«المركزي» الأوروبي مطالب بحسم تردد سياساته المالية اليوم

نداءات بوقف سياسة «بث المسكنات».. لكن «مواجهة الواقع» لن تفيد كثيرًا

لقاء محافظي البنكين المركزيين في أوروبا والولايات المتحدة على هامش قمة الـ20 في واشنطن 2014 (رويترز)
لقاء محافظي البنكين المركزيين في أوروبا والولايات المتحدة على هامش قمة الـ20 في واشنطن 2014 (رويترز)
TT

«المركزي» الأوروبي مطالب بحسم تردد سياساته المالية اليوم

لقاء محافظي البنكين المركزيين في أوروبا والولايات المتحدة على هامش قمة الـ20 في واشنطن 2014 (رويترز)
لقاء محافظي البنكين المركزيين في أوروبا والولايات المتحدة على هامش قمة الـ20 في واشنطن 2014 (رويترز)

يستعد المستثمرون لشهر غير تقليدي على غير عادة سبتمبر (أيلول) الذي يعد شهرا لطيفا بالحساب الموسمي، وذلك نظرا لتزامن اجتماعات عدد من البنوك المركزية الكبرى، والتي تتأهب لها السوق بقليل من التراجع، على الرغم من المعنويات العالية على مدار شهرين. وسيشهد هذا الشهر اجتماعات هامة وحساسة ومرتقبة لكل من قادة المركزي الأوروبي، والياباني، والاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي).
وعلى الرغم من انخفاض التوقعات حول أي تغير في السياسة النقدية للمركزي الأوروبي خلال الاجتماع القادم، فإن معظم الاقتصاديين يتوقعون استمرار برنامج شراء الأصول الحالي، وبخاصة في ظل ضعف معدلات التضخم وتباطؤ معدلات النمو، إضافة إلى بيانات التوظيف الأميركية الضعيفة في أغسطس (آب) الماضي، والتي تجعل فرص اتخاذ قرار برفع الفائدة أمرًا مستبعدًا على طاولة مناقشات الاتحادي الفيدرالي في اجتماعهم المقبل، بينما يأتي اجتماع المركزي الياباني الأكثر إثارة للاهتمام، وخاصة مع استمرار بيع السندات.
وبات من المتوقع استعداد بنكي أوروبا واليابان المركزيين لتوسيع سياسة التيسير الكمي، على الرغم من موجة التحذيرات الصارخة حول العراقيل غير المقصودة والسلبية، بدءًا من الإضرار بصناديق التقاعد لخطر تأجيج فقاعات جديدة في السوق، على غرار فقاعة العقارات قبل تسع سنوات.

إلى أين يذهب «الأوروبي»؟
أصبح البنك المركزي الأوروبي واحدًا من أكبر المستثمرين في أسواق السندات، ويرى بعض الاقتصاديين أن اجتماع اليوم لإقرار ضرورة توسيع برنامجه الحالي لشراء السندات، وتحديد إذا كان البنك سيعتمد على الاستثمار في الأسهم خلال الفترة المقبلة - وبخاصة مع نفاذ السندات للشراء - إلا أن هذه الخطوة من شأنها أن تسبب تداعيات كبيرة على أسواق الأسهم في أوروبا، والتي هزتها سلسلة من الصدمات على مدار الأعوام الأخيرة وحتى منتصف العام الجاري، بدءًا من تقلبات الصين الاقتصادية وانتهاء بقرار التصويت البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي، مما يدفع مزيدًا من احتمالات رفع الأسعار بعد ضخ المليارات من اليورو في سوق الأسهم، في حين لم تكن مشتريات المركزي من السندات لها نفس الأثر على سندات الدين.
ولم تظهر أي مؤشرات لشراء الأسهم على جدول أعمال المركزي على المدى القريب، لكن مسؤولي البنك المركزي لم يستبعدوا الفكرة إذا كانوا يرغبون في الوصول إلى مشارف هدفهم فيما يخص التضخم بنسبة 2 في المائة.
وهناك بعض البنوك المركزية تستثمر بالفعل في الأسهم، فقد استثمر البنك المركزي السويسري نحو 100 مليار دولار في الأسهم، بما في ذلك حيازات كبيرة للأسهم في شركات مرموقة، والمعروفة باسم (blue – chip companies) أو الأسهم ذات العوائد الكبيرة، ولكنها تحمل مخاطرة نسبية أكبر من غيرها، كأسهم شركات «أبل»، و«كوكاكولا»، و«شيفرون»، و«تي إن تي».
وبافتراض أن المركزي الأوروبي قرر رفع الحواجز والاستمرار في توسيع نطاق برنامج السندات الحالي، فسيتم طرح تساؤلات جديدة حول الكيفية التي سوف يستمر بها البنك في إيجاد السندات الكافية. ويشتري البنك بالفعل سندات شهرية بقيمة إجمالية تبلغ 80 مليار يورو (نحو 89.2 مليار دولار) من سندات القطاع العام والشركات لخفض أسعار الفائدة في منطقة اليورو.
وقال البنك المركزي، أول من أمس الاثنين، إن حيازته من ديون القطاع العام وصلت في الأسبوع المنتهي بتاريخ الأحد 2 سبتمبر إلى تريليون يورو.

التيسير مقابل الركود
ومع سعر الفائدة الرئيسي، وهو دون المعدل الصفري، يأمل مسؤولو البنك المركزي في شراء السندات، لكن صناع السياسة يواجهون عائقا عمليا، أن البنك المركزي الأوروبي يعمل ضد القيود المفروضة ذاتيا على مقدار السندات التي يمكن أن تصدر في البلاد.
ووفقا لبيانات البنك الدولي، فإن الأسهم تقدم مائدة شهية من الأصول للبنك المركزي، فبلغت القيمة السوقية للشركات المدرجة في المنطقة الموحدة 6.1 تريليون دولار بنهاية العام الماضي. وحتى الأزمة المالية العالمية، قاد صناع السياسة المالية الأمور بالالتفاف حول أسعار الفائدة قصيرة الأجل والتي أثرت على التضخم والنمو.
وعندما اقتربت أسعار الفائدة من المعدل الصفري، تحولت البنوك المركزية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان ومنطقة اليورو لشراء السندات لخفض معدلات الفائدة طويلة الأجل.
وبعد الأزمة المالية العالمية، كان البديل أمام المركزي الأوروبي إما قبول ركود أعمق وأكثر لفترة طويلة، أو اتخاذ سياسة التيسير الكمي والتي تعد سياسة مجربة من قبل وخالية من العيوب.
وعندما بدأ التيسير الكمي في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، كانت تكاليف الاقتراض لمدة عشر سنوات (آنذاك) تفوق 4 في المائة و3.5 في المائة على التوالي في البلدين، أما في الوقت الحالي، فبلغت تكاليف الاقتراض في منطقة اليورو نحو 1.5 في المائة، ومنذ وعد المركزي الأوروبي بالقيام «بكل ما يلزم لإنقاذ اليورو» في عام 2012، تراجعت تكاليف الاقتراض في جميع دول المنطقة الموحدة نقديا؛ فانخفضت تكاليف الاقتراض الإيطالية بنحو 4 في المائة، والإسبانية بنحو 5 في المائة، والبرتغال بنحو 7 في المائة، ومع ذلك لم يقترن هذا الانخفاض بتحسن الأداء الاقتصادي أو التضخم، مما يعرض خطة المركزي الأوروبي للنقد، وبخاصة مع عدم وجود أسباب وجيهة للاعتقاد أن تكون هذه الخطة مختلفة.
وتتعرض المشتريات السيادية للتقسيم وفقا لأسهم رأس المال بالبنك المركزي الأوروبي، ما يعني أن ما يعادل نصف رأس المال الأوروبي تقريبا سيتدفق إلى كل من ألمانيا وفرنسا بنحو 26 و20 في المائة على التوالي، و9.6 من إيطاليا و15 في المائة من إسبانيا، ويشتري المركزي الأوروبي ما نسبته 13 في المائة من سوق السيادية في منطقة اليورو، مقارنة مع 21.5 في المائة في الولايات المتحدة و27.5 في المائة في المملكة المتحدة.
وتعد الميزة الواضحة للتيسير الكمي، هي أنها تسمح للبنوك المتعثرة أن تبقى على قدميها لفترة أطول قليلا، وتحاول البنوك المركزية أن تستخدم التيسير الكمي لإبقاء الأمور مستقرة حتى الانتعاش المتوقع.
لكن مساوئ التيسير الكمي من بينها تأثيرات على أسعار الفائدة التي يمكن أن تكون جيدة إذا انفضت أسعار الفائدة من مستوى أعلى إلى أدنى، ولكن في حالة انخفاض أسعار الفائدة بشكل كبير منذ السنوات التي سبقت الأزمة العالمية، فتقديم مزيد من التيسير يشجع على مزيد من الديون، لكن المأساة الحقيقية تكمن في المدخرين الذين يعتمدون على دخل ثابت، فعادة ما يواجهون مشكلات مع الفائدة السلبية.
ويرى توماس شيروود الخبير الاقتصادي، أن التيسير الكمي لا يحل أي مشكلة كامنة وراء الأزمة الحالية، ولكنه يؤجلها لوقت لاحق فيما يشبه مفعول «المسكنات» التي لا تداوي المرض لكنها تطيل فترة وقدرة احتماله. مضيفا في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «إنه يمكن القول إن التيسير الكمي يشتري بعض الوقت، ليمكن بلدًا معينًا من وضع الاستراتيجيات المعمول بها لإصلاح الأزمة وأسبابها».
وأكد شيروود أنه على المدى الطويل، ستتأكد الاقتصادات الكبرى، وبخاصة في منطقة اليورو واليابان، من أن الأسواق والبنوك في نهاية المطاف ستعتمد على مزيد من التيسير الكمي في البقاء «سعيدة» دون تحقيق انتعاش حقيقي.
ويظهر التناقض بين ما هو متوقع حول أن اجتماع اليوم سوف يقلص الالتزام الراسخ لإطالة برنامج التسهيل الكمي إلى ما بعد مارس (آذار) 2017، وبين ما يعتقد أنه المرجح حول إدراك خطورة إمداد البرنامج لمرحلة ثالثة جديدة، كونه يظهر عدم فاعلية الطريقة التي تعمل بها السياسة النقدية في المنطقة الموحدة.
لكن إذا كان على البنك مواصلة شراء الأصول على نطاق واسع، فأصبح من اللازم إسقاط أو تخفيف القيود المفروضة ذاتيا، والتي تحدد إمكانات وأسس شراء السندات، وإلا فإن البنك سيواجه ندرة الديون المستحقة في القريب العاجل، وسيواجه إحياء خلافات داخلية بين مؤيدي ومعارضي سياسة التيسير الكمي في منطقة اليورو.
وقالت فلورينا أنوك، المصرفية الفرنسية، إن تغير البرنامج يتضمن مناقشة صعبة، مضيفة في تعليق لـ«الشرق الأوسط» أنها لا تتوقع أن يوقف البنك عمليات شراء الأصول في وقت قريب قبل مارس المقبل، ورجحت ألا يعلن المركزي عن امتداد البرنامج حتى الآن بسبب تعثر السياسة الداخلية.
وفي الوقت الذي يعتبر فيه بعض مسؤولي المركزي الأوروبي أن خطة التيسير الكمي كانت بمثابة إنقاذ «من الباب الخلفي» للدول الضعيفة في المنطقة، يرى آخرون أن السياسة النقدية للمركزي الأوروبي «وصفة غير ذات جدوى» لتحقيق الانتعاش الاقتصادي في المنطقة.
وبات من المرجح أن يظهر في وقت مبكر العام المقبل نقص السندات الألمانية بنحو أكثر من 10 مليارات يورو شهريا، مما سيدفع المركزي لتغيير بعض تصميم البرنامج بتغير بعض القرارات بحلول ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
ويعد أشد المعارضين لتيسير الإجراءات، هم ممثلو الجانب الألماني في مجلس إدارة المركزي، وهم أكثر المنددين بعيوب خطة التيسير الكمي للمركزي، إضافة إلى كونهم الأكثر بعدا عن التمديد.
وقال «بنك أوف أميركا ميريل لينش»، في مذكرة حديثة، إن الأسواق تتوقع التزام المركزي الأوروبي بخطته بعد مارس 2017، على أن يتم الاستمرار في خطته حتى أكتوبر (تشرين الأول) أو ديسمبر 2017.
وأقر «بنك أوف أميركا» في مذكرته انقسام الاقتصاديين في توقعاتهم حول قرارات اجتماع اليوم، لكن البنك توقع أن يبقى المركزي الأوروبي على معدل الفائدة السلبية على الودائع بنحو سالب 0.4 في المائة، ومعدل الصفر المئوي على معدلات إعادة التمويل.
في حين رجح كرستين تدومان المصرفي الألماني أن خطوة شراء الأسهم ستعطي البنك مساحة كافية للمناورة لتوسيع برنامج شراء الأصول، وقال في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه لا يوجد ما يمنع من أن يستثمر المركزي في البورصات الأوروبية.



انتعاش حذر في «وول ستريت» مع تباطؤ وتيرة ارتفاع النفط

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

انتعاش حذر في «وول ستريت» مع تباطؤ وتيرة ارتفاع النفط

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

انتعشت الأسواق الأميركية، الثلاثاء، مع تباطؤ وتيرة ارتفاع أسعار النفط، وسط تداعيات الحرب المستمرة مع إيران.

وقفز مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1.2 في المائة، بعد أن فقد أكثر من 9 في المائة من أعلى مستوياته القياسية التي سجلها مطلع العام. وارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي 400 نقطة، أي بنسبة 0.9 في المائة بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بينما سجل مؤشر «ناسداك» المركب ارتفاعاً بنسبة 1.6 في المائة.

وجاء هذا الانتعاش بعد استقرار أسعار النفط الذي خفف بعض الضغوط على «وول ستريت». فقد انخفض سعر برميل خام برنت، المعيار الدولي، بنسبة طفيفة تقل عن 0.1 في المائة ليصل إلى 107.37 دولاراً، في حين ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 0.7 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

ولطالما كانت أسعار النفط المحرك الرئيسي لتقلبات سوق الأسهم الأميركية منذ اندلاع الحرب، حيث ارتفع خام برنت من حوالي 70 دولاراً للبرميل إلى مستويات وصلت إلى 119 دولاراً أحياناً. ويخشى المستثمرون من استمرار الحرب لفترة طويلة، ما قد يقيد تدفقات النفط والغاز الطبيعي من الخليج العربي إلى الأسواق العالمية، ويؤدي إلى موجة تضخم جديدة.

وأفاد محللون بأن التفاؤل ساد الأسواق ليلة أمس بعد تقرير نشرته «وول ستريت جورنال»، مفاده أن الرئيس دونالد ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران، حتى في ظل استمرار إغلاق جزئي لمضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يربط الخليج العربي بالمحيط، وتمر عبره خُمس صادرات النفط العالمية يومياً.

ورغم تصريحات ترمب على شبكته الاجتماعية، التي دعا فيها المملكة المتحدة ودولاً أخرى إلى «التوجه إلى المضيق والاستيلاء عليه»، فقد أثرت تصريحاته الأخيرة بشأن المحادثات المثمرة مع إيران وتهديده بمحطات الطاقة الإيرانية على معنويات السوق بشكل معتدل.

ضغوط على المستهلكين والشركات

ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية دفعت التضخم في أوروبا إلى 2.5 في المائة في مارس (آذار)، بعد أن كان 1.9 في المائة في فبراير (شباط). وفي الولايات المتحدة، تجاوز سعر غالون البنزين 4 دولارات لأول مرة منذ 2022، ما يضغط على ميزانيات الأسر، ويقلل قدرتها على الإنفاق في القطاعات الأخرى. وتأثر بذلك أيضاً قطاع الشركات التي تعتمد على النقل البري والبحري والجوي لنقل منتجاتها.

قطاع الشركات يتحرك مع تباطؤ أسعار الوقود

أسهم تباطؤ أسعار النفط، يوم الثلاثاء، في صعود أسهم الشركات ذات تكاليف الوقود المرتفعة، حيث ارتفع سهم شركة «نورويجيان كروز لاين القابضة» بنسبة 2.9 في المائة، والخطوط الجوية الأميركية بنسبة 1.3 في المائة.

وكانت أسهم قطاع التكنولوجيا المحرك الأبرز للأسواق، إذ ارتفع سهم «مارفيل تكنولوجي» بنسبة 7.6 في المائة بعد استثمار «إنفيديا» ملياري دولار في الشركة وإعلان شراكة استراتيجية معها. وسجل سهم «إنفيديا» ارتفاعاً بنسبة 1.9 في المائة، ليظل السهم الأكثر تأثيراً على «وول ستريت» نظراً لحجمه الكبير.

تراجع عوائد السندات وتأثيره على القروض

في سوق السندات، انخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.30 في المائة من 4.35 في المائة، بعد أن كانت 4.44 في المائة في نهاية الأسبوع الماضي، مما يمثل تحركاً مهماً لسوق الدخل الثابت. ومن المتوقع أن يسهم هذا التراجع في خفض أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري وغيرها من القروض للأسر والشركات الأميركية، التي شهدت ارتفاعات حادة منذ بداية الحرب.

وكان عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات قد سجل 3.97 في المائة في أواخر فبراير، قبل أن تتسبب المخاوف بشأن ارتفاع أسعار النفط في إلغاء آمال المتداولين في خفض محتمل لأسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي هذا العام.

على الصعيد العالمي، عادت الأسواق الأوروبية للارتفاع بعد موجة تراجع حاد في آسيا، حيث انخفض مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 4.3 في المائة، وخسر مؤشر «نيكي 225» الياباني 1.6 في المائة، مسجلين اثنين من أكبر التحركات الأخيرة.


كيف تُسهم حرب الشرق الأوسط في ارتفاع تكاليف الشحن؟

سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)
سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)
TT

كيف تُسهم حرب الشرق الأوسط في ارتفاع تكاليف الشحن؟

سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)
سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)

تُظهر بيانات قطاع الشحن أن إغلاق إيران لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات التجارية في العالم، أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف نقل الوقود والبضائع على مستوى العالم.

وجاء هذا الارتفاع نتيجة تقلص الطاقة الاستيعابية، إذ تفضِّل كثير من السفن البقاء داخل الخليج؛ تجنباً لمخاطر الاستهداف في حال الإبحار، في حين تلجأ سفن أخرى إلى اتخاذ مسارات بديلة أطول وأكثر تكلفة لتفادي المرور عبر المضيق. كما أسهم تراجع تدفقات النفط في رفع أسعار وقود السفن، وفق «وكالة الأنباء الفرنسية».

وقال رولف هابن يانسن، الرئيس التنفيذي لشركة «هاباغ لويد»، إحدى كبرى شركات شحن الحاويات، الأسبوع الماضي: «اضطررنا إلى تعليق الحجوزات من وإلى منطقة الخليج العربي، إذ لم نعد قادرين على إدخال السفن أو إخراجها»، مقدّراً أن الحرب رفعت التكاليف بما يتراوح بين 40 و50 مليون دولار أسبوعياً.

وأضاف خلال مؤتمر صحافي: «يرتبط جزء كبير من هذه الزيادة بارتفاع أسعار وقود السفن، لكننا شهدنا أيضاً صعوداً في تكاليف التأمين وتخزين الحاويات والنقل البري، فضلاً عن خروج 6 سفن من الخدمة، ما قلّص الطاقة التشغيلية المتاحة».

وفيما يلي أبرز 5 مؤشرات تعكس تأثير الأزمة على تكاليف الشحن:

1- تأجير ناقلات النفط

قفزت تكلفة استئجار ناقلات النفط منذ بدء الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، وما تبعها من ضربات انتقامية في المنطقة.

فقد تضاعف متوسط «الأرباح» - وهو مؤشر قياسي غير مباشر لتكاليف التأجير - لأكثر من 3 أضعاف منذ 26 فبراير، ليتجاوز 330 ألف دولار يومياً لناقلات النفط الخام الكبيرة من فئة «سويزماكس»، وفق بيانات مجموعة «كلاركسونز».

كما ارتفعت تكاليف ناقلات الغاز الطبيعي المسال على المسار المرجعي بين الولايات المتحدة واليابان إلى نحو 90 ألف دولار يومياً، أي نحو 3 أضعاف خلال الفترة نفسها.

2- تكاليف شحن النفط

قال بيتر نورفولك، متخصص تسعير الشحن في «بلاتس» التابعة لشركة «إس آند بي غلوبال إنرجي»، إن تكاليف نقل النفط ارتفعت بشكل حاد عقب اندلاع الحرب.

وأوضح أن تكلفة شحن النفط الخام من الخليج العربي إلى الصين على متن ناقلة عملاقة من فئة «VLCC» ارتفعت من 46 دولاراً للطن المتري في نهاية فبراير إلى نحو 3 أضعاف خلال أيام، قبل أن تتراجع إلى نحو 64 دولاراً بنهاية مارس (آذار)، مضيفاً: «في الواقع، لا يكاد يوجد تحميل يُذكر حالياً».

ويمرُّ عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العالمية في أوقات السلم.

3- تكاليف الحاويات

أفادت شركة استشارات بحرية دولية بأنَّ السعر الفوري لشحن حاوية بطول 40 قدماً ارتفع بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة على الطرق الرئيسية من الشرق الأقصى إلى أوروبا والساحل الغربي للولايات المتحدة.

وتراوح سعر الحاوية على الخط الأوروبي بين 2200 و2700 دولار. كما أدت «رسوم الحرب» الإضافية إلى زيادة تكاليف الشحن من الشرق الأقصى إلى الخليج العربي والبحر الأحمر بنحو 200 في المائة خلال الفترة بين 20 فبراير و20 مارس.

كما فرضت القيود المشددة على الملاحة عبر مضيق هرمز تغييرات واسعة في أنماط الشحن، حيث علّقت الشركات الحجوزات، وعدَّلت مسارات السفن، ولجأت إلى تفريغ الحمولات في مراكز إقليمية بديلة أكثر أماناً.

4- ارتفاع أسعار وقود السفن

ارتفعت أسعار وقود السفن بشكل حاد منذ اندلاع الحرب، حيث تضاعفت تقريباً وبلغت ذروتها عند 1053 دولاراً للطن المتري في 20 مارس.

وبحلول 31 مارس، استقرَّت الأسعار عند أكثر من 936 دولاراً للطن، مقارنة بنحو 540 دولاراً عشية اندلاع الصراع، وفق بيانات منصة «فاكتسيت».

5- أقساط التأمين

ارتفعت تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب إلى مستويات قياسية، إذ قد تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات لرحلة واحدة عبر مضيق هرمز، في ظلِّ قيمة السفن والشحنات التي تبلغ مئات الملايين.

وقدّر ديفيد سميث، رئيس قسم التأمين البحري في شركة الوساطة «ماكغيل»، أن أقساط التأمين تتراوح بين 3.5 في المائة و10 في المائة من قيمة السفينة، ما يضيف عبئاً مالياً كبيراً على شركات الشحن.


رئيس «كبلر»: آسيا الأكبر تضرراً من أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب

سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
TT

رئيس «كبلر»: آسيا الأكبر تضرراً من أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب

سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)

تواجه الدول الآسيوية أزمة طاقة حادة مع الحرب الإيرانية، وسط تراجع كبير في شحنات النفط الخام وندرة البدائل، وفق ما أفادت به شركة «كبلر»، المختصة في تحليلات النقل البحري العالمي.

وقال رئيس الشركة، جان ماينييه، من مقرها في سنغافورة، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»: «نعتقد أن آسيا ستكون، في الوقت الراهن، الأكبر تضرراً».

وأدت الحرب، التي اندلعت بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى شبه توقف في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي.

وأحدث ذلك صدمة قوية في أسواق الطاقة العالمية، انعكست في ارتفاع الأسعار على المستهلكين حول العالم.

وأوضح ماينييه أن آسيا تفتقر إلى موارد طاقة كافية لسد هذا النقص، قائلاً: «في الصين، وكذلك في دول كبرى مثل الفلبين وإندونيسيا، لا توجد بدائل كافية؛ مما يجعلها أزمة طاقة حقيقية».

وأشار إلى أن الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز دفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، مثل إعلان الفلبين حالة طوارئ وطنية في قطاع الطاقة، مضيفاً: «الوضع صعب للغاية بالنسبة إلى آسيا، ولسنا متفائلين إذا استمر على هذا النحو».

شح النفط الخام

قال ماينييه: «يكاد تدفق النفط الخام إلى آسيا يتوقف حالياً، ولا توجد بدائل مجدية لواردات الطاقة من الشرق الأوسط في ظل استنزاف المخزونات».

وأضاف أنه رغم توقع الهجوم على إيران، فإن توقيته ومدة الصراع شكّلا مفاجأة، خصوصاً بالنسبة إلى آسيا، التي تواجه الآن أزمة طاقة حقيقية.

وتُعد شركة «كبلر»، ومقرها بروكسل، التي تأسست عام 2014 وتمتلك منصة «مارين ترافيك»، من أبرز شركات تحليل البيانات وتتبع حركة السفن عالمياً.

مراقبة مضيق هرمز

تتابع «كبلر» من كثب حركة الملاحة في مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب. ورغم إعلان مسؤولين عسكريين إيرانيين السيطرة على الممر المائي واستهداف سفن «معادية»، فإن بعض السفن لا تزال تخاطر بالعبور... فقد عبرت 17 سفينة شحن المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، منها 12 سفينة يوم السبت، وهو من أعلى أيام العبور نشاطاً منذ 1 مارس (آذار). ومع ذلك، فلم يتجاوز إجمالي العبور 196 سفينة خلال الشهر حتى مساء الاثنين، وهو انخفاض حاد مقارنة بما قبل الحرب.

ومن بين هذه السفن، كان معظم 120 ناقلة نفط وغاز متجهاً شرقاً خارج المضيق.

السفن المختفية

تعتمد «كبلر»، التي توفر بيانات آنية لنحو ألف شركة، على الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة وتقنيات متقدمة أخرى لتتبع حركة السفن.

وقال ماينييه: «دمج هذه الأدوات مع البيانات التي نحصل عليها من شراكات مختلفة يتيح لنا فهم ما يحدث فعلياً، بما في ذلك حالات اختفاء السفن».

وأوضح أن «السفن المختفية» - وغالباً ما تكون ناقلات نفط أو سفن شحن - توقف عمداً أو تغير في أجهزة التتبع الخاصة بها للتهرب من أنظمة المراقبة العامة، مثل نظام «مارين ترافيك».

وأضاف: «تسعى هذه السفن إلى الإفلات من الرصد، وغالباً ما تكون مرتبطة بعمليات تهريب أو نقل شحنات خاضعة للعقوبات».

وأشار إلى أن «كبلر» تستخدم صور الأقمار الاصطناعية والبيانات البحرية وهوائيات الرصد الساحلي لإعادة بناء مسارات السفن التي تختفي عن الأنظار، مؤكداً: «من الصعب تحقيق دقة كاملة، لكننا قادرون على تتبع أكثر من 90 في المائة من النشاط خلال الوقت الفعلي».