أزمة الثقافة البصرية تلاحق الفن التشكيلي السعودي

ينتظر «جواز» مرور للدخول لعالم الثقافة ويناضل ليكون واحدا من عائلتها

الفنان التشكيلي عبد العظيم الضامن ومجموعة من التشكيليين والتشكيليات
الفنان التشكيلي عبد العظيم الضامن ومجموعة من التشكيليين والتشكيليات
TT

أزمة الثقافة البصرية تلاحق الفن التشكيلي السعودي

الفنان التشكيلي عبد العظيم الضامن ومجموعة من التشكيليين والتشكيليات
الفنان التشكيلي عبد العظيم الضامن ومجموعة من التشكيليين والتشكيليات

يُعد الفن التشكيلي في السعودية الساحة الأكثر اتساعا لاستيعاب التجارب الثقافية، لكنه حتى الآن لم يتمكن من إقناع المجتمع، ولا حتى الوسط الثقافي الذي يجاهد للانتماء إليه، بأنه واحد من «العائلة» الثقافية، ومكون أساسي في التعبير الإنساني للثقافة. هذا النمو الكبير في المساحة التشكيلية يجتذب تحديدا فتيات ينجذبن للوحة والفرشاة لتفريغ شحنات هائلة من الرغبة في «البوح» لا تسعها الكلمات، فغالبا ما تتسم لوحات الفتيات السعوديات بحس إنساني عميق الدلالة عن الواقع الذي تعيشه المرأة، والظروف الاجتماعية التي تكابدها.
لا غرابة أن تشتعل اللوحة بألوان صارخة أو عيون محدقة في أفق مفتوح يلسعه الانتظار، أو أيدٍ ممتدة عبر اللوحة، أو ظهر يستند إلى جدار النافذة..، وغيرها. وفي العديد من التجارب لا يحتمل اللون وحده وسيلة للتعبير فيجري استخدام خامات إضافية وإضفاء مسحة «زمكانية» على الصورة إمعانا في تحميلها شحنات من الإحساس العميق بكشف المكبوت.
التشكيليات تحديدا كن الأكثر جرأة في الخروج إلى الشارع والرسم في الطريق العام والحدائق والمجمعات التجارية والتعبير عن فائض من الوعي بجمالية اللوحة، وعبقرية الشكل الفني في ملامسة قضايا المجتمع ودور الفن التشكيلي في التعبير عن همومه.
لكن التشكيليين عامة ما زالوا يصطدمون بالصخرة الكبرى، وهي نظرة المجتمع ومثقفيه إلى أعمالهم، حيث ما زال الفن التشكيلي ينتظر «جواز» مرور للدخول لعالم الثقافة، وأن يحظى بمكانة تتيح له العمل كمكون أساسي في نهضة المجتمع وإحساسه بالجمال، وليس فعلا هامشيا يقام كتجميل للنشاط الثقافي وعلى هامشه.
المعضلة التي يتحدث عنها نقاد فنيون هي أن موقع الثقافة البصرية في المجتمعات العربية عموما ما زال محدودا، ولذلك فلا أحد يمنح الفن التشكيلي أو المسرحي حرية أكثر للتعبير.

السليمان: غيابه أحدث عرجا في المسيرة الثقافية

يرى الناقد والفنان التشكيلي عبد الرحمن السليمان أن هناك انفصاما في علاقة المثقفين أنفسهم بالمنتج الثقافي، حيث يسقطون من حساباتهم الفن التشكيلي كأداة من أدوات التعبير الثقافي وأحد أركان الثقافة، عادّا هذا الإشكال ساهم في تجريد الثقافة من أحد أهم مكوناتها.
السليمان يرى أن طبيعة المجتمعات العربية الميل للثقافة السمعية والشفاهية، ولذلك اهتمت عبر القرون بالشعر والأدب واللغة بشكل عام كمنتجات ثقافية، لكنها أغفلت كل ما يتعلق بالثقافة البصرية، كالمسرح والفن التشكيلي، ولاحقا التصوير والنحت وغيرها، بل حتى الثقافة السمعية لم تشق طريقها إلا بصعوبة بالغة، كالموسيقى والغناء والأداء. وهي أشكال جديدة في هذه المجتمعات.
السليمان، الذي اشتغل بالفن التشكيلي منذ ثلاثة عقود، ولديه عدد من المؤلفات في هذا المجال وأقام معارض متعددة، ترأس أيضا لفترات متعددة لجان الفن التشكيلي في جمعية الثقافة والفنون، ولكنه يرى أن أهم خلل تعرض له الفن التشكيلي كان من خلال المناهج التعليمية، حيث لم يكن التوصيل الدراسي يحدث عبر الطريقة الصحيحة، فبرنامج تعليم التربية الفنية في المدارس كان محدودا جدا ومحصورا في جوانب معينة، وحتى على مستوى النشاط.. وبالتالي لم تنتج ثقافة بصرية عالية، أو ينشأ الطالب على غرار الدارسين في أوروبا.
تحدث السليمان أيضا عن النقص الذي تواجهه الحركة التشكيلية في السعودية، من قبيل نقص المرافق الفنية كالمتاحف والكتب والموسوعات ودور عرض على المستوى العام والخاص، «وهي التي تمثل حواضن للفن التشكيلي، وبالتالي لم تنشأ ثقافة عامة تربط الفن بعموم الثقافة ويكون جزءا مهما منها».
يؤكد السليمان أن «غياب الاهتمام بالفن التشكيلي أحدث عرجا في المسيرة الثقافية، وعلاقتها بالواقع البصري، وتأثيره على المخيلة البصرية.. فعملية فهم أن الفن مجرد صورة مباشرة تحدث إشكالا، حيث يجري تعطيل الذهن على مستوى الذائقة البصرية». ورأى أن «الفن يوسع مدارك الحس الثقافي ويوسع العلاقة مع المحيط، وهذا هو دوره الحقيقي حيث يؤخذ من إطاره الهامشي، كما أن له دورا في ملامسة القضايا المجتمعة والجمالية والقضايا العامة في الحياة وعموم القضايا الإنسانية».
ويطالب السليمان بدور ثقافي وخاصة بالنسبة للعاملين في الحقل الثقافي، حيث المطلوب منهم رعاية وفهم الدور الحقيقي للفن التشكيلي، وكذلك الموسيقى والمسرح، وما ينطبق على المثقفين ينطبق على المؤسسات التي ترعى الثقافة وكذلك القطاع الخاص، حيث يتعين إنشاء دور للعرض واجتراح برامج للتبادل الثقافي الحقيقي والاهتمام بالمعارض واحتضان التجارب الجديدة، وأهم شيء تطوير بنية تعليمية حقيقية تراعي التأسيس لفهم حقيقي لدور الفن كجانب ثقافي.
جريدي: صوت المهمشين
في حين يرى الناقد الفني سامي جريدي أن «الخطاب البصري في المجتمع غير مقيد بحقيقته الثابتة لأنه في الغالب خطاب مأخوذ بالتماهي والانصهار مع تراكمات المعرفي والاقتصادي والسياسي التي هي في أساسها مفتوحة على قول الحقيقي لا التزييف وتغييب الواقع الاجتماعي». ويضيف: «حينما نتأمل تاريخية الفن عبر عصور ممتدة نجد أن ما مارسه التغييب السلطوي لطبقات معينة من المجتمع واجهه الفن بقوة، وواجهه بلغة بصرية جعلت من صراخه دويا على جدران وحوائط الشوارع والمدن». يضيف: «لهذا فإن من سبيل التمثيل نستطيع أن نقرأ انتشار كتابات العشاق وأهل الحب في شوارع المدن السعودية، وخاصة بالقرب من مدارس البنات، كرسم القلوب والعيون وكتابة النصوص الشعرية والأبيات والمقطوعات الغنائية، وهي أشبه ما تكون بإثبات حقيقي لوجود هؤلاء العشاق المهمشين، وذلك عبر رؤية بصرية لا أراها تنفصل عن حقيقة الأسوار العالية في المجتمع الذي أخذ الفن ينبش في عوالمه ويكشف عن عريه».

الضامن: اللوحة تقرأ النص
وهناك مبادرات قام بها تشكيليون للمزاوجة بين الثقافة البصرية والأدب، من بينها تجارب مركز إبداع الثقافي في تحويل أعمال شعرية إلى فن تشكيلي. ويقول الفنان التشكيلي عبد العظيم الضامن، مدير ملتقى «إبداع» الثقافي، إن الفنانين التشكيليين السعوديين «طموحون بشكل كبير في خلق حوار ثقافي تشكيلي وفي أن يكون للفن التشكيلي تأثيرا في خلق حوار ثقافي من خلال العديد من الممارسات الثقافية، وقمنا بالعديد من المبادرات، منها: قراءة النص الشعري لونيا، وإقامة ورش عمل في المحبة والسلام، وهكذا العديد من الأنشطة المقاربة بين اللون والحرف والكلمة التي بدورها تحاور الفكر والمعرفة». يرأس الضامن مركز إبداع الثقافي، الذي يحتضن عشرات التجارب التشكيلية ويقوم بمبادرات فنية محلية وإقليمية لإقامة المعارض المشتركة وتصميم برامج للتبادل الثقافي. وهو يقول إن مركز إبداع يقيم في العام الواحد قرابة خمس وعشرين فعالية ثقافية تتنوع بين أمسية وندوة ومعرض وورشة عمل، علاوة على العديد من الدورات التدريبية.
وكان الضامن قد قاد فريقا من خمسة آلاف فنان تشكيلي شاركوا رسم «أطول لوحة جماعية في العالم»، وذلك في الواجهة البحرية بالدمام، وبدأ العمل على تلك اللوحة مطلع عام 2005.
وتبلغ المساحة الكلية للوحة 1250 مترا مربعا، وجالت اللوحة منذ بدء العمل فيها على 25 عاصمة عربية وعالمية، شارك في رسمها عدد من الشخصيات، وهي مقتبسة من مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حين أطلق مؤتمر حوار الأديان، وتوقع الضامن أن تدخل هذه اللوحة التي تسعى إلى نشر ثقافة التسامح والسلام بعد الانتهاء من رسمها موسوعة غينيس للأرقام القياسية.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».