ضغوط إيرانية لمنع شيعة لبنان من الحج.. وإسقاط الفريضة الخامسة

المجلس الشيعي ومكتب فضل الله يتجاهلانها.. وقيادات سنية وشيعية تستنكر «التسييس»

لبنانيات شيعيات يرفعون أعلام حزب الله وإيران في أحد شوارع مدينة بنت جبيل الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لبنانيات شيعيات يرفعون أعلام حزب الله وإيران في أحد شوارع مدينة بنت جبيل الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

ضغوط إيرانية لمنع شيعة لبنان من الحج.. وإسقاط الفريضة الخامسة

لبنانيات شيعيات يرفعون أعلام حزب الله وإيران في أحد شوارع مدينة بنت جبيل الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لبنانيات شيعيات يرفعون أعلام حزب الله وإيران في أحد شوارع مدينة بنت جبيل الشهر الماضي (أ.ف.ب)

انضم ما يسمى «حزب الله» اللبناني إلى إيران في مقاطعة موسم الحج، كما أكدت مصادر لبنانية متطابقة، تحدث أحدها عن «تكليف شرعي» للمحازبين يقضي بعدم المشاركة في موسم الحج «تحت طائلة الفصل»، في حين حذر حساب على توتير يحمل اسم «منشق عن حزب الله» من أن الحزب يرسل عناصر ما يسمى «السرايا اللبنانية» إلى المملكة العربية السعودية تحت ستار الحج للتخريب وإثارة البلبلة.
لكن قرار المنع من الحج لم يسر على الهيئات الشيعية الأخرى، كالمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الممثل الرسمي لشيعة لبنان الذي أوفد بعثة رسمية للحج على غرار الأعوام السابقة، كما مقلدي المرجع الشيعي الراحل الشيخ محمد حسين فضل الله الذين أرسلوا بعثة ترأسها نجله السيد علي فضل الله، في إشارة واضحة لرفض الضغوط الإيرانية التي مورست على شيعة لبنان لمقاطعة الحج أسوة بالموقف الإيراني، كما قال مصدر شيعي رفض ذكر اسمه. وأكد المصدر أن إيران مارست ضغوطا شديدة على هؤلاء، لكن ترؤس فضل الله بنفسه بعثة الحج يمثل رسالة واضحة، على الرغم من رفضه وأنصاره التعرض مباشرة للحزب وقراره.
وقالت مصادر لبنانية مطلعة على وضع الحزب، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحزب عمم على محازبيه «عدم السفر إلى المملكة» كما أطلق حملة بين مناصريه تدعو لمقاطعة موسم الحج هذا العام تحت شعار: «المملكة العربية السعودية تستعمل أموال الحج لقتال الحوثيين في اليمن». وقالت محطة تلفزيون «الجديد» إنّ «حزب الله» قد شدد على محازبيه عدم الذهاب لأداء فريضة الحج هذا العام، محذرًا أنّ هذا التعميم هو تكليف شرعي وكل من يخالفه سوف يفصل.
ولم يعلن ما يسمى «حزب الله» رسميًا عن منع عناصره من الحج، لكونه لم يصدر بيانًا ولم يتحدث أحد من قيادييه بالأمر عبر وسائل الإعلام، واقتصر على ما تحدثت عنه قناة «الجديد». وقال مصدر شيعي مطلع على شؤون الحزب ومعارض له، إن الحزب في الشؤون الدينية: «عادة ما يتجنب الإشكاليات الدينية مع مناصريه، فلا يعلن عن أي قرار ديني مشابه على الملأ»، مضيفًا، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الحزب في هذه الحالة «يمكن أن يصدر قرارًا بمنع سفر مناصريه، عوضًا عن منعهم من أداء فريضة الحج». وقال إن قرار منعهم من الحج «سيعرضه للمساءلة وسط مناصريه وجمهوره، لأنه لا يستطيع إسقاط فريضة دينية واجبة، مهما كانت الذرائع، ولا يستطيع إصدار قرارات منع بأحكام واجبة، وهو ما يدفعه لعدم الإعلان عنها». وقال المصدر نفسه: «حتى لو كان أصدر تعميمًا داخليًا، فإنه لا يعلن عنه تجنبًا للإحراج الكبير»، واضعًا القرار الذي تم تسريبه «في إطاره السياسي بما يتخطى القرار الديني».
وفي المقابل، أخرجت الشخصيات الشيعية، الدينية والسياسية المعارضة لما يسمى «حزب الله» اللبناني، قضية منع مناصريه من أداء فريضة الحج هذا العام، من إطارها الديني، مؤكدة أن التزام الحزب عقائديًا بإيران، وبولاية الفقيه، دفعها لذلك. وقال رجل الدين الشيعي البارز، السيد محمد حسن الأمين، إن «التزام الحزب سياسيا بإيران، يعني الالتزام حكمًا بولاية الفقيه فيما يخص المواقف الدينية»، لافتًا إلى أن ما يسمى «حزب الله» المعروف بولائه لولاية الفقيه: «من الطبيعي أن يمتنع عن أداء هذه الفريضة، وهي التي بادرت إلى الامتناع عن الحج لهذا العام لأسباب سياسية وتتعلق بالخلافات القائمة مع المملكة العربية السعودية».
وقال الأمين المعارض للحزب: «هذا أمر بديهي بالنسبة لمن يعرف العلاقة التي تربط الحزب والقيادة الدينية في إيران»، مشددًا على أن هذا الاعتبار «هو المفصل الأساسي لكون الحزب يعلن ويصرح ويقول دائما إنه مرتبط بقيادة الولي الفقيه، أي ما يلزم الحزب هو هذا الارتباط الوثيق». ورأى الأمين أن دوافع إيران للامتناع عن الحج «تكمن في الوجهة السياسية، وبكل أسف هناك مظهر من مظاهر الخلاف والصراع بين الدولتين ويؤدي أحيانا إلى نتائج منها منع الحج». وإذ أشار إلى أن «الطرف المعني بالأمر قد يملك بعض المبررات الدينية»، أكد أنها «لا تلزم كل الناس وكل الشيعة، بل تلزم من هو مرتبط بولاية الفقيه سواء أكان إيرانيا أم لبنانيا». كما أكد أن القرار الإيراني «يلزم الشعب الإيراني لأن القيادة الموجودة في إيران هي قيادة الدولة وليس تيار ولاية الفقيه».
وعبّر رئيس مركز «أمم» للدراسات، لقمان سليم، عن أسفه لأن «هناك من يمعن في تحويل فريضة الحج إلى سجال له خلفياته السياسية والمذهبية». ورأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الأمر «لا يحتاج إلى بذل مجهود كبير لنتذكر السجل العدلي للإيرانيين وجماعتهم في مواسم حج ماضية، عندما استغلّوا هذا الركن الإسلامي، وحولوه في ثمانينات القرن الماضي إلى مظاهرات تحت شعار (البراءة من المشركين(، محاولين بذلك استغلال موسم العبادة لغايات سياسية». وقال سليم وهو ناشط سياسي شيعي مناهض لما يسمّى «حزب الله»: «ليس جديدًا على الإيرانيين وحلفائهم، أن يحولوا موسم الحج والعبادة إلى موسم نقاش وسجال». وسأل: «هل يستطيع (حزب الله) أن يقرر بنفسه إسقاط ركن من أركان الإسلام الخمسة؟، هذه كبيرة جدًا عليه»، معتبرًا أن «الأمر يأتي من إيران ومن الولي الفقيه والحرس الثوري»، مضيفا: «كما استخدم الإيرانيون الحج سابقًا لإثارة الشغب تحت شعائر دينية معينة، ها هم يحاولون الآن التلاعب بهذا الركن والتشويش عليه تحت عنوان: (السعودية ليست أهلاً لإدارة هذا الركن)، ويكفي أن نطلّ على الماضي لنستشرف منه ما يخططه الإيرانيون للمستقبل». وأبدى سليم أسفه لأن «السلوك الإيراني يعمّق يومًا بعد يوم خطوط التماس المذهبية من باكستان إلى الضاحية الجنوبية»، معتبرًا أن «إسقاط (حزب الله) هذه الفريضة، ليست إلا الصدى للخطاب الإيراني الذي يتردد في بيروت، كما في بغداد التي استفاقت اليوم (أمس) على جداريات تحمل كلام خامنئي التحريضي ضدّ المملكة العربية السعودية». وقال: «لنكن واضحين إن (حزب الله) ليس إلا ذراعًا تتحرك بأمر من العقل الإيراني».
وفي الإطار نفسه، أجمعت شخصيات دينية سنية على رفض قرار ما يسمى «حزب الله» منع محازبيه من أداء فريضة الحج هذا العام تحت طائلة الفصل، واضعة إياه في خانة «تسييس» «ركن الإسلام الخامس» استجابة لمرجعية الحزب الدينية والسياسية المتمثلة بـ«ولاية الفقيه». وفيما دعت إلى عدم الالتزام به أكّدت أنه ليس هناك من أسباب موجبة تدعو إلى الامتناع عن القيام بهذه الفريضة.
ورأى مفتي الشمال، الشيخ مالك الشعار، أن قرار الحزب سياسي بامتياز ولا علاقة له بالشريعة كما أنه «لا يجوز أن يطاع». وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد خافيا على أحد أن الحزب ارتضى لنفسه طريقا التزم بها أطلق عليها تسمية (ولاية الفقيه)، والفقيه هو ولي المبايعين أو التابعين له وهذا منطق لا أساس له في شريعة الإسلام، حيث لا وجود لـ(الولي الفقيه)، وعندما يلزم الحزب أتباعه بعدم أداء فريضة الحج فهذا جزء من مفهومه لولاية الفقيه». وأضاف: «هناك قاعدة شرعية هي أنّ القاضي ولي من لا ولي له يعني القاضي ولي القاصر التي فقدت أباها وجدّها أما أن يكون الفقيه ولي لأتباعه فهو منطق غريب وجديد في الإسلام». واعتبر أنه ليس هناك أي أسباب في أيامنا هذه من شأنها أن تكون مانعا لأداء فريضة الحج، خصوصا إذا كانت الحجة الأولى التي يطلق عليها «حجة الإسلام»، موضحا: «قد يكون لبعض الأشخاص ظروف شخصية تمنعهم من القيام بها إنما الوضع السياسي لا يشكل مانعا لها». وهنّأ الشعار كل الحجيج قائلا: «أبارك لكل من شدّ الرحال لتأدية الفريضة مثنيا على دور المملكة العربية السعودية والقائمين عليها في رعاية بيت الله الحرام والحرمين الشريفين، «وأدعو أن يجزيهم الله كل خير على ما يقومون به».
من جهته، يقول مفتي البقاع، الشيخ خليل الميس، لـ«الشرق الأوسط»: «يحق للحاكم أن يتخذ قرارا بمنع أداء فريضة الحج لأسباب فقهية متعلقة بظروف طارئة لكن قرار (حزب الله) وإن كان من شأنه التخفيف من الاحتقان الحاصل نتيجة الحادثة الأليمة التي وقعت العام الماضي، هو قرار سياسي أرادوا من خلاله تسييس هذه الفريضة الإسلامية». وأضاف: «وبما أنّهم أسقطوها عن أنفسهم أي عن عناصرهم فقط فيمكن القول إنه رب ضارة نافعة وعلّ هذا القرار يمنع الفتنة في الوقت الحالي».
كذلك، يعتبر مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو، أن ما يسمى «حزب الله» يقوم بمعركة سياسية تحت غطاء الدين. وقال، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «الحرب التي يشنها (حزب الله) بتوجيهات إيرانية لا دين لها، الدين لا يأمر بقتل المدنيين والاعتداء على الحرمات، وبالتالي قتل الأبرياء والمدنيين تحت شعار الدين فيه تزوير للواقع»». وأضاف: «يبدو واضحا أن الحزب ينفذ تعليمات إيران التي تريد أن ترفع شعارات مناقضة للشريعة الإسلامية بعدما سبق لها أن اتخذت قرارا بمقاطعة الحج إثر خلافها مع المملكة العربية السعودية»، مضيفا: «من هنا يعطي الحزب أوامره لعناصره للالتزام سياسيا بإيران المعروفة بعدائها للسعودية، في وقت الحج هو ركن أساسي من أركان الإسلام أمر به المولى عزّ وجلّ ولا يمكن لأحد أن يمنعه».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.