يفتح هذا الكتاب «حركة النهضة بين الإخوان والتونسة» للباحثين التونسيين عبد القادر الزغل، وآمال موسي، نافذة خصبة للحوار، حول الحالة التونسية، بكل تداعياتها وتمفصلاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية في فكر واحدة من أهم الجماعات الإسلامية التي لعبت دورا مهما في تحولات الوجدان الجمعي التونسي، خاصة في السنوات الأخيرة عقب أحداث ثورة الياسمين التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن على من سدة الحكم. كما يفتش الكتاب في النقاط الثابتة والهامشية في علاقة حركة النهضة برافدين أساسيين لعبا دورا مهما في إعادتها من عتمة الهامش إلى قلب المتن وفي صراعها مع السلطة في الثمانينات، هما المد الثوري الإيراني، وتأثرها بطبيعة منهاج هذا المد وخصائصه ومقولاته خاصة التي تحث على النضال ضد «الغرب المستكبر».
تبلور الرافد الثاني في حركة جماعة الإخوان المسلمين، وهنا يشير الكتاب في سياق تفكيكه لخطاب حركة النهضة، إلى ملاحظة جديرة بالاهتمام، تؤكد على ظرفية التأثر بهذين الرافدين، وأن العلاقة معهما لا تتعدى كونها توظيفية ومن خارج البناء العقيدي الديني، خاصة العلاقة مع المد الثوري الإيراني، وأيضا ضرورة التخفيف من المرجعية الإخوانية لتجنب الانشقاقات، كما أن ثمة فروقا شاسعة بين مفهوم «المرشد» في نسقه الإخواني، ومفهوم «ولاية الفقيه» كحتمية لبناء الدولة والنظام.
يترادف مع كل هذا البحث في المسار السياسي لراشد الغنوشي، مؤسس حركة النهضة وزعيمها، ومدى تأثره بالمسار السياسي للماركسي نور الدين بن خضر أحد مؤسسي حركة (آفاق) الثورية، ودورها في استقطاب قطاعات من الشباب خاصة داخل الجامعات التونسية لاعتناق الآيديولوجيا الماركسية.
كما يرصد الكتاب كيفية تطور فضاء هذا الاستقطاب، حتى أصبح صراعا بين جماعة الإسلام السياسي بقيادة حركة النهضة، والتيار الماركسي الشيوعي في شتي مناحي الحياة التونسية، ثم يوضح نقاط الالتقاء غير المباشرة بين التيارين المتعارضين، وأبرزها فكرة العدالة الاجتماعية ورفع المعاناة عن الفقراء، التي يكرس لها التيار الماركسي، وكيف أفادت منها حركة النهضة واستخدمتها كمظلة اجتماعية لتوسيع دوائر الاستقطاب لصالحها.
تقدم الباحثة والشاعرة آمال موسي للكتاب، مشيرة إلى جهود عالم الاجتماع الراحل عبد القادر الزغل خاصة في تفسير خصوصية الإسلام السياسي التونسي في ضوء بنيته الثقافية، قائلة: «يبدو لي أن أهمية دراسة عبد القادر الزغل تكمن ليس فقط في فتح باب النقاش والجدل حول فرضيتها الصادمة والجريئة، بل في كونها دراسة هي أقرب ما تكون إلى إضاءات فكرية قوية مكثفة، اعتمدت منهجية جديدة، ويمكن أن تكون منطلقا قويا وثريا لبحوث أكثر اتساعا».
وعن جهدها في الكتاب تشير إلى أنها، ومن منطلق تخصصها كباحثة حاصلة على الدكتوراه في علم الاجتماع، ركزت على مسألة «التونسة» في خطاب حركة النهضة التونسية، وحاولت تتبع أثر ظهورها واختفائها، وهو ما استدعي تحليل مقولات الخطاب والوقوف عند التباساته وتناقضاته، مع محاولة الكشف عن البنية الفكرية المنتجة للخطاب، والمحددة أيضا لمدى قدرته على خوض امتحان التونسة من عدمه.
يشتمل الكتاب الذي يقع في نحو 160 صفحة على مجموعة من المداخل، رغم أهميتها، فإن المدخل الأول أكثرها محورية، حيث يناقش بالتحليل والرصد فكرة مخاض حركة النهضة وخطابها من زوايا متعددة، من نقطة البداية في الداخل، حتى الانشقاقات داخل الجماعة الإسلامية بشكل عام.
من نقاط المخاض المهمة التي يناقشها الكتاب بعين منهجية، موقف حركة النهضة من مشروع التحديث للدولة الوطنية، وتحديدا من الرفض القطعي، إلى الرفض المعدل. وهنا يشير الكتاب إلى أنه «رغم الغموض الذي ميز حركة النقد الذاتية داخل الحركة، فإن الواضح أن موضوع (تونسة الحركة) كان من مواضيع النقد الملحة، لكن الحوار بشأنه توخى التدرج ولا يزال، وذلك لصعوبة الجمع بين مرجعيات هي في الأصل متوترة فيما بينها».
يرجع الكتاب هذه الصعوبة إلى طبيعة حركة النقد لخطاب الحركة، وتحديدا في مسألة التونسة، حيث تمس وجود الحركة ذاته، الذي تأسس على ارتباط مع المرجعية الإخوانية السلفية. موضحا أن الإقرار في هذا السياق بمسألة «الزمن فعل فعله»، وأن ممارسة الحركة ووعيها قد تطورا، ليستقرا عند مزيد من تونسة الحركة، ليتلاءم مشروعها مع خصوصيات الواقع التونسي، ضمن دوائر متكاملة، لا متنافرة، مثل: المغاربية العربية، الإسلامية، يحتاج إلى الانتباه والتمحيص معا. ويلفت الكتاب إلى أنه «من المهم في هذا الصدد إبراز أن خصائص الشمول والسلفية والرفض التي طغت على نهج الحركة، لتأطير العلاقات الاجتماعية، لعبت دورا هاما في خلق شعور بالتمايز عن باقي المجتمع واعتزاله».
ويفند الكتاب محاولة حركة النهضة الترويح لنسبها، بأنها امتداد متميز للفكر الإصلاحي التونسي، مشيرا إلى أن استحضار حركة النهضة للفكر الإصلاحي وبعض أعلامه، كان بمثابة تمسح في الشكل لا الجوهر، فضلا عن أنه لا يعبر عن ارتباط عميق بهذا الفكر.. يفسر المؤلفان هذا التناقض مشيرين إلى أن «قوة الانشداد إلى الإطار المرجعي الإخواني تمنع - على ما يبدو - تجاوز مستوى التواصل إلى الارتباط».
ويوضح المؤلفان أن التعلل هنا بأن «تحررية الحركة تحررية منضبطة»، يعكس إعلانا مضمرا ومناهضا لكل قضايا التحرر التي تشكل فكرة التحديث الوطني للمجتمع، وفي مقدمتها تيار التحرير الاجتماعي للمرأة، ما يعني أنه لا يمكن في ظل المرجعيات الإخوانية لحركة النهضة ونسقها الأحادي الشمولي، توخي تحررية ما حتى ولو كانت منضبطة.
أما عن فكرة المخاض في مجال تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة والدولة، أو بمعنى آخر، بحسب الكتاب، من «إسلام الدولة» إلى «دولة الإسلام»، فيوضح الكتاب أن حركة النهضة عبرت عن رفضها العلني والمباشر وبشكل قاطع، عبر كل مراحل وأشكال تأسيسها عن رفضها لفصل الدين عن السياسة، معتبرة ذلك تصورا «كنسيا دخيلا على ثقافتنا الأصلية».
ويخلص الكتاب إلى أن الأنموذج المثالي لهذه العلاقة في مخيال الحركة، يكمن «في ارتباط مع مضامين المؤلفات الأصولية للحكم في الإسلام، مثل ابن تيمية، وابن القيم الجوزية، وغيرهما ممن يعتبرون أن الدولة الإسلامية هي دولة الشرع ولا شيء سواها».
وما يضمن للحكم لقب الخلافة هو «القيام بواجب الجهاد»، أي أن الخلافة هي الوجه المثالي للحكم الإسلامي. وينوه الكتاب إلى ما جاء على لسان حمادي الجبالي، في كلمة له، في اجتماع بسوسة أقيم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، عندما قال: «انتظرنا جمهورية ثانية، فوجدنا خلافة سادسة». ورغم أنه تم التملص من قبل الجبالي مما يضمره هذا الكلام، خاصة بعد الهجمة الإعلامية الكاسحة ضده، إلا أن الكتاب يوضح بشكل أكثر، أن ما ينسحب على ضرورة الجمع بين الدين والسياسة في فكر حركة النهضة، ينسحب أيضا على علاقة الدين بالدولة، بل أكثر من ذلك على هوية الدولة ذاتها، حيث تصبح غايتها الأساسية خدمة الإسلام، بصرف النظر عن طبيعة هذه الخدمة والوسائل التي تتم بها، حتى لو تعارضت مع السياسة في تبدياتها الحقيقية الواقعية التي تعلي من قيم الدولة ديمقراطيا ومدنيا.
ويخلص هذه الكتاب الثري، وعبر عدد من الوثائق لوقائع وآراء وأفكار تضمها صفحاته، إلى أن خطاب حركة النهضة يسعى وبطرق ملتوية إلى تسييس الخطاب الإسلامي لصالح فكرة الدولة الإسلامية المحض، وهي فكرة تتسم في هذا الإطار بالضيق وعدم الرحابة، وتشوبها نزعة استبدالية استعلائية، مؤكدا في مقابل ذلك على أن «مركز الثقل في البناء الاجتماعي الإسلامي، ليس الدولة، وإنما المجتمع بأفراده وعقائده ومؤسساته، وأن الهدف المركزي للحركة الإسلامية في كل عصر، وفي هذا العصر بالذات ينصب على إعادة بناء المجتمع الأهلي عبر بناء الفرد المؤمن القوي، والجماعة المتماسكة المستخلفة عن الله.. وذلك يقتضي ضرورة تحرير الدين والفرد والجماعة من كل سلطان يعلو سلطان الأمة».
«النهضة» التونسية بين «الإخوان والتّونسة»
كتاب جديد يحلل ثوابت الحركة وهوامشها فكريًا وسياسيًا ودينيًا
غلاف الكتاب
«النهضة» التونسية بين «الإخوان والتّونسة»
غلاف الكتاب
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
