حزب الله اللبناني «يشد الحزام» مع تراجع الدعم الإيراني

ألمانيا تحظر جمعية دعمته بملايين الدولارات

عناصر من حزب الله يشيعون مقاتلا لقي حتفه في معارك يبرود بسوريا (رويترز)
عناصر من حزب الله يشيعون مقاتلا لقي حتفه في معارك يبرود بسوريا (رويترز)
TT

حزب الله اللبناني «يشد الحزام» مع تراجع الدعم الإيراني

عناصر من حزب الله يشيعون مقاتلا لقي حتفه في معارك يبرود بسوريا (رويترز)
عناصر من حزب الله يشيعون مقاتلا لقي حتفه في معارك يبرود بسوريا (رويترز)

أكدت مصادر لبنانية واسعة الاطلاع أن بوادر أزمة مالية تظهر من خلال أداء حزب الله الذي يتأثر بعدة عوامل تصيب موارده المالية وتؤثر على ماليته العامة، أبرزها تزايد تكلفة تدخله العسكري في الأزمة السورية، والتقشف الرسمي الإيراني بعد وصول الرئيس حسن روحاني إلى السلطة، بالإضافة إلى الملاحقة الحثيثة التي تقوم بها الولايات المتحدة والدول الأوروبية لمصادر تمويله الخارجية في أميركا اللاتينية والولايات المتحدة وأفريقيا، بالإضافة إلى أوروبا، علما أن ألمانيا حظرت أمس مؤسسة خيرية مرتبطة بإحدى مؤسسات الحزب.
وقالت المصادر اللبنانية إن تعاونا أوروبيا - أميركيا عالي المستوى يستهدف نشاطات الحزب الخارجية، بهدف تجفيف منابع الدعم الذي يحصل عليه، ويعوض من خلاله تناقص الدعم الإيراني نتيجة العقوبات الدولية.
ونقل موقع «يقال دوت نت» اللبناني الذي يعمل من باريس عن مصادر أخرى أن الحزب بدأ يعاني من شح في الأموال، مما دفعه إلى استنهاض شبكات كانت نائمة، وتضم أشخاصا فاجأوا أجهزة المخابرات. وقال الموقع إن الأجهزة الأمنية في أوروبا أطلقت عملية منسقة تهدف إلى منع تهريب الأموال من خلال معابرها الجوية إلى حزب الله في لبنان. وجاءت هذه العملية بعدما اكتشفت أجهزة الأمن في أوروبا نشاطا غير مسبوق لشبكات مالية، تبيّن أنها مرتبطة بحزب الله.
ووضعت هذه الأجهزة تصورا كاملا للمعابر التي يستخدمها عملاء حزب الله، الذين استنفروا في الآونة الأخيرة، لتوفير أموال للحزب، وخصوصا عبر شبكاته المنتشرة في أفريقيا وبعض دول أميركا اللاتينية، موضحا أن هذه العمليات تسببت بوضع قيود على تحرك أموال اللبنانيين في أوروبا.
وفي الإطار نفسه كشف موقع أميركي أنّ الكونغرس الأميركي بصدَد الإعداد لقانون يفرض عقوبات جديدة على الحزب عبر قرارٍ يحظّر تمويله. وبحسب ملخّص مسوّدة المشروع، فإذا مرر القانون، «ستتعرّض قنوات تمويل الحزب لعقوبات جديدة وقاسية، كذلك سيحدّ من قدرته على دعم أنشطة إرهابية حول العالم». وتؤكد المصادر اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» أن حلفاء الحزب بدأوا يلمسون تناقصا كبيرا في كمية الأموال المخصصة لهم، خصوصا في الجانب الإعلامي. وقالت المصادر إن الحزب يعاني من شح بالغ في الأموال، وتراجع في وصول الأموال الإيرانية ما أدى في بعض الحالات إلى اقتطاع أجزاء كبيرة من مخصصاتهم المالية التي بدأ بعضها يصل عبر أوراق مالية قديمة، بدلا من الأوراق الجديدة التي كانت تميز الدولارات التي تصلهم، ما يؤشر إلى أن هذه الأموال بدأت تجمع من لبنان ولا تصل من طهران، كما يقول أحدهم لـ«الشرق الأوسط».
ويعتبر حزب الله من أهم الاستثمارات الإيرانية في لبنان، حيث يقدر خبراء ما صرف عليه من أموال منذ تأسيسه بمليارات الدولارات، علما أن موازنته التشغيلية بلغت نحو نصف مليون دولار سنويا، لا تحتسب من ضمنها عمليات التسليح والذخائر التي تصله من إيران عبر سوريا.
ويقول الكاتب اللبناني المتخصص في شؤون الحزب قاسم قصير في دراسة أعدها حول مصادر تمويل الحزب إن الخدمات المتنوعة التي قدمها حزب الله إلى الشعب اللبناني ترتكز على مصادر مالية متنوعة أولها المساعدات المالية التي يتلقاها من إيران سنويا من طريقين: أولا: مساعدات مالية تقدمها المؤسسات التي يشرف عليها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ولها ميزانية مستقلة عن الحكومة الإيرانية. وثانيا: المساعدات التي تقدمها الحكومة الإيرانية والمؤسسات الرسمية. هذه المساعدات الإيرانية تضاءلت ميزانيتها إلى حد كبير في السنوات الأخيرة لأسباب مختلفة، من بينها الاكتفاء الذاتي النسبي لحزب الله.
وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الجزء المخصص للحزب من «الأموال الشرعية» التي يصرفها مكتب خامنئي مستمرة، فيما توقفت كليا المساعدات المقبلة من الحكومة عبر وزارة الخارجية منذ خمسة أشهر. وبرر ذلك بـ«إعادة تنظيم الأمور». علما أن الوزارة تخصص مبالغ أخرى تدفع مباشرة من قبل الإيرانيين إلى بعض حلفاء إيران الآخرين (عدا عن حزب الله) فيما يتولى الحزب إيصال المساعدات إلى أطراف أخرى تقع عليه مسؤولية تمويلها، ومن بينها تحديدا جماعات سنية تعمل في الشارع اللبناني، ومؤسسات إعلامية وصحية تابعة لها.
وكانت الحال نفسها سجلت عند وصول الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، إذ توقفت عندها المدفوعات نحو ستة أشهر قبل أن تعود شيئا فشيئا إلى طبيعتها، ثم تزداد مع وصول الرئيس أحمدي نجاد.
ومن المصادر الأخرى للتمويل - وفقا لدراسة قصير - جمع مساعدات نقدية وعينية من داخل لبنان عبر «هيئة دعم المقاومة الإسلامية»، وكذلك جمعية «الإمداد»، اللتين تقومان بجمع إعانات ومساعدات نقدية وعينية، في مختلف المناطق اللبنانية. وقد وضعت هاتان المؤسستان صناديق لجمع التبرعات النقدية. وتشبه صناديق مؤسسة «الإمداد» من حيث الشكل واللون كليا الصناديق التي وضعتها المؤسسة الأم في إيران. أما صناديق «هيئة دعم المقاومة» فصممت على شكل المسجد الأقصى في فلسطين. وتجمع هاتان المؤسستان الأموال في مناسبات مختلفة، وبخاصة في شهر رمضان حيث تقيمان مراسم متنوعة ومآدب إفطار، تدعوان إليها الناس والمتمولين والشخصيات العامة، وتبادران فيها إلى جمع الأموال.
أما المصدر الثالث - حسب قصير - فهو مساعدات التجار اللبنانيين في المهجر وهم منتشرون في أميركا الشمالية وأميركا اللاتينية وأوروبا وأفريقيا وآسيا وأستراليا، وتشكل مساعدات هؤلاء المهاجرين مصدرا أساسيا من مصادر تمويل حزب الله. فيما المصدر الرابع هو «الحقوق الشرعية» التي تجمع من شيعة لبنان بناء على إجازة من مراجع التقليد. لذلك عين آية الله خامنئي الشيخ محمد يزبك عضو شورى القرار في حزب الله، وكذلك السيد حسن نصر الله الأمين العام، وكيلين شرعيين في لبنان، فتمكن حزب الله بذلك من استيفاء «الحقوق الشرعية» وصرفها في القضايا التي ترفع الحرمان عن المحتاجين من وجهة نظر شرعية. بينما المصدر الخامس هو الاستثمارات الاقتصادية حيث شكل حزب الله في السنوات الأخيرة قسما اقتصاديا نفذ مشاريع اقتصادية، تجارية ومالية في المناطق الشيعية. واستطاع هذا الفرع أن يؤسس متاجر كبيرة ذات فروع، وأن يساهم في حقل البناء، وفي استيراد البضائع من سائر البلدان. فأمن بذلك مصدرا ماليا مهما للحزب
وتقول المصادر اللبنانية إن ضغطا ماليا كبيرا بدأ يشهده حزب الله إلى درجة أن رواتب مؤسساته تأخرت حتى يوم 13 من الشهر الماضي، ولم تقبض بعد هذا الشهر. وترد المصادر المطلعة على أجواء الحزب هذا إلى تغليب الهم العسكري على الهموم الأخرى. وأكدت المصادر أن تمويل «الجهد العسكري» للحزب في سوريا يأتي من إيران مباشرة، لكن ضغوط الانتشار العسكري الكبير في المناطق اللبنانية وعمليات المراقبة الخاصة بمواجهة التفجيرات التي ضربت مناطق الحزب ضغطت على موازنة الحزب، كما أن المدفوعات لعوائل قتلى الحزب ساهمت إلى حد كبير في هذا الضغط حيث يدفع الحزب 50 ألف دولار لعائلة كل قتيل، يضاف إليها ثمن منزل لمن لا يمتلك منهم منزلا وهي أرقام كبيرة. ودفعت هذه الإجراءات بالحزب إلى عملية «شد حزام» كبيرة كانت أولى ضحاياها مؤسساته المدنية، بالإضافة إلى مؤسسات إعلامية تابعة لحلفائه في الشارع المسيحي والشارع السني. ويعطي المصدر مثلا على ذلك أن مخصصات أعضاء تجمع العلماء المسلمين، وهو تجمع يضم 220 من رجال الدين الشيعة والسنة، تبلغ 600 دولار لكل عضو، مقسمة على 400 دولار كراتب أساسي و200 دولار تقدمة إضافية من الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله. وبعد الأزمة أوقفت «مساهمة السيد» وبقي الراتب الأساسي على حاله.
ويوضح المصدر أن القطاع الصحي في الحزب تضرر بدوره، لجهة خفض المخصصات الإضافية 50 في المائة، فيما بقيت الموازنة الأساسية على حالها. أما الحلفاء فلحق بهم التخفيض أيضا بنسب متفاوتة تراوحت بين 30 و35 في المائة للتيارات السنية والمسيحية الأساسية، فيما خفضت نسبة التيارات الأخرى الصغيرة الحجم والتأثير نحو 50 في المائة، فيما لحقت موازنة «سرايا المقاومة» وهو تشكيل عسكري يديره حزب الله فقد خفضت 50 في المائة أيضا.
وفي الإطار نفسه، قالت المصادر إن الحزب تشدد أيضا في مراقبة بعض المصاريف التي كانت تقدم لحلفاء الحزب، بعد اكتشاف هدر كبير فيها، كما كانت الحال مع أحد رجال الدين السنة في طرابلس الذي كان يتقاضى 60 ألف دولار شهريا بدل رواتب لحراسه، وتبين للحزب أنه لم يكن لديه سوى عدد قليل جدا من الحراس. وطلب الحزب منه حماية شخصية ما لبثت أن اغتيلت في طرابلس بسبب عدم وجود حراس معها. فتقرر وقف الدعم عنه.
وتأثرت المؤسسات الإعلامية القريبة من الحزب بدورها بهذه الإجراءات، حيث أفادت المعلومات بأن 50 شخصا قد صرفوا من فضائية القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، فيما صرف 12 شخصا من فضائية «الثبات» التي يديرها رجل دين سني مقرب من الحزب، كما تأثرت قناة فلسطين التابعة لحماس بدورها من تخفيض في الدعم.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.