الميليشيات العراقية.. «درع الأسد في دمشق»

يذهبون للقتال في سوريا سرا.. وتشيع جثامينهم في العراق علنا.. وبغداد تغض الطرف

الميليشيات العراقية.. «درع الأسد في دمشق»
TT

الميليشيات العراقية.. «درع الأسد في دمشق»

الميليشيات العراقية.. «درع الأسد في دمشق»

تغير الواقع الميداني في العاصمة السورية وريفها، لصالح القوات الحكومية، منذ وصول دفعات من مقاتلين ميليشيات عراقية مثل «الفضل أبو العباس»، وعصائب الحق.. وغيرها، للمشاركة في القتال إلى جانب القوات النظامية، بل صارت درعا واقية لنظام الرئيس السوري بشار الأسد.
وإذا كانت مشاركة حزب الله اللبناني تتركز في المناطق الحدودية مع لبنان، كما يقول ناشطون سوريون لـ«الشرق الأوسط»، أبرزها القصير بريف حمص الجنوبي، وريف دمشق الشمالي، مع مشاركة محدودة في مناطق الغوطة الشرقية وبعض الأحياء المحيطة بالسيدة زينب، فإن المقاتلين العراقيين يشكلون عصب المقاتلين الأجانب مع النظام في جنوب دمشق.
ومن الصعب تحديد عدد العراقيين المشاركين في القتال، نظرا لأن الوجود العراقي في مناطق جنوب دمشق يعود إلى عام 2001. ويقول مصدر معارض في جنوب العاصمة لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد المقاتلين العراقيين التقديرية «ترتكز أساسا على مصادر عراقية، حيث يرسل المقاتلون العراقيون بهدف الدفاع عن المواقع الدينية الشيعية، أبرزها مقام السيدة زينب في جنوب العاصمة»، لكن تلك الأعداد التي تقدر بستة آلاف مقاتل على الأقل «ليست دقيقة، لأن العراقيين الموجودين في سوريا والذين يقاتلون إلى جانب النظام لا يخضعون لتلك الإحصاءات».

تستقطب منطقة السيدة زينب في ريف دمشق أكبر أعداد للعراقيين الشيعة الذين نزحوا من العراق في الفترة الممتدة من 2001 و2004، هربا من التدابير التي اتخذها نظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين بحقهم قبل الغزو، وارتفعت أعدادهم بشكل قياسي في عام 2003 مع موجات النزوح بعد غزو العراق في عام 2003. ويقول ناشطون سوريون إن أعدادا كبيرة من العراقيين «حولت الشوارع المحيطة بمنطقة السيدة زينب إلى أحياء عراقية صرفة، وبقيت حتى بعد اندلاع الثورة السورية في عام 2011».
وظهرت نتائج مشاركة العراقيين في القتال، في خريف عام 2012، بعد وصول الاشتباكات إلى ريف دمشق الجنوبي بين القوات النظامية وقوات المعارضة.
وفي أول إجراء اتخذه المقاتلون العراقيون، اندفعوا إلى مقام السيدة زينب، وحاولوا إنشاء منطقة أمنية تعزله عن مواقع سيطرة المعارضة في الحسنية والذيابية جنوبا، وطريق المطار شمالا. وتقول مصادر عراقية في سوريا إن الدفعة الأولى التي تكفلت حماية المقام بلغ تعدادها 600 مقاتل، و«ظهرت بعد كتابة شعارات مذهبية على حائط مقام السيدة زينب، أبرزها (سترحلين مع النظام)»، وهو ما تنفيه المعارضة، قائلة إن «اختلاق هذه الذريعة هدف إلى تبرير تدخلهم للقتال إلى جانب النظام، وحشد تأييد الشيعة في العراق، واستقطاب المزيد من المقاتلين».
وتجاوز الميدان السوري هذه الذرائع في الوقت الراهن، علما بأن مصادر المعارضة تؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن المهام الأساسية للعراقيين، الوافدين منهم والمقيمين في السيدة زينب، «تتركز في المناطق المحيطة بالمقامات الدينية قبل أن تتوسع». ويقول مصدر بارز من مجلس قيادة الثورة في ريف دمشق، إن العراقيين «يقاتلون بشكل أساس في منطقة السيدة زينب، وفي محيط مقام سكينة بنت علي في داريا، الذي تسيطر عليه المعارضة، فضلا عن شحنهم للقتال في قريتين شيعيتين بريف حلب، هما نبل والزهراء، منذ شهر أغسطس (آب) الماضي، بعد تضييق الحصار على البلدتين اللتين تضمان أكثر من أربعين ألف شيعي».
ويعد «لواء أبو الفضل العباس» أبرز الميليشيات التي تقاتل هناك. وكان اللواء ظهر على الساحة السورية مع حلول شتاء عام 2012 وفي منطقة السيدة زينب المتاخمة للعاصمة دمشق في شكل فرقة عسكرية عالية التنظيم والتدريب، متمتعة بتسليح حديث ونوعي على مستوى الأفراد مما يجعلها شديدة الفعالية في حرب المدن والشوارع. فضلا عن ذلك، يتمتع اللواء بهيكلية وقيادة عسكرية واضحة، وهو على تنسيق تام مع ماكينة الجيش السوري النظامي.
غالبية المقاتلين في صفوف اللواء هم من العراقيين وينتمون إلى فصائل شيعية مقاتلة في بلادهم مثل «عصائب أهل الحق» و«جيش المهدي». ومع أن هناك ألوية أخرى مثل «ذو الفقار» و«عمار بن ياسر» و«كتائب سيد الشهداء» و«أسد الله الغالب»، إلا أن «لواء أبو الفضل العباس» هو الأكثر تأثيرا. وبالنسبة للحكومة العراقية فإنها أعلنت مرارا أن أحداث سوريا سوف تؤثر على العراق بشكل مباشر، معلنة في الوقت نفسه تمسكها بسياسة عدم التدخل في سوريا، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد ومع المعارضة. لكن قوى غربية اتهمت بغداد بغض الطرف عن مساعدات خارجية للأسد، منها استخدام طائرات إيرانية في المجال الجوي العراقي لنقل أسلحة إلى سوريا. لكن بغداد تنفي تلك الاتهامات وتنفي السماح لمقاتلين شيعة بالسفر إلى سوريا بحرية أو تقديم أي دعم لهم.
واستطاع المقاتلون العراقيون، ويتصدرهم «لواء أبو الفضل العباس»، من تحقيق انتصار للنظام في الأحياء المحيطة بالسيدة زينب، وأهمها الذيابية والحسنية في الخريف الماضي، قبل انتقالهم للقتال على محاور الاشتباكات المتواصلة حتى هذا الوقت في ببيلا، والحجر الأسود، ومخيم اليرموك، وسبينه، بالإضافة إلى تمددهم شرقا، بهدف عزل طريق المطار الأكثر توترا عن مناطق نفوذهم في السيدة زينب.
وقالت مصادر المعارضة الأسبوع الماضي إن المقاتلين العراقيين كانوا رأس حربة القتال في شبعا على طريق المطار، حيث قضى منهم ما يزيد على 12 مقاتلا أثناء محاولتهم صد هجوم نفذته جبهة النصرة وكتائب إسلامية أخرى في المنطقة. إضافة إلى ذلك، تشير المصادر إلى أن العراقيين شاركوا بفعالية في الهجوم على المليحة في الغوطة الشرقية، شمال العاصمة السورية.
وينظر معارضون إلى مشاركة العراقيين على أنها «محاولة من النظام لسد النقص في عدد مقاتليه والمخلص الذي ينتشر على مساحة واسعة من القتال في سائر أنحاء البلاد»، مشيرين إلى أن النظام «يستخدمهم كمرتزقة في حربه ضد المعارضة، ويتنقل بهم في أرجاء دمشق وريفها ويستخدمون كمقاتلين في الواجهة، وكحرس في الخطوط الخلفية».
وفي حلب، يتصدر هؤلاء محاور القتال على أطراف نبل والزهراء، بسبب نقص الكثير في القوات النظامية التي تقاتل في المنطقة. ويقول ناشطون إن النظام «يستطيع تجنيدهم عقائديا، من خلال زجهم في محاور قتال يوجد فيها الشيعة، لأنه لا يستطيع تجنيدهم للقتال إلى جانبه من غير خلفية عقائدية». ويشير هؤلاء إلى أن «كل فصيل أجنبي يقاتل إلى جانب النظام له دوره الذي يحثه على القتال، فإذا كان العراقيون يقاتلون في مناطق يوجد فيها الشيعة على نطاق واسع، فإن حزب الله يحشد للقتال في المناطق الحدودية بذريعة تأمينها».
ولا تتبنى السلطات العراقية أي طرف شيعي يقاتل أو يدعم جهة معينة في الحرب الدائرة في سوريا منذ نحو ثلاث سنوات، وتكرر نفيها السماح بإرسال مقاتلين إلى هناك حتى تحت ذريعة الدفاع عن الأماكن الشيعية المقدسة، وفي مقدمتها مقام السيدة زينب. لكن الواقع أن بعض الميليشيات الشيعية، بينها «حركة حزب الله» و«عصائب أهل الحق»، لا ترى «مانعا شرعيا» في التوجه إلى هناك ما دامت المهمة تنحصر في الدفاع عن المراقد الشيعية، خصوصا بعد «نبش» قبر الصحابي عدي بن حجر من قبل تنظيم القاعدة هناك، والسيرة على مقام سكينة في داريا، وهي مقامات بأغلبها ساهمت السلطات الإيرانية في بنائها وتسليط الأضواء عليها، كما ينظم الشيعة الإيرانية رحلات دينية إليها.
وعلى الرغم من تكرار النفي الرسمي العراقي بشأن إرسال مقاتلين من العراق يقاتلون إلى جانب نظام الأسد في الحرب الدائرة منذ نحو ثلاث سنوات فإن جهات عراقية غير رسمية تعترف إما بتشجيع من يذهب إلى هناك بحجة الدفاع عن المراقد الشيعية المقدسة، وإما أنها ترى أنه جزء من تكليف شرعي لا يحتاج إلى موافقة الحكومات.
النفي العراقي الرسمي جاء على لسان وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري أكثر من مرة، كما جاء على لسان وزارة الداخلية لأكثر من مرة أيضا. الحقائق على الأرض تشير إلى أن هناك مواطنين عراقيين قد يذهبون سرا إلى سوريا سواء من تلقاء أنفسهم أو بترتيب وربما بتشجيع من جهات معينة، لكنهم حين يقضون في المعارك فإن عودتهم إلى العراق لا تكون علنية فقط، بل كثيرا ما تجرى لهم مراسم تشييع كبيرة يلعلع فيها الرصاص وترفع الكثير من اللافتات السوداء في شوارع المدن التي ينتمون إليها، وغالبا ما تكون من المحافظات الوسطى والجنوبية ذات الغالبية الشيعية، وكثيرا ما يشارك في مراسم التشييع مسؤولون في الحكومات المحلية أو في الأحزاب الشيعية التي تقود السلطة حاليا في العراق.
الجهات الشيعية التي كثيرا ما يشار إليها على أنها هي من ترسل أو تغض الطرف عن إرسال مقاتلين شيعة يتولون حراسة مرقد السيدة زينب جنوب مدينة دمشق هي جيش المهدي التابع للتيار الصدري والمجلس الأعلى الإسلامي وعصائب أهل الحق وحزب الله - النهضة الإسلامية وكتائب حزب الله العراقي، والأخيرة تعتبر امتدادا للواء أبو الفضل العباس.
التباين في وجهات النظر والمواقف التي يجري التعبير عنها غالبا ما تمثل تباعدا بين مواقف مختلف الأطراف بما في ذلك التي تؤيد إرسال مقاتلين شيعة إلى سوريا، لكن ليس تحت أي غطاء رسمي. فلجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي وعلى لسان العضو فيها حامد المطلك ترى أن «العراق دخل طرفا في الأزمة السورية بطريقة لم تكن موفقة». ويقول المطلك في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «الحكومة العراقية التي كانت كثيرا ما تتهم النظام السوري بأنه هو من يقف خلف الإرهابيين الذين كانوا يتسللون إلى العراق من الأراضي السورية فإنها اليوم تكيل بمكيالين عندما تدافع عن النظام في سوريا وتغض النظر عن مشاركة عراقيين في القتال هناك بينما هي تعيب على الآخرين فعل ذلك». ويرى المطلك أن «الأزمة السورية تركت تأثيراتها السلبية على مجمل الأوضاع في العراق، وذلك لجهة كون الحدود سائبة بين البلدين، حيث يخرج منها المقاتلون إلى هناك تحت فتاوى الجهاد، وتدخل منها المجاميع المسلحة والإرهابية»، معتبرا إن «ذلك يجري كله بترتيب إيراني واضح».
ما يبدو مسكوتا عنه لم يعد كذلك إلى حد كبير، ففي تصريح تلفازي له مؤخرا أعلن نائب رئيس كتلة المواطن البرلمانية التابعة للمجلس الأعلى الإسلامي عبد الحسين عبطان أن «قتال بعض الشباب الشيعة في سوريا ليس خروجا على قانون الدولة». وأضاف عبطان أنه «إذا كانت الدولة السورية غير قادرة على حماية مرقد السيدة زينب فإن هناك متطوعين من الشيعة للدفاع عن كل مرقد ومكان مقدس في العالم»، مشيرا إلى أن «الحرب لم تعد اليوم بين النظام السوري وبعض الإرهابيين كالجيش الحر». وأضاف عبطان أن «قتال بعض الشباب الشيعة في سوريا لا يعتبر خروجا على قانون الدولة، لأنهم لا يقاتلون أحدا»، لافتا إلى أن «أولئك الشباب يحمون المراقد لأن ذلك جزء من واجبنا».
هذا الموقف يعد تطورا على الموقف العام الذي غالبا ما يكون غير واضح المعالم لدى بعض القيادات السياسية الشيعية، لا سيما التيار الصدري، ومن خلال «جيش المهدي» رغم صدور أوامر بتجميده من قبل زعيمه مقتدى الصدر. ففي الوقت الذي كشف فيه أبو عبد الله المتحدث باسم حزب الله - النهضة الإسلامية الذي يتزعمه واثق البطاط الذي أعلن عن تشكيل جيش أطلق عليه «جيش المختار» في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأوامر صدرت بتجميد عملية إرسال مقاتلين تابعين للحزب إلى سوريا في الوقت الحاضر»، فإن التيار الصدري أعلن نفيه أن يكون قد قام بإرسال مقاتلين من جيش المهدي إلى هناك. أبو عبد الله أضاف أن «الأوامر بالتجميد صدرت من الأمين العام واثق البطاط لقناعته أن ما يجري في سوريا هو شأن سوري ولا يجب التدخل فيه». المفارقة أن حزب الله - النهضة الإسلامية كان يرسل مقاتلين طبقا لما أكده المتحدث باسمه أبو عبد الله، لكنه توقف دون إيضاح المزيد من الأسباب في الوقت الحاضر، لكن أمين عام كتلة الأحرار الصدرية ضياء الأسدي سبق له أن نفى أن يكون التيار الصدري قد أرسل مقاتلين من جيش المهدي إلى سوريا. وفي مؤتمر صحافي كان قد عقده في مقر الهيئة السياسية للتيار الصدري أكد الأسدي أن «الكلام عن إرسال عناصر من جيش المهدي إلى سوريا تجنٍّ وتهويل، لذلك ننفي الأمر جملة وتفصيلا»، مؤكدا أن «مهام جيش المهدي داخل العراق وليس خارجه». وأضاف الأسدي أن «المعارضة السورية قد تريد أن تصرح بما تريد، لكن الواقع غير ذلك وزعيم التيار مقتدى الصدر نفى ذلك مرارا، وهو ضد التدخل في شؤون الغير». غير أن الموقف الأكثر وضوحا من بين كل مواقف الحركات والأحزاب الشيعية في العراق هو ما عبرت عنه كتائب عصائب أهل الحق التي يتزعمها قيس الخزعلي الذي كان أحد قادة التيار الصدري المقربين من مقتدى الصدر قبل أن ينشق عنه عام 2006، ويشكل هذه الحركة التي يعدها الصدر بأنها قريبة اليوم من ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه رئيس الوزراء نوري المالكي. الناطق الرسمي باسم العصائب أحمد الكناني أكد في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «العصائب سبق لها أن أعلنت موقفا رسميا من هذا الأمر قوامه أن الدفاع عن المقدسات الإسلامية واجب على كل مسلم سواء كان سنيا أم شيعيا»، مشيرا إلى أن «الاعتداء على المقدسات الشيعية قد يثير فتنة طائفية خشية أن تكون هناك ردود فعل حيال ذلك مثلما حصل في العراق عام 2006 عندما جرى تدمير مرقدي الإمامين العسكريين، حيث أدى الأمر إلى صراع طائفي، ولذلك فإننا نحاول تجنيب المنطقة هذا الصراع من خلال الدفاع عن مرقد السيدة زينب حتى لا تحصل ردود فعل غير محسوبة في حال تعرض المرقد لاعتداء». ونفى الكناني أن «يكون أي من مقاتلي الحركة يقاتل إلى جانب قوات النظام في سوريا، بل مهمتها تنحصر في الدفاع عن الأماكن المقدسة». وبشأن ما إذا كانت الحركة تبنى ذلك رسميا أو تغض النظر عمن يقوم بذلك قال إن «الحركة تضم مقلدين لعدة مراجع وليست مرجعا واحدا، وبالتالي فإن هناك مراجع شيعة كبارا أفتوا بالدفاع عن المقدسات الشيعية، وهذا يعني أن مقلديهم لدينا يذهبون، وهناك مراجع لم تصدر مثل هذه الفتاوى، وبالتالي لا أحد يذهب»، معتبرا أن «التكليف الشرعي للفرد وليس الموقف السياسي هو من يحدد الذهاب من عدمه». وردا على سؤال بشأن ما إذا كانت هناك حقوق شرعية للمقاتلين الذين يقتلون هناك قال إن «لدينا مؤسسة للشهداء، ولكن موضوع المقاتلين الذين يقضون في سوريا لم يدرج بعد في سياق عملها لأننا لسنا من يتولى ذلك بشكل رسمي، ولكن هناك جهات ومنظمات مجتمع مدني هي من تتولى مساعدة ذوي هؤلاء في حال حصل لهم شيء هناك».



ثلاثمائة يوم على كارثة السودان المنسية

آثار مواجهات الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" في الخرطوم (رويترز)
آثار مواجهات الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" في الخرطوم (رويترز)
TT

ثلاثمائة يوم على كارثة السودان المنسية

آثار مواجهات الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" في الخرطوم (رويترز)
آثار مواجهات الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" في الخرطوم (رويترز)

اضطرت القيادة العسكرية للجيش في حينه لإطاحة عمر البشير وتسلّم السلطة عبر مجلس عسكري انتقالي برئاسة المفتش العام للجيش وقتها الفريق عبد الفتاح البرهان، وينوب عنه قائد قوات «الدعم السريع» الفريق محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وضباط عسكريون آخرون أبرزهم الفريق شمس الدين الكباشي، والفريق ياسر العطا.

إلا أن المحتجين رفضوا أن يتسلم العسكر السلطة، واعتبروه «تحايلاً» على ثورتهم، فواصلوا اعتصامهم واحتجاجاتهم بقيادة تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير» و«تجمع المهنيين السودانيين»، مطالبين بتسليم السلطة لقادتهم المدنيين. لكن العسكر الطامعين في الحكم استخدموا القوة المفرطة لفض الاعتصام، فقُتل نتيجة للعنف والرصاص والإلقاء مقيدين في نهر النيل أكثر من مائة معتصم مدني إضافة إلى عشرات المفقودين، فضلا عن حملة اعتقالات واسعة.

قائد الجيش ورئيس «المجلس العسكري الانتقالي» عبد الفتاح البرهان، خرج للعلن عقب فض الاعتصام، وأوقف التفاوض مع القوى المدنية على تسليم السلطة، ووعد بتشكيل حكومة انتقالية. إلا أن الشارع الثوري لم يتح له تنفيذ تعهداته، إذ استمرت الاحتجاجات المطالبة بتسليم الحكم للمدنيين، وشارك فيها ملايين السودانيين في مختلف مدن السودان، وأشهرها ما عرفت بـ«مليونية 30 يونيو» 2019، إذ خرج كل السودان – تقريبا – إلى الشوارع، متحدياً «الصدمة والترويع» الناتجة عن فض اعتصام القيادة العامة.

غريفيث (رويترز)

وعندها اضطر قائد الجيش ورئيس «المجلس العسكري الانتقالي» إلى العودة للتفاوض مع «قوى الحرية والتغيير» تحت الضغط الشعبي والشارع الثورة. وحقاً توصل الطرفان لتوقيع «الوثيقة الدستورية» الحاكمة للفترة الانتقالية بعد تفاوض شاق في 17 أغسطس (آب) 2019. وقضت «الوثيقة» بتقاسم السلطة السيادية بين المدنيين والعسكريين خلال فترة الانتقال، وتولي العسكريين رئاسة «مجلس السيادة» خلال الفترة الأولى، وأن تؤول الفترة الثانية للمدنيين، ومن ثم تكون السلطة التنفيذية «كاملة» من المدنيين، وحدّدت فترة انتقالية.

تكوّنت، وفقاً للوثيقة الدستورية، حكومة انتقالية بين تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير» - الذي حصل على «حصة الأسد» من السلطة - من مجلسين:

1 - مجلس سيادي يضم 11 عضواً هم خمسة عسكريين يختارهم الجيش وخمسة مدنيين تختارهم «قوى الحرية والتغيير» وعضوا مستقلا يصار إلى اختياره بالتشاور بين الطرفين.

2 - ومجلس وزراء مدني بالكامل، على أن يترأس المجلس السيادي في المرحلة الأولى من الانتقال العسكريون، والفترة الثانية تنتقل السلطة السيادية إلى المدنيين.

أيضاً، توافق المدنيون والعسكريون على أن يتولى الفترة الأولى رئيس «المجلس العسكري الانتقالي» وقائد الجيش (وقتها) الفريق عبد الفتاح البرهان، وينوب عنه قائد قوات «الدعم السريع» الفريق محمد حمدان دقلو «حميدتي»، بينما شكّل المدنيون مجلس وزراء اختاروا له الأكاديمي الاقتصادي والموظف الأممي الرفيع الدكتور عبد الله حمدوك رئيساً، الذي أدى اليمين الدستورية 21 أغسطس 2019، وشكل حكومته من مدنيين رشحتهم «قوى الحرية والتغيير» باستثناء وزيري الدفاع والداخلية، فترك أمر ترشيحهما للعسكريين.

«انقلاب»... وتراجعلكن العسكريين الطامعين في الحكم (أي قائد الجيش وقائد «الدعم السريع»)، وبتشجيع ودفع من الحركة الإسلامية – الاسم السوداني لتنظيم الإخوان المسلمين – وحزبها «المؤتمر الوطني»، دبروا انقلاباً عسكرياً على الحكومة المدنية بقيادة الدكتور حمدوك، وألقوا القبض على الوزراء والسياسيين بمن فيهم رئيس الوزراء، وأعلنوا «حالة الطوارئ» العامة في البلاد.

البرهان (آ ف ب)

لم يستطع الانقلابيون المدعومون بالإسلاميين وبعض قادة الحركات المسلحة الموقّعة على «اتفاق سلام السودان» في جوبا، بعد انقلابهم إدارة البلاد، فقد واجهوا معارضة شعبية سلمية واسعة وشجاعة، اندلعت ضد انقلابهم حتى قبل إذاعة بيانه. ورغم العنف الذي استخدم ضد المحتجين السلميين ومقتل المئات منهم معظمهم من الشباب والنساء وبينهم أطفال، استمر التظاهر والاحتجاج على الانقلاب، فإذا بشريك الانقلاب قائد قوات «الدعم السريع» يعلن «فشل الانقلاب»، وتأييده لعودة الحكم المدني قائلاً إنه «خُدع» بانقلاب أعاد النظام السابق إلى الواجهة مجدداً.

وإزاء ذلك «اضطر» العسكريون للمرة الثانية للعودة للتفاوض مع المدنيين، ووقعوا معهم ما عرف بـ«الاتفاق الإطاري» في 5 ديسمبر (كانون الأول) 2023، ونص على تكوين حكومة مدنية انتقالية جديدة، وعلى إزالة تمكين نظام الإسلاميين ومحاسبته، وتكوين جيش وطني موحد.

عقب توقيع «الاتفاق الإطاري»، نُظّمت عدة ورش عمل الهدف منها إعداد الدراسات اللازمة لحل قضايا البلاد، وفقا لرؤى متوافق عليها بين أعرض تراصف وطني مدني وعسكري، شملت الاقتصاد وكيفية الحكم، وبينها «القشة التي قصمت ظهر البعير» التي هي «ورشة الإصلاح الأمني والعسكري». ولكن بعدما أكملت التوصيات قاطعها الجيش السوداني، ووافقت عليها قوات «الدعم السريع».

وكان الاتفاق النهائي مقرراً بين الجيش والمدنيين في 6 أبريل (نيسان) 2023، إلا أن الحركة الإسلامية وأنصار النظام السابق وحلفاء «انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021» الذي أطاح حكومة حمدوك، شنوا حملات ترهيب وتخويف عنيفة، حال توقيع هذا الاتفاق، وتصاعدت الخلافات بين الجيش و«الدعم السريع» وبلغ التوتر ذروته بين الطرفين. وتمثلت أبرز الخلافات بشكل أساسي على سنوات إدماج «الدعم السريع» وقوات الحركات المسلحة في الجيش. ففي حين «اقترحت (الدعم السريع) إكمال العملية في غضون سنوات، أصر الجيش على إكمالها خلال أشهر. كذلك ثار خلاف عنيف على الهيكل القيادي خلال فترة الانتقال، فالجيش تمسك بأن تكون القوات بما فيها «الدعم السريع» تحت إمرة القائد العام للجيش، بينما رأى «الدعم السريع» أن تكون قيادة القوات تحت إمرة القائد الأعلى للقوات وهو «رئيس الوزراء المدني» وفقا لنصوص مشروع الاتفاق.

هجوم 15 أبريل حاولت القوى المدنية الموقعة على «الاتفاق الإطاري» إزالة التوتر بين الجيش و«الدعم السريع»، وكادت أن تتوصل إلى اتفاق، إلاّ أن الجميع فوجئوا صبيحة السبت 15 أبريل (نيسان) بقوة عسكرية تابعة للجيش تهاجم قوات «الدعم السريع» في معسكر «المدينة الرياضية» جنوبي الخرطوم. وهو الهجوم الذي تعتبره «الدعم السريع» شرارة الحرب، بينما يعتبر الجيش ومؤيدوه أن الحرب بدأت لحظة استجلاب «الدعم السريع» قوات إلى الخرطوم، ومحاصرة القاعدة الجوية في مطار مروى بشمال البلاد. وهكذا اندلعت الحرب التي لم تتوقف وأصابت البلاد بخراب شامل وكامل، وكل طرف يتهم الآخر بإشعال شرارتها.

"حميدتي" (رويترز)

كابوس إنساني

بحسب مارتن غريفيث، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، خلفت الحرب «أحد أسوأ الكوابيس الإنسانية في التاريخ الحديث». وكان غريفيث قد حذر في تصريحات الأسبوع الماضي بقوله «لا تنسوا السودان، وهذه رسالتي البسيطة التي أرغب في توجيهها لكم». ووصف الأوضاع في السودان بأنها أسوأ مما هي عليه في «أوكرانيا» بقوله «عندما كنت قبل أسابيع هنا أدعو لتذكر أوكرانيا لأنها خرجت من الأخبار، لكن من الواضح أن السودان في حالة أسوأ من أوكرانيا، وهو في حاجة إلى اهتمام ورعاية كبيرين من طرفنا».

ووفق آخر إحاطات «منظمة الهجرة الدولية» (IOM) الصادرة 14 فبراير (شباط) الحالي، التي تتابع النزوح في السودان، فإن 6.217.222 فرداً نزحوا داخليا منذ اندلاع القتال منتصف أبريل الماضي، 57 في المائة منهم نزحوا من ولاية الخرطوم، و32 في المائة منهم من دارفور، والباقون من أكثر من 12 ولاية من جملة 18 ولاية.

وأفادت مصادر أخرى تتابع النزوح بأن ما يقدر بنحو 1.803.213 شخصا هاجروا إلى بلدان الجوار عبر الحدود، مثل مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وكينيا وأوغندا، وأيضاً إلى دول خليجية، بينا ذكرت تقارير أن من بين كل 8 نازحين أو لاجئين حول العالم لاجئا سودانيا على الأقل. وأشارت «الهجرة الدولية» إلى أن انقطاع الاتصالات والإنترنت في البلاد منذ 6 فبراير (شباط) الحالي، أعاق وصول فرقها الميدانية، ولذا عجزت عن تقديم معلومات محدثة إلى مكاتبها، وكان آخر تحديث لبياناتها في 2 فبراير 2024.

من جهة ثانية، وفقا لتقارير صحافية سودانية فإن ملايين النازحين واللاجئين يعيشون ظروفا إنسانية بالغة التعقيد، فداخلياً يعوق استمرار القتال وتعنت طرفي الحرب إيصال المساعدات الإنسانية للنازحين، بينما يعاني مئات الآلاف منهم في دول الجوار أوضاعا إنسانية بالغة التعقيد. وبالفعل نقلت مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لمئات اللاجئين وهم يتكدّسون في المساجد في إريتريا المجاورة، على سبيل المثال. وأفادت «الهجرة الدولية» بأن نحو 18 مليون شخص مهددون بظروف صعبة بسبب الغارات الجوية وقصف المستشفيات والسجون والمدارس وغيرها من المرافق في المناطق السكنية المكتظة، وأيضاً انتشار الأمراض الحادة، بشكل خاص الكوليرا وحمى الضنك والملاريا، في عدد من الولايات، في ظل استمرار التدهور السريع للظروف الصحية، وافتقار الملايين لمياه الشرب النظيفة، وارتفاع تكاليف الغذاء والدواء والوقود، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي.

ويقول «برنامج الأغذية العالمي» إن أجزاء كثيرة من السودان معرّضة الآن بشكل كبير «لظروف جوع كارثية» من دون مساعدات غذائية إضافية، في حين تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما يقرب من 25 مليون شخص، أو أكثر من نصف سكان السودان البالغ 45 مليونا، يحتاجون إلى المساعدة والحماية.

خسائر جسيمة لحقت بالمدنيين والعسكريين على السواء

> بلغ حصاد الأرواح في السودان، لتاريخه، نحو 13 ألف ضحية مدنية، وعشرات الآلاف من الجرحى الذين لا يحصل الكثيرون منهم على العلاج بسبب خراب البيئة الصحية. ولقد قتل وأصيب معظم هؤلاء بالقصف الجوي للطيران الحربي التابع للجيش، أو عن طريق القصف المدفعي العشوائي الذي يمارسه طرفا القتال، أو عن طريق الرصاص الطائش، أو أحيانا الموت تحت التعذيب في معتقلات طرفي القتال. وتذكر تقارير صحافية أن أعمال عنف وتعذيب واسعة تمارس ضد المعتقلين من المدنيين والعسكريين في معتقلات استخبارات طرفي القتال، وترجح التقارير أن عشرات الآلاف من الأسرى لدى قوات «الدعم السريع» يتعرضون لانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، وعدد أقل لدى استخبارات الجيش، وعادة ما يواجه المعتقلون من الطرفين الاتهام بموالاة الطرف الآخر، والعمل ضمن استخباراته، وتمارس عليهم الضغوط والتعذيب للحصول على معلومات عنه. وذكرت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان في بيان لها أن الحرب حصدت أرواح السودانيين وجعلت من الوضع الإنساني في البلاد «كارثة معقدة»، وأن الفئات الضعيفة من المجتمع «الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل» تواجه تعقيدات جمّة في الهرب من القتال وتتعرض تبعا لذلك حياتهم للخطر. أما بالنسبة للعسكريين، فمنذ اندلاع الحرب لم يكشف أي من طرفي القتال حجم خسائره البشرية، ناهيك عن خسائره المادية، ولا أحد يعلم عدد الشباب المشاركين في القتال الذين راحوا ضحية للتحشيد والتحشيد المضاد. لكن ضابطاً رفيعاً في الجيش السوداني ذكر في «فيديو» على صفحته على «فيسبوك» أكثر من 30 جنرالاً من قيادات الجيش قتلوا أو أسروا من قبل «الدعم السريع» على رأسهم المفتش العام للجيش الفريق مبارك كوتي، الذي لا يزال أسيرا منذ اليوم الأول للحرب. وذكر العميد طبيب طارق كجاب أن عدداً من كبار قادة الجيش السوداني قتلوا، بينهم ضابط برتبة فريق، وخمسة برتبة لواء (الفريق حمد عبد القيوم، قائد قوات المدرعات، واللواء أيوب عبد القادر واللواء حسن عرديب واللواء هاشم إبراهيم واللواء ياسر فضل الله، واللواء متوكل)، وما لا يقل عن 16 ضابطا برتبة عميد. ووفقا لتراتبية الجيش السوداني، فإن عدد القتلى من كبار الضباط يشير إلى عدد القتلى من صغار الضباط والجنود خلال الحرب، وهو في أقل التقديرات لا يقل عن عشرات الآلاف. أما «الدعم السريع» فلم تعلن عن عدد قتلاها، سوى كبار الضباط أو القادة، ولا توجد إحصائيات رسمية أو حتى غير رسمية توضح العدد الفعلي لقتلى هذه القوات، باستثناء ما تنشره بعض صفحات التواصل الاجتماعي الموالية لها عن مقتل قادة ومقاتلين، وما يصدر عن الجيش من أنه «قتل عددا كبيرا منهم». وكان مساعد القائد العام الفريق ياسر العطا قد ذكر في تصريحات أغسطس (آب) الماضي، ونقلتها «الشرق الأوسط» وقتها، أن الجيش قضى على 80 في المائة من قوات «الدعم السريع» التي بدأت الحرب بأكثر من مائة ألف مقاتل، وهو رقم - إن صح – يعني نهاية الحرب.

الخراب الاقتصادي والأزمة الصحية

> قال الخبير الاقتصادي ووزير المالية السوداني الأسبق إبراهيم البدوي خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في تسجيل سمعته «الشرق الأوسط»، إن الدمار الذي شهدته البلاد سيكون ضخما جداً. وتابع أنه لولا تعثر المسار الدستوري واندلاع الحرب، كان الاقتصاد السوداني بنمو طيب جداً. ولكن بمقارنة النمو الاقتصادي في البلاد الذي كان بنسبة 4 في المائة سنوياً، وبين النمو السلبي الذي يشهده الآن، فإن خسائر الاقتصاد السوداني خلال السنوات الـ15 الماضية، تبلغ 165 بليون (مليار) دولار، أي ست مرات حجم الناتج المحلي للعام 2022. وقدّر البدوي الخسائر الفعلية للحرب بنحو 60 بليون دولار حتى الآن، مع هلاك نحو 10 في المائة من البنية التحتية الإجمالية، حتى ديسمبر الماضي. وأردف أن الاقتصاد السوداني، في حال توقف الحرب، سيكون بحاجة إلى دعم اقتصادي عاجل يتراوح بين 5 و10 بلايين دولار، بينما «استمرار الحرب سيؤدي لتدمير الاقتصاد والدولة السودانية». وفعلاً، تسببت الحرب في تعطيل التجارة والنقل والزراعة، فأوقفت حركة الاقتصاد، ودفعت الملايين إلى الاعتماد على المساعدات الخارجية، مع خراب كبير للبنى التحتية، قدرته تقارير نقلتها صحيفة «مداميك» بنحو 900 منشأة صناعية. أما على الصعيد الصحي، فقد حذرت «منظمة الصحة العالمية» يوم الأربعاء الماضي من انتشار الوبائيات الناجمة عن النزوح واللجوء، مع ضعف إمكانية الحصول على المياه والصرف الصحي والغذاء والخدمات الصحية الأساسية. وقال بيتر غراف، القائم بأعمال المنظمة في البلاد، إن الوضع في السودان بمثابة «عاصفة كاملة»، وإن «النظام الصحي لا يعمل بشكل جيد، وبرنامج تحصين الأطفال ينهار، والأمراض المعدية تنتشر». وتابع غراف أن الناس يضطرون للسير لعدة أيام للهرب من العنف والحرب، ولا يجدون إلاّ مأوى مكتظا لا تتوفر فيه المياه والصرف الصحي والغذاء والخدمة الصحية الأساسية، مضيفاً «شهدت بنفسي النزوح داخل السودان وفي تشاد المجاورة، وما رأيته مثير للقلق ومفجع». ووفقاً لتقارير صحافية سُجِّل منذ بداية الحرب أكثر من 10 آلاف إصابة بالكوليرا، و5 آلاف بالحصبة، و8 آلاف بحمى الضنك، وأكثر من 1.2 مليون حالة إصابة بالملاريا. وأوضح غراف أن 25 مليونا بحاجة لمساعدات إنسانية، بينهم 18 مليونا يواجهون الجوع الحاد، و5 ملايين بلغوا مستويات طوارئ الجوع، وتوقع «مستويات كارثية من الجوع» في مناطق الحرب، بينما يعاني 200 ألف طفل في دارفور وحدها الجوع الذي يهدد حياتهم، فيما تصطدم جهود الإغاثة الإنسانية بالعقبات البيروقراطية التي تحول دون الوصول للمحتاجين.


نواف سلام... رئيساً لمحكمة العدل الدولية ويبقى مرشحاً بارزاً لرئاسة حكومة لبنان

نواف سلام... رئيساً لمحكمة العدل الدولية ويبقى مرشحاً بارزاً لرئاسة حكومة لبنان
TT

نواف سلام... رئيساً لمحكمة العدل الدولية ويبقى مرشحاً بارزاً لرئاسة حكومة لبنان

نواف سلام... رئيساً لمحكمة العدل الدولية ويبقى مرشحاً بارزاً لرئاسة حكومة لبنان

هو القاضي اللبناني نواف سلام... رئيس «محكمة العالم»، الذي اختار العمل بهدوء بعيداً عن ضوضاء السياسة الداخلية وزواريبها، لكنه حمل من حيث هو في الأمم المتحدة، حيث شغل منصب سفير لبنان، وفي محكمة العدل الدولية التي انضم إليها منذ عام 2018، لواء الدفاع عن سيادة لبنان واستقراره وعن القضية الفلسطينية والقضايا الإنسانية.

لم تغر الدكتور نوّاف سلام، ابن البيت السياسي البيروتي العريق، المناصب ولا المراتب، لكنه وصل إليها نتيجة جهوده ومثابرته ليعيّن في شهر فبراير (شباط) الحالي رئيساً لـ«محكمة العدل الدولية» لمدة ثلاث سنوات. وبذا يغدو القانوني اللبناني ثاني عربي يترأس هذه المحكمة منذ إنشائها عام 1945، بعد وزير خارجية الجزائر الأسبق محمد بجاوي.

كان سلام، الذي يتبوأ اليوم أعلى سلطة قضائية في العالم، قد انضم عام 2018 إلى هذه المحكمة التي تتألف من 15 قاضياً يُصار إلى انتخابهم من قبل مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة. ولقد لقيت خطوة انتخابه لهذا المنصب الرفيع ترحيباً لبنانياً واسعاً في لبنان، ولا سيما من داعميه الذين سبق أن كانوا قد رشّحوه لرئاسة الحكومة وعدّوا الامتناع عن تسميته لرئاسة الحكومة خسارة وطنية للبلاد. وفي المقابل، شكّل تعيين سلام قلقاً لإسرائيل، التي عبّر إعلامها بشكل واضح عن هذا الأمر انطلاقاً من مواقفه المعلنة المساندة للقضية الفلسطينية. إذ عدّت صحيفة «الجيروزاليم بوست» أن سلام صاحب تاريخ طويل بمناهضة إسرائيل عبر تصريحاته ومواقفه، مذكرة بموقف له على وسائل التواصل الاجتماعي حيث كتب عام 2015 متوجهاً إلى إسرائيل بالقول «عيد ميلاد غير سعيد لك، 48 عاماً من الاحتلال». ورأى كذلك أن «تصوير منتقدي سياسات إسرائيل بأنهم معادون للسامية هو محاولة لترهيبهم وتشويه سمعتهم، وهو ما نرفضه»، داعياً إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية وإلى عضوية فلسطين في الأمم المتحدة.

من القضية الفلسطينية إلى الهم اللبناني

في الواقع شكّلت القضية الفلسطينية محوراً أساسياً في حياة الشاب نواف سلام وأبناء جيله، ولا سيما في مرحلة «منظمة التحرير الفلسطينية» وأيام الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وهو ما ظهر جلياً في ممارساته وحياته الأكاديمية والسياسية والدبلوماسية.

وفي مقابلة سابقة له مع قناة هيئة الإذاعة البريطانية، (البي بي سي)، أكد سلام أنه ناضل خلال فترة دراسته الجامعية من أجل القضية الفلسطينية، وكان لنكسة يونيو (حزيران) 1967 تأثير كبير على شخصيته كما على كل الشباب من أبناء جيله. وأردف أنه إبان ترؤسه مجلس الأمن الدولي في شهر مايو (أيار) 2010 بكى تأثراً عندما تسلم ملف فلسطين لتقديم عضويتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

والواقع أن مؤازرة سلام للقضية الفلسطينية وحراكه وانفتاحه الذي تتميز به شخصيته كانت باباً لعلاقاته الواسعة في لبنان وخارجه. وفي هذا السياق، يصفه صديقه الوزير السابق والنائب الحالي مروان حمادة بـ«السياسي غير التقليدي» على الطريقة اللبنانية.

ويتابع حمادة نواف سلام «يشبه منطقة رأس بيروت المتنوعة والمنفتحة والعابرة للطوائف». ويستطرد «نضاله وانفتاحه أنتجا شخصية هادئة أخذت موقعها الوسطي الذي يميل إلى الأفكار الليبرالية – الاشتراكية، وهو ما ظهر بشكل واضح في كتاباته ومؤلفاته».

وحقاً، شكّل حمله لواء القضية الفلسطينية قاعدة صلبة لحمله لواء القضية اللبنانية منذ أن بدأ مسيرته السياسية والدبلوماسية، وخاصة، عندما شغل مقعد لبنان غير الدائم في الأمم المتحدة بين عامي 2009 و2010.

ومن على منبر مجلس الأمن والأمم المتحدة، حمل سلام الدبلوماسي والقانوني، لواء سيادة لبنان في مواقف قاطعة ضد إسرائيل وانتهاكها للقرارات الدولية، ولا سيما عبر القرار 1559 الذي ينص على احترام سيادة لبنان واستقلاله ووحدة أراضيه، والقرار 1701 الذي أدى إلى وقف إطلاق النار في عام 2006 بين لبنان وإسرائيل. يضاف إلى ذلك العمل على تعزيز «سياسة النأي بالنفس» عن الحرب في سوريا، والسعي إلى إنهاء الإفلات من العقاب من خلال إنشاء «المحكمة الدولية الخاصة بلبنان» للنظر في قضيّة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1757.

وبالفعل، كان الهم اللبناني، أول ما تحدث عنه، سلام - ابن بيروت - عند انتخابه رئيساً لـ«محكمة العدل الدولية»، إذ قال إن ذلك يحمّله «مسؤولية كبرى في تحقيق العدالة الدولية وإعلاء القانون الدولي». وأردف: «أول ما يحضر إلى ذهني في هذه اللحظة هو همي الدائم أن تعود مدينتي بيروت (أمّاً) للشرائع كما هو لقبها، وأن ننجح - نحن اللبنانيين - في بناء دولة القانون في بلادنا، وأن يسود العدل بين أبنائه».

أسرته وولادته ونشأته

ولد نواف عبد الله سليم سلام يوم 15 ديسمبر (كانون الأول) 1953 في العاصمة اللبنانية بيروت. وهو يتحدّر من عائلة سياسية بيروتية معروفة. إذ كان جده لأبيه «أبو علي» سليم علي سلام (1868 – 1938) أحد أبرز زعماء المدينة في مطلع القرن العشرين، وأحد نوابها في البرلمان العثماني (مجلس المبعوثان)، كما تولى رئاسة بلديتها (عام 1908)، وترأس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية (كبرى الجمعيات الخيرية الإسلامية في لبنان). ولكن، بعدما أسقط الاتحاديون الأتراك (جمعية الاتحاد والترقي) السلطان عبد الحميد الثاني، تغيّرت سياسة الباب العالي تجاه أهل الشام نتيجة اعتماد الاتحاديين سياسة «التتريك». وهكذا، بدأت حركات التحرر العربية تلوح بالأفق، وانضم سليم سلام لـ«المؤتمر العربي الأول» في باريس عام 1913. وساهم بتأسيس «جمعية الإصلاح البيروتية» المناهضة للسياسة التركية في الشرق. وعام 1918 بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ونجاح «الثورة العربية»، وتشكيلها «الحكومة العربية الكبرى»، كان سلام أحد أعضائها، ومديراً لمكتبها في بيروت. ثم إنه انضم لـ«المؤتمر السوري العام» في دمشق عام 1919 ممثلاً عن بيروت، وترأس مؤتمرات الساحل والأقضية الأربعة عام 1936. وأصبح عام 1937 رئيساً للمجلس القومي الإسلامي قبل وفاته بستة أشهر.

أما، والد نواف سلام، عبد الله سلام، فكان رجل أعمال بارزاً وأحد مؤسسي شركة طيران الشرق الأوسط. ومن أعمامه رئيس الوزراء اللبناني السابق صائب سلام، الذي تولى رئاسة حكومة لبنان أربع مرات، ما بين عامي 1952 و1973، والوزير السابق المهندس مالك سلام. ومن أبناء أعمامه تمام صائب سلام رئيس الحكومة السابق (بين عامي 2014 و2016).

بالنسبة لدراسته الجامعية والقانونية، يحمل نواف سلام شهادة دكتوراه دولة في العلوم السياسية من معهد الدراسات السياسية (سيانس بو) في باريس، ودكتوراه في التاريخ من جامعة باريس - السوربون، وماجستير في القوانين من جامعة هارفارد، وله مؤلفات عديدة في السياسة والتاريخ والقانون. وعلى الصعيد العملي مارس سلام المحاماة، كما عمل أستاذاً محاضراً في التاريخ المعاصر في السوربون، كما درّس العلاقات الدولية والقانون الدولي في الجامعة الأميركية في بيروت؛ حيث ترأس دائرة العلوم السياسية والإدارة العامة فيها من 2005 إلى 2007. وبالنسبة للمؤلفات والأبحاث، كان بين أحدث مؤلفات سلام «لبنان بين الأمس والغد» الصادر في بيروت عام 2021. ونشير إلى أنه قبل تعيينه رئيساً لمحكمة العدل الدولية، كان قد شغل قبل ذلك منصب سفير لبنان لدى الأمم المتحدة بين 2007 و2017. ومثّله في مجلس الأمن خلال ولايته فيه عامي 2010 و2011 وترأس أعمال هذا المجلس في شهري مايو (أيار) 2010 وسبتمبر (أيلول) 2011.

شدد سلام على أن الهم الأساس هو «إنقاذ لبنان من محنته، وهذا يتطلب التغيير في مقاربة الأزمة نهجاً وممارسة

العائلة وبيروت والجبل

حب لبنان بالنسبة إلى سلام ليس فقط في الكتب ومن على المنابر، فهو البيروتي العتيق الذي بقي على علاقة وثيقة بمدينته بيروت رغم غيابه عنها لفترات بعيدة بسبب عمله. وهو لا يزال يملك في هذه المدينة صداقات من مختلف الطوائف والتوجهات. ويحرص على اللقاء بهم في كل مرة يزور بها العاصمة اللبنانية. وهذه الزيارات لا تقتصر فقط على الإجازات الطويلة إنما قد يأتي إلى بيروت فقط للمشاركة في مناسبة معينة للعائلة وللأصدقاء، ثم المغادرة. وكما لبيروت، كذلك لمنزله في منطقة شملان الجبلية الواقعة في قضاء عاليه (جبل لبنان) حيّز خاص في حياته وحياة زوجته سحر بعاصيري (سفيرة لبنان لدى اليونيسكو)، ولا سيما في فصل الصيف.

وإضافة إلى اللقاءات مع الأصدقاء الكثر، تغري سلام، وهو أب لشابين هما عبد الله ومروان، النوادي ذات الطابع الأكاديمي على غرار نادي هارفارد في نيويورك، الذي هو عضو فيه، إضافة إلى أنه قارئ نهم وشغوف بالموسيقى التي هي بالنسبة له رفيق دائم.

 

«مرشح الانتفاضة الشعبية»

على صعيد آخر، برز اسم نواف سلام بشكل كبير إبان «الانتفاضة الشعبية» عام 2019 وتحديداً بعد استقالة رئيس «تيار المستقبل» سعد الحريري. ويومذاك طرح أفرقاء في المعارضة اسمه على أنه مرشح تسوية حيادي - تكنوقراط، إلا أن «الفيتو» الحاسم من قبل «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل)، وعدّه «مرشّح الولايات المتحدة»، مع ما رافق ذلك من حملات ضدّه، حالت دون وصوله إلى رئاسة الحكومة. مع هذا، حصل سلام حينئذٍ في الاستشارات النيابية على تأييد كل من كتلة «الحزب التقدمي الاشتراكي»، وحزب «الكتائب اللبنانية»، وعدد من النواب المستقلين، لكن «الفيتو» الشيعي ضده أدى إلى تكليف حسان دياب بترؤس الحكومة.

مع هذا، بعد استقالة حكومة دياب إثر انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس (آب) 2019، عاد فطرح اسم سلام لرئاسة الحكومة، لكن التوافق بين معظم الكتل النيابية، بدعم من المبادرة الفرنسية التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أدى إلى تسمية السفير مصطفى أديب بحصوله على 90 صوتاً من النواب، لكن أديب اعتذر عن المهمة في وقت لاحق بعد اصطدام اتصالاته لتشكيل الحكومة بحائط مسدود.

وكان سلام، الذي التزم طوال هذه المرحلة الصمت قد عبّر عن تأثره بالثقة التي أولاها إياه عدد من النواب في الاستشارات النيابية الأولى، مؤكداً أن «حملة التشهير لم تستند أصلاً إلى أي دليل، فضلاً عن التزامي مبدأ التحفّظ لكوني اليوم قاضياً في محكمة العدل الدولية». ومن ثم تابع: «فيما لو صح شيء من هذه التهمة الباطلة، فلماذا سكتوا عنها طوال هذه السنين وأنا في هذا الموقع الحساس معيناً ممثلاً للبنان بإجماع مجلس الوزراء؟ وما يؤكد أيضا كذب كل هذه الافتراءات، هو أن مئات المواقف التي اتخذتها والخطب التي أدليت بها دفاعاً عن لبنان وقضايا العرب وفلسطين موثقة بالكامل».

وفيما يشبه «البرنامج الحكومي» شدد سلام على أن الهم الأساس هو «إنقاذ لبنان من محنته، وهذا يتطلب التغيير في مقاربة الأزمة نهجاً وممارسة، بدءاً بالإصلاح في السياسات المالية، والإصلاح السياسي الذي يبقى عنوانه الأول التصدي لعقلية الزبائنية وثقافة المحاصصة». كذلك شدد على أهمية «تحقيق استقلالية القضاء وتحصين مؤسسات الدولة ضد آفات الطائفية والمحسوبية.... ولا معنى لأي من هذه الإصلاحات إن لم تكن مرتكزة على أهداف ومبادئ الإنصاف والعدالة الاجتماعية وصيانة الحقوق والحريات العامة والخاصة». وتعهد بأنه سيبقى دائماً «يعمل إلى جانب كل الملتزمين قضية التغيير من أجل إصلاح الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها واستعادة بلدنا موقعه ودوره العربي وثقة العالم به».



 


طموح سلام «الرئاسي» يكبحه الوضع السياسي القائم

مروان حمادة (الشرق الأوسط)
مروان حمادة (الشرق الأوسط)
TT

طموح سلام «الرئاسي» يكبحه الوضع السياسي القائم

مروان حمادة (الشرق الأوسط)
مروان حمادة (الشرق الأوسط)

> في الانتخابات النيابية اللبنانية الأخيرة، جرى التداول مجدداً في اسم الدكتور نواف سلام، وجاء ذلك ضمن طرح يقضي بتشكيل لائحة مرشحين في بيروت تحت شعار «التغيير»، ولا سيما بعد قرار رئيس «تيار المستقبل»، الرئيس سعد الحريري، تجميد عمله السياسي والعزوف عن خوض الانتخابات، لكن المحاولة لم تنجح.

منذ ذلك الحين غاب اسم سلام، ليعود مجدداً إلى الواجهة بعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون عام 2022 ودخول لبنان في مرحلة فراغ مستعصية.

عودة كانت عبر طرح فرنسي تمثّل بمعادلة باتت تعرف بـ«فرنجية - سلام» (أي تسمية رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية - الذي هو مرشح «حزب الله» وحلفائه - لرئاسة الجمهورية مقابل تسمية نواف سلام لرئاسة الحكومة).

إلا أن هذا الطرح لم يجد طريقه إلى النجاح نتيجة رفضه من قبل المعارضة في لبنان، وحتى من قبل الذين كانوا داعمين لسلام في مرحلة سابقة. وهذا ما أبلغته مصادر مطلعة على المباحثات الرئاسية لـ«الشرق الأوسط»، موضحة «لو قبلت المعارضة بهذه المعادلة لكان (حزب الله) وحلفاؤه مشوا بها، ليس محبة بسلام، بل لكونهم بذلك حققوا ما يريدونه بإيصال مرشحهم للرئاسة الذي تستمر ولايته 6 سنوات... ليعودوا بعد فترة قصيرة للإطاحة برئيس الحكومة أو التخلص منه ولنا معهم تجارب في ذلك».

سليمان فرنجية (رويترز)

في تلك المرحلة، اتهم سلام بانتمائه إلى فريق «14 آذار» المناوئ لـ«حزب الله»، وتحديداً عبر مرشح الحزب للرئاسة سليمان فرنجية. وهو ما استدعى رداً منه، إذ قال: «إن كنت لا أسعى للتنصل من مواقفي السابقة التي أعتز بها، فإن كل من يعرف سيرتي الشخصية، أو اطلع على أي من مقالاتي العديدة أو كتبي المنشورة يستغرب بأن يصنّفني الوزير سليمان فرنجية أنني على يمين 14 آذار». وفي هذا السياق ذكر سلام أن هذا الاصطفاف في لبنان لم يعد موجوداً، وأكد من جهة أخرى أن «المناصب مهما علت، لم ولا تغريني لكي أساوم على مبادئي أو مواقفي المعروفة. وبناءً عليه فإن (الثنائية)، التي وحدها تعنيني وألتزم بها، كانت ولا تزال ضرورة التلازم بين الإصلاح المالي والاقتصادي من جهة... والإصلاح السياسي من جهة أخرى بوصفه شرطاً أساسياً لقيام دولة حديثة قادرة وعادلة من أجل إنقاذ لبنان».

من جانب آخر، في حين يعد معظم الأفرقاء اللبنانيين اليوم أن المبادرة الفرنسية التي طرحت معادلة فرنجية - سلام سقطت، مع كل المستجدات الداخلية والخارجية والحديث عن تسوية شاملة، لا يزال البعض يرى أن هذا الطرح ممكن، لا سيما مع تمسكّ فريق «حزب الله» بمرشحه.

إلا أن النائب الحالي والوزير السابق مروان حمادة يرى «أن نجاح هذه المعادلة غير ممكن»، لأسباب مرتبطة بشخصية سلام الذي ينصحه أصدقاؤه دائماً بالبقاء «تحت قوس المحكمة» أفضل من أن يغوص في زواريب السياسة اللبنانية.

سعد الحريري (آ ف ب)

ويرى حمادة أن تولّي سلام هذا المنصب في ظل الوضع القائم «يجب أن يكون مع رئيس للجمهورية يشبه شخصيته ولبنان الذي يريده... وأيضاً عبر حل جذري يؤمن بوحدة لبنان وعروبته ونظام ديمقراطي وحريات عامة، وليس بهيمنة أطراف على أخرى».

هذا «الحل الجذري» الذي يشير إليه حمادة، لطالما كان تطرق إليه سلام في كتاباته ومؤلفاته ومحاضراته، ومنها كتابه «لبنان بين الأمس والغد»، حيث شدد فيه على أن «الجمهورية الثالثة» في لبنان، يفترض أن «تقوم على مبدأ المواطنة الجامعة وسيادة القانون، وعلى دولة مدنية ترتكز على قيم العدالة والمساواة والحرية واستقلالية القضاء، بدلاً من الطائفية والمحاصصة».

وفي القسم الأول المخصص للإصلاحات المطلوبة، يشرح سلام كيف أن الطائفية تجذّرت بفعل الحرب الأهلية عام 1975. واستفحل الأمر بعد «اتفاق الطائف» عام 1989، لا بسبب الاتفاق نفسه، بل بسبب سوء التطبيق أو تعمد تجاهل أحكام كان يمكنها أن تصحّح الاختلالات، إضافة إلى ضرورة سد الثغرات التي يعاني منها، ومع تأييده تطبيق «اللامركزية الإدارية الموسعة» فهو يضع شرطاً بألا تنحو صوب الفيدرالية.


التجديد لـ«تشدد» أبو كيلة مؤشر لافت لأميركا اللاتينية

نجيب بو كيلة وزوجته يحييان مناصريه بعد فوزه الساحق (غيتي)
نجيب بو كيلة وزوجته يحييان مناصريه بعد فوزه الساحق (غيتي)
TT

التجديد لـ«تشدد» أبو كيلة مؤشر لافت لأميركا اللاتينية

نجيب بو كيلة وزوجته يحييان مناصريه بعد فوزه الساحق (غيتي)
نجيب بو كيلة وزوجته يحييان مناصريه بعد فوزه الساحق (غيتي)

مطالع القرن الماضي، وفي ذروة موجات الهجرة التي شهدتها بلدان المشرق العربي التي كانت ترزح تحت السيطرة العثمانية، غادر اومبرتو أبو كيلة سلمان مسقط رأسه، بلدة بيت لحم الفلسطينية، إلى السالفادور حيث استقر بعد إقامة قصيرة في نيكاراغوا المجاورة. وخلال سنوات من الوصول والاستقرار، تزوّج أرماندو من فيكتوريا قطّان، وهي أيضاً فلسطينية ومهاجرة من بيت لحم. وفي عام 1944 رزقا بمولودهما الأول أرماندو الذي أصبح، بعد تخرّجه في الجامعة، واحداً من أبرز رجال الأعمال في السالفادور، حيث أسّس مصنعاً للنسيج وشركات للأدوية والخدمات التسويقية. وفي عام 1992، وبعد اعتناقه الإسلام، بنى أرماندو أبو كيلة أول مسجد في السالفادور، وأصبح إماماً له وعضواً بارزاً في «رابطة المنظمات الإسلامية في أميركا اللاتينية وحوض البحر الكاريبي» التي صار رئيساً لها قبل وفاته عام 2015 بعد أيام من تدشينه خامس مسجد في العاصمة باسم «فلسطين الأرض المقدّسة». إلا أن أرماندو أبو كيلة لم يعش طويلاً ليرى أصغر أبنائه الخمسة، نجيب، الذي كان يتربّع على رأس بلدية العاصمة، يصل إلى سدة رئاسة الجمهورية وهو ما كان يزال في السابعة والثلاثين من عمره عام 2019. ويوم الأحد 4 فبراير (شباط) الفائت بالتوقيت المحلي، أعيد انتخاب نجيب (المعروف اسم عائلته اليوم بـ«بو كيلة») لولاية رئاسية ثانية بنسبة لم تعرفها السالفادور في أي انتخابات ديمقراطية في السابق، في حين تحوّل الرجل إلى ظاهرة إقليمية تسعى دول أخرى إلى الاقتداء بها لمعالجة المشاكل الأمنية المستعصية التي تعاني منها.

حشد من انصار الرئيس المجدّد يحتفلون فخورين .. ومرتدين ألوان حزبه (رويترز)

لم ينتظر نجيب أبو كيلة صدور النتائج الرسمية للانتخابات الرئاسية الأخيرة في السالفادور ليعلن فوزه الساحق، الذي حطم جميع الأرقام القياسية في تاريخ الأنظمة الديمقراطية في العالم مع نيل أبوكيلة ما يزيد على 85 في المائة من الأصوات. وبهذا الفوز الكبير جدّد الناخبون الولاية الرئاسية للرئيس الفلسطيني الأصل لخمس سنوات أخرى، وعد بأنها ستكون مرحلة الاستقرار والنمو الاقتصادي، وذلك بعدما اقتصرت ولايته الأولى تقريباً على قمع العصابات الإجرامية التي كانت تزرع الرعب وتقوّض سلطة الدولة في معظم أرجاء البلاد، وفي طليعتها العاصمة مدينة سان سالفادور.

تفويض كبير وحرية حركة

وإضافة إلى هذا الفوز غير المسبوق، الذي كان بمثابة «شهادة وفاة» لجميع أطياف المعارضة، حصد حزب «الأفكار الجديدة» (نويفاس إيدياس) الذي أسسه نجيب أبو كيلة منذ ست سنوات 58 مقعداً من أصل 60 في مجلس النواب، وهو ما سيسمح له بتمديد حالة الطوارئ الاستثنائية التي مكنّته من تفكيك المجموعات الإجرامية وزجّ أكثر من 70 ألفاً من أفرادها في السجون.

والحقيقة، أن فوز أبو كيلة لم يشكّل أي مفاجأة للمراقبين والمحللين، وذلك نظراً للشعبية العارمة التي بات يتمتع بها بعدما تمكّن إبان ولايته الأولى من خفض نسبة الجرائم والاغتيالات وعمليات الابتزاز إلى الحد الأدنى، لا، بل أخرج السالفادور من قائمة أخطر البلدان في العالم لتغدو البلد الأكثر أمناً في محيطها الإقليمي.

ولكن، في المقابل، بينما تنوّه الجهات الأمنية بفاعلية التدابير التي اتخذتها الحكومة لتفكيك العصابات التي كانت ترعب المواطنين منذ عقود، تشكو المنظمات الإنسانية من أن سياسة القمع والاعتقالات الجماعية من دون أدلّة اتهامية كافية تنتهك الحقوق الأساسية وتمنع أي اتصال بين المعتقلين وذويهم أو المحامين. وهي ترى أن الدخول إلى السجن الذي بناه أبو كيلة منذ سنتين ليصبح الأكبر في العالم يحصل بسهولة فائقة، بينما الخروج منه هو من «سابع المستحيلات».

تبرير السياسات الأمنية

مع هذا، لم تتأثر شعبية أبو كيلة بالانتقادات الموجهة ضد سياسته الأمنية المتشددة وتفرّده باتخاذ القرارات بأسلوب يتجاوز المؤسسات والأحكام الدستورية. وللعلم، تتوالى هذه الانتقادات منذ فترة في العديد من وسائل الإعلام الدولية، لكنه يعزوها دائماً إلى «عدو خارجي»، مثل المنظمات غير الحكومية التي يتهمها بالعمل لمصلحة «جهات مشبوهة» كـ«مؤسسة جورج سوروس» وبعض وسائل الإعلام والتيارات الليبرالية التي يطلق عليها مسمى «النخبة». وطبعاً، المفارقة هنا أن أبوكيلة نفسه نشأ في واحدة من أغنى العائلات في السالفادور.

في أي حال، يفاخر أبو كيلة بنتائج الاستطلاعات التي بيّنت عدة مرات أن المواطنين يعطون الأولوية للإنجازات الأمنية الباهرة التي تحققت خلال ولايته الأولى، حين صار بوسعهم التنقل بأمان من غير أن يتعرّضوا للعنف والابتزاز على يد العصابات الإجرامية.

وأيضاً، يدافع الرئيس المُجدَّدة ولايته عن سياسته الأمنية الصارمة بالقول «كانت السالفادور تعاني من سرطان تفشّى في 85 في المائة من أراضيها التي كانت تسيطر عليها العصابات وتفرض فيها سلطتها وقوانينها». ومن ثم يتابع: «لقد أجرينا عملية جراحية واسعة، ثم لجأنا إلى العلاج الكيميائي، فالإشعاعي... وسنخرج منه معافين من سرطان العصابات. عالجنا المرض الفتّاك، وأصبحنا اليوم على عتبة مرحلة الرفاه».

وفي كلمته الاحتفالية عند إعلان فوزه، مساء الأحد الفائت، وجّه أبو كيلة انتقادات مباشرة إلى صحيفتي «النيويورك تايمز» الأميركية و«الباييس» الإسبانية وكذلك شبكة «يونيفيزون» التي اتهمها بأنها لم تنقل الصورة الحقيقية لبلاده، وذكّر بالشعارات التي رفعها مؤيدوه في الحملة الانتخابية مثل «هو الذي أنقذنا من حكّام فاسدين ولصوص».

دائرة الرئيس الضيقة... وبدايته اليسارية

الواقع أنه منذ وصول تجيب أبوكيلة إلى الحكم للمرة الأولى، قبل خمس سنوات، وهو يدير السالفادور محاطاً بدائرة ضيّقة جداً من المستشارين والمساعدين الأمناء قوامها كريم وإبراهيم ويوسف، إخوته الثلاثة من أبيه الذي كان - إلى جانب أنشطته التجارية الواسعة ورئاسته الجالية المسلمة في السالفادور - يدير برنامجاً تلفزيونياً ثقافياً وسياسياً، ويملك شركة تقدم خدمات استشارية ولوجيستية للحزب اليساري الكبير «جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني».

وما يستحق الذكر هنا، أن ابنه نجيب بدأ في هذا الحزب اليساري مسيرته السياسية رئيساً لبلدية البلدة التي نشأ فيها، نويفو كوسكاتلان، القريبة من العاصمة سان سالفادور. ثم انتقل بعد ذلك إلى العاصمة التي تولّى رئاسة بلديتها وهو في الرابعة والثلاثين من عمره.

ولكن، عندما حاول نجيب الوصول إلى رئاسة ذلك حزب «جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني» جُوبه بمعارضة شديدة. وعندها قرّر تأسيس حزبه الخاص، الذي خاض به انتخابات عام 2019 الرئاسية التي فاز بها، ثم عاد ليحقق انتصاره الضخم في انتخابات الأحد الفائت. وعلى الرغم من أنه أعلن في مطلع العام الماضي، عند تعديل الدستور بما يسمح له بالترشّح لولاية ثانية على التوالي، بأنه لن يعدّله للترشّح مرة ثالثة، لا أحد يتوقع رؤيته خارجاً من القصر الرئاسي بعد خمس سنوات.

مسيرة مخطّط لها

في هذا السياق، يقول الذين رافقوا مسيرة نجيب أبو كيلة السياسية، منذ بدايتها في البلدة القريبة من العاصمة، إنه منذ ذلك اليوم كان قد وضع خطة متكاملة بعيدة الأمد للوصول حيث هو الآن. وبالتالي، فإن جميع تصرّفاته كانت تخضع لما تضمنته تلك الخطة التي كان محيطه العائلي وحفنة من أصدقائه المقرّبين يساعدونه على تنفيذها. لقد كانت جدران البلدة مطليّة باللون الأزرق الفاتح، الذي أصبح فيما بعد لون الحزب الجديد الذي أسّسه بعد انشقاقه عن الحزب اليساري.

أكثر من هذا، حسب مصادر مقربة ومطلعة، كانت انتقادات أبو كيلة القاسية لقيادات مخطّطة لدفع الحزب اليساري الكبير إلى طرده من صفوفه، وكانت الأحرف الأولى من اسمه على جميع الجدران في البلدة الصغيرة التي كان يتنقل فيها في موكب من السيارات الفخمة والحرّاس يحاكي مواكب رؤساء الدول الكبرى.

أيضاً، يذكر أحد جيران أبو كيلة - حينذاك - أنه كان يحرص بانتظام على مخاطبة تجمّع صغير من سكان البلدة كل أسبوع، كما لو أنه يحاضر في جامعة عريقة أو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مرتدياً الملابس الأنيقة، ومستخدماً عبارات ومصطلحات لا يفقه معظم سامعيه معانيها. ويضيف الجار: «كانوا مأخوذين بالمشهد الاستعراضي الذي كان يقدّمه لهم بمنتهى الاتقان كمن يتدرّب على مسرحية كبرى. كانوا ينظرون إليه بمزيج من الاندهاش والإعجاب».

من جانبها، تذكر الصحافية والكاتبة بياتريس كيسادا، التي وضعت أول سيرة للرئيس السالفادوري: «يؤكد الذين يعرفونه جيداً أن طموحه لا يعرف الحدود، وأنه كان يتصرّف منذ شبابه الأول على يقين بأن قدره مكتوب بأحرف من ذهب... أي أنه ليس مجرد رئيس لبلدية بلدة صغيرة، بل إن مصيره المحتوم هو الوصول إلى رئاسة الجمهورية».

كذلك، تنقل كيسادا عن أحد رفاقه السابقين في حزب «جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني»، الذي يُعد المعقل التقليدي لليسار الذي حكم البلاد لسنوات بعد الثورة، «... في الواقع كان (أبو كيلة) يحتقر الحزب، ويعتبر أن هيكليته بالية تديرها كوادر لا تتمتع بالكفاءة اللازمة... وفي الاجتماعات كان الرفاق يشعرون بالحرج والانزعاج كلما كان يتكلم إليهم بأسلوب من التعالي يقارب الاحتقار... كان هو الذئب ونحن كنّا النعاج، لكننا يومها لم نكن نعرف ذلك!».

دافع الرئيس المُجدَّدة ولايته عن سياسته الأمنية الصارمة بالقول «كانت السالفادور تعاني من سرطان تفشّى في 85 في المائة من أراضيها التي كانت تسيطر عليها العصابات وتفرض فيها سلطتها وقوانينها».

مرحلة فاصلة وتاريخية

بعد فوز أبو كيلة برئاسة بلدية العاصمة سان سالفادور، شعر الشاب الطموح جداً بأن ذلك المنصب - على أهميته - ما زال دون طموحاته التي كان يخطط لها منذ سنوات، وأن الوقت قد أزف للانتقال إلى المرحلة التالية والأخيرة، وهكذا قرر الترشّح للانتخابات الرئاسية في عام 2019.

عند هذه النقطة، رفض الحزب اليساري الكبير ترشيحه بحجة أنه ما زال شاباً لا يتمتع بالخبرة السياسية الكافية لتولي مثل هذا المنصب. فجاء رده بشن حملة ممنهجة ضد الحزب وقياداته... انتهت بقرار الطرد الذي كان ينتظره كذريعة لتأسيس الحزب الذي حمله بعد أشهر إلى الرئاسة.

ولكن عودة، إلى الانتخابات الأخيرة... إذ فور الإعلان عن فوز أبو كيلة توالت برقيات التهنئة من البلدان المجاورة في أميركا اللاتينية التي تحاول تطبيق وصفته لقمع ظاهرة العنف الذي يتفشّى على يد المنظمات الإجرامية والعصابات. وأيضاً جاءت تهنئة لافتة من الصين التي أضحت شريكاً تجارياً رئيسياً للسالفادور إبان ولايته الرئاسية الأولى، وموّلت أخيراً بناء مكتبة ضخمة وسط العاصمة. وجاء في برقية التهنئة الصينية: «إنه يوم مشهود في تاريخ السالفادور، التي نتطلع إلى توطيد العلاقات الثنائية معها على جميع المستويات».

ثم إنه عندما أطلّ بو كيلة من شرفة القصر الرئاسي برفقة زوجته قال: «لقد حطمّت السالفادور اليوم كل الأرقام القياسية بين جميع ديمقراطيات العالم على مرّ التاريخ... وهي أول مرة يقتصر فيها المشهد السياسي في نظام ديمقراطي على حزب واحد، وذلك بإرادة الشعب الحرة، بعدما انهارت كل أحزاب المعارضة مجتمعة».

تجربة برسم التعميم؟من ناحية أخرى، ورغم الصورة الشائعة عن أسلوب أبو كيلة الاستبدادي وجنوحه المفرط إلى تجاوز الأعراف والقوانين، يتوقع متابعون ومحللون أن يساهم هذا الفوز الساحق للرئيس السالفادوري بولايته الثانية، في تعميم تجربته الأمنية على الدول الأميركية اللاتينية التي تعاني من مشاكل الإجرام والعنف وتراجع سلطة الدولة في مناطق كثيرة منها. غير أنهم في الوقت ذاته يحذّرون من أن الاقتداء بهذا النموذج الأمني بغياب مجموعة من التدابير والإجراءات الفاعلة لاحترام حقوق الإنسان وحماية الحريات الأساسية، من شأنه أن يقوّض المؤسسات الديمقراطية الهشّة أصلاً في بلدان المنطقة.

وبالفعل، تخشى المنظمات الحقوقية، التي تراقب التجربة السالفادورية عن كثب، من أن استنساخها في بلدان المنطقة قد يكون فتيلاً يشعل صراعات اجتماعية دفينة تحت الرماد السياسي منذ سنوات، ويدفع باتجاه مرحلة قاتمة كلّف طي صفحتها عشرات الآلاف من الضحايا وخسائر مادية فادحة.

هذا، وتفيد الأرقام الرسمية أن عدد أفراد العصابات الإجرامية الذين اعتقلتهم أجهزة الأمن في السالفادور منذ أواسط عام 2022 يزيد على 76 الفاً، بينهم 1600 من القاصرين. أما المنظمات الحقوقية فتذكر أن ما لا يقلّ عن 15 في المائة من المعتقلين لا صلة لهم على الإطلاق بالعصابات، وأن كثيرين منهم تعرّضوا لسوء المعاملة وقضى العشرات منهم تحت التعذيب. وللعلم، تنصّ القوانين التي أقرّها البرلمان السالفادوري الموالي للرئيس على جواز المحاكمات الجماعية (تصل إلى 900 شخص) في جلسة واحدة ضمن إطار مكافحة العصابات، ومن دون الحاجة لإقامة أدلّة الاتهام أو القرائن الفردية.

وكان الرئيس أبو كيلة قد استبق إقرار ذلك القانون بتغيير أعضاء المحكمة العليا وتعويضهم بقضاة موالين له. كما أنه أعفى عشرات القضاة المستقلين من مهامهم، بينما كان يشنّ حملة شعواء ضد المنظمات غير الحكومية والصحافيين المستقلين الذين اضطر بعضهم إلى مغادرة البلاد.

ختاماً، ومهما كان من أمر، يعتقد كثيرون أن سياسة الرئيس السالفادوري الأمنية هي «السبيل الوحيد لمعالجة أزمة تفشي الإجرام والعنف» في المنطقة التي تُسمع في كثير من بلدانها أصوات تطالب برؤساء من طينة أبو كيلة، الذي أفاد مرصد الرأي العام في أميركا اللاتينية أخيراً بأنه «الأكثر شعبية منذ بداية مرحلة الانتقال إلى الأنظمة الديمقراطية في أميركا اللاتينية». يدافع الرئيس المُجدَّدة ولايته عن سياسته الأمنية الصارمة بالقول: «كانت السالفادور تعاني من سرطان تفشّى في 85 في المائة من أراضيها التي كانت تسيطر عليها العصابات وتفرض فيها سلطتها وقوانينها»

 

غوستافو بيترو (آ ف ب/غيتي)

ظاهرة العنف في أميركا اللاتينية... بانتظار علاجات ناجعة

> حسب أحدث إحصاءات الأمم المتحدة، سجـّلت دول أميركا اللاتينية وحوض البحر الكاريبي في عام 2021 أعلى معدلات الاغتيال في العالم (20 لكل مائة ألف مواطن)، وهو ما يعادل ضعفي المعدل الذي حددته «منظمة الصحة العالمية» مدخلاً لحالة «العنف المتوطِّن».ومن الحالات الجديدة الصارخة في المنطقة ما تشهده جمهورية الإكوادور، حيث تضاعفت نسبة العنف والاغتيالات في أقل من سنة، وبلغت أعمال الابتزاز مستويات قياسية، إلى جانب اعتداءات على نطاق واسع بالمتفجرات ومجازر في السجون واغتيالات لشخصيات سياسية وقضاة مستقلين.في كولومبيا، لم تنجح سياسة الرئيس غوستافو بيترو، حتى الآن، في خفض نسبة المجازر والاغتيالات وتجنيد الأطفال وأعمال الخطف على يد الجماعات المسلحة. وفي المكسيك، فشل الرئيس مانويل لوبيز أوبرادور في الحد من موجة العنف والقتل التي تروّع عدة ولايات منذ سنوات، وذلك على الرغم من لجوئه إلى القوات المسلحة لضبط الأمن وزيادة موازنة الأجهزة الأمنية.وفي هندوراس،

 

مانويل لوبيز اوبرادور (آ ف ب)

اضطرت الرئيسة شيونمارا كاسترو إلى طلب مساعدة الجيش لفرض هيبة القانون داخل السجون التي شهدت عمليات واسعة من التخريب والقتل. ولقد أفادت التقارير أخيراً بأن الرئيس الأرجنتيني الجديد خافيير ميلي أرسل موفداً خاصاً إلى السلفادور كلّفه دراسة النموذج الأمني الذي وضعه رئيسها نجيب بو كيلة.وفي سياق متصل، بينما يواصل الرئيس السلفادوري تسويق تجربته الأمنية التي يرتفع منسوب جاذبيتها بين بلدان المنطقة بارتفاع معدلات الإجرام والعنف فيها، أفادت وزارة العدل الأميركية بأن حكومة بو كيلة لجأت في مرحلة أولى إلى التفاوض سراً مع قيادات العصابات. ووفق الوزارة عرضت الحكومة السالفادورية على تلك القيادات معاملة تفضيلية وتسهيلات في السجون وحماية ضد تسليم أفرادها إلى الولايات المتحدة مقابل خفض معدلات العنف والإجرام ودعم الرئيس في الانتخابات، «ولكن عندما فشلت تلك المفاوضات أطلقت الحكومة خطتها الأمنية الراهنة».

شيومارا كاسترو (رويترز)

 


واشنطن تصعّد ضد طهران بعد «يأسها» من إمكانية إقناعها بتغيير سلوكها

القصف الأميركي الأخير على بغداد الذي استهدف قياديين من الميليشيات المدعومة من طهران (آ ب)
القصف الأميركي الأخير على بغداد الذي استهدف قياديين من الميليشيات المدعومة من طهران (آ ب)
TT

واشنطن تصعّد ضد طهران بعد «يأسها» من إمكانية إقناعها بتغيير سلوكها

القصف الأميركي الأخير على بغداد الذي استهدف قياديين من الميليشيات المدعومة من طهران (آ ب)
القصف الأميركي الأخير على بغداد الذي استهدف قياديين من الميليشيات المدعومة من طهران (آ ب)

مع تزايد الكلام عن اتجاه إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن للاعتراف بـ«دولة فلسطينية»، بدا أن حراكاً دبلوماسياً تساهم فيه دول عدة، على رأسها بريطانيا، في طريقه للتحول إلى دينامية مختلفة تسهم بتغيير أولويات «اتفاق أوسلو»، الذي كان يحيل هذا الاعتراف إلى نهاية العملية التفاوضية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ومع استمرار المفاوضات لإطلاق الرهائن بين إسرائيل و«حماس» والتوصل إلى هدنة مديدة، تزايد الأمل بقرب الإعلان عن وقف إطلاق النار، بما ينهي الحرب في غزة. وفي الوقت عينه، عدّت الضربات غير المسبوقة بشدتها، التي وجهتها الولايات المتحدة إلى ميليشيات طهران، تغيراً مهماً في سياسات واشنطن تجاه القيادة الإيرانية، ما قد يؤشر إلى أن السماح لها بمواصلة التنصل من مسؤوليتها عن «التخريب» الذي تمارسه عبر ميليشياتها في المنطقة، في طريقه ليصبح أكثر كلفة وصعوبة عليها. فهل اقترب الإعلان عن وقف لإطلاق النار في غزة، بما يمهد لخطوة الاعتراف بـ«دولة فلسطينية»، على الرغم من كل الأسئلة حول تفاصيلها، من الحدود مروراً بالشكل، وصولاً إلى السلطة التي ستحكمها، ومَن سيعيد بناء قطاع غزة الذي بات «منطقة غير قابلة للحياة»، وفق الأمم المتحدة؟

أمن البحر الأحمر ... وكيفية التعامل مع الحوثيين (آف ب)

نشرت صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية مقالة للصحافي توماس فريدمان عن «استراتيجية جديدة» من 3 مسارات، سماها كاتبها «عقيدة بايدن»، لمعالجة الحرب المتعددة الجبهات التي تشمل غزة وإيران وإسرائيل والمنطقة.

على المسار الأول، سيكون اتخاذ موقف قوي وحازم تجاه إيران، بما في ذلك الانتقام العسكري القوي من وكلائها وعملائها في المنطقة، رداً على الهجمات التي تُشَن على القوات الأميركية.

وعلى المسار الثاني ستكون هناك مبادرة دبلوماسية أميركية غير مسبوقة للترويج لـ«دولة فلسطينية الآن» تكون منزوعة السلاح، إذ يتشاور مسؤولو إدارة بايدن مع خبراء داخل الحكومة الأميركية وخارجها، حول الأشكال المختلفة التي قد يتخذها هذا الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وعلى المسار الثالث، بناء تحالف أمني أميركي إقليمي موسّع إلى حد كبير، إذا تبنّت الحكومة الإسرائيلية عملية دبلوماسية تؤدي إلى دولة فلسطينية بقيادة سلطة فلسطينية متغيرة. ويرى فريدمان أنه إذا تمكّنت الإدارة من جمع تطبيق هذه المسارات الثلاثة معاً، وهو أمر ضخم، فإن «عقيدة بايدن» يمكن أن تصبح أكبر إعادة تنظيم استراتيجي في المنطقة منذ «معاهدة كامب ديفيد» عام 1979.

من جهة ثانية، حسب تقرير لموقع «أكسيوس»، طلب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن من مساعديه «طرح خيارات بشأن إمكانية اعتراف أميركي ودولي بدولة فلسطينية منزوعة السلاح»، ما يفتح الباب أمام إعادة المضي في التطبيع بين إسرائيل والدول العربية. وهذا ما أوضحه، الثلاثاء الماضي، جون كيربي، الناطق باسم مجلس الأمن القومي، عندما ادعى أن إدارة بايدن «تلقت رداً إيجابياً يفيد باستعداد السعودية وإسرائيل لمواصلة المناقشات الخاصة بتطبيع العلاقات بينهما». وعدّ ذلك استجابة لاستعداد واشنطن للاعتراف بدولة فلسطينية، قد يكون بحثه الوزير بلينكن خلال جولته الخامسة إلى المنطقة.

ويشير الموقع، إلى «وجود ثلاثة خيارات ممكنة أمام واشنطن؛ هي: الاعتراف بدولة فلسطين بشكل ثنائي، أو الإحجام عن عرقلة تصويت مجلس الأمن على قبول فلسطين عضواً دائماً في الأمم المتحدة، أو تشجيع دول أخرى على الاعتراف بفلسطين».

التطبيع مقابل «الدولة الفلسطينية»

غير أن المملكة العربية السعودية شدّدت الأربعاء الماضي، على أن أي تطبيع مع إسرائيل مشروط بالاعتراف بدولة فلسطين، سواءً من قبل واشنطن أو تل أبيب. وأبلغت الرياض موقفها للإدارة الأميركية، وجوهره أنه لن تكون هناك علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ما لم يتحقق الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وليس الاعتراف بدولة «حكم ذاتي». وهو ما عُدّ رداً أيضاً على رفض إيران القبول بـ«حل الدولتين»، ما يضعها في حالة مساواة مع رفض إسرائيل الاعتراف بهذا الحل، رغم اختلاف أهدافهما.

ريتشارد غولدبيرغ، كبير الباحثين في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في واشنطن، المحسوبة على الجمهوريين والقريبة من إسرائيل، يرى أن التطبيع السعودي الإسرائيلي «لا يزال يحمل القدرة على إحداث تغيير جذري في الأساسيات في الشرق الأوسط وفي جميع أنحاء العالم الإسلامي». وأردف خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «لقد علمتنا اتفاقيات إبراهيم أن السلام العربي الإسرائيلي أمرٌ لا مفر منه. أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن السلطة الفلسطينية تجاوزت حد الانهيار. وستكون ثمة حاجة إلى حملة ضغط هادئة، ولكن قوية، من جانب الدول العربية لفرض إصلاحات كبيرة في رام الله، (في إشارة إلى السلطة الفلسطينية) كي يتبلور طريق قابل للتطبيق لتحقيق السلام الإسرائيلي الفلسطيني»!

غير أن التحليلات أعلاه، عن «إعادة التفكير» الجارية في واشنطن، تشير من جهة إلى تغير في تعاملها مع تهديدات طهران ومساعيها لإخراج القوات الأميركية من المنطقة... والتصدي لترهيب الحلفاء عبر وكلائها، ومن جهة أخرى إلى الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو للقبول بحل الدولتين وبناء سلطة فلسطينية برعاية عربية وإقليمية.

«التغير الأميركي»... هل هو حقيقي؟

مع هذا، يعتقد البعض أنه لا يوجد تغيير حقيقي في «الستاتس كو» (الوضع الراهن) القائم، سواءً بالنسبة إلى إيران أو إلى أهداف الحرب في غزة والعملية السياسية التي يجري الترويج لها.

وهنا يقول غولدبيرغ: «نحن نشهد السياسة نفسها فيما يتعلق بالدور الإيراني... فما يجري هو تكثيف للهجمات على الميليشيات العربية ولكن بلا أي ضغط على إيران. بل على العكس من ذلك، فإننا نشهد مواصلة واشنطن تخفيف العقوبات عن طهران، وتأكيدات متكرّرة من إدارة بايدن أن إيران ليست هدفاً». ومن ثم، يرى الباحث الأميركي «وجود سياسة واضحة تتمثل في الإحجام عن أي شيء من شأنه إثارة أزمة نووية محتملة... حتى لو أدت هذه السياسة إلى زيادة الإرهاب في المنطقة».

وحقاً، يكرّر المسؤولون الأميركيون، وعلى رأسهم الرئيس جو بايدن، التأكيد على «أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب مع إيران»، رداً على الهجمات المميتة الأخيرة التي استهدفت القوات الأميركية في الأردن. إلا أن حجم الضربات الأخيرة واستمرارها وشدّتها، فضلاً عن مداها، الذي شمل العراق وسوريا واليمن، رأى فيها العديد من المراقبين رسالة واضحة تنم عن «يأس» إدارة بايدن من إمكانية إقناع طهران بتغيير سلوكها، رغم نَسْبها إلى «أسباب انتخابية»، يسعى من خلالها بايدن إلى تحسين صورته «المنحازة» إلى إسرائيل، و«تهاونه» مع سلوك طهران وطموحاتها.

«السعودية تشترط دولة فلسطينية مستقلة، للتطبيع مع إسرائيل»

حذر إيران... وارتباك ساحاتها

في المقابل، فإن رد فعل طهران «الحذر» على هذا «التغير» الأميركي عكس تخوفاً حقيقياً، لا يمكن تجاهله، من إمكانية تعرّضها لهجوم مباشر عالي التكلفة بالنسبة لها. وظهر ذلك من خلال سحبها مستشاريها من كل من العراق وسوريا، وتشديدها على «استقلالية» ميليشياتها.

كذلك مع استبعاد طهران من المفاوضات الجارية، سواءً حول تبادل الرهائن بين إسرائيل و«حماس»، أو مستقبل الأراضي الفلسطينية، رأى متابعون أن دورها بات «تخريب» التسويات، في ظل خسارتها «ورقة» قطاع غزة، والفلسطينيين عموماً، على أمل الحصول على تنازلات من واشنطن.

ولكن، بالتوازي مع حرص إدارة بايدن على تحاشي توسيع الصراع في المنطقة، تواصل السلطات الإيرانية توتير الجبهات في مواجهة استبعادها بوصفها طرفاً لم تعترف واشنطن بأي دور له في المرحلة المقبلة. وهي لا تزال تمتنع عن تقديم أي «صفقة»، سواءً عبر رفع العقوبات عنها، أو حسم مصير ملفها النووي، أو الاعتراف بنفوذها في المنطقة، أو إشراكها في أي ترتيبات دولية وإقليمية بعد انتهاء الحرب في غزة.

كل هذا عمّق، بحسب عدد من المتابعين، ارتباك «الساحات» التي تسيطر عليها طهران، من العراق إلى سوريا واليمن، مروراً بلبنان. وكشفت الهجمات الأميركية المستمرة في العراق، ليس فقط عن «أزمة» بين مكوّناته السياسية والطائفية والمناطقية على خلفية المطالبة بانسحاب القوات الأميركية، بل أيضاً عن مخاوف طهران، من عجزها عن إدارته إذا حصل هذا الانسحاب.

وفضلاً عن أن المطالبة بانسحاب القوات الأميركية، تُعدّ خيار حكومة تسيطر عليها الفصائل الموالية لإيران لا خيار جميع المكوّنات العراقية، فهي تُعد أيضاً اختباراً لطهران التي يجب أن تحسم ما إذا كانت قادرة على ملء الفراغ بكل جوانبه وتعقيداته... وجاهزة له.

وللعلم، واشنطن كانت قد أوضحت أن انسحابها لن يكون «بلا ثمن»، مع ما يعنيه هذا من ضغط سيقع على الحكومة العراقية لتبرير ازدواجية التشكيلات العسكرية فيه، فضلاً عن الضغط الاقتصادي والمالي الذي بدأته مبكراً واشنطن عبر فرضها عقوبات وحصاراً مالياً على عدة بنوك عراقية، مُتهمة بتبييض الأموال لمصلحة إيران ومساعدتها في التهرّب من العقوبات.

أما عن سوريا، فإنها بدأت تشهد حراكاً جدياً في أجهزتها الأمنية وسط تكاثر الكلام عن «تململ» في صفوفها من السيطرة الإيرانية. ولقد نظر متابعون إلى المواجهات والاعتقالات التي نفذتها تلك الأجهزة لميليشيات مدعومة من إيران بعدّها تغييراً في «نظرة» دمشق لمستقبل علاقتها بطهران، وبخاصة بعدما ظهر حجم الانكشاف الأمني... جراء الهجمات الإسرائيلية المتتالية، وعمليات الاغتيال التي طالت «مستشارين» إيرانيين كباراً. بل، وترافق هذا مع كلام عن اعتراضات روسية متنامية على دور ميليشيات إيران في سوريا، وتأثيرها على دور موسكو المستقبلي في هذا البلد، بعدما لمست استقواء طهران بمأزقها في حربها المستمرة في أوكرانيا.

بلينكن مع نتنياهو... التشاور مستمر (رويترز)

تغيير الموقف من الحوثيين هو الأكبر

إلا أن التغيير الأكبر قد يكون الموقف الأميركي من ميليشيا الحوثيين في اليمن، حيث سيسري قرار إعادة تصنيفهم «منظمة إرهابية»، يوم 16 من الشهر الحالي. ومع تحميل الحوثيين وإيران المسؤولية عن «عسكرة البحر الأحمر»، وفق تصريحات تيم ليندركينغ، المبعوث الأميركي الخاص إلى اليمن، لـ«الشرق الأوسط»، يخاطر الحوثيون بتدمير قدراتهم العسكرية، ما قد يضعف، ليس فقط قدرة طهران على استخدامهم، بل وقدرة هذه الميليشيات نفسها على إمساكها بالمناطق التي تسيطر عليها، والإطاحة بالعملية السياسية لوضع حد للحرب في اليمن. فحسب ليندركينغ «إيران تشكل تهديداً كبيراً»، واصفاً إمداد الحوثيين بالمال والسلاح لمهاجمة السفن بأنه «ملائم للغاية لأجندة إيران» التي تتصرف من أجل «زعزعة الاستقرار»، وسلوكها ليس «سلوك عضو في المجتمع الدولي».

هذا، ومع تصاعد الأضرار من الهجمات التي يشنها الحوثيون في البحر الأحمر «نصرة لغزة»، توسعت لائحة المتضررين أيضاً، وعلى رأسهم الصين. ومع أن بكين لا تزال تحاول الاستفادة من تلك الضربات للنيل من هيبة الولايات المتحدة في المنطقة، فإن «حرب غزة» وتداعياتها، كشفت عن عجز دولي غير مسبوق في التأثير على مجريات الأحداث في الشرق الأوسط، من الصين إلى روسيا ودول «البريكس»، وغيرها من الداعين لبناء نظام دولي جديد.

وسواءً كان ذلك نتيجة للحرب الأوكرانية، أو لأزمات الصين البنيوية المتصاعدة - من إفلاس شركة إيفرغرين العقارية العملاقة... إلى تراجع نموها الاقتصادي وعجزها عن الحصول على التقنيات المتقدمة من الولايات المتحدة - يبدو أن الميل لوقف «التخريب» الإيراني في البحر الأحمر، هو الذي قد يفرض على طهران إعادة حساباتها.

الخطة القطرية ــ المصرية ــ الأميركية... «المتعثرة»

مع «تعثر» الخطة التي قدمها الوسطاء القطريون والمصريون والأميركيون، جدّدت إسرائيل، بلسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، إصرارها على مواصلة حربها ضد «حماس» حتى «تحقيق النصر». وجاء هذا بعدما نشرت وسائل إعلام عدة رد «حماس» الذي اقترحت فيه وقفاً لإطلاق النار من 3 مراحل، كل مرحلة مدتها 45 يوماً على مدى 135 يوماً، وتتضمن تبادلاً للرهائن الإسرائيليين بسجناء فلسطينيين.المرحلة الأولى تقترح «تبادل السجناء الفلسطينيين والإفراج عن بعض الرهائن الإسرائيليين من غير العسكريين، وتسليم المساعدات الإنسانية، والسماح بإعادة بناء المستشفيات ومخيمات اللجوء وخروج القوات البرية الإسرائيلية من المناطق السكنية».وتقترح المرحلة الثانية «إطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين مقابل عدد معين من السجناء الفلسطينيين، وانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من غزة».وفي المرحلة الثالثة تطالب «حماس» بإعادة إعمار غزة و«ضمان» الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية، وتبادل الرفات والجثث.إسرائيل -عبر نتنياهو- عدّت شروط «حماس» انسحاب القوات الإسرائيلية نصراً لمحاولات طهران تخريب أي اتفاق لا تشارك فيه، وقد ركز نتنياهو على أن الجيش الإسرائيلي لن يعود من قطاع غزة «حتى تحقيق النصر»، وأنه أمره بمباشرة عملية عسكرية في رفح. غير أن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، قال مخالفاً، إنه لا يزال هناك «مكان لاتفاق» بين إسرائيل وحركة «حماس». وأردف: «نعتقد أن ذلك يُفسح مكاناً للتوصل إلى اتفاق، ونحن نعمل على ذلك من دون كلل حتى التوصل إليه... على الرغم من وجود أمور من الواضح أنها غير مقبولة في رد (حماس)».من جانب آخر، رغم تحذير بلينكن لرئيس الوزراء الإسرائيلي وحكومته من «أفعال تؤجج التوترات»، وأن الأولوية في مدينة رفح هي للمدنيين، لوحظ أنه لم يدعُ إلى وقف تنفيذ العملية فيها. بل كل ما قاله: «إن أي عملية عسكرية تنفّذها إسرائيل يجب أن تأخذ المدنيين في الاعتبار، أولاً وقبل كل شيء!»، مما يشير إلى أن التوصل إلى وقف لإطلاق النار لا يزال بعيد المنال.وهنا، يحذّر غولدبيرغ من الخلط بين التزام إسرائيل بإعادة الرهائن... وقرار إنهاء أي شكل من أشكال سيطرة «حماس» على قطاع غزة. ويضيف أنه «مع استمرار سيطرة (حماس) على رفح وأجزاء من خان يونس، وإفلات يحيى السنوار من القتل أو الأسر، فإن الأهداف العسكرية الإسرائيلية لم تتحقق بعد». لكنه مع هذا يعتقد أن واشنطن ستضغط من أجل إنهاء الحرب، رغم صعوبة موافقة إسرائيل على ذلك.

تدنّي السقف السياسي الفلسطيني

غيث العمري، الباحث بمعهد واشنطن للشرق الأدنى، يعد أن الكلام عن الاعتراف بدولة فلسطينية، وبناء سلطة فلسطينية ذات صدقية وشرعية، تستطيع «في يوم من الأيام» أن تحكم غزة والضفة الغربية بشكل فعّال، «لا يزال مجرد فكرة لم تتبلور بوصف ذلك اقتراحا رسميا، وتواجه الكثير من التحديات». وتابع العمري في حديث سابق مع «الشرق الأوسط»، أن «السلطة الفلسطينية ضعيفة للغاية وفقدت مصداقيتها، بحيث لا يمكنها أن تلعب أي دور في غزة في الوقت الحالي. وبناءً على ذلك، يُعوّل على الدور الدولي لإعادة تأهيلها. ولهذا السبب تحدث الوزير بلينكن عن السلطة الفلسطينية المعاد تنشيطها».غير أن مراقبين يرون أن تدّني السقف السياسي الفلسطيني، الذي يواصل انخفاضه، منذ توقيع «اتفاق أوسلو»، قد يحدّ من شروط نشوء «الدولة الفلسطينية الموعودة» وحدودها وحيثيتها. وحقاً، يعكس هذا «التدني» أيضاً مدى التلاعب الأميركي المترافق الآن مع ما عُد تواطؤاً من قبل واشنطن على تقويض دور الأمم المتحدة. ويأتي هذا التواطؤ ليس فقط انتقاماً من قرار «محكمة العدل الدولية» بعد حكمها بوجود شبهة إبادة جماعية ترتكبها إسرائيل في غزة، بل وتقويض وكالة «الأونروا»، التي يتجاوز دورها تقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، عبر إبقاء حق العودة للاجئين الموزّعين في دول الجوار حياً، الأمر الذي تسعى إسرائيل إلى إنهائه.


وجه السياسة البلجيكية حاجّة لحبيب... مواقف قوية على الرغم من عراقيل بداية المشوار

 لحبيب كانت أول مقدمة للنشرات من أصول مهاجرة في التلفزيون العمومي البلجيكي
لحبيب كانت أول مقدمة للنشرات من أصول مهاجرة في التلفزيون العمومي البلجيكي
TT

وجه السياسة البلجيكية حاجّة لحبيب... مواقف قوية على الرغم من عراقيل بداية المشوار

 لحبيب كانت أول مقدمة للنشرات من أصول مهاجرة في التلفزيون العمومي البلجيكي
لحبيب كانت أول مقدمة للنشرات من أصول مهاجرة في التلفزيون العمومي البلجيكي

تعد حاجّة لحبيب وزيرة الخارجية والشؤون الأوروبية في بلجيكا أول امرأة من أصول عربية تصل إلى مثل هذا المنصب السامي في أوروبا، وهي على الرغم من قلّة خبرتها نسبياً في المجال السياسي فإنها نجحت بلفت انتباه وسائل الإعلام الدولية بعدة مواقف قوية، بينها إقدامها على قصّ شعرها تضامناً مع انتفاضة الإيرانيات، واستدعاؤها سفيرة إسرائيل لدى بلجيكا في أعقاب الغارات التي دمرت مكاتب وكالة التنمية البلجيكية (أنابل) في قطاع غزة. وفيما يلي، نبذة عن الوزيرة حاجّة لحبيب... وما هي حصيلتها على رأس السياسة الخارجية لبلجيكا؟

 

 

ولدت حاجّة لحبيب يوم 21 يونيو (حزيران) عام 1970 في بلدة بوسو القريبة من مدينة مونز الفرنكفونية في بلجيكا، ولا تبعد هذه البلدة، البالغ تعداد سكانها نحو 20 ألف نسمة، كثيراً عن الحدود الفرنسية.

وهناك ترعرعت في كنف أسرة بسيطة من أصول جزائرية مهاجرة. وعاشت في بوسو طفولة هادئة إلا أنها أصيبت وهي في سن الثانية عشرة بمرض الالتهاب الكبدي، فكانت لفترة غير قصيرة تمضي وقتها بين المستشفى والمدرسة، على أن ذلك لم يمنعها من التفوق في الدراسة والالتحاق بجامعة بروكسل الحرّة، حيث حصلت على شهادة الإجازة في الإعلام والتواصل في بداية عقد التسعينات.

البداية مع الإعلام

بعد التخرج عملت حاجة لحبيب صحافيةً في قناة «إر تي لياج» لخمس سنوات، ثم تحوّلت إلى مقدمة للنشرات في التلفزيون البلجيكي الفرنكفوني «آر تي بي إف»، فكانت أول صحافية متحّدرة من أجيال الهجرة تقدّم نشرة إخبارية في التلفزيون العمومي.

أيضاً عملت لحبيب مراسلة ميدانية في الشرق الأوسط، حيث غطّت أحداث «الانتفاضة الفلسطينية الثانية» ما بين 2000 و2005، والحرب في أفغانستان التي زارتها أكثر من عشر مرات ما بين 2001 و2009، كما غطّت ميدانياً العديد من الأزمات السياسية في دول أفريقية منها تشاد والسودان والكونغو.

ظلّت حاجّة لحبيب تمارس نشاطها الإعلامي لمدة ثلاثين سنة، أصبحت خلالها وجهاً معروفاً ومحبوباً في المشهد الإعلامي البلجيكي الفرنكفوني. وبالإضافة إلى ذلك، كانت «وزيرة الخارجية المستقبل» كاتبة سيناريو ومخرجة ومنتجة أفلام وثاقية كان أهمها «صبراً... صبراً ستدخلين الجنة» الذي عالجت فيه أوضاع النساء المهاجرات في بلجيكا. ولقد حاز هذا الفيلم جائزة في «مهرجان مرسيليا للأفلام الوثائقية»، وعُرض في قاعات السنيما لشهور طويلة، و«دُبلج» إلى خمس لغات. ويضاف إليه فيلم وثائقي آخر بعنوان «أفغانستان اختيار امرأة»، تناولت فيه وضع المرأة الأفغانية المنخرطة في النشاط السياسي من خلال تصويرها يوميات سيدتين تشغلان منصبين سياسيين في الحكومة الأفغانية. ثم إنها، إلى جانب السياسة، شملت أعمالها الوثاقية أيضاً مواضيع ثقافية؛ إذ كان آخر إنتاج لها عام 2019 يتناول حياة المغني البلجيكي المخضرم الشهير سالفادور أدامو.

بالتوازي، تقلّدت حاجّة لحبيب مسؤوليات أخرى في الوسط الثقافي والإعلامي، فشغلت منصب نائب رئيس «المجلس الأعلى للتعليم الإعلامي»، وترأست «مهرجان لياج المسرحي»، وتولت إدارة مشروع «بلجيكا عاصمة للثقافة الأوروبية عام 2030». وتُوجت لحبيب في عام 2001 بجائزة «برلمان المجتمع الفرنسي» في بلجيكا، ومُنحت لقب «المواطنة الفخرية لمدينة لياج البلجيكية» عام 2010، ثم في 2013، اختيرت «امرأة العام» في بروكسل.

خبرة سياسية محدودة

من جهة ثانية، على الرغم من احتكاك حاجّة لحبيب بالشخصيات السياسية بحكم نشاطها الإعلامي، فإنها لم تنشط بشكل مباشر في الدوائر السياسية، ولم يُعرف عنها ولها أي انتماء سياسي. ولذا، جاء تعيينها في منصب وزيرة الخارجية والشؤون الأوروبية يوم 15 يوليو (تموز) من عام 2022، خلفاً للوزيرة صوفي فيلميس - التي استقالت لأسباب عائلية - مفاجأةً للأوساط السياسية التي تفاوت فيها ردود الفعل ما بين مؤيد ومنتقد.

وفي حين رحّب معظم أعضاء الحزب الليبرالي الإصلاحي الحاكم بقرار رئيسه جورج لويس بوشيز بتكليف لحبيب بحقيبة الشؤون الخارجية، أعرب آخرون عن شكوكهم في قدرات الوزيرة الجديدة. وبلغ الأمر بكاتب الدولة للهجرة واللجوء، تيو فرانكان، إلى التعليق على منصّة «إكس» بأنه لا يعرف من تكون حاجّة لحبيب (!)... وتساءل عما إذا كانت تتقن اللغة الهولندية (اللغة الوطنية الثانية في بلجيكا)... وهل لها خبرة في العمل الدبلوماسي؟

كذلك نقلت وسائل الإعلام شهادات لبعض أعضاء الحزب الليبيرالي الإصلاحي الذين لم تعجبهم إجابة «الصحافية السابقة» لحبيب التي لمّحت إلى رفضها الانخراط في الحزب الليبيرالي (الذي اختارها لهذا المنصب)، حين صرّحت على إثر المؤتمر الصحافي الذي أعقب الإعلان عن تعيينها بأنها «ليست يسارية وليست يمينية، بل هي حرة بالأساس، وأنها كانت دائماً تسعى للتقريب بين ضفاف متناقضة، وهو ما ستسعى دائماً لتحقيقه».

أحد كوادر الحزب صرّح لصحيفة «لوسوار» البلجيكية تحت غطاء مجهول، قائلاً: «نحن أمام شخصية بعيدة كل البعد عن التيار الليبرالي. اختيارها هو محاولة لتلميع صورة الحزب وكسب لأصوات الأقليات، وفي مثل هذه الحالة يكون للشكل الأسبقية على الجوهر...». وتابع ملمحاً أن «اختيارها يخضع لحسابات انتخابية»، وبالأخص مع اقتراب موعدها في ربيع 2024.

أما المحلل السياسي داف سيناردي، فقال في تصريح لصحيفة «سودبراس» إنه «من المستحيل الاقتناع بأن وصول السيدة لحبيب إلى هذه الوظيفة السامية قد تحقق مع حفاظها على حيادها السياسي». ولكن، فيما عدا ذلك، رأى سيناردي «أن للوزيرة الجديدة إلماماً تاماً بملفات السياسة الخارجية، إضافةً إلى أنها تحظى باحترام الجميع... ما قد يساعدها على الاضطلاع بمهامها بنجاح، بعيداً عن الجدل الذي يرافق المسؤوليات السياسية الأخرى».

عاصفة قضية التأشيرات

في المقابل، منذ تكليف لحبيب بحقيبة الخارجية يوم 15 من يوليو 2022، واجهت الصحافية السابقة و«المبتدئة في دهاليز السياسة» ثلاث مرّات نواب البرلمان في مساءلة بثّتها كل وسائل الإعلام البلجيكية للبحث في مسؤوليتها عن منح تأشيرات لمسؤولين إيرانيين، من بينهم رئيس بلدية طهران علي رضا زكاني.

هذه القضية أخذت أبعاداً كبيرة كادت تُكلِّف الوزيرة منصبها وتعصف بالحكومة التي يقودها رئيس الوزراء ألكسندر دي كرو، إلا أن لحبيب احتفظت بمنصبها بفضل دعم غالبية النواب خلال تصويت في مجلس النواب. وللعلم، كان الليبيراليون، الذين تنتمي إليهم، قد تقدّموا بمذكرة دعم في مواجهة مذكرات حجب الثقة التي طرحتها المعارضة، بما فيها كتلة «الحزب الاشتراكي». وقد اتهمت مذكرة حجب الثقة الوزيرة «بتعريض حياة معارضين إيرانيين للخطر» من خلال السماح لـ14 مسؤولاً إيرانياً بالمشاركة في «المؤتمر الدولي لرؤساء البلديات» الذي عقد في العاصمة البلجيكية بروكسل في ربيع العام الماضي 2023، واصفة الوزيرة بـ«غير المسؤولة». لكن الوزيرة نفت مسؤوليتها، وأعلنت أمام النواب: «أنا آسفة بصدق للأزمة التي نجد أنفسنا فيها اليوم، وأطلب منكم أن تعذروني». وهنا نشير إلى أن أسئلة النواب ارتكزت على معلومات أوردتها صحيفة بلجيكية عن توقيف والدة إيراني شارك في مظاهرة نظمت في بروكسل، يوم 13 يوليو 2023، وأكدت الوزيرة على أثرها أنها طلبت من جهازي «أمن الدولة» و«مصالح الاستخبارات» التحقيق في هذه المعلومات.

زيارة مثيرة للجدل

مرة ثانية، واجهت وزيرة الخارجية البلجيكية حملة انتقاد شديدة. وهذه المرة كانت بسبب زيارتها إلى شبه جزيرة القرم خلال صيف 2021، أي قبل سنة من توليها حقيبة وزارة الخارجية. وبحسب صحيفة «سود أويست» الفرنسية، فإن لحبيب زارت القرم بتأشيرة روسية بناءً على دعوة من «مهرجان راشان سيزن» بهدف تصوير شريط وثائقي... إلا أن منتقديها اتهموها بأنها لم تعطِ فيه الكلام سوى للموالين لروسيا وتجاهلت الأوكرانيين.

بل إن المهرجان وُصِف أيضاً بـ«مبادرة دعائية» من الحكومة الروسية، وبتمويل من شركة «غازبروم»، إضافة إلى أن ابنة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كانت قد شاركت في تنظيمه.

هذا الموضوع أثير مجدداً إثر لقاء الوزيرة لحبيب بنظيرها الأوكراني دميترو كوليبا، حين شددت له على «تضامن بلجيكا الثابت مع كييف». وفي حوارها مع نظيرها الأوكراني شجبت الوزيرة بشكل خاص «الاحتلال غير القانوني» لشبه جزيرة القرم من قبل روسيا. لكن التساؤلات في العاصمة الأوكرانية كييف استمرت من منطلق الرغبة في الحصول على تفاصيل حول «الرحلة الثقافية» التي قامت بها لحبيب قبل سنة بوصفها صحافية إلى «مهرجان راشان سيزن» في شبه جزيرة القرم، وبالأخص، أن وسائل إعلامية ادعت أن جهات روسية تكفّلت بتأمينها وتغطية كلفتها، وطالبت عدة جهات سياسية الوزيرة بتقديم تفسيرات لهذه الزيارة المثيرة للجدل.

تبعاً لتداعيات هذه القضية، وأملاً في تهدئة الأوضاع، جعلت وزيرة الخارجية البلجيكية الجديدة أوكرانيا إحدى أولوياتها، معربة عن أملها في السفر بسرعة إلى كييف؛ للتعبير عن تضامن بلجيكا مع الشعب الأوكراني. وبالفعل، قالت على منصة «إكس» بمناسبة العيد الوطني لأوكرانيا: «هذا يوم مهم لشعب أوكرانيا. في يوم الدولة الأوكرانية، نقلت إلى دميترو كوليبا تضامننا الذي لا يتزعزع ومواقفنا الحازمة بشأن الوضع، والتزامنا بالحفاظ على دعم كييف». وأردفت: «إن بلدي يدرك جيداً أهمية هذا الاحتفال الذي بدأه الرئيس فولوديمير زيلينسكي العام الماضي. وفي الوقت نفسه، سيعمل الاحتفال، بلا شك، على رفع الروح المعنوية حيث تدافع أوكرانيا والأوكرانيون بشجاعة عن ممتلكاتهم ويكافحون من أجل بقاء دولتهم».

استطردت لحبيب مؤكدة رغبتها في الذهاب «قريباً» إلى كييف بالقول: «أنتهز هذه الفرصة لأكرّر تضامن بلدي الذي لا ينفصم ودعمه الكامل لأوكرانيا، فضلاً عن الصداقة العميقة التي توحد بلدينا»، ثم أضافت: «أوكرانيا دولة مستقلة وذات سيادة، فضلاً عن كونها عضواً مهماً وموثوقاً به في المجتمع الدولي، ولشعبها حق لا جدال فيه في اختيار مصيره». وذلك قبل أن تنهي: «يجب احترام سلامة أراضي أوكرانيا داخل حدودها المعترف بها دولياً احتراماً كاملاً، وهذه الحدود تشمل جميع أراضي أوكرانيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم و(منطقة حوض) الدونباس التي تخضع حالياً للاحتلال غير الشرعي للاتحاد الروسي، بشكل مباشر أو عن طريق الأنظمة العميلة».

مواقف ونجاحات

على صعيد آخر، كانت الوزيرة لحبيب قد لفتت الانتباه بمواقف قوية؛ كإقدامها يوم السادس من أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2022 في مشاهد تناقلتها وسائل الإعلام عبر العالم على قصّ خصلة من شعرها في جلسة مناقشة بمجلس النواب، وهذا في تكرار لما فعلته نائبة من أصول إيرانية كانت تجلس إلى جانبها. وفي الوقت ذاته، أعربت الوزيرة عن صدمتها لموت الشابة مهسا أميني في أثناء توقيفها في طهران، وصرّحت بأن ثماني دول أوروبية ستطالب بفرض عقوبات على أفراد الشرطة الذين تعرضوا بالعنف لهذه الفتاة.

وحقاً، أشادت وسائل الإعلام وأطراف سياسية كثيرة في أوروبا بالحصيلة الإيجابية للحبيب، بعد إشرافها على مفاوضات ناجحة مع أطراف إيرانية لتبادل أسرى. فيوم 26 مايو (أيار) 2023 أفرجت إيران عن عامل الإغاثة البلجيكي أوليفييه فانديكاستيل بعد اعتقاله لمدة 455 يوماً. وبعد أشهر من المفاوضات مع فريق وزيرة الخارجية عاد عامل الإغاثة إلى بلجيكا عبر سلطنة عُمان أيضاً مقابل عودة دبلوماسي إيراني أدين بتهمة الإرهاب وسجن في بلجيكا نحو خمس سنوات، كما أعلنت الحكومة البلجيكية أنها فاوضت أيضاً من أجل عودة رعايا أوروبيين ثلاثة كانوا محتجزين في إيران.وأخيراً، في موضوع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، كان لبلجيكا، وبالأخص لوزيرة خارجيتها مواقف قوية. وبينما رفضت الحكومة البلجيكية السير في ركاب كبريات الحكومات الأوروبية الغربية في تعليق الدعم لوكالة «الأونروا» الأممية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، استدعت الوزيرة لحبيب سفيرة إسرائيل لدى بلجيكا مسجِّلة احتجاجها على الغارات التي دمرت مكاتب «وكالة التنمية البلجيكية» (أنابل) في قطاع غزة، ومؤكِّدة أن استهداف المباني المدنية «أمر مرفوض تماماً».

 

 


بلجيكا ورئاسة الاتحاد الأوروبي: مرحلة فارقة على صعيد السياسة الخارجية

رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو (رويترز)
رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو (رويترز)
TT

بلجيكا ورئاسة الاتحاد الأوروبي: مرحلة فارقة على صعيد السياسة الخارجية

رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو (رويترز)
رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو (رويترز)

> تتولى بلجيكا، الدولة المستضيفة لمؤسسات «الاتحاد الأوروبي» وحلف شمال الأطلسي «ناتو» منذ 1 يناير (كانون الثاني)، وللمرة الثالثة عشرة، الرئاسة الدورية لمجلس «الاتحاد»، وكانت آخر مرة تولّت فيها الرئاسة الدورية عام 2010.

الرئاسة البلجيكية تأتي تحت شعار «الحماية والتعزيز والاستعداد»، وتحل في مرحلة فارقة على صعيد السياسة الخارجية متمثلة بالحرب في أوكرانيا والأوضاع في غزة، فضلاً عن التغير المناخي والهجرة. وهذه التحديات ستكون مناسبة جديدة تعرض فيها بلجيكا على لسان ممثلة سياستها الخارجية الوزيرة حجّة لحبيب مواقفها من الملفات الدولية الساخنة.

للعلم، فور الإعلان عن تسلّم بلجيكا لهذه الرئاسة، حرص رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو على التذكير بتعلق بلاده الشديد بقيم الوحدة الأوروبية. إذ أعلن من بروكسل «كما تعلمون، الاتحاد الأوروبي جزء من حمضنا النووي نحن البلجيك... المؤسسات الأوروبية تتمركز هنا في عاصمتنا، وإذا كان هناك بلد يجسّد جوهر الاتحاد الأوروبي فهو بكل تأكيد بلجيكا». وتابع: «تطلعات أكثر من 440 مليون مواطن في الاتحاد الأوروبي عالية، وهي أيضاً مشروعة، وعلى الاتحاد الأوروبي الاستجابة لهذه التحديات، وتحقيق النتائج هو منذ الآن هدفنا...».

في طليعة الملفات التي واجهت وتواجه الرئاسة البلجيكية مسألة تحديد ميزانية المجموعة، التي هي موضع جدل كبير. إذ كانت الهيئات التنفيذية الأوروبية قد طالبت بمبلغ إضافي قيمته 99 مليار يورو، يضاف إلى الميزانية الأوروبية التي تصل إلى 2018 مليار يورو، وهذا للاستجابة للأولويات الأوروبية الجديدة ودعم أوكرانيا. إلا أن المفوضية الأوروبية اقترحت إضافة ميزانية أصغر حدّدتها بـ64 مليار يورو، معتبرة أن «خزائن» المجموعة عانت كثيراً من جرّاء الأزمات المتتالية، بدءاً من جائحة «كوفيد - 19»، ثم الغزو الروسي لأوكرانيا مع تضخم الأسعار ونقص موارد الطاقة.

رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو (رويترز)

ومن المنتظر أيضاً أن تهتم الرئاسة البلجيكية بملف انضمام دول جديدة للمجموعة، ككرواتيا التي التحقت بمنطقة اليورو وحدود منطقة «شينغن» ابتداءً من 1 يناير 2024، وهي دولة أوروبية صغيرة نسبياً تقع في منطقة البلقان، بجنوب شرقي أوروبا، إذ لا يتعدى عدد سكانها أربعة ملايين نسمة، وهي أيضاً عضو في حلف «ناتو».

ومن جهة ثانية، ستشرف الرئاسة البلجيكية على رفع القيود على الحدود الجوية والبحرية بين بلغاريا ورومانيا وباقي الدول الأوروبية الواقعة في منطقة «شينغن». وكانت هاتان الدولتان قد تلقتا أخيراً موافقة «الاتحاد الأوروبي» للانضمام إلى «شينغن»، ومن المنتظر أن يُنجز هذا الانضمام فعلياً اعتباراً من مارس (آذار) المقبل، في حين ينتظر اتخاذ قرار بشأن رفع القيود على الحدود البرية في وقت لاحق.

والجدير بالذكر، أن منطقة «شينغن» تجمّد إلى حد كبير عمليات التفتيش على الحدود بين أعضائها، وتسمح للأشخاص بالسفر والعمل والعيش في دولة عضو أخرى من دون الحصول على تأشيرات أو تصاريح. وكذلك، سيشغل ملف الهجرة حيزاً مهماً من البحث في الفترة المستقبلية بسبب الانقسامات التي تشهدها المباحثات القائمة بشأنه. ذلك أن لكل دولة أجندتها الخاصة ووضعها الخاص، وإن كانت معظم دول «الاتحاد» و«المنطقة» متفقة على اتباع بنود صارمة بخصوص سياسيات الهجرة واللجوء، لكنها لا تزال منقسمة حول عدة نقاط، أهمها: رفض طلب بعض الدول استخدام ميزانية «الاتحاد» لمنع تدفق المهاجرين غير الشرعيين، وإعفاء الأسر من الإجراءات الحدودية والتضامن الإلزامي.

وأخيراً، وليس آخراً، ستشهد فترة الرئاسة البلجيكية انتخابات البرلمان الأوروبي المنتظر تنظيمها في شهر يونيو (حزيران) المقبل، وسط ترجيح ارتفاع عدد مقاعد اليمين المتطرف، الذي سيسيطر - حسب الدراسات الأخيرة - على ربع المقاعد... وهو ما سيجعل بعض الملفات كالحرب في أوكرانيا، والهجرة، والسياسات الأمنية والاقتصادية، تحتل الأولوية على الأجندة المقبلة لمناقشات البرلمان الأوروبي.


نزيف «إيكواس»... ضربة جديدة لنفوذ فرنسا في غرب أفريقيا


قوات «إيكواس» في أثناء تأديتها مهامها العسكرية في مالي (رويترز)
قوات «إيكواس» في أثناء تأديتها مهامها العسكرية في مالي (رويترز)
TT

نزيف «إيكواس»... ضربة جديدة لنفوذ فرنسا في غرب أفريقيا


قوات «إيكواس» في أثناء تأديتها مهامها العسكرية في مالي (رويترز)
قوات «إيكواس» في أثناء تأديتها مهامها العسكرية في مالي (رويترز)

جاء انسحاب كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو من «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس)، أواخر الشهر الماضي، لا ليمثل فقط ضربة جديدة للنفوذ الفرنسي وتعزيزاً للحضور الروسي، بل ليفتح أيضاً صفحة جديدة بشأن إمكانية تفكّك «إيكواس»، التي يراها كثيرون أداة فرنسية لتحريك الأمور في الغرب الأفريقي من وراء ستار، وإمكانية ظهور منظمات إقليمية جديدة تعبر عن طبيعة التحول الإقليمي الجديد في تلك المنطقة الملتهبة.

النيجر ومالي وبوركينا فاسو أعلنت انسحابها من «إيكواس» بشكل جماعي، في بيان مشترك يوم 28 يناير (كانون الثاني) المنقضي، متهمةً المجموعة بالابتعاد عن المثل العليا التي أسست عليها، وقائلة إن انسحابها الفوري يأتي «استجابة لتوقعات وتطلعات شعوبها».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل نظيره التشادي محمد إدريس ديبي يناير الفائت (رويترز)

إلا أن هذه النهاية ليست سوى فصل جديد في قصة طويلة من التوتر والعداء تجاه النفوذ الفرنسي. والقصة دائماً لها ما قبلها... وسيكون لها ما بعدها، فباب الانسحاب من «إيكواس» لا يزال مفتوحاً، بحسب تقديرات العديد من الخبراء والمراقبين.

رسائل واضحة

الانسحاب «الثلاثي» حمل كذلك إشارات واضحة حول التنسيق بين الدول التي تحكمها اليوم أنظمة عسكرية في أعقاب سلسلة من الانقلابات (مالي عام 2020، وبوركينا فاسو 2022، والنيجر 2023)، التي أطاحت بأنظمة قديمة طالما ارتبطت بعلاقات وثيقة مع فرنسا.

على إثر ذلك، توترت علاقات الدول الثلاث مع «إيكواس»، وصولاً إلى حد التهديد بالتدخل العسكري، وهو ما عجزت عنه المجموعة الإقليمية، لكن ذلك التهديد ساهم بشكل واضح في دفع تلك الدول إلى المسارعة بالتنسيق المشترك، والبحث عن دعم دولي في مواجهة الضغوط الغربية والفرنسية بالأساس.

معطيات عدة أشارت إلى قرب اتخاذ النيجر وبوركينا فاسو ومالي قرارها بالانسحاب من «إيكواس»؛ إذ وقّع قادة الأنظمة العسكرية في الدول الثلاث اتفاقاً يوم 16 سبتمبر (أيلول) 2023 في العاصمة المالية باماكو، وبموجبه تعهدت الدول الثلاث بمساعدة بعضها البعض في حالة وقوع أي تمرد أو عدوان خارجي ضد أي منها، واعتبار أي اعتداء على سيادة وسلامة طرف أو أكثر من الأطراف الموقعة عليه، عدواناً على الأطراف الأخرى.

الحضور الروسي جاء سريعاً وحاسماً. فبعد الاتفاق الثلاثي، زار باماكو نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك ييفكوروف، والتقى هناك وزراء دفاع الدول الثلاث، في رسالة دعم واضحة وعلنية. ودفع الأمر كثرة من المراقبين إلى القول بأن دعم موسكو كفيل بإجهاض تأثير أي عقوبات اقتصادية جديدة على الدول الثلاث بضغوط فرنسية، فضلاً عن إنهاء فكرة التدخل العسكري بشكل شبه نهائي في ظل التحالف الجديد.

طرد فرنسا

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأى الدكتور العابد مصطفى البشير، الباحث السياسي والمحاضر بجامعة ندجامينا في تشاد، في التقارب الأفريقي الروسي «أكبر الأخطار المحدقة بفرنسا». وذكر أن تلك التحديات التي تدفع النفوذ الفرنسي إلى التلاشي في أفريقيا «كثيرة»، ويأتي على رأسها الوعي المتنامي للشباب الأفريقي، وكذلك وجود نماذج اتجهت بكل جدّية نحو التنمية بعد طرد فرنسا، كما هو الحال في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

جندي نيجيري من قوات «إيكواس» (أ.ف.ب)

ووفق البشير، فإن التقارب الرسمي سواءً بين الدول الأفريقية التي تتخلص من النفوذ الفرنسي، أو بينها وبين روسيا، يقطع الطريق على فرنسا، التي «خلقت المنظمات الإرهابية وموّلتها بهدف إضعاف الحكومات الوطنية في أفريقيا». وأردف الباحث التشادي: «لا يجوز أن تكون روسيا بديلاً استعمارياً بل قوة مساندة ومستفيدة»، لافتاً إلى أنها ستوفر الإمكانات للحكومات الأفريقية في المجالات العسكرية والأمنية التي كانت تستخدمها الأجهزة الفرنسية للهيمنة على دول القارة، وبالأخص في منطقة الساحل والغرب الأفريقي. وتابع جازماً أن «فرنسا تتقهقر يوماً بعد آخر سواء على المستوى الرسمي، أو في الوجدان الشعبي الذي بدأ يتخلص من كل ميراث حقبة الاستعمار الفرنسي».

من ناحية أخرى، يعتقد البشير - وهو أيضاً مفوض في اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في تشاد - أن انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر من «إيكواس» يمثل «تطوراً متوقعاً» رداً على فشل المجموعة في تحقيق التنمية، وتحولها إلى أداة فرنسية للضغط على الدول الأفريقية، وصولاً إلى التهديد بالتدخل العسكري الذي فضح طبيعة أدوار تلك المنظمة. وتوقّع، من ثم، أن يشكل الانسحاب الثلاثي سابقة لدول أخرى، وفرصة لبداية تقارب أفريقي مع الشرق تلعب فيه روسيا دوراً أساسياً، باعتبارها قادرة على سد الفراغ الأمني، إلى جانب الصين وتركيا وبعض الدول العربية.

وللعلم، لم يقتصر التنسيق الروسي والتواصل مع دول منطقة الساحل والغرب الأفريقي على الدول الثلاث المنسحبة من «إيكواس»، ففي 24 يناير الماضي، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره التشادي الفريق أول محمد إدريس ديبي في الكرملين، وحسب بيان للرئاسة التشادية كان اللقاء «أخوياً»، وجرى خلاله بحث العلاقات الروسية – التشادية، والتطرق إلى قضايا الساعة الإقليمية والدولية.

حضور روسي لافت

وحقاً، مع أن روسيا لم تعلن دعمها الصريح للتحولات الجديدة في العديد من الدول الأفريقية، لكنها سارعت إلى تقديم العون والمساندة للأنظمة الجديدة.

إذ إنها حذرت من أي تدخل عسكري في تلك الدول، ونجحت في استغلال اتساع الفجوة بين القوى الغربية ومالي، وسارعت بإرسال قوات «فاغنر» المسلحة بديلاً عن القوات الفرنسية في دول تعاني أوضاعاً أمنية سيئة وأعمال عنف ترتكبها جماعات متشددة، وظروفاً اجتماعية متردية، وهذا ما دعا الولايات المتحدة إلى اتهام مجموعة «فاغنر» باستغلال حالة اللا استقرار في تلك الدول.

ثم إن روسيا والصين تصدّتا، عبر عضويتيهما الدائمتين في مجلس الأمن، للمحاولات الغربية - والفرنسية تحديداً - لإدانة التحولات الجديدة في دول الغرب الأفريقي. فعلى سبيل المثال، حال النفوذ الروسي والصيني دون فرض مجلس الأمن عقوبات على مالي خلال يناير 2023، كما دعت بكين وموسكو المجلس إلى مساعدة مالي في حربها ضد الإرهاب.

وبالفعل، تزايد الحضور الروسي في أفريقيا، بصورة لافتة خلال السنوات الماضية؛ إذ استضافت موسكو قمتين للتعاون مع دول القارة، عامي 2019 و2023، كما وقّعت اتفاقيات للتعدين والنفط والاستثمار والطاقة النووية والتعاون العسكري بقيمة 12.5 مليار دولار مع حكومات أفريقية مختلفة.

وبينما حصد التعاون العسكري النصيب الأكبر من الاهتمام، حيث تتصدر أفريقيا قائمة مستوردي الأسلحة الروسية، عزّزت موسكو من حضورها الأمني والاقتصادي في الدول التي تشهد تحولات جوهرية، وتبحث عن ظهير دولي للتخلص من النفوذ الفرنسي. ومالياً، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلغاء 20 مليار دولار من الديون المستحقة على البلدان الأفريقية، وكشف النقاب عن خطط لمضاعفة التجارة مع البلدان الأفريقية إلى 40 مليار دولار سنوياً.

مشاعر شعبية معادية

هذه الخطوات الروسية تراها الدكتورة نرمين توفيق، الباحثة المصرية المتخصصة في الشؤون الأفريقية، «أكثر مقبولية» لدى الدول الأفريقية من تلك الإجراءات التي اتخذتها فرنسا لإنقاذ نفوذها المتراجع في دول القارة.

وتشير توفيق لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أفريقيا «تمثل أولوية في الاستراتيجية الروسية الساعية إلى كسر النظام العالمي الأحادي القطب، والتحول إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب»، تعود فيه من جديد إلى وضعها قبل انهيار الاتحاد السوفياتي. وتضيف أن التحركات الروسية أثمرت بالفعل؛ إذ أقنعت روسيا عام 2014 أكثر من نصف الحكومات الأفريقية بمعارضة أو الامتناع عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين ضم شبه جزيرة القرم، وامتنعت 17 دولة أفريقية عن التصويت على قرار يدين روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال مارس (آذار) 2022، على خلفية العملية العسكرية التي تخوضها في أوكرانيا، ومثّلت الدول الأفريقية نصف عدد الدول التي امتنعت عن التصويت آنذاك.

في المقابل تعتقد الباحثة المصرية أن الموقف الأفريقي من الإجراءات الفرنسية كان «مغايراً تماماً»، فعلى الرغم مما اتخذه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من خطوات تصالحية هدفها تحسين صورة باريس في أفريقيا، شملت تعديلات تاريخية في العلاقات المالية بين فرنسا وأفريقيا - بحيث تتوقف فرنسا عن الاحتفاظ بنسبة 50 في المائة من الاحتياطيات في الخزانة الفرنسية - لم يسهم هذا في تخفيف حدة الحنق الشديد والغضب لدى أبناء غرب أفريقيا ضد فرنسا. وتجلّى هذا في المشاعر المُعادية لفرنسا التي انتشرت في الآونة الأخيرة في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وعلى نطاق أوسع في منطقة غرب أفريقيا.

أيضاً، ترى توفيق أن إجراءات «إيكواس» في معالجة الأزمات بالغرب الأفريقي زادت من وتيرة التصعيد والغضب ضد فرنسا، وبخاصة التهديد بالتدخل العسكري، الأمر الذي استرجع ذكريات التدخل الاستعماري... وهو ما فاقم التوتر وزاد شعبية الأنظمة الجديدة، ودفعها لمزيد من التنسيق مع روسيا كرد فعل طبيعي في مواجهة مثل هذه التهديدات.

«تحالف دول الساحل»

في سياق متصل، وفي ضوء التطورات الجارية في منطقة الغرب الأفريقي، لا يبدو مستقبل التعاون في إطار «إيكواس» مشرقاً، وفق تحليل لأحمد عسكر، الباحث المشارك في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية».

عسكر يرجّح أن يؤدي توقيع «ميثاق ليبتاكو - غورما»، في سبتمبر الماضي، لتأسيس تحالف جديد يُطلق عليه «تحالف دول الساحل»، يضم الدول الثلاث بوركينا فاسو ومالي والنيجر، إلى تضاعف عدد دوله الأعضاء خلال الفترة المقبلة. ويرى في هذا رسالة واضحة إلى كل من «إيكواس» والغرب تؤكد إصرار دول «حزام الانقلابات» على الاستغناء عن فرنسا والغرب، وبخاصة مع دخول موسكو حليفاً جديداً. ومن ثم يتشكل خط مواجهة يسعى إلى تقليص الدور الفرنسي في المنطقة، وملء الفراغ الذي ستخلفه باريس خلال المرحلة المقبلة.

هذا، ويوضح التحليل المنشور على الموقع الإلكتروني لـ«المركز» أن التراجع المستمر الذي يتجلى في انسحاب القوات الفرنسية من بعض دول الساحل مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو - وقبلها أفريقيا الوسطى خلال السنوات الأخيرة - مقابل انتشار واسع لمجموعة «فاغنر» الروسية الأمنية هناك، يعكس سياقاً إقليمياً متوتراً بفضل سياسة شدّ الأطراف التي تتبناها فرنسا و«إيكواس» ضد «دول الممانعة الجديدة» في الساحل.

ويتوقّع عسكر أن تظل موسكو المستفيد الأكبر من تدهور العلاقات الفرنسية مع دول الساحل، لا سيما، مع تحوّل المزيد من القادة العسكريين الجدد للتحالف مع موسكو على حساب باريس. وهذا يعني توسيع دائرة النفوذ الروسي في الساحل، ومنح موسكو المزيد من أوراق الضغط لتمارسها ضد الغرب في مناطق استراتيجية أخرى مثل أوكرانيا، الأمر الذي يعزّز التنافس الدولي في المنطقة... بما في ذلك تنامي «عسكرتها» خلال الفترة المقبلة. مع أن روسيا لم تعلن دعمها الصريح للتحولات الجديدة في العديد من الدول الأفريقية، فإنها سارعت إلى تقديم العون والمساندة للأنظمة الجديدة


«إيكواس»... مجموعة اقتصادية غارقة في أزمات السياسة


مقر «إيكواس» في العاصمة النيجيرية أبوجا (إيكواس)
مقر «إيكواس» في العاصمة النيجيرية أبوجا (إيكواس)
TT

«إيكواس»... مجموعة اقتصادية غارقة في أزمات السياسة


مقر «إيكواس» في العاصمة النيجيرية أبوجا (إيكواس)
مقر «إيكواس» في العاصمة النيجيرية أبوجا (إيكواس)

> على مدى سنوات، مثّلت «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس) إطاراً مهماً للتعاون بين دول الغرب الأفريقي التي عانت، ولا تزال، من تحديات أمنية وسياسية واقتصادية.

ومع توالي الأزمات التي تتعرض لها دول المنطقة، تزايد نفوذ «المجموعة»، وتجاوزت الأدوار الاقتصادية لتلعب أدواراً سياسية وأمنية، وترسخ جذورها عبر شبكة من المؤسسات البينية والدعم المتبادل بين الدول الأعضاء.

غير أن رياح الأزمات التي كانت سبباً في تعزيز المصالح المشتركة لدول «إيكواس» تحوّلت في اتجاه لا تشتهيه سفن «المجموعة»، خاصةً مع تطاير الاتهامات بخضوعها لضغوط غربية، وفرنسية بالأساس، وهو ما تنفيه المجموعة دائماً.

أسست «إيكواس» عام 1975 بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية بين أعضائها الـ15. وضمت المجموعة يوم تأسيسها عدة دول ناطقة بالفرنسية، هي: بنين (الداهومي سابقاً) وغينيا وساحل العاج (كوت ديفوار) والسنغال وتوغو، إضافة إلى بوركينا فاسو (أعالي الفولتا سابقاً) ومالي (السودان الفرنسي سابقاً) والنيجر التي أعلنت انسحابها من المجموعة أخيراً.

ومن الدول الناطقة بالإنجليزية ضمت: غامبيا وغانا وليبيريا ونيجيريا وسيراليون. كما أضيفت لها دولتان ناطقتان بالبرتغالية، هما: الرأس الأخضر وغينيا بيساو. وبالمناسبة، كانت المجموعة تضم أيضاً موريتانيا، التي بانسحابها عام 2001، خلت «إيكواس» من أي حضور عربي.

يقع مقر «المجموعة» في العاصمة النيجيرية أبوجا، وتهيمن نيجيريا على «المجموعة» سياسياً واقتصادياً، كيف لا وهي التي تمثل وحدها نحو ثلثي عدد سكانها، و60 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. وللعلم، يبلغ مجموع سكان «إيكواس» (قبل انسحاب الدول الثلاث) نحو 350 مليون نسمة، وفق إحصاءات 2021، وتبلغ مساحتها الإجمالية 5 ملايين كيلومتر مربع، أي 17 في المائة من إجمالي مساحة قارة أفريقيا.

من جهة ثانية، تضم «المجموعة» عدداً من المؤسسات البينية؛ أبرزها:

- «مجلس رؤساء الدول والحكومات» الذي يعد أعلى هيئة سياسية، وإليه ترجع القرارات الكبرى.

- «المجلس الوزاري» الذي يتولى عادةً مهمة التحضير للقمم ومناقشة القرارات السياسية قبل إقرارها من قِبل مجلس الرؤساء.

- «برلمان المجموعة» الذي يتمتع بسلطة إقرار النصوص التي تصدر عن المؤسسات التنفيذية.

- «المجلس الاقتصادي والاجتماعي» الذي يتولّى تقديم المقترحات المتعلقة بالمشاريع التنموية المشتركة بين دول المجموعة.

- «محكمة المجموعة» التي تنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة خلال الصراعات التي تنشب في المنطقة.

وكما سبقت الإشارة، كانت الغاية من «إيكواس» بالأساس، إزالة الحواجز الاقتصادية والسياسية واللغوية أمام التجارة بين أعضائها؛ بغية تحقيق التكامل الاقتصادي بينها، وتعزيز التبادل التجاري بين دول المنطقة، وتحقيق الاندماج في مجالات الصناعة والنقل والاتصالات والطاقة والزراعة والمصادر الطبيعية.

ولكن، مع مرور الوقت تعاظم نفوذ «المجموعة السياسي»، وتدخلت بشكل مباشر في تسوية النزاعات السياسية والعسكرية في جميع أنحاء المنطقة. وفي عام 1993 تبنت قانوناً جديداً يمنحهاً رسمياً مسؤولية منع النزاعات الإقليمية وتسويتها.

وبالفعل، شكلت في يونيو (حزيران) 2004 قوة عسكرية قوامها 6500 جندي، من بينها «وحدة للتدخل السريع» في حالة نشوب أي نزاع، وأدّت القوات التابعة لـ«إيكواس» مهمات كبرى إبان الحروب الأهلية في ليبيريا وسيراليون. وتدخلت أيضاً لتسوية نزاعات واضطرابات في كل من غينيا بيساو وكوت ديفوار وغينيا وتوغو ومالي وغامبيا. وفي حين فرضت «إيكواس» عقوبات شديدة على مالي والنيجر للضغط عليهما من أجل عودة الحكم المدني، فإنها هددت بالتدخل عسكرياً لإعادة الحكم المدني بعد الانقلاب الذي حدث في النيجر، وعلقت مشاركة الدول الثلاث في مؤسساتها... وكانت تلك المحطة التي تأزم بعدها الموقف، ما أدى إلى اتخاذ بوركينا فاسو ومالي والنيجر قرارها الانسحاب من «المجموعة».


رئيس تايوان الجديد لاي تشينغ تي... «استقلالي» يُقلِق الصين من دفعه «الدولة ــ الجزيرة»

ردّت بكين على فوز لاي بزيادة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية، بالإضافة إلى محاولة فرض عزلة دولية على تايوان
ردّت بكين على فوز لاي بزيادة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية، بالإضافة إلى محاولة فرض عزلة دولية على تايوان
TT

رئيس تايوان الجديد لاي تشينغ تي... «استقلالي» يُقلِق الصين من دفعه «الدولة ــ الجزيرة»

ردّت بكين على فوز لاي بزيادة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية، بالإضافة إلى محاولة فرض عزلة دولية على تايوان
ردّت بكين على فوز لاي بزيادة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية، بالإضافة إلى محاولة فرض عزلة دولية على تايوان

كما هو معروف، أثمرت الانتخابات الأخيرة التي أجريت في تايوان، الدولة - الجزيرة الواقعة في شرق آسيا، انتخاب الدكتور لاي تشينغ تي، المعروف كذلك باسم وليام لاي رئيساً للبلاد. ومن المقرر أن يتسلم لاي (64 سنة) منصب الرئاسة رسمياً، خلفاً للرئيسة الحالية تساي إنغ ون، التي تعذّر عليها الترشح مرة أخرى بسبب القيود القانونية على عدد فترات الولاية الرئاسية. ولقد حمل فوز الدكتور لاي - في حالة غير مسبوقة - ولاية ثالثة على التوالي للحزب التقدمي الديمقراطي، وأشاد لاي بهذا الإنجاز بعدّه «نصراً لمجتمع الديمقراطيات». وما يُذكر أن لاي، الطبيب السابق الذي تقلد تقريباً جميع المناصب السياسية الكبرى بتايوان، حصل في الانتخابات الأخيرة على أكثر من 40 في المائة من الأصوات، طبقاً لما أعلنته اللجنة المركزية للانتخابات بالبلاد. من جهة ثانية، ما يستحق الإشارة أن عدد سكان تايوان يقدر بنحو 23 مليون نسمة. وعلى الصعيد الجغرافي تقابلها الصين غرباً في البر الآسيوي، وأرخبيل اليابان من الشمال الشرقي، وأرخبيل الفلبين من الجنوب. وتطالب الصين بأحقية سيادتها على تايوان، إذ تعد الدولة - الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من «الوطن الصيني» الواحد الكبير، بحجة أنها كانت تحت حكم الأباطرة الصينيين إلى أن استعمرتها اليابان بين عام 1895 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية (1939 إلى 1945).

بخلاف معظم أفراد النخبة السياسية في تايوان، ينتمي الدكتور لاي تشينغ - تي إلى أصول متواضعة. فقد ولد لاي عام 1959 ونشأ فقيراً في قرية يعمل أهلها باستخراج الفحم في شمال تايوان. ولقي والده، الذي كان عامل منجم، حتفه جراء كارثة وقعت بالمنجم قبل أن يتجاوز ابنه الطفل عمر السنتين من عمره. وبالتالي، تولت أمه مسؤولية تربيته مع خمسة أشقاء آخرين بمفردها في قريتهم الريفية الواقعة على أطراف مدينة تايبيه الجديدة (عاصمة تايوان).

وحول خلفية الرئيس الجديد، قال البروفسور سريكانث كوندابالي، عميد كلية الدراسات الدولية بجامعة جواهر لال نهرو الهندية «يرتبط لاي بعلاقة قوية للغاية بوالدته، ويعي حجم المشقة التي واجهتها لأنها اضطرت إلى تربية ستة أطفال بينما كانت تعيش في منزل صغير بجوار المناجم». وتابع شارحاً أن ميل لاي إلى المثابرة ينبع من البيئة التي نشأ فيها. ذلك أنه بعد حصوله على درجة البكالوريوس من كلية الطب وإعادة التأهيل بجامعة تايوان الوطنية، أكمل دراساته العليا فانخرط ببرنامج ما بعد البكالوريوس في العلوم الطبية بجامعة تشينغ كونغ الوطنية. وبعد ذلك، نال درجة الماجستير في الصحة العامة من جامعة هارفارد الشهيرة في الولايات المتحدة، ما جعله واحداً من الأطباء القلائل على مستوى تايوان الذين يتمتعون بخبرة في مجالات إعادة التأهيل والرعاية السريرية والصحة العامة.

خوض المجال السياسي

عندما أنهت تايوان ما يقرب من 40 سنة من الأحكام العرفية في أواخر الثمانينات وشرعت في تنفيذ إصلاحات سياسية، تخلّى لاي تشينغ تي عن ممارسة الطب والصحة العامة من أجل التفرّغ للعمل السياسي. ونشير هنا إلى أنه، عام 1994، عندما كان لا يزال طبيباً مقيماً في مستشفى جامعة تشينغ كونغ الوطنية، وكانت تايوان تجري أول انتخابات مباشرة لمنصب حاكم مقاطعة تايوان السابقة (ما عادت موجودة رسمياً)، باشر مشاركاته في مجالات الشأن السياسي، داعماً تشن تينغ نان، مرشح الحزب الديمقراطي التقدمي لمنصب الحاكم.

خلال «أزمة مضيق تايوان» عام 1996، قرّر الدكتور لاي محاكاة أسلافه في السعي لتحقيق الديمقراطية في الدولة - الجزيرة بمواجهة مطالبات السلطات الصينية في بكين. وبالفعل، تخلى عن مسيرته الطبية ودخل معترك السياسة. وفي أثناء الانتخابات البرلمانية ذلك العام، استحوذ لاي على العدد الأكبر من الأصوات في مدينة تاينان الكبيرة بجنوب غربي البلاد، وانطلق في مهمة تاريخية لإلغاء البرلمان، الذي كان يطلق عليه في حينه «الجمعية الوطنية». ثم إنه كتب في مقال رأي لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، خلال يوليو (تموز) الماضي: «جاءت اللحظة الحاسمة لي، عندما هدّدت المغامرات العسكرية الصينية شواطئنا بتدريبات الذخيرة الحية والصواريخ. حينذاك، قرّرت أنه من واجبي المشاركة في ديمقراطية تايوان، والمساعدة في حماية هذه التجربة الوليدة ممن يتربصون بها».

انتخب دكتور لاي للمرة الأولى نائباً في البرلمان التايواني عام 1998، ثم تولّى منصب عمدة مدينة تاينان عام 2010. ومن ثم، شغل منصب رئيس وزراء تايوان - الذي يعمل بمثابة المستشار الرئيسي لرئيس الجمهورية - ورئيس الحكومة المركزية - من 2017 إلى 2019. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، أعيد انتخاب لاي نائباً للرئيس. وفي الوقت نفسه، أعيد انتخاب الرئيسة تساي إنغ ون رئيسة للجمهورية للمرة الثانية.

«الاستقلاليون» ضد «الوطنيين»

سياسياً، يحظى لاي تشينغ تي بقبول كبير بين مؤيدي الاستقلال المتشدّدين – المعارضين بقوة لفكر حزب «الكومينتانغ» (الحزب الوطني)، الذي يؤمن بالوحدة الصينية، ولكن بعد إسقاط الشيوعية فيها - بينما كان يتمتع في الماضي بشعبية واسعة بين الناخبين الوسطيين.

وبناءً عليه، بسبب تحمّس الرئيس المنتخب لفكرة الاستقلال، لا تثق السلطات الصينية بآرائه ولا بسياساته. وهو، وإن كان وصف نفسه ذات مرة بأنه «عامل من أجل استقلال تايوان»، فقد سبق له أن وعد بالالتزام بالمقولة الدقيقة التي طرحتها سلفته الرئيسة الحالية تساي «بما أن تايوان مستقلة فعلياً فهي ليست بحاجة إلى المزيد من الإعلانات». وفي هذا السياق، أعرب المحلل السياسي الهندي ماكاركاند بارانجبايي عن اعتقاده أن لاي، الذي يخلف الرئيسة رسمياً خلال الربيع المقبل: «سيواصل على الأرجح اعتماد موقف الرئيسة تساي المعتدل ولكن المبدئي أيضاً... المتمثل في رفض فكرة أن تايوان جزء من الوطن الصيني».

من جهة أخرى، ردّت بكين على فوز لاي بزيادة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية، بالإضافة إلى محاولة فرض عزلة دولية على تايوان، مع أن فوز الرئيس المنتخب يؤكد مجدداً عبر صناديق الاقتراعات أن غالبية سكان الدولة - الجزيرة يعدون أنفسهم تايوانيين لا صينيين. وفي الخطاب الذي ألقاه لاي بمناسبة فوزه الانتخابي، عدّ النتيجة «انتصاراً لمجتمع الديمقراطيات»، كما أثنى على الناخبين لإحباطهم محاولات «قوى خارجية» التأثير على الانتخابات.

على صعيد آخر، لعب الرئيس التايواني المنتخب في وقت سابق من حياته السياسية، دوراً بارزاً في توسيع صناعة الرقائق العالية التقنية في تايوان، ما ساعد الجزيرة على الازدهار ورفع مكانتها العالمية. كذلك فإنه في أثناء فترة توليه منصب عمدة مدينة تاينان، كان أحد أهم منجزاته الكبرى بناء مصنع جديد لشركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات داخل مجمع تصنيع محلي. والواقع أن لاي عبر كل المواقع والمناصب التي شغلها، على المستويين المحلي والمركزي من الحكومة - بما في ذلك السلطة التشريعية - أثبت أنه على الرغم من هدوئه ولطفه، قادر على اتخاذ مواقف قوية حاسمة. من ذلك أنه في عام 2005 اشتبك مع أحد نواب «الكومينتانغ» داخل المجلس التشريعي، بعد مقاطعة الحزب ميزانية شراء الأسلحة بشكل متكرّر. كذلك ظهر في مقطع فيديو وهو يهاجم النائب ويصرخ: «أنتم تدمّرون الوطن». ولم يجر إقرار سوى جزء صغير من الموازنة التي تزيد قيمتها على 15 مليار دولار خلال السنوات التالية مباشرة. وأيضاً من مؤشرات نجاحه وقدراته أن انتخابه رئيساً يشكّل للمرة الأولى في تاريخ تايوان حصول حزب سياسي واحد على ثلاث فترات رئاسية متتالية.

أكثر من هذا، من المحطات اللافتة التي تعكس حقيقة شخصيته القوية - التي يصفها البعض بالعنيدة - تحديه الرئيسة تساي للمشاركة بالانتخابات السابقة، وكان ذلك خطوة مفاجئة صدمت كثرة من المراقبين الذين عدوها «تمرداً». وفي هذا الشأن، قال تشين جيه هونغ، الذي درّس لاي عندما كان يعمل في مستشفى في تاينان قبل ثلاثة عقود، إن «ما كان يقلقه في ذلك الوقت هو ما إذا كان الحزب الديمقراطي التقدمي سيخسر الانتخابات الرئاسية لعام 2020»... ولكن تساي فازت في تلك الانتخابات بغالبية ساحقة.

الحدود الممكنة للمواجهة

خلال السنوات الأخيرة بنى لاي تشينغ تي سمعته السياسية - ورصيده الشعبي - على دفاعه القوي عن فكرة تايوان المستقلة. ولم يفت هذا الأمر سلطات بكين التي لم تتردد في اتهامه بأنه «محرض على الحرب». والواضح إذن أن تولي لاي الدفة في تايوان أمر لا يروق للقيادة الصينية التي ترى فيه «انفصالياً» متشدداً. ويذهب مراقبون أبعد من ذلك، ليقولوا إن بكين ترى أنه بسبب إيمانه المطلق بـ«سيادة تايوان المستقلة» يحمل «خطراً شديداً» على العلاقات بين الصين وتايوان عبر «مضيق تايوان».

وحقاً، لا ينسى القادة الصينيون أن لاي إبان شغله منصب رئيس الوزراء كان أكثر صراحة ومباشرة من تساي بخصوص قضية الاستقلال. وهنا، يقول مراقبون إن هذه القضية باتت تثير قلق كبار الحلفاء؛ مثل الولايات المتحدة - المورِّد الرئيسي للأسلحة لتايوان - بخصوص كيفية تعامل الرئيس المنتخب مع العملاق الصيني. ولهذا لا يستغرب متابعو هذا الملف الحساس أنه من نواحٍ عديدة، أن يكون خطاب بكين تجاه لاي أكثر تشدداً وعدائية منه إلى خطابها تجاه الرئيسة تساي. والحال، أن الحكومة الصينية - ووسائل الإعلام الرسمية الصينية على حد سواء - تتعمد في مختلف المناسبات «توبيخ» لاي، ووصفه بـ«الانفصالي الخطير» و«مثير المشكلات»، و«صانع الحرب»، وترفض عروضه المتكرّرة لعقد مباحثات.

الحياة الشخصية

على الصعيد الشخصي، الرئيس المنتخب متزوج من وو مي جو منذ عام 1986. ورزق الزوجان بولدين، إلا أن زوجته حرصت على البقاء بعيداً عن الأضواء، حتى بعدما اقتحم لاي معترك السياسة في تسعينات القرن الماضي. ووفق تقارير أوردتها وسائل إعلام محلية، تقدمت وو بطلب للانتقال من مكتب شركة الطاقة التايوانية في تاينان إلى محطة هسينتا للطاقة في كاوشيونغ، بعد انتخاب زوجها عمدة لمدينة تاينان عام 2010 تجنباً لأي تضارب مصالح قد يحصل. وفي المقابل، على الرغم من حرص وو على التدخل بعمل لاي، فإنها ظلت حريصة على مرافقته ودعمه منذ التقيا إبان مرحلة الدراسة الجامعية. كما أنها عبرت وتعبر دائماً عن اعتزازها بمسيرة زوجها وما حققه. ثم إنها وإن كانت قد وصفته ذات يوم بأنه شخص «ليس رومانسياً كثيراً»، فهي تراه في المقابل «جديراً بالثقة» ويتمتع «بإحساس قوي بالمسؤولية... ولن يأبه لشيء عندما يتعلق الأمر بحماية الناس».

أخيراً، من شريط ذكريات الرئيس التايواني المنتخب، قوله خلال فعالية شارك بها في مارس (آذار) من العام الماضي: «كنت صغيراً للغاية على نحو يجعلني عاجزاً عن تذكر أبي، لكنني أدركت فجأة أن أكبر الأصول التي تركها لي أن عائلتي كانت فقيرة». واستطرد «عندما تنشأ في مثل هذه الأسرة، تصبح أكثر نضجاً، وتملك مزيداً من قوة الإرادة والشجاعة، ما يعينك على تجاوز الصعوبات». واختتم بالقول «أيضاً راودني اعتقاد بأنه في هذه الحياة، إذا تمكنت من العثور على مشروع يجعلني أشعر بالشغف للشروع فيه، فستكون لي حياة تستحق أن تعاش حقاً». ردّت بكين على فوز لاي بزيادة الضغوط الدبلوماسية والعسكرية، بالإضافة إلى محاولة فرض عزلة دولية على تايوان