حزب الله اللبناني «يشد الحزام» مع تراجع الدعم الإيراني

حزب الله اللبناني «يشد الحزام» مع تراجع الدعم الإيراني

ألمانيا تحظر جمعية دعمته بملايين الدولارات
الأربعاء - 9 جمادى الآخرة 1435 هـ - 09 أبريل 2014 مـ
عناصر من حزب الله يشيعون مقاتلا لقي حتفه في معارك يبرود بسوريا (رويترز)
بيروت: «الشرق الأوسط»
أكدت مصادر لبنانية واسعة الاطلاع أن بوادر أزمة مالية تظهر من خلال أداء حزب الله الذي يتأثر بعدة عوامل تصيب موارده المالية وتؤثر على ماليته العامة، أبرزها تزايد تكلفة تدخله العسكري في الأزمة السورية، والتقشف الرسمي الإيراني بعد وصول الرئيس حسن روحاني إلى السلطة، بالإضافة إلى الملاحقة الحثيثة التي تقوم بها الولايات المتحدة والدول الأوروبية لمصادر تمويله الخارجية في أميركا اللاتينية والولايات المتحدة وأفريقيا، بالإضافة إلى أوروبا، علما أن ألمانيا حظرت أمس مؤسسة خيرية مرتبطة بإحدى مؤسسات الحزب.
وقالت المصادر اللبنانية إن تعاونا أوروبيا - أميركيا عالي المستوى يستهدف نشاطات الحزب الخارجية، بهدف تجفيف منابع الدعم الذي يحصل عليه، ويعوض من خلاله تناقص الدعم الإيراني نتيجة العقوبات الدولية.
ونقل موقع «يقال دوت نت» اللبناني الذي يعمل من باريس عن مصادر أخرى أن الحزب بدأ يعاني من شح في الأموال، مما دفعه إلى استنهاض شبكات كانت نائمة، وتضم أشخاصا فاجأوا أجهزة المخابرات. وقال الموقع إن الأجهزة الأمنية في أوروبا أطلقت عملية منسقة تهدف إلى منع تهريب الأموال من خلال معابرها الجوية إلى حزب الله في لبنان. وجاءت هذه العملية بعدما اكتشفت أجهزة الأمن في أوروبا نشاطا غير مسبوق لشبكات مالية، تبيّن أنها مرتبطة بحزب الله.
ووضعت هذه الأجهزة تصورا كاملا للمعابر التي يستخدمها عملاء حزب الله، الذين استنفروا في الآونة الأخيرة، لتوفير أموال للحزب، وخصوصا عبر شبكاته المنتشرة في أفريقيا وبعض دول أميركا اللاتينية، موضحا أن هذه العمليات تسببت بوضع قيود على تحرك أموال اللبنانيين في أوروبا.
وفي الإطار نفسه كشف موقع أميركي أنّ الكونغرس الأميركي بصدَد الإعداد لقانون يفرض عقوبات جديدة على الحزب عبر قرارٍ يحظّر تمويله. وبحسب ملخّص مسوّدة المشروع، فإذا مرر القانون، «ستتعرّض قنوات تمويل الحزب لعقوبات جديدة وقاسية، كذلك سيحدّ من قدرته على دعم أنشطة إرهابية حول العالم». وتؤكد المصادر اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» أن حلفاء الحزب بدأوا يلمسون تناقصا كبيرا في كمية الأموال المخصصة لهم، خصوصا في الجانب الإعلامي. وقالت المصادر إن الحزب يعاني من شح بالغ في الأموال، وتراجع في وصول الأموال الإيرانية ما أدى في بعض الحالات إلى اقتطاع أجزاء كبيرة من مخصصاتهم المالية التي بدأ بعضها يصل عبر أوراق مالية قديمة، بدلا من الأوراق الجديدة التي كانت تميز الدولارات التي تصلهم، ما يؤشر إلى أن هذه الأموال بدأت تجمع من لبنان ولا تصل من طهران، كما يقول أحدهم لـ«الشرق الأوسط».
ويعتبر حزب الله من أهم الاستثمارات الإيرانية في لبنان، حيث يقدر خبراء ما صرف عليه من أموال منذ تأسيسه بمليارات الدولارات، علما أن موازنته التشغيلية بلغت نحو نصف مليون دولار سنويا، لا تحتسب من ضمنها عمليات التسليح والذخائر التي تصله من إيران عبر سوريا.
ويقول الكاتب اللبناني المتخصص في شؤون الحزب قاسم قصير في دراسة أعدها حول مصادر تمويل الحزب إن الخدمات المتنوعة التي قدمها حزب الله إلى الشعب اللبناني ترتكز على مصادر مالية متنوعة أولها المساعدات المالية التي يتلقاها من إيران سنويا من طريقين: أولا: مساعدات مالية تقدمها المؤسسات التي يشرف عليها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ولها ميزانية مستقلة عن الحكومة الإيرانية. وثانيا: المساعدات التي تقدمها الحكومة الإيرانية والمؤسسات الرسمية. هذه المساعدات الإيرانية تضاءلت ميزانيتها إلى حد كبير في السنوات الأخيرة لأسباب مختلفة، من بينها الاكتفاء الذاتي النسبي لحزب الله.
وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الجزء المخصص للحزب من «الأموال الشرعية» التي يصرفها مكتب خامنئي مستمرة، فيما توقفت كليا المساعدات المقبلة من الحكومة عبر وزارة الخارجية منذ خمسة أشهر. وبرر ذلك بـ«إعادة تنظيم الأمور». علما أن الوزارة تخصص مبالغ أخرى تدفع مباشرة من قبل الإيرانيين إلى بعض حلفاء إيران الآخرين (عدا عن حزب الله) فيما يتولى الحزب إيصال المساعدات إلى أطراف أخرى تقع عليه مسؤولية تمويلها، ومن بينها تحديدا جماعات سنية تعمل في الشارع اللبناني، ومؤسسات إعلامية وصحية تابعة لها.
وكانت الحال نفسها سجلت عند وصول الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، إذ توقفت عندها المدفوعات نحو ستة أشهر قبل أن تعود شيئا فشيئا إلى طبيعتها، ثم تزداد مع وصول الرئيس أحمدي نجاد.
ومن المصادر الأخرى للتمويل - وفقا لدراسة قصير - جمع مساعدات نقدية وعينية من داخل لبنان عبر «هيئة دعم المقاومة الإسلامية»، وكذلك جمعية «الإمداد»، اللتين تقومان بجمع إعانات ومساعدات نقدية وعينية، في مختلف المناطق اللبنانية. وقد وضعت هاتان المؤسستان صناديق لجمع التبرعات النقدية. وتشبه صناديق مؤسسة «الإمداد» من حيث الشكل واللون كليا الصناديق التي وضعتها المؤسسة الأم في إيران. أما صناديق «هيئة دعم المقاومة» فصممت على شكل المسجد الأقصى في فلسطين. وتجمع هاتان المؤسستان الأموال في مناسبات مختلفة، وبخاصة في شهر رمضان حيث تقيمان مراسم متنوعة ومآدب إفطار، تدعوان إليها الناس والمتمولين والشخصيات العامة، وتبادران فيها إلى جمع الأموال.
أما المصدر الثالث - حسب قصير - فهو مساعدات التجار اللبنانيين في المهجر وهم منتشرون في أميركا الشمالية وأميركا اللاتينية وأوروبا وأفريقيا وآسيا وأستراليا، وتشكل مساعدات هؤلاء المهاجرين مصدرا أساسيا من مصادر تمويل حزب الله. فيما المصدر الرابع هو «الحقوق الشرعية» التي تجمع من شيعة لبنان بناء على إجازة من مراجع التقليد. لذلك عين آية الله خامنئي الشيخ محمد يزبك عضو شورى القرار في حزب الله، وكذلك السيد حسن نصر الله الأمين العام، وكيلين شرعيين في لبنان، فتمكن حزب الله بذلك من استيفاء «الحقوق الشرعية» وصرفها في القضايا التي ترفع الحرمان عن المحتاجين من وجهة نظر شرعية. بينما المصدر الخامس هو الاستثمارات الاقتصادية حيث شكل حزب الله في السنوات الأخيرة قسما اقتصاديا نفذ مشاريع اقتصادية، تجارية ومالية في المناطق الشيعية. واستطاع هذا الفرع أن يؤسس متاجر كبيرة ذات فروع، وأن يساهم في حقل البناء، وفي استيراد البضائع من سائر البلدان. فأمن بذلك مصدرا ماليا مهما للحزب
وتقول المصادر اللبنانية إن ضغطا ماليا كبيرا بدأ يشهده حزب الله إلى درجة أن رواتب مؤسساته تأخرت حتى يوم 13 من الشهر الماضي، ولم تقبض بعد هذا الشهر. وترد المصادر المطلعة على أجواء الحزب هذا إلى تغليب الهم العسكري على الهموم الأخرى. وأكدت المصادر أن تمويل «الجهد العسكري» للحزب في سوريا يأتي من إيران مباشرة، لكن ضغوط الانتشار العسكري الكبير في المناطق اللبنانية وعمليات المراقبة الخاصة بمواجهة التفجيرات التي ضربت مناطق الحزب ضغطت على موازنة الحزب، كما أن المدفوعات لعوائل قتلى الحزب ساهمت إلى حد كبير في هذا الضغط حيث يدفع الحزب 50 ألف دولار لعائلة كل قتيل، يضاف إليها ثمن منزل لمن لا يمتلك منهم منزلا وهي أرقام كبيرة. ودفعت هذه الإجراءات بالحزب إلى عملية «شد حزام» كبيرة كانت أولى ضحاياها مؤسساته المدنية، بالإضافة إلى مؤسسات إعلامية تابعة لحلفائه في الشارع المسيحي والشارع السني. ويعطي المصدر مثلا على ذلك أن مخصصات أعضاء تجمع العلماء المسلمين، وهو تجمع يضم 220 من رجال الدين الشيعة والسنة، تبلغ 600 دولار لكل عضو، مقسمة على 400 دولار كراتب أساسي و200 دولار تقدمة إضافية من الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله. وبعد الأزمة أوقفت «مساهمة السيد» وبقي الراتب الأساسي على حاله.
ويوضح المصدر أن القطاع الصحي في الحزب تضرر بدوره، لجهة خفض المخصصات الإضافية 50 في المائة، فيما بقيت الموازنة الأساسية على حالها. أما الحلفاء فلحق بهم التخفيض أيضا بنسب متفاوتة تراوحت بين 30 و35 في المائة للتيارات السنية والمسيحية الأساسية، فيما خفضت نسبة التيارات الأخرى الصغيرة الحجم والتأثير نحو 50 في المائة، فيما لحقت موازنة «سرايا المقاومة» وهو تشكيل عسكري يديره حزب الله فقد خفضت 50 في المائة أيضا.
وفي الإطار نفسه، قالت المصادر إن الحزب تشدد أيضا في مراقبة بعض المصاريف التي كانت تقدم لحلفاء الحزب، بعد اكتشاف هدر كبير فيها، كما كانت الحال مع أحد رجال الدين السنة في طرابلس الذي كان يتقاضى 60 ألف دولار شهريا بدل رواتب لحراسه، وتبين للحزب أنه لم يكن لديه سوى عدد قليل جدا من الحراس. وطلب الحزب منه حماية شخصية ما لبثت أن اغتيلت في طرابلس بسبب عدم وجود حراس معها. فتقرر وقف الدعم عنه.
وتأثرت المؤسسات الإعلامية القريبة من الحزب بدورها بهذه الإجراءات، حيث أفادت المعلومات بأن 50 شخصا قد صرفوا من فضائية القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، فيما صرف 12 شخصا من فضائية «الثبات» التي يديرها رجل دين سني مقرب من الحزب، كما تأثرت قناة فلسطين التابعة لحماس بدورها من تخفيض في الدعم.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة