمهاجرين إلى أوروبا عبر ليبيا.
* وما العمل؟
- أولا ينبغي أن يعود ملف ليبيا إلى الجامعة العربية وإلى الاتحاد الأفريقي. ثانيا نحن على استعداد للحوار مع الجميع من أجل حقن دماء الليبيين. وعندما ننحني فإننا ننحني للوطن وعندما نتنازل فإننا نتنازل للوطن. كلانا.. نحن وخصومنا السياسيين. هذا التجاهل لهذا الكم الهائل من القوى.. أقول إننا لم نعد رقما صعبا في المعادلة الليبية فقط، بل أصبحنا الأغلبية.. نحن وكل من انضم إلينا من «فبراير» من عسكريين ومدنيين وقبائل. تكسرت بيننا الحواجز وجمعنا الوطن ومستعدون للاجتماع تحت رايته الجديدة. لذلك نطرح راية بيضاء للسلام.
* لكن البعض من أنصار النظام السابق يقول إن الراية البيضاء تعبر عن الاستسلام؟
- نعم هو استسلام، لكنه استسلام للوطن. هذه الراية توحد رؤى الليبيين على هدف واحد، وهو أن من يحمل هذه الراية يريد حقن دماء الليبيين ويريد وحدة ليبيا، ولا يريد تدخلا أجنبيا. ويريد عفوا عاما عن كل الليبيين، على أن يبقى الحق الخاص إلى أن تقوم الدولة. ومن يرفع هذه الراية يريد عودة القوات المسلحة والشرطة والقضاء. لدينا من الإمكانات ولدينا من التقاليد والأعراف ما نستطيع به إنهاء هذه الأزمة في خلال أسابيع.
* هناك مؤتمر «ليبي - ليبي» سيعقد قريبا في مدينة نالوت في الداخل الليبي. ماذا تتوقع؟
- سيجمع المؤتمر الغرب (الليبي) والشرق والجنوب، ونجلس معا لنتحاور. الحوار هو جزء من الحرب، لكنه من دون دماء ومن دون سلاح. أحيي الإخوة الذين يعدون الآن لهذا المؤتمر.. إخواننا في نالوت، والإخوة الذين معهم.. مشكورون لتحملهم هذه المسؤولية.
* هل المؤتمر سيكون بعيدا عن الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة؟
- نعم.. هي محاولة وطنية لإنقاذ الوطن. عمل إيجابي. ولن تكون هناك شروط لطرف على آخر. وكذلك إذا ما استضافت أي دولة عربية أي حوار «ليبي - ليبي» عليها ألا تستثني طرفا في هذا النزاع. الأمم المتحدة صاحبة مصلحة. والغرب عندما يريد أن يواري سوءته في ليبيا، والإيحاء بأن تدخله في 2011 كان إيجابيا، يقوم بلملمة بقايا «فبراير» لكي يصنع منها شيئا. الحقيقة أن هذا لن تقوم له قائمة لأن ما بني على باطل فهو باطل. أرجو ألا يظن الغرب أن هناك ليبيًا يقبل بوجود قواعد (أجنبية) على أرضه. وكل من يبيع الوطن سوف يسقط ويُحاكم. وأنا أحذر كل المسؤولين الليبيين الآن، والذين يوقعون الاتفاقيات والذين يسوِّقون ليبيا بثمن بخس للآخرين.. هذا يمس الكرامة الوطنية الليبية، ولن تسقط عقوبته عليهم بل ستبقى بالتقادم. الليبيون تربوا في مناخ وطني، يرفض التبعية والعمالة ولن يقبلوا، حتى وإن اختلفوا معنا، بما يحدث الآن. وأنا أعرف الكثير من المسؤولين في «فبراير»، ومنهم مسؤولون في مواقع مهمة داخل الدولة، لا يقبلون بما يقوم به السراج، ويعترضون عليه، وأحيانا يصلهم تهديد من هنا وهناك، ويهددونهم بما يسمونه «الأزلام (المقصود أنصار النظام السابق)». أو بعودة النظام القديم.
* لكن هناك من يرى أنه ما زالت توجد مخاوف من مساعي النظام القديم للعودة. ما تعليقك؟
- محاولة النظام القديم للعودة أمر غير حقيقي. نحن لا نريد استعادة السلطة، ولكن نريد استعادة الوطن لكل الليبيين. نحن جزء من الشعب و«ثورة الفاتح» هي ثورة جماهير. ونحن نقبل بما يقبل به الشعب ولن نفرض على الليبيين نظاما معينا. لن نقبل أن يضام ليبي أو يُستثنى ليبي. ولن نعود للانتقام من الليبيين. الليبيون جميعا ضحايا في هذه المعركة.
الذين شاركوا فيما حدث لليبيا هم ضحايا أيضا. هم إخوتنا وزملاؤنا وليس لدينا أي حقد تجاههم، وإنما علينا أن نأخذ بأيديهم. أنا في الحقيقة أشفق على كل هؤلاء المسؤولين الذين لدينا اليوم في ليبيا. هم في حالة تيه وضياع. هناك من يسرق الأموال لتهريبها إلى الخارج، ويعد العدة للفرار من ليبيا. والأيام حبلى بمفاجآت. الواقع اليوم، ونحن في أيام العيد المباركة، هو أن الليبيين لا يجدون رواتبهم ولا توجد كهرباء. الناس في كل مكان تضحي بأضحيات، ونحن نضحي بالبشر. الآن يقوم البعض باستئجار عصابات تأتي من الخارج لمواجهة خصوم سياسيين في الداخل عبر الاغتيالات والتفجير. وأصبحت هناك مجموعات مخصصة لهذه المهام، وأيضا الغرب لديه مجموعات أخرى في الداخل تستهدف كل من يرفض هذا الواقع. ليبيا التي كانت تُرعب الجميع، أصبح الليبيون الآن يعيشون في رعب في داخل بلدهم. ليبيا التي كانت تحتضن بأجنحتها ملايين من جيرانها من المواطنين المصريين والتونسيين والجزائريين والمغاربة والأفارقة، أصبح الليبيون يتسولون في شوارع هذه الدول. شيء مهين ومخجل. وهذا ما يوحد الليبيين اليوم. فرب ضارة نافعة. نحن جميعا نرفض هذا الواقع ونريد الخروج منه سلميا.
* هناك أيضا مَن ما زال يدعو إلى مواصلة محاكمة قيادات وأنصار النظام السابق؟
- نحن نقبل بهذا التحدي.. عندما تقوم الدولة، كلنا على استعداد للذهاب لمحاكم قانونية وشرعية. ومن أفسد ومن سرق ومن نهب ومن قتل يذهب للمحاكمة. أو مقابل هذا، يتم تنفيذ عفو عام على الجميع. هل يُحاكم أنصار النظام السابق ويصبحون داخل السجون، لأنهم دافعوا عن بلدهم ضد حملة صليبية وأساطيل دول أجنبية، ورفضوا أن ينصاعوا لها وقاوموها ببسالة لمدة 8 شهور، بينما العملاء الذين عاشوا في أحضان مخابرات الدول الأجنبية هم الذين يحكمون البلد. هذا شيء مهين في تاريخ ليبيا. وحتى بعد أن جاء مثل هؤلاء الحكام، لم يتوقف سيل الدماء أنهارا كل يوم. هم الآن ارتدوا على أنفسهم وارتدوا على بعضهم بعضا.. وفتحوا أبواب ليبيا للمرتزقة. هل تعلم أن لدينا آلافا مؤلفة من المرتزقة الأجانب الآن من إندونيسيا ومن ماليزيا ومن بلدان أفريقية وغيرها.. ليبيا أصبحت مختبرا. وهذا المختبر سينفجر على كل المنطقة.
* يوجد حوار آخر بدأ بين أنصار النظام السابق وأطراف منها «الجماعة الليبية المقاتلة»، بهدف الإفراج عن الألوف في سجون طرابلس ومصراتة، منهم قيادات كبيرة من عهد القذافي. إلى أين وصلت؟
- كما قلت.. نحن مع الحوار مع أي ليبي دون قيد أو شرط. الحوار - كما يظن بعض السذج - لا يعني أننا تصالحنا. الحوار هو من أجل الخروج من المأزق الذي وصلنا إليه. هم (الخصوم) الآن أمام طريق مسدود في ليبيا. وليس أمامهم حل. عرضوا الحوار. ونحن نوافق على الحوار. كلفنا قياداتنا في داخل السجون سواء في مصراتة أو طرابلس، وجرى تفويضهم باتخاذ ما تراه مناسبا. بعض الناس يقولون كيف لأسير أن يتفاوض مع سجانه. هذه ليست الحادثة الأولى. حتى (نيلسون) مانديلا (في جنوب أفريقيا) كان يتفاوض من داخل سجنه مع الآخرين. إذا كان الآخرون جادين، وأنا أعتقد أن هناك جادين. في مصراتة قاموا بخطوات إيجابية ونحن نثمن أي خطوة إيجابية يقومون بها. إذا اقتربوا منا خطوة سنقترب منهم. وأيضا في طرابلس.. مفاوضات جارية وبعض القيادات جادة، ونحن نتابع هذا عن كثب. ونحن ملتزمون أخلاقيا ووطنيا بأننا سوف نلتزم بما يلتزم به زملاؤنا في طرابلس وكذلك في مصراتة.
* هل توجد أي مؤشرات على قرب الإفراج عن قيادات سابقة مثل رئيس المخابرات عبد الله السنوسي، وآخر رئيس وزراء في عهد القذافي، البغدادي المحمودي، ورئيس جهاز الأمن الخارجي، أبو زيد دوردة، وغيرهم؟
- هؤلاء لا تهمة لهم.. تهمتهم الأساسية هي أنهم دافعوا عن وطنهم ودافعوا عن النظام. وإلى أن سقط النظام، كل ما قاموا به فهو شرعي ولا ينبغي أن يحاكموا عليه.
* حتى لو كانت قد صدرت ضدهم أحكام بالإعدام؟
- هذا كله زيف.. هذا كله مزوَّر.. هذا أولا.. ثانيا، حتى ولو كانوا أخطأوا فخطؤهم لا يقارن بخطأ أقل واحد في هذا النظام «الفبرايري» ممن ذبحوا وسلخوا وباعوا الوطن للأجانب ودمروا مقدرات ليبيا وإمكاناتها. لا توجد مقارنة. ثم مَن يُحاكم مَن؟ وبالتالي عليهم (في نظام فبراير) أن يتعظوا ولا ينبغي أن يغطوا عين الشمس بغربال. الشمس أشرقت. الليبيون في الداخل والخارج يعيشون في ظروف بائسة ولا أحد يستطيع أن يحجب هذه الحقيقة. والأحرار لا يقبلون بهذا. ونحن لا نريد أن نسقط هذا الواقع المزري لا بالقوة العسكرية ولا بالعنف. نحن اليوم نمد أيدينا من أجل عودة الوطن لأهله، مقابل أن ينسحب من اختطفوا الوطن سلميا. نحن لسنا عاجزين.. إذا ما فقدنا كل الوسائل السلمية من أجل إنقاذ بلدنا، فلن نتركه بهذا الشكل. ونحن كما قلت أصبحنا الأغلبية وموجودين داخل كل مدننا، عسكريين ومدنيين وأنصارا وقوى وطنية. ومعنا كم هائل من الكتائب.. وهناك كتائب كاملة كانت مع «فبراير» أصبحت معنا الآن في نفس الخط السياسي. هذا من خلال الحراك الجديد الذي أصبح يجمع «سبتمبر» و«فبراير» معا.
* هل هذا الحراك لديه القدرة على أن يكون حراكا مسلحا؟
- أرجو ألا نجبر على ذلك.. وإذا استمر العالم في هذا العناد فقد نتحدث لغة أخرى مختلفة. وعندها يكون لكل حادث حديث. ونحن قادرون.. لدينا تجربة سياسية هائلة، وتجربة عسكرية هائلة، ولدينا رصيد من العمل السياسي والعسكري والأمني في كافة أنحاء العالم. والعالم يعرفنا جيدا. لن نعجز عن استعادة ليبيا.



«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، موجةً جديدةً من التغييرات في القطاع التعليمي، مع إقدام الجماعة الحوثية على تعديل أسماء عدد من المدارس الحكومية والأهلية، في إطار سياسة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق توجهات آيديولوجية بصبغة طائفية.

وقالت مصادر تربوية إنَّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تغيير الأسماء، بل تمتد إلى إعادة صياغة البيئة التعليمية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والمضامين التربوية، في سياق سعي الجماعة لترسيخ خطاب فكري أحادي داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطالت التعديلات الحوثية مدارس معروفة بأسمائها التاريخية، حيث جرى استبدال أسماء شخصيات مرتبطة بالجماعة أو قتلى سقطوا في صفوفها، بأسماء تلك المدارس. ومن أبرز الأمثلة، تغيير اسم مدرسة «آزال الوادي» في مديرية الوحدة إلى اسم أحد قتلى الجماعة المعروف بـ«أبو زعبل»، إضافة إلى تغيير اسم مدرسة «موسى بن نصير» في مديرية معين إلى اسم «هاني طومر».

طلبة خلال طابور الصباح في مدرسة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأثارت هذه الخطوة استياءً واسعاً في الأوساط التربوية والطلابية، حيث عدّها معلمون وأولياء أمور محاولةً لطمس الهوية التعليمية والوطنية، مشيرين إلى أنَّ أسماء المدارس تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية، وأنَّ تغييرها يعكس توجهاً نحو «حوثنة» المؤسسات التعليمية، وفرض رموز ذات دلالات طائفية.

تعديلات موازية

وأكد عاملون في القطاع التربوي أنَّ قرارات تغيير الأسماء رافقها إدخال تعديلات على الأنشطة المدرسية والمحتوى الثقافي، بما يعزِّز خطاباً فكرياً موجَّهاً داخل المدارس. ويرى مختصون أنَّ هذه التغييرات قد تسهم في تقليص مساحة التنوع الفكري، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لنشر توجهات آيديولوجية.

من جهتهم، عبَّر طلاب في المدارس المستهدفة عن امتعاضهم من هذه الإجراءات، مؤكدين أنَّ التعليم يجب أن يبقى بعيداً عن أي توظيف سياسي أو طائفي. كما أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من هذه التحولات، مشيرين إلى توجه بعضهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى، رغم محدودية الخيارات المتاحة.

تحذيرات أممية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة تعليمية عميقة في اليمن، حيث يعاني القطاع من تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، ونقص حاد في الموارد.

وفي هذا السياق، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أنَّ نحو 3 ملايين و200 ألف طفل في اليمن خارج مقاعد الدراسة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

الحوثيون يجبرون منتسبي الجامعات والمدارس على تمجيد زعيم الجماعة (إكس)

وأوضحت المنظمة أنَّها تعمل خلال عام 2026 على إعادة أكثر من 172 ألف طفل إلى المدارس، إلى جانب توزيع مستلزمات تعليمية على أكثر من 316 ألف طالب، ودعم نحو 1200 معلّم عبر برامج تدريب وتأهيل مهني. إلا أنَّ هذه الجهود تصطدم بواقع معقد، في ظلِّ استمرار النزاع، وتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ويحذِّر مراقبون من أنَّ استمرار التلاعب بالعملية التعليمية، سواء عبر تغيير الأسماء أو المناهج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض فرص التعافي، مؤكدين أنَّ تحييد التعليم عن الصراعات يمثل شرطاً أساسياً لحماية مستقبل الأجيال.