هل ستنجح الإجراءات الاقتصادية في إنهاء المشكلة الكردية في تركيا؟

هل ستنجح الإجراءات الاقتصادية في إنهاء المشكلة الكردية في تركيا؟

تصعيد للعنف والاشتباكات وتوتر سياسي ينذران بمزيد من التعقيد
الخميس - 6 ذو الحجة 1437 هـ - 08 سبتمبر 2016 مـ رقم العدد [ 13799]
اكراد يتظاهرون في كولون بألمانيا تضامنا مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان (رويترز)
أنقرة: سعيد عبد الرازق
تصاعدت حدة المواجهات بين الجيش التركي وعناصر منظمة حزب العمال الكردستاني في شرق وجنوب شرقي تركيا في أعقاب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي شهدتها تركيا في متصف يوليو (تموز) الحالي، ما أثار التساؤلات حول الهدف من هذا التصعيد في وقت توجهت فيه تركيا أيضًا إلى الحرب في شمال سوريا لتأمين حدودها من هجمات تنظيم داعش الإرهابي، وكذلك لمنع وحدات حماية الشعب الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري من التمركز غرب الفرات، وإقامة ممر كردي على حدودها من شأنه تشجيع العمال الكردستاني على تصعيد محاولاته لإعلان حكم ذاتي في جنوب شرقي تركيا.

وبموازاة هذا التصعيد في المواجهات، الذي خلف ما لا يقل عن 120 قتيلاً ومصابًا في صفوف المنظمة والجيش التركي على مدى الأيام الثلاثة الأخيرة، فضلاً عن العمليات التي نفذتها المنظمة ضد مواقع أمنية في شرق البلاد، وخلفت العشرات من القتلى والمصابين من الشرطة والمدنيين، بدا أن هناك تصاعدًا في التوتر السياسي بين الحكومة التركية وحزب الشعوب الديمقراطي الكردي الممثل في البرلمان بـ58 مقعدًا الذي يحتل المرتبة الثالثة في ترتيب الأحزاب الممثلة في البرلمان التركي بعد حزبي العدالة والتنمية الحاكم والشعب الجمهوري المعارض، وسابقا على حزب الحركة القومية اليميني، الذي يرفض أي اعتراف بحقوق الأكراد في تركيا.

وشهدت الأيام الأخيرة تلاسنا حادا بين رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم والرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي صلاح الدين دميرتاش على خلفية التعامل مع الوضع في جنوب شرقي تركيا والتدخل التركي في شمال سوريا.

وشن رئيس الوزراء بن علي يلدريم هجوما حادا على دميرتاش بسبب تصريحات أدلى بها في ألمانيا الأسبوع الماضي، وقال فيها إن حزبه لا يعتبر منظمة حزب العمال الكردستاني تنظيما إرهابية، وإنما يدين عملياتها التي يعتبرها إرهابية، ويطالبها بوقف العنف، وأن حزبه ينظر إلى العمال الكردستاني بوصفه تنظيمًا عنيفًا ظهر كرد فعل على إرهاب الدولة.

وتساءل يلدريم: «إن لم يكن حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية فبماذا تسمى (في إشارة إلى دميرتاش) كل هذه المجازر التي تنفذها المنظمة بحق الأبرياء في ديار بكر والولايات الأخرى من البلاد»، مطالبًا دميرتاش بأن يقول هذا الكلام أمام أسر من قتلوا في عمليات للمنظمة.

وقال يلدريم إن حكومته لن تسمح للمنظمات الإرهابية بزرع بذور الفتنة والكراهية والحقد بين أطياف المجتمع التركي، وستعمل على الحفاظ على وحدة الأرض والشعب التركيين وستقضي على منظمة حزب العمال الكردستاني كما قضت على ما تسميه السلطات التركية «تنظيم فتح الله غولن» في إشارة إلى جماعة الخدمة التابعة للداعية التركي المقيم في أميركا فتح الله غولن الذي تتهمه السلطات التركية بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة، مشيرًا إلى أن هناك ارتباطا بين التنظيمين، على حد قوله.

وردا على تصريحات يلدريم، التي أدلى بها، أمس (الأحد)، في ديار بكر التي تعد كبرى المدن التركية ذات الأغلبية الكردية في جنوب شرقي تركيا، والتي أعلن منها إطلاق حزمة استثمارية لتحسين الأوضاع المعيشية وتشغيل الشباب لمنعهم من الانضمام إلى منظمة حزب العمال الكردستاني، قال دميرتاش إن «النظر إلى القضية الكردية في تركيا على أنها قضية اقتصادية أو إرهاب فقط يعبر عن قصر نظر. القضية الكردية قضية اجتماعية واقتصادية وثقافية ومتداخلة في كل نواحي الحياة وحين يقول رئيس الوزراء التركي لا حل لها، فهذا يعني أن مزيدا من الدماء ستسفك ومزيدا من الأرواح ستزهق».

وكان يلدريم أعلن مرارا الأسبوع الماضي أن تركيا ليس بها ما يسمى بالمشكلة الكردية، وأن الحكومة لن تواصل مفاوضات السلام الداخلي مع منظمة حزب العمال الكردستاني، لافتا إلى أن المواطنين الأكراد أنفسهم يعانون من العمليات التي تقوم بها المنظمة.

ويتهم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان حزب الشعوب الديمقراطي بدعم الإرهاب، ويعتبره ذراعا سياسية لمنظمة حزب العمال الكردستاني التي تسعى لمناطق حكم ذاتي جنوب شرقي تركيا، وهو ما نفاه دميرتاش قائلا: «إننا لسنا ذراعًا سياسية لأحد، ولا نمجد عمليات إراقة الدماء، لكننا نطالب الحكومة بالالتفات إلى مطالب الأكراد والعودة إلى المفاوضات لإحلال السلام في البلاد».

واعتبر دميرتاش دخول القوات التركية للأراضي السورية غزوًا يستهدف الأكراد، وليس تنظيم داعش الإرهابي قائلاً: «إن أرادت تركيا أن تكتسب المصداقية فعليها أن تحارب تنظيم داعش داخل الأراضي التركية؛ فبؤر (داعش) كثيرة بإسطنبول وغيرها من المدن التركية».

وأضاف: «تركيا اعتذرت لإسرائيل وكثير من الدول وحين يصل الأمر إلى الشعب الكردي فإنها تعتبره عدوًا رغم أن أقرب صديق للشعب التركي هم الأكراد».

وفي وقت سابق رفض دميرتاش تصريحات قادة بارزين في حزب العمال الكردستاني تدعو إلى توسيع العمليات العسكرية لتشمل مراكز المدن التركية، وقال إن «هذا الكلام غير مقبول بالنسبة لنا، وأساسا هذه ليست مطالبنا وعلى حزب العمال الكردستاني تنشيط آمال السلام، لا توسيع العمليات العسكرية والحرب».

وأوضح دميرتاش أن الحديث عن عملية سلام جديدة بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية ميؤوس منه نظرًا لانعدام الثقة بين الطرفين، مؤكدًا ضرورة وجود وساطة دولية.

وفي تعليق على زيادة حدة التوتر السياسي والعسكري مع الأكراد خلال الفترة الأخيرة عقب فشل مفاوضات السلام الداخلي مع الأكراد، قال النائب البرلماني من صفوف حزب العدالة والتنمية الحاكم عن مدينة ديار بكر جمعة إتشان إن منظمة حزب العمال الكردستاني ومعها حزب الشعوب الديمقراطي أهدرا فرصة تاريخية لتحقيق السلام في تركيا وحل أي مشكلات للأكراد بسبب امتناع المنظمة عن ترك السلاح ومطالبتها للدولة بترك السلاح أولا متسائلا: «هل يمكن لمنظمة أن تطالب دولة بترك السلاح؟».

وأضاف أن حزب الشعوب الديمقراطي حصل على فرصة كبيرة ودخل البرلمان في سابقة أولى تحدث مع حزب كردي، وحصل على 80 مقعدا في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في السابع من يونيو (حزيران) 2015، لكنه لم يظهر موقفا صارما تجاه النشاط «الإرهابي» للمنظمة، وبالتالي خسر بعض التأييد في الانتخابات المبكرة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 كرد من الناخبين على السلوك الذي أظهره، ولعدم عزل نفسه عن المنظمة بشكل واضح.

واستطرد: «أنا كمواطن تركي - كردي قبل أن أكون عضوًا في حزب العدالة والتنمية الحاكم لا أرى أنه ينقصني أي شيء من حقوقي الثقافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، والأكراد منتشرون بطول تركيا وعرضها، والدليل على ذلك إسطنبول التي يمكن اعتبارها أكبر مدينة للأكراد حيث يعمل رجال الأعمال الأكراد ولهم مشروعاتهم وحيث يجد المواطنون الأكراد فرص العمل على قدم المساواة مع الأتراك، بينما في جنوب شرقي تركيا تعطل منظمة حزب العمال الكردستاني أي جهد لتحقيق التنمية وتدمر المنشآت المصانة، وتفجر المدارس، في محاولة لفرض الحكم الذاتي كسياسة أمر واقع وهو ما أدى بالتالي إلى مشكلات كبيرة بالنسبة للمواطنين الذين ضاقوا بالمنظمة وأفعالها وانفضوا بالتالي عن حزب الشعوب الديمقراطي».

وأعلنت الحكومة التركية، الأحد، عن إطلاق حزمة استثمارية واقتصادية متكاملة بتكلفة 3.4 مليار دولار لإعادة إعمار المنازل التي تهدمت في الاشتباكات بين الجيش وقوات الأمن التركية وعناصر منظمة حزب العمال الكردستاني التي حاولت ترسيخ حكم ذاتي بالقوة، وتقديم تعويضات للمتضررين، وإنشاء مصانع وصالات رياضية ومنح قروض للشباب لبدء مشروعاتهم الخاصة على أن تتولى الدولة شراء إنتاجها، ومن المنتظر أن توفر هذه الإجراءات 200 ألف فرصة عمل للشباب لعرقلة المنظمة عن محاولات تجنيدهم، ورفع مستوى المعيشة في 23 محافظة في شرق وجنوب شرقي تركيا وتحسين الخدمات لتصل إلى مستوى محافظات غرب تركيا.

وكان خبراء انتقدوا ميل الدولة التركية إلى الحلول التي تتبناها المؤسسة العسكرية للتعامل مع المشكلة الكردية، مطالبين بتحقيق الأمن التزامن مع الإصلاحات الاقتصادية وتحسين ظروف المعيشة في شرق وجنوب شرقي تركيا.

ورأي جان أكجون الباحث المتخصص في الشؤون الكردية ودول الجوار بمركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركية أن المواطنين الأكراد أنفسهم ضاقوا ذرعا بنشاط المنظمة، وأن ذلك أثر على حزب الشعوب الديمقراطي بالتالي، معتبرا أن التصعيد الأخير للعنف من جانب المنظمة كان هدفه تحويل اهتمام الجيش التركي إلى الداخل وإرهاقه في عمليات واشتباكات في جنوب شرقي البلاد من أجل منعه من الضغط على القوات الكردية ووحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا، التي تعد امتدادا لـ«العمال الكردستاني».

واستبعد حزب الشعوب الديمقراطي، الممثل الشرعي للأكراد، من اللقاءات التي عقدها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع رئيسي حزبي الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو والحركة القومية دولت بهشلي عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، وكذلك من اللجنة التي شكلت لتعديل الدستور التركي والتي اقتصرت على «العدالة والتنمية» وحزبي المعارضة الآخرين، لكن محللين يعتقدون أنه من الخطأ استبعاد حزب الشعوب الديمقراطية من العملية السياسية في تركيا، لأن ذلك سيشكل إضعافًا للديمقراطية في تركيا، كما أنه سيغذي نزعة العنف لدى منظمة حزب العمال الكردستاني.

ويواجه الرئيسان المشاركان لحزب الشعوب الديمقراطي أحكاما بالسجن قد تصل إلى أكثر من خمس سنوات بتهم منها إهانة رئيس الجمهورية ودعم منظمة إرهابية (في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني)، كما يواجه 51 من أعضاء الحزب قضايا مختلفة قد تؤدي إلى حبسهم وإسقاط عضويتهم بالبرلمان، بعد أن أقر البرلمان في مايو (أيار) الماضي تعديلاً دستوريًا يسمح برفع الحصانة عن نواب البرلمان من أجل التحقيق معهم.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة