أوهام تاريخية ومعاصرة عن «تخلف عرب الجزيرة»

إعادة قراءة في كتاب «حضارة العرب» لغوستاف لوبون

أوهام تاريخية ومعاصرة عن «تخلف عرب الجزيرة»
TT

أوهام تاريخية ومعاصرة عن «تخلف عرب الجزيرة»

أوهام تاريخية ومعاصرة عن «تخلف عرب الجزيرة»

هل فعلاً لم تعرف الجزيرة العربية الحضارة قط، وأنه لم يكن هناك عالم لغة عربية واحد في الجزيرة العربية، وأن سكانها كانوا مجرد سراق إبل، كما ذهب د. يوسف زيدان في ندوة له في المغرب، وكذلك قسم من المؤرخين والمستشرقين؟ الرد المفحم على هذا التشكيك قدمه العالم الفرنسي الشهير جوستاف لوبون، الذي يدين له علم الاجتماع بالكثير، في كتابه «حضارة العرب» الذي صدر عام 1884. الترجمة للعربية أنجزها شيخ المترجمين العرب، الفلسطيني عادل زعيتر (1895 - 1957)، ضمن سلسلة الأعمال الفكرية التي أصدرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2000. ولا أعلم لماذا لم يتطرق أحد له خلال ذلك الجدل الأخير، رغم أن هذا الكتاب الخطير بكل ما تعنيه الكلمة، يؤكد وجود حضارة إنسانية متكاملة قامت في شبه الجزيرة العربية. عدت للكتاب الذي أعتز به في مكتبتي ضمن أمهات الكتب التاريخية، للتعرف على رأي لوبون ومشاهداته وآراء المؤرخين في زمانه في تلك الحقبة الزمنية، وتمنيت لو استطعت نشره على أوسع نطاق، وسعدت بأن مؤسسة «هنداوي للتعليم والثقافة» قامت بنشر هذا الكتاب إلكترونيًا على موقعها مجانًا للقراء، وهو أمر يستحق الإشادة والتبجيل.
يقع الكتاب الموسوعي في 659 صفحة، ويعد دراسة سوسيولوجية وأنثروبولوجية وسياسية وطبوغرافية شاملة، وهو مقسم إلى 6 أبواب، وكل باب مقسم إلى 3 فصول، فضلاً عن أنه مزود بالصور والخرائط، بعضها التقطه لوبون بنفسه أثناء زيارته البلاد العربية، وبعضها حصل عليه من المراكز العلمية والبحثية العربية التي تردد عليها أو من المجموعات النادرة التي تحصل عليها، فهو يعتبر أيضًا من أهم الكتب التي تقوم على المشاهدات التاريخية، ولا يقل أهمية عن كتابات ابن خلدون. وقد برع المترجم في نقل رؤى ونظريات لوبون بلغة سهلة، مع تطعيم الكتاب بمعاني المفردات والتعريف بالأشخاص الذين ذكرهم لوبون، وتصويب بعض الهنات التي وقع فيها المؤلف الفرنسي. وربما لم يأخذ الكتاب حقه كمرجع هام، نظرًا لكونه ينصف الحضارة العربية ويدحض أقوال المستشرقين الخاطئة عن العرب والإسلام وتعاليمه.
في هذا الكتاب قدم لوبون، مؤلف «سيكولوجية الجماهير»، دراسة متكاملة عن ماضي وحاضر العرب، فدرس طبائعهم وعاداتهم وأسلوب حياتهم، وأثر ذلك في تقدمهم أو تأخرهم، بل تمنى لو استطاعوا الاستيلاء على أوروبا وجنبوها ظلام القرون الوسطى، ونجده يُرجع أسباب أفول حضارة العرب لاختلاط دمائهم وتزاوجهم من شعوب أخرى. يقول لوبون في مقدمته: «لم يقم عالم بوضع كتاب جامع لتأثير حضارة العرب في الأمم التي سيطرت عليها، شامل لعجائبها في إسبانيا وإفريقيا ومصر وسوريا وفارس والهند، ولم تنل يد البحث العام فنون العرب، وإن كان أكثر ما عرف من عناصر حضارتهم، وباء المؤلفون القليلون الذين أرادوا ذلك بالخيبة، فعزوا حبوط عملهم إلى نقص الآثار والأسانيد!»، ويستكمل موضحًا إشكالية أطروحته العلمية: «حقًا، إن ما ذكره المؤرخون ضعيف للغاية ولا يقف أمام سلطان النقد، وطريقة التحليل العلمي أفضل وسيلة لإيضاح شأن أمة كالأمة العربية.. والغرب وليد الشرق ولا يزال مفتاح ماضي الحوادث في الشرق، فعلى العلماء أن يبحثوا عن هذا المفتاح». (ص: 26 - 27).
يبدأ الكتاب بباب «البيئة والعرق» ويناقش في مستهله جغرافيا الجزيرة العربية، ويكشف كيف أن معرفة الرومان بها كانت ضعيفة للغاية، وكذلك الأوروبيين الذين لم يعرفوا عنها إلا بعد المؤرخ نيبوهر، الذي زارها عام 1762م ووضع أول خريطة علمية عنها. ويقول: «وانقضى نصف قرن بعد نيبوهر من غير أن يقوم سائح آخر بارتياد الجزيرة العربية، فلما كانت سنة 1815، استأنف بُركهارد البحث، فجمع أنباء رائعةً عن الجزيرة العربية، ولا سيما مكة والمدينة، وما قامت به مصر نحو تلك السنة من غزو ضد الدولة السعودية الأولى كان فاتحة بحث واسع عن مختلف أقسام الجزيرة العربية، ثم جاب الجزيرة العربية سيّاح كثيرون، نذكر منهم والني (سنة 1845) وبُرتُون (سنة 1852) وبلغريف (سنة 1862) الذي زار في أواسط الجزيرة العربية، أماكن كانت مجهولة قبله تمامًا».
وفي وصفه لبلاد نجد، استعان بأقوال المؤرخ بلغريف: «من الباطل أن توصم الجزيرة العربية بالتوحش». وفي حديثه عن مكة، يشير إلى أحد أسباب نقص المعلومات عنها لدى مؤرخي أوروبا، بسبب أنه كان يمنع دخول أي أوروبي إليها، إذ كتب لوبون: «لم يكن لدينا عنها فيما مضى، غير رسوم ناقصة لا يركن إليها عند البحث الصحيح، ونستطيع، اليوم فقط، أن نتمثلها تمثلاً صحيحًا بفضل الصور الفوتوغرافية التي التقطها أحد رجال الجيش المصري، صادق بك، والتي انتهت إلينا بأوروبا في سنة 1881، فاستعنا ببعضها في هذا الكتاب».
يرد الكتاب على آراء المستشرقين الأوروبيين التي وصمت العرب في شبة الجزيرة العربية بالتخلف، أو وصفهم بـ«الرعاع» أو «الأجلاف»، ومنهم رينان الذي قال: «لا مكان لبلاد العرب في تاريخ العالم السياسي والثقافي والديني قبل ذلك الانقلاب المفاجئ الخارق للعادة الذي صار به العرب أمة فاتحة مبدعة، ولم يكن للجزيرة العربية شأن في القرون الأولى من الميلاد، حين كانت غارقة في دياجير ما قبل التاريخ، ولم يظهر بأسها وبسالتها إلا بعد القرن السادس من الميلاد».
وكتب لوبون في الفصل الثالث من كتابه ردًا على رينان تحت عنوان «الوهم في همجية الجزيرة العربية قبل ظهور محمد (صلى الله عليه وسلم)»، نافيًا أن يكون العرب قبل الإسلام من الأجلاف، وأنه لا يمكن لأمة أيًا كانت أن تظهر حضارتها بغتة، مؤكدًا أن رأي رينان فاسد، لأنه «لا يتم تطور الأشخاص والأمم والنظم والمعتقدات إلا بالتدريج.. أثبتت الآثار والوثائق التي بأيدينا وجودها، وأنها لم تكن، على ما يحتمل، دون حضارة الآشوريين وحضارة البابليين اللتين ظهر شأنهما حديثًا بفضل علم الآثار بعد أن كانتا مجهولتين. ولم ينشأ وهم الناس في همجية الجزيرة العربية قبل ظهور محمد (صلى الله عليه وسلم) عن سكوت التاريخ فقط، بل نشأ أيضًا عن عدم التفريق بين أهل البدو وأهل الحضر من العرب. والأعراب، قبل محمد (صلى الله عليه وسلم) وبعده، أجلاف كأجلاف الأمم الأخرى الذين لم يكن لهم تاريخ ولا حضارة».
ويستطرد قائلاً: «كان للعرب قبل ظهور مُحمد (صلى الله عليه وسلم) آداب ناضجة ولغة راقية، وأنهم كانوا ذوي صلات تجارية بأرقى أمم العالم القديم، فاستطاعوا في أقل من مائة سنة أن يقيموا حضارة من أنضر الحضارات التي عرفها التاريخ».
ويعتبر هذا الفصل ردًا مفصلاً على كل من ينكر حقيقة تاريخ العرب قبل ظهور الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. ويقول: «للعرب ما قبل تاريخهم مثل ما للأمم الأخرى.. وعثر علماء الآثار القديمة في الجزيرة العربية وأوروبا وأميركا وفي كل مكان على آثار لذلك العصر الحجري.. ولا ترجع أقدم روايات الجزيرة العربية إلى ما قبل إبراهيم، ولكن علم اللغات يثبت أن أممًا ذات لغة واحدة كانت تسكن البقاع الواقعة بين القفقاس وجنوب الجزيرة العربية، وإن لم يكن عرق هذه الأمم واحدًا، ودل درس اللغات السامية على أن لغات تلك الأمم، وهي (العبرية والفينيقية والسريانية والآشورية والكلدانية والعربية)، وثيقة القربى متحدة الأصل». (ص: 89).
ويشير لوبون إلى أن مصادر تاريخ العرب قبل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، هي كتب العبريين وروايات العرب والنصوص القليلة التي وردت في كتب بعض مؤرخي اليونان واللاتينيين، وما جاء في الخطوط الآشورية، وما أسفرت عنه الاكتشافات التي تمت في موقع الصفا القريب من دمشق، لافتًا إلى أن كتب العبريين تؤكد أن للعرب حضارة أقدم منهم، ويؤكد أن ما ورد في مؤلفات اليونانيين يثبت أن الإسكندر عزم على غزو الجزيرة العربية لما عرف عنها من غنى سكانها قبل الميلاد بأربعة قرون، وأنها نجت من غزوه بسبب موته. وحين قسمت دولة الإسكندر كانت الجزيرة من نصيب بطليموس، حيث نصر الأنباط بطليموس على أنتيغون سيد سوريا وفينيقيا، ثم أباد الأنباط بعد ذلك جيش أنتيغون. وتحت عنوان «حضارة الجزيرة العربية قبل ظهور محمد (صلى الله عليه وسلم)» يكشف لوبون ما قصه بنو إسرائيل عن تجارة العرب ومدنهم، ويذكر هنا ما رواه المؤرخان هيرودتس واسترابون من وصف لمعالم الثراء والحضارة في بلاد العرب ويتطرق بالتفصيل لما ذكراه عن مملكة سبأ وسد مأرب (ص: 100).
يفرق لوبون بين أقوام العرب الذين وصفهم بأنهم على قدر كبير من الذكاء، وبين برابرة القرون الوسطى الذين وصفهم بـ«الأمم المنحطة»، وبين «أجلاف الترك والمغول»، ويشير إلى أن العرب أبدعوا بعد استعانتهم بحضارة اليونان والرومان والفرس «حضارة جديدة أفضل من الحضارات التي جاءت قبلها». وأفرد الباب الثاني (مصادر قوة العرب) للحديث عن سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) منذ ولادته ورسالته السماوية، وحياته وأخلاقه، ثم تحدث عن القرآن الكريم واستشهد بعدد من الآيات من سور مختلفة منه، وتطرق بعدها لفلسفة القرآن وانتشاره في العالم، مقرًا بأن سهولة الدين الإسلامي ووضوحه سبب قوته، وما أمر به من العدل والإحسان كان سببًا في اعتناق كثير من الشعوب له.
في الفصل الثالث (فتوح العرب) يتحدث المؤلف عن حال العالم في زمن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويورد الفتوحات التي قاموا بها حتى نهاية دولة العرب، كما أطلق عليها بعد أن استولى فرديناند على عاصمة العرب الأخيرة غرناطة سنة 1492م، أي في القرن التاسع من الهجرة.
ويخوض الباب الثالث (دولة العرب) وهو أطول أقسام الكتاب، في تفاصيل تأثير العرب على الأمم التي عاشروها، باحثًا في أثرهم في كل بلد فتحوه، حيث أورد أحوال هذه البلاد قبل وبعد الفتح العربي، وفصوله هي: «العرب في سوريا»، و«العرب في بغداد»، و«العرب في بلاد فارس والهند»، و«العرب في مصر»، و«العرب في أفريقيا الشمالية»، و«العرب في إسبانيا» و«العرب في صقلية وإيطاليا وفرنسا» و«اصطراع النصرانية والإسلام.. الحروب الصليبية».
والحق لم يترك لوبون مقولة تاريخية ضد العرب أو المسلمين بشكل عام إلا ورد عليها، نافيًا عنهم مثلاً حرق مكتبة الإسكندرية: «وأما إحراق مكتبة الإسكندرية المزعوم، فمن الأعمال الهمجية التي يأباها العرب، والتي تجعل المرء يسأل كيف جازت هذه القصة على بعض العلماء الأعلام زمنًا طويلاً؟ وهذه القصة دحضت في زماننا.. إن النصارى هم الذين أحرقوا كتب المشركين في الإسكندرية قبل الفتح العربي بعناية كالتي هدموا بها التماثيل ولم يبق منها ما يحرق». (ص: 213).
ويشير في الباب الرابع (طبائع العرب ونظمهم) إلى أن العرب أقل تحولاً من الأوروبيين لارتباطهم بالعادات والتقاليد، وأيضًا لالتزامهم بالقرآن كدستور ديني وسياسي ومدني، مشيرًا إلى أهم صفات أهل البدو من العرب، ألا وهي عشقهم للحرية. ثم يتحدث عن أسلوب معيشتهم ومنازلهم وطعامهم وشرابهم، كما تطرق لمسألة تعدد الزوجات، مشيرًا إلى أن الزوجات هن من يدفعن أزواجهن لذلك. وأشار لكرم ضيافتهم، كما أتى على ذكر أنواع الطعام على الموائد العربية التي بها «ما تجهله الموائد الأوروبية». (ص: 355).
ويقدم لوبون شهادته عن طبائع عرب المدن، مقدمًا وصفًا تفصيليًا للأسواق والبيوت والأعياد والاحتفالات والحمامات الشعبية والمقاهي. ويتناول فن القص كأحد أهم وسائل التسلية عند العرب: «يقص القاصون القصص ارتجالاً في بعض الأحيان، ويقتصرون في الغالب على إنشاد قصيدة أو تلاوة قصة من رواية ألف ليلة وليلة، ولا أزال أذكر أنني زرت حيًا من أحياء يافا الشعبية ذات ليلة، فشاهدت فيه جمعًا عربيًا من الحمالين والنواتي والأجراء... إلخ، يستمعون على نور مصباح إلى قصة عنترة بعناية، فتراني أشك في نيل قاص مثل ذلك النجاح لو أنشد جماعة من فلاحي فرنسا ما تيسر من شعر لامارتين أو شاتوبريان». (ص: 373).
وفي دراسته لـ«الرق في الشرق» يقول لوبون: «الرق عند المسلمين غيره عند النصارى فيما مضى، وحال الأرقاء في الشرق أفضل من حال الخدم في أوروبا، فالأرقاء في الشرق يؤلفون جزءًا من الأسر».
ويقدم لوبون شرحًا مفصلاً لنظم العرب السياسية والاجتماعية، قائلاً: «العرب، وهم أعقل من كثير من أقطاب السياسة المعاصرين، كانوا يعلمون جيدًا أن النظم الواحدة لا تلائم جميع الشعوب، فكان من سياستهم أن يتركوا الأمم المغلوبة حرة في المحافظة على قوانينها وعاداتها ومعتقداتها». (ص: 382).
وذهب لوبون إلى أن نظام العرب السياسي كان ديمقراطيًا، قائلاً: «لا شيء أكثر بساطة من بساطة نظم العرب السياسية، فقد قامت على مساواة الجميع التامة تحت سيد واحد، أي تحت وكيل الله في الأرض، الذي كان الصاحب الوحيد لكل سلطة مدنية ودينية وحربية، والذي لم يكن في الدولة سلطة غير سلطته أو سلطة مندوبيه، ولم يعرف العرب قط نظام الإقطاع والأرستقراطية والوظائف الإدارية». (ص: 392).
وتطرق لوبون لتأثير الإسلام على حياة المرأة قائلاً: «الإسلام حسن حال المرأة كثيرًا، وهو أول دين رفع شأنها، والمرأة في الشرق أكثر احترامًا وثقافة وسعادة منها في أوروبا على العموم»، كما أنه اعتبر تعدد الزوجات في الشرق أفضل من الزنا والخيانة الزوجية في الغرب.
لم يغفل لوبون دراسة الأخلاق والقيم عند العرب والمسلمين، ثم يقدم مبحثًا عن مناهج العرب العلمية والكتب التي ألفوها وساهموا بها في نشر العلم في أوروبا. وفي مبحث آخر يتناول اللغة العربية، مفيدًا بأن الشعر العربي ظهر قبل ظهور محمد صلى الله عليه وسلم بقرن واحد، وأن لهجة قبيلة النبي هي أفصح لهجات العرب، ثم يستشهد لوبون بما ذكره المؤرخ سيديو بأن اللغة العربية ذات أثر عميق في اللغات اللاتينية، وتحديدًا الفرنسية، ويقدم بعض الكلمات التي اقتبست من العربية أو اشتقت منها.
وفي حديثه عن «الأدب العربي»، يؤكد لوبون أن أمر الأدب القديم في اليمن وفي مختلف أجزاء الجزيرة العربية مجهول تمامًا، وأن ما عرف منه ما قيل بعد ظهور المسيح. وينتقل بعدها للتأكيد على فضل العرب في علوم الفلك والرياضيات والعلوم الجغرافية والفيزياء والميكانيكا والكيمياء والعلوم الطبية والعلوم التطبيقية واختراعهم البارود والأسلحة النارية، على عكس ما أشيع بأن الصينيين هم من اخترعوه، وأشار إلى أنهم أول من استخدموا البوصلة في الملاحة البحرية، مقدمًا أدله من مخطوطات قديمة.
وخصص لوبون فصلاً عن الفنون العربية والرسم والحفر، ويشير إلى أن العرب والإغريق والرومان والفينيقيين والعبريين وكل أمة أخرى استفادت من مجهودات الماضي، وأن فنون العرب تشير إلى أن تميزهم فيها لم يظهر فجأة، بل كانت له أسس في الماضي السحيق لم تتكشف للعلماء.
كما خصص فصلاً آخر عن فنون العمارة عند العرب وإبداعهم المآذن والمساجد والزخارف، مشيرًا إلى أن الطراز العربي قبل ظهور النبي لا يزال مجهولاً، «خلا ما يستشف من بقايا مباني اليمن القديمة، ومن بقايا المباني التي أقيمت في الممالك العربية السورية القديمة، كمملكة الغساسنة مثلاً».
ولم يغفل لوبون دراسة صلات العرب بالعالم من حولهم عبر التجارة، فكتب عن صلات العرب بالهند، وبالصين، وأفريقيا، وأوروبا. ثم انتقل لتأثير العرب في أصقاع العالم من حولهم، مشيرًا إلى أنهم تركوا أثرًا في كل البلدان التي دخلوها، بل وأثروا في مصر التي يقال عنها إنها أصعب أقطار العالم إذعانًا للمؤثرات الأجنبية، وإنها تخلت عن حضارتها التي دامت 7 آلاف سنة بعد أقل من قرن واحد منذ دخول عمرو بن العاص، فاعتنقت مصر دينًا جديدًا ولغة جديدة وفنًا جديدًا اعتناقًا متينًا.



كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».