البرازيل بعد ديلما

البرازيل بعد ديلما

فليشر: تحديات كبيرة تواجه تامر... واليسار سيحاول الرجوع للمشهد مرة أخرى في الانتخابات المقبلة
الاثنين - 3 ذو الحجة 1437 هـ - 05 سبتمبر 2016 مـ
صورة أرشيفية للرئيسة البرازيلية المعزولة ديلما روسيف أثناء جلسات الاستجواب (رويترز)
برازيليا: لويزا بوليدو
بعد مرور ساعات على الإطاحة بديلما روسيف، أول سيدة تنتخب رئيسة للبرازيل، تولى ميشال تامر رسميًا مهام الرئاسة، والذي سبق وأن تولى منصب القائم بأعمال الرئيس وعمل نائبًا لها. أما السبب ببساطة فيكمن في أنه باعتبارها الدولة الأهم على مستوى أميركا اللاتينية، يتعين على البرازيل التعافي سريعًا من الأزمة السياسية والاقتصادية الحادة التي ألمت بها منذ بضع سنوات.
كان مجلس الشيوخ البرازيلي قد عزل روسيف من الرئاسة جراء شعور أعضاء المجلس بأن الرئيسة اخترقت القوانين الضريبية بهدف تزوير تقرير حول العجز بالموازنة. ومع ذلك، فإن قرار عزلها لم يتضمن المزاعم الأكثر خطورة المتعلقة بالفساد داخل شركة النفط الوطنية «بتروبراس»، والتي مست بالفعل صديقها وزميلها الرئيس السابق، لولا دا سيلفا، الذي كان يجري النظر إليه خلال فترة رئاسته كبطل لما حققه من تحول اجتماعي واقتصادي بهذه الدولة اللاتينية العملاقة.
ورغم عزلها من الرئاسة، فإن ديلما لن تمنع من تقلد منصب عام، ما يعني أنه باستطاعتها التطلع مجددًا لتقلد منصب الرئيس. ويتيح لها القانون الترشح في الانتخابات الرئاسية المقررة 2018. وتبقى هذه احتمالية؛ لأنه رغم خروج أعداد غفيرة من البرازيليين إلى الشوارع للمطالبة برحيلها، فإنه في المقابل خرجت أعداد حاشدة، خاصة في ساو باولو، أكبر مدن البلاد، اعتراضًا على عزلها.
وقد رفضت ديلما الاعتراف بهزيمتها أمام مجلس الشيوخ وتصر على إكمال فترتها الرئاسية، ما دفعها إلى اللجوء للمحكمة العليا للاستئناف ضد قرار مجلس الشيوخ بعزلها، في محاولة للعودة للرئاسة، وإن كان هذا أمر غير محتمل. وفي تصريحات لوسائل إعلام محلية، قالت ديلما إنها ستمضي في نضالها داخل أروقة المحاكم.
وفي قراءة للمستقبل أعلنت ديلما أن أولويتها تتمثل في العودة الفورية للرئاسة. والحقيقة أنه لا يزال من المبكر للغاية الحكم على مستقبل ديلما، امرأة كانت مقاتلة بجماعة مسلحة وتميزت فترتها الرئاسية الأولى بإنجازات كبيرة، ولم تبدأ شعبيتها في الانحسار سوى بعد بضعة شهور من فترة رئاستها الثانية.
ورغم قرار العزل الذي مرره مجلس الشيوخ بحق ديلما، فإنه لم يجردها من حقوقها السياسية. ومع ذلك، تعالت دعوات من بعض الدوائر لتجريدها من هذه الحقوق، كي لا تتمكن من تولي أي منصب عام على مدار ثماني سنوات.
وخلال مقابلة مع «الشرق الأوسط»، من برازيليا، قال البروفسور البارز بجامعة برازيليا ديفيد فليشر إن ديلما يمكن أن تترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة المقرر عقدها عام 2018، «إلا إذا ألغي قرار عدم تجميد حقوقها السياسية، بالنظر إلى الشخصيات الكثيرة من حزب العمال المتورطة بفضائح الفساد».
كما علق فليشر على المستقبل السياسي لديلما بقوله: «هناك شائعات بأنها سترحل عن حزب العمال لتعاود الانضمام إلى حزب العمل الديمقراطي».
من ناحية أخرى، أعرب البروفسور جيوفاني رييز، بجامعة ديل روساريو في كولومبيا، عن اعتقاده بأن ديلما خرجت من هذه المحنة أقوى. وقال: «لقد تعرضت للعزل من منصبها، لكن ليس الموت السياسي. ومن خلال وجودها المستمر داخل حزب العمال الحاكم، يمكن تصويرها كضحية لخصوم سياسيين».
إلا أن المستشار السياسي البرازيلي كارلوس مانانيلي فيعتقد أنه رغم أنه مسموح لها قانونًا بذلك، فإن ديلما لن تترشح مجددًا للرئاسة عام 2018. وأضاف: «الاحتمال الأكبر أن يترشح الرئيس السابق لولا دا سيلفا».
وبالفعل، هذا هو الحديث الشائع في الشوارع البرازيلية اليوم. كان حزب العمال قد دعا من جانبه لعقد انتخابات رئاسية مبكرة، بحيث يشارك فيها لولا دا سيلفا مرشحًا عن الحزب، رغم التحديات التي يواجهها فيما يخص فضيحة فساد «بتروبراس».
وأعلن رئيس حزب العمال روي فالكاو أنه: «الآن، في مواجهة حكومة لم تأت باقتراع شعبي استولت على السلطة، نعتقد أن السبيل الأمثل لاستعادة الديمقراطية ببلادنا يتمثل في التصويت الشعبي».
من ناحية أخرى، فإن محاولة لولا دا سيلفا العودة إلى السلطة تعكس مساعي القطاعات اليسارية داخل البرازيل تجنب فقدان السيطرة على البلاد التي ظلوا يحكمونها طوال 13 عامًا.
من ناحيته، حاول الرئيس ميشال تامر، الذي من المقرر بقاؤه بالسلطة حتى الأول من يناير (كانون الثاني) 2019، تصدير صورة توحي بالاستقرار الاقتصادي والسياسي في البرازيل للعالم. بيد أن حكومته قوبلت بالرفض من قبل حلفاء سياسيين وآيديولوجيين للإدارة السابقة، الأمر الذي تجلى في استدعاء فنزويلا وإكوادور سفيريهما من البرازيل، ووصفهما عزل ديلما بأنه انقلاب.
من جهته، يرى البروفسور رييز أن الدول الاشتراكية بأميركا اللاتينية ستفقد برحيل ديلما شريك استراتيجي ثري وقوي هو البرازيل، والتي كان دعمها ضروريًا لفنزويلا تحت قيادة هوغو شافيز، وكذلك تشكيل «السوق الجنوبية المشتركة». واستطرد موضحًا أن «العلاقات بين الحكومة البرازيلية الجديدة والدول ذات الميول اليسارية مثل فنزويلا وإكوادور، ستتبدل بالتأكيد».
ويتفق معه في ذلك بروفسور فليشر، حيث قال: «العلاقات مع الأرجنتين وتشيلي وبيرو وكولومبيا والمكسيك ستبقى من دون تغيير. أما فنزويلا وبوليفيا وإكوادور فلا تعترف بحكومة تامر. وبالفعل، سحبت البرازيل سفراءها من الدول الثلاث».
وعليه، فإن الرئيس البرازيلي الجديد سيواجه تحدي العمل على دفع البلاد نحو التعافي الاقتصادي، وتعزيز مكانتها مجددًا لتعود القوة الإقليمية الأولى بأميركا اللاتينية.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة