سائقو شاحنات مصريون يروون تجاربهم مع «بوابات الرعب» في ليبيا

(«الشرق الأوسط») تنشر تفاصيل القوافل المختطفة في إجدابيا

شاحنات مصرية في منطقة «البريقة» الليبية قبل فرارها من الخاطفين بمدينة إجدابيا («الشرق الأوسط»)
شاحنات مصرية في منطقة «البريقة» الليبية قبل فرارها من الخاطفين بمدينة إجدابيا («الشرق الأوسط»)
TT

سائقو شاحنات مصريون يروون تجاربهم مع «بوابات الرعب» في ليبيا

شاحنات مصرية في منطقة «البريقة» الليبية قبل فرارها من الخاطفين بمدينة إجدابيا («الشرق الأوسط»)
شاحنات مصرية في منطقة «البريقة» الليبية قبل فرارها من الخاطفين بمدينة إجدابيا («الشرق الأوسط»)

«قبل مدينة إجدابيا الليبية، أي ناحية منطقة البريقة، أصابنا الرعب وتوقفنا في مكاننا، لأننا علمنا أن مئات من زملائنا سائقي الشاحنات المصريين، جرى اختطافهم واحتجازهم بشاحناتهم. بحثنا عن طريق التفافية، بدأنا خوض المغامرة للرجوع إلى الأرض المصرية. كنا خائفين، لأن الخاطفين الليبيين إذا علموا بهروبنا سيفتحون علينا نيران المدفعية عيار 14.5، ونحترق في شاحناتنا ولن نعود لأولادنا أبدا».
يتحدث حميد، سائق الشاحنة المصري البالغ من العمر 27 سنة، وهو يصور اللحظة التي قرر فيها الهروب من الموت، مع 18 من زملائه بشاحناتهم، متخيلا احتمال الوقوع في التهلكة؛ التي قد تودي به وبهم إلى الموت أيضا، في بلد يعاني فوضى الميليشيات العسكرية وضعف السلطة المركزية، وغياب وجود خطوط فاصلة بين نقاط التفتيش التابعة لـ«قطاع الطرق» والأخرى التابعة للجهات الرسمية، كما يقول عبد الناصر، وهو سائق آخر من سائقي الشحنات التي فرت من ميليشيا إجدابيا، ويبلغ من العمر 33 سنة.
وتشهد ليبيا، الواقعة على الحدود المصرية الغربية، حالة من الفوضى منذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي قبل نحو ثلاث سنوات. ويعتمد الألوف من التجار المصريين، منذ سنين، على السوق الليبية في تصدير المنتجات التي تتنوع بين المواد الغذائية والحديد والإسمنت والرخام وزيوت السيارات وغيرها. ولا توجد إحصاءات دقيقة عن حجم هذه التجارة، لكن البعض يقدرها بمئات الملايين من الدولارات شهريا.
ويقول عبد المنعم حسين، الذي يدير مصنعا لمنتجات البطاطس بالمنطقة الصناعية في مدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة)، إن الوضع الاقتصادي المتردي في مصر، منذ ثورة 25 يناير 2011، أجبره ومئات من أصحاب المصانع الآخرين، على تصدير منتجاتهم إلى ليبيا، بينما يضيف المهندس أحمد عبد الراضي، صاحب مصنع لتقطيع الرخام بجنوب القاهرة، أن السوق المصرية «راكدة، منذ الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك. واليوم السوق الليبية في حاجة لقوالب الرخام المصري، ولهذا نصدره لتجار في بلدات مثل بنغازي وطرابلس». ولا يلتفت حسين ولا عبد الراضي ولا غيرهم من أصحاب المصانع، إلى تحذير الحكومة المصرية من السفر إلى ليبيا، خاصة بعد حوادث خطف الشاحنات. ويقول عبد الراضي: «وما العمل! هل نغلق مصانعنا وننام؟».
وبينما كانت الرياح الباردة تهب من الشمال، أي من البحر المتوسط، على التلال الفاصلة بين الحدود المصرية - الليبية، يروي عدد من السائقين المصريين الفارين من الاختطاف في إجدابيا، مسيرة مئات الشاحنات المصرية التي كانت محملة بآلاف الأطنان من رقائق البطاطس والعدس والأرز، إضافة إلى الرخام والإسمنت وغيرها، بعد أن توجهت منذ مطلع الشهر الماضي إلى ليبيا وتعرض معظمها للاختطاف هناك منذ منتصف الأسبوع الماضي، رغم أن السلطات الليبية تقول إن عدد تلك الشاحنات لا يزيد على خمسين، وجرى الإفراج عنها مطلع هذا الأسبوع.
لكن السائق حميد، وهو من مدينة مرسى مطروح المصرية القريبة من ليبيا، وثلاثة من السائقين الآخرين، ممن فروا من خاطفيهم، والتقتهم «الشرق الأوسط» على الحدود، يقولون إن عدد الشاحنات المختطفة في محيط منطقة إجدابيا يزيد على هذا الرقم بكثير. ويقول مسؤول أمني في محافظة مطروح الحدودية إن العدد ربما يصل إلى 500 شاحنة.
ويضيف السائق جمعة البالغ من العمر 45 سنة، وهو من محافظة البحيرة (شمال غربي القاهرة)، إن المئات من سائقي الشاحنات وقعوا في فخ الخاطفين الذين يطالبون بالإفراج عن ذويهم المحبوسين بمصر في قضايا جنائية تخص تهريب أسلحة ومخدرات وغيرها. وتمكن جمعة وحميد وعبد الناصر، و15 من زملائهم الآخرين، من الفرار من الخاطفين. ويقول جمعة، الذي يعول أسرة مكونة من أربعة أطفال، إن القصة التي تخص اختطاف الشاحنات المصرية، بدأت فصولها منذ مطلع الشهر الماضي، حين اجتازت تلك الشاحنات الحدود من معبر السلوم البري، وتوقفت داخل ليبيا أمام الكثير من بوابات التفتيش الرسمية وغير الرسمية، إلى أن اعترضها مسلحون مدججون بالرشاشات الثقيلة وهددوا بحرقها وتمزيق جوازات سفر السائقين إذا لم تفرج السلطات المصرية عن ثلاثة ليبيين محبوسين لديها، بعد إدانتهم في قضايا تهريب أسلحة ومخدرات.
وتعكس قصص جمعة وزميليه حميد وعبد الناصر، وسائقين آخرين، هشاشة الدولة الليبية ومراحل الخطر والابتزاز التي يضطر قادة شاحنات التصدير المصرية للمرور بها قبل الوصول بالحمولة إلى وجهتها في العمق الليبي. وبدأت فصول القصة من المناطق الصناعية الواقعة حول مدينة القاهرة. وغالبية سائقي الشاحنات لا يعرف بعضهم بعضا، لكنهم، ومنذ بداية الرحلة، أخذوا في تجميع أنفسهم للسير في قافلة واحدة، وذلك حين كانوا يلتقون على الطريق الدولي الصحراوي الذي يربط القاهرة بالحدود المصرية - الليبية عبر طريق وادي النطرون الشهير. وكانت القافلة التي انضم إليها كل من حميد وجمعة وعبد الناصر تضم ستين شاحنة محملة بكراتين رقائق البطاطس.
وكان حميد يعمل في نقل الحديد الخردة داخل مصر، من ميناء الإسكندرية إلى مصنع للحديد في مدينة السادات، لكن توقف الأعمال في مصر المضطربة منذ ثلاث سنوات، دفعه للالتحاق بأسطول شحن البضائع لليبيا التي تسعى لإعمار ما خربته ثمانية أشهر من الحرب بين «الثوار الذين كانوا مدعومين بالقصف الجوي من حلف الناتو، ونظام القذافي».
ويقول حميد: «كنا 60 شاحنة محملة (رقائق بطاطس) من مصنع بمدينة السادس من أكتوبر، من بيننا 20 شاحنة تمتلكها شخصيات من محافظة مطروح، وباقي الشاحنات تعود لملاك من محافظات مصرية أخرى، منها دمياط والبحيرة والإسكندرية والقاهرة والجيزة». ويضيف: «خرجنا يوم الجمعة 14 مارس (آذار) الماضي، وعبرنا الطريق الدولي المصري غربا، واسترحنا في مدينة سيدي عبد الرحمن قرب منطقة العلمين المعروفة. أكلنا وشربنا الشاي، وانتظرنا إلى أن انضمت لنا شاحنات أخرى محملة بمواد بناء، ثم استأنفنا الرحلة إلى أن وصلنا معبر السلوم البري الساعة العاشرة ليلا»، لتبدأ فصول المأساة.
ويقول المهندس عبد الراضي، صاحب مصنع لتقطيع الرخام، إنه تعاقد على بيع ثلاثة آلاف طن من الرخام لرجل أعمال ليبي من طرابلس. وهو يعترف بأن الألوف من سائقي الشاحنات المصريين يعملون في ظروف عصيبة بين جانبي الحدود، ليس من بينها احتمال تعرضهم للخطف والقتل فقط داخل ليبيا، ولكنه يشير إلى عشرات التفاصيل التي يقول إنها تبين إلى أي حد تتعرض هذه الفئة للابتزاز والتعسف والإذلال بعد نحو ثلاث سنوات من ثورات الربيع العربي التي كانت تهدف، من بين ما تهدف إليه، إلى صون «الكرامة الإنسانية». ويضيف: «حين نشير على السائقين بتأجيل العمل حتى تستقر الأمور في ليبيا، يغضبون، لأنه لا توجد أعمال أخرى يمكن أن تكفل لهم الحياة. كما أن تأخير عقود التصدير يسبب لنا خسائر لا تحتمل».
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها معظم سائقي الشاحنات المصريين إلى ليبيا، فبعضهم كان ينقل البضائع إلى هناك في عهد القذافي، كما أن البعض الآخر عمل لفترة في نقل المؤن الغذائية لضحايا الاقتتال الليبي في صيف 2011، مثل حميد وجمعة وعبد الناصر.
ويواصل السائق حميد، الذي يعول طفلين إضافة لوالده ووالدته، ويقود شاحنة بمقطورة، قائلا: «صعدنا هضبة السلوم الوعرة، لنبدأ بعد ذلك بالدخول لمنفذ إمساعد البري في الجانب الليبي. ومن أمام قرص الشمس الأحمر، كان يقف نحو 15 من عناصر ميليشيات مسلحة لا تخضع لسيطرة الدولة. يقفون على عدد من بوابات المنفذ. كل بوابة تطلب أموالا، معظمها من دون أي مبرر». ويضيف: «أول مبلغ تطلبه بوابة الحدود الليبية كانت قيمته 50 دينارا (الدولار يساوي نحو ثلاثة دنانير ليبية) نظير رسوم دخول البضاعة عن كل شاحنة. قيمة هذه الرسوم كانت في عهد القذافي 150 دينارا، لكنها كانت تقع على نفقة المستورد الليبي لا المورد المصري كما يحدث حاليا».
ويتابع قائلا إن «ورقة تحصيل الأموال كانت أيام القذافي مختومة من الجهات الرسمية في الدولة، أما الآن فإن الخمسين دينارا يأخذها منك عناصر الميليشيات مقابل وصل عادي ليس عليه أي تواقيع أو أختام رسمية أو إشارة إلى الجهة التي ستذهب إليها هذه الأموال». ويضيف أن بوابة معبر إمساعد، توجد جوارها بوابة أخرى تقف عليها عناصر مدججة بالأسلحة النارية والقضبان الحديدية والعصي. ويطلب من كل شاحنة أن تسدد خمسة دنانير أخرى، دون أي مسمى، وإذا لم تسدد يجري تحطيم زجاج قمرة الشاحنة كأقل عقوبة.
ويتدخل السائق جمعة، الذي ينتمي إلى قبيلة بمصر لها امتداد داخل بنغازي، مواصلا تفاصيل بداية دخول الشاحنات لليبيا، قائلا: «ليست هذه هي المرة الأولى. طبعا، أعرف المخاطر التي كانت تنتظرني. كانت التفاصيل الصغيرة تشغلني عن التفكير في احتمال اختطافي أو قتلي كما حدث لمصريين آخرين من قبل. كنت أفكر في عدد بوابات الميليشيات التي ستطلب مني أموالا، وما إذا كان ما معي يكفي أم لا».
ويضيف أن كل مدخل مدينة ليبية وكل مفترق طرق، توجد بوابات تسيطر عليها عناصر من الميليشيات، وتفرض رسوما بأسماء مختلفة.. «مرحلة ختم الأوراق والحصول على تأشيرة الدخول في منفذ إمساعد، وتسديد 101 دينار مقابل هذا العمل، وسداد ملغ آخر نظير تحليل دم وفيروسات لكل سائق، وهذا أمر طبيعي، لكن غير الطبيعي أن تجبر على سداد خمسة دنانير أخرى لاسترداد جواز السفر، ثم تمر على بوابة رابعة فتسدد 15 دينارا بلا أي اسم، وفي بوابة أخرى من بوابات إمساعد، تسدد خمسة دنانير إضافية دون أي مبرر أيضا».
ويقول جمعة إن الشاحنات تدخل بعد ذلك مرحلة «وزن البضاعة»، وتسدد 30 دينارا. وبعد ذلك، تنتظر وصول موظفي وزارة الصحة لأخذ عينات من المواد الغذائية المحملة على الشاحنات، وإرسال تلك العينات إلى العاصمة طرابلس، على بعد نحو 1600 كيلومتر، لإجراء تحليل عليها. وهذا الأمر يستغرق نحو أربعة أيام على الأقل.
وإذا جاءت النتيجة بأن البضاعة سليمة، فهذا يعني بداية السير في واحدة من أخطر الطرق الصحراوية بليبيا. وتصل هذه الطريق بين مدينة طبرق، وبالتحديد من منطقة الزيتون، إلى مدينة إجدابيا، ويبلغ طولها أكثر من 400 كيلومتر، ولا يوجد عليها تغطية لشبكات الهواتف الجوالة، وتاه فيها مصريون من قبل حتى قضوا نحبهم في الصحراء. وتنقسم هذه الطريق إلى قسمين متساويين. القسم الأول يطلق عليه «طريق الوتر» أو «الميتين (المائتين)»، لأنه يبعد 200 كيلومتر عن أول مفرق يؤدي بك إلى طريق الساحل. وفي هذا المفرق توجد بوابة أخرى تديرها ميليشيات مسلحة، لا بد أن تسدد لها مبلغا موحدا قدره 20 دينارا عن كل شاحنة تحت اسم «قيمة مخالفات المرور».
ويقول جمعة إن هذه المخالفات «افتراضية»، لأنك تسددها لميليشيا قبلية ترتدي ملابس عسكرية متباينة، حتى لو كنت تسير على سرعة 40 كيلومترا في الساعة. ويضيف: «نعطي جندي الميليشيا العشرين دينارا فيعطينا إيصالا غير مختوم وغير معلوم من الجهة التي يتبعها.. ما عرفناه من بعض الليبيين أن كل قبيلة تتناوب على عملية جمع أموال المخالفات المرورية هذه لعدة أيام، أو حين تكون في حاجة للأموال».
ثم بعد ذلك، أي على بعد 200 كيلومتر أخرى، تصل إلى أول بوابة خاصة بمدينة إجدابيا التي جرت فيها عملية الاختطاف، وهي مقر لزعيم فيدرالية «إقليم برقة» المعلنة من جانب واحد، ويدعى إبراهيم الجضران، الذي أصبح اسمه مشهورا بسبب سيطرة ميليشياته على أربعة موانئ نفطية ومحاولته الفاشلة بيع كمية من النفط قيمتها نحو 30 مليون دولار.
وأبلغ مسؤول في مكتب الجضران «الشرق الأوسط»، عبر الهاتف، أن رجاله لا علاقة لهم بعمليات خطف السائقين المصريين، سواء التي جرت الأسبوع الماضي أو غيرها من وقائع سابقة، وهو ما يؤكده السائق حميد أيضا، الذي يعود ليلتقط خيط رحلة القافلة التي كانت تضم 60 شاحنة تسير خلف قوافل أخرى تضم مئات الشاحنات، قائلا: «أما في مدخل إجدابيا، فتبدأ بوابة جديدة فحص البضائع، وإجراء تحاليل للمواد الغذائية مجددا، ثم يخضع السائقون لتحليل دم فيروسات مرة أخرى.. نفس ما تعرضنا له في بوابة إمساعد. الغريب أنه، في كل مرة، يجري ختم التحاليل بأنني خال من الفيروسات، قبل خروج نتيجة التحليل من المعمل. لكن يبدو أن المهم هو سداد القيمة المالية لهذا العمل، وهي 20 دينارا عن كل سائق».
ويواصل حميد قائلا: «ثم تمضي الشاحنات حتى نصل إلى رأس لانوف، أي بعد إجدابيا بنحو 330 كيلومترا. وهناك تبدأ تحليلات جديدة للدم والفيروسات مقابل 40 دينارا عن كل سائق. ثم تصل إلى مدينة سرت بعد نحو 300 كيلومتر أخرى، وتخضع هناك لتحليلات مماثلة بما قيمته 20 دينارا.. حين تقول للواقفين على مثل هذه البوابات الواقعة على مداخل المدن، إنك سبق أن خضعت لتحاليل في بوابات سابقة، يجيبك بأن كل واحد برأسه.. أي كل بوابة لها تحليلاتها وإجراءاتها».
وتستمر قافلة الشاحنات بعد ذلك في المضي قدما حتى تصل إلى مصراتة. ويقول السائق حميد: «كان هذا يوم الجمعة 28 مارس (آذار) الماضي. أخذ القائمون على بوابة المدينة جوازات السفر من السائقين. وهم هنا لا يعترفون أيضا لا بتحاليل البضاعة ولا بتحاليل الدم والفيروسات التي أجريت على السائقين في ثلاث بوابات سابقة. وتسدد رسوما مالية تتراوح بين 20 دينارا وخمسين دينارا، وتظل تنتظر لمدة يومين آخرين حتى تصل نتائج التحاليل من طرابلس، قبل أن يجري السماح لنا بالاستمرار في المضي إلى وجهتنا».
ويضيف حميد: «بعد مصراتة، بدأت كل مجموعة سائقين تتوجه إلى المدينة التي ستفرغ فيها شحنتها.. البعض توجه إلى طرابلس، غربا، على بعد 200 كيلومتر.. كانت وجهتي مدينة زليتن (قرب مصراتة)، وجمعة وآخرون توجهوا إلى مدينة الزاوية (50 كلم غرب طرابلس)، والبعض توجه إلى مدينة زوارة (120 كلم غرب طرابلس) قرب الحدود الليبية - التونسية. شاحنات محملة برخام وإسمنت ومخللات وبراميل تستخدم كخزانات مياه، ومواد غذائية معظمها من البقوليات، إضافة لنحو ست شاحنات كانت محملة بزيوت سيارات».
ويعود جمعة للحديث قائلا: «أنزلنا البضاعة في مخازن الزاوية. وهناك وجدنا أن عشرات الشاحنات المصرية سبقتنا وأفرغت حمولتها من الإسمنت والرخام، لأن الزاوية كان فيها دمار كبير من أيام الحرب مع القذافي. المهم اتفقنا كسائقين لشاحنات رقائق البطاطس، وكان عددها عشرين، على أن كل من ينتهي من إنزال حمولته يرجع وينتظرنا في بوابة مصراتة، حتى نتجمع انطلاقا لرحلة العودة لمصر، لأن معظم الشاحنات الأخرى كانت قد سبقتنا في رحلة الرجوع، ولم نكن نعلم أنها ستتعرض للاختطاف».
تقابلنا على مشارف مصراتة بعد صلاة الفجر. وعلمنا أن اثنين من زملائنا العشرين سبقونا في طريق العودة إلى الشرق. وعبرنا الطريق من بن جواد والبريقة، لكن، وفي الساعة 11 صباحا، وبينما نتناول طعام الإفطار على قارعة الطريق، جاءنا خبر أن هناك مئات السائقين من زملائنا جرى احتجازهم في مدينة إجدابيا التي سنمر بها بعد قليل. وبدأ الخوف والقلق يدب فيما بيننا، بعد أن علمنا أيضا أن السائقين الاثنين اللذين سبقانا، جرى توقيفهما واحتجازهما من قبل المسلحين هناك».
ويضيف جمعة: «على الفور، قمنا بإجراء اتصالات بقادة قبيلة نعرفها بمنطقة بوعطني في بنغازي، من أجل أن يساعدونا على العودة إلى مصر دون مشاكل. فطلبوا منا أن ننتظر في منطقة آمنة بعيدا عن إجدابيا، وقالوا لنا إن الخاطفين يتبعون قبيلة أخرى، ولا سلطان لها عليهم، لأنهم كونوا ميليشيا ويعملون في تجارة السلاح والمخدرات عبر الحدود، وأن ثلاثة من أبنائها حوكموا بعد القبض عليهم من جانب السلطات بمصر على الحدود».
ومن جانبه، يقول السائق عبد الناصر، وهو من محافظة دمياط بدلتا مصر، ولديه خمسة أطفال: «مكثنا في مكاننا بالقرب من البريقة ثلاثة أيام، نفكر في مصيرنا. كنت أقول: ما لي أنا بمصير ليبيين محبوسين بمصر. أنا مجرد سائق أسعى لكسب قوت أولادي. وظللنا هكذا معلقين في الفراغ أكثر من 72 ساعة، حتى قارب الطعام والماء ورصيد الهواتف الجوالة على النفاد. ولم يتبق مع كل منا إلا بضعة دنانير»، إلى أن جاء يوم الثلاثاء الماضي (الأول من أبريل (نيسان))، حيث وصلنا خبر من أصدقائنا في بنغازي يفيد بأن الخاطفين يصرون على ألا يطلقوا سراح سائقي الشاحنات ولا شاحناتهم، بعد أن وصل عددهم إلى 470 شاحنة، بعضها كان في طريق العودة لمصر، والبعض الآخر كان ما زال في طريقه لتفريغ حمولته في طرابلس وغيرها من المدن.
ويتابع قائلا: «علمنا أن الخاطفين سبق أن اختطفوا سائقين مصريين من قبل، من أجل الإفراج عن ثلاثة من أتباعهم محبوسين بمصر. وأن عملية الخطف الجديدة هي الرابعة، وأنه في المرات السابقة جرى إطلاق سراح السائقين بعد وعود مصرية بالإفراج عن المحبوسين الليبيين، إلا أن الخاطفين يقولون إن الوعود لم تتحقق». ووفقا لروايات سائقين ممن أطلق سراحهم، فإن الخاطفين يملكون سيارات دفع رباعي عليها مدافع من عيار 14.5 المضادة للطيران المنخفض، ومدججون بأسلحة متنوعة أخرى.
ويقول عبد الناصر إنه شاهد مجموعة الخاطفين في بوابة من بوابات إجدابيا حين كان في طريقه مع زملائه إلى مصراتة، ولذلك أصيب بالذعر حين فكر، مع باقي السائقين المتوقفين في البريقة، في أنه ليس أمامهم إلا مواصلة السير نحو الشرق: «وهو ما يعني الوقوع في أيدي الخاطفين.. وإذا مكثنا مكاننا في صحراء البريقة فسنموت من الجوع والعطش.. فقدنا الأمل، ثم بدأنا نبحث عن خطة للهروب حين عثرنا على طريق صحراوية وعرة تلتف من وراء مدينة إجدابيا وتتجه للطريق الواصلة لبنغازي، لكن فوجئنا بوجود ثلاث بوابات لا نعرف إن كانت تابعة للدولة أم للميليشيات».
ويتدخل حميد في الحديث قائلا: «اقتربنا من البوابة الأولى التي توجد بعد إجدابيا مباشرة. فتحوا لنا الطريق وقالوا لنا إنه ليست لهم علاقة بالخاطفين، فحمدنا الله، ثم بعد 40 كيلومترا اقتربنا من البوابة الثانية، ووفقنا الله في أن المسؤولين عنها كانوا أيضا ضد الخطف، لكنهم لا يملكون القدرة على التعامل مع الخاطفين، وفتحوا لنا الطريق، لنصل إلى البوابة الثالثة التي وضعت العراقيل أمامنا وأعادت الخوف واليأس لقلوبنا».
ويتابع حميد: «هذه البوابة الواقعة على مدخل مدنية بنغازي اسمها بوابة (سلوق). وطلب رجال مسلحون من كل شاحنة سداد 100 دينار كشرط لمواصل العبور شرقا، بينما لم تكن قد تبقت معنا أي أموال تذكر.. وما بين المفاوضات والرعب تمكنا من تخفيض المبلغ إلى 40 دينارا فقط.. ثم اضطر كل منا إلى سداد خمسة دنانير إضافية من أجل استعادة جوازات السفر من البوابة نفسها. ثم طرنا مثل الريح حتى وصلنا إلى الأراضي المصرية.
وتقول السلطات المصرية إنها تدخلت مع الجانب الليبي لإطلاق سراح جميع السائقين المختطفين، وإن الشاحنات بدأت العودة إلى البلاد تباعا دون ذكر لعدد محدد لهذه الشاحنات، بينما يوضح مسؤول في منفذ السلوم البري إنه جرى، خلال عملية الاختطاف إغلاق المنفذ الحدودي لمدة يومين، من أجل الضغط على الخاطفين، إلا أن الأمر لم يحقق المراد.
ومن جانبه، يقول المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير بدر عبد العاطي، إن جميع الجهات المصرية المعنية تعمل بشكل متواصل وتنسيق كامل لضمان سلامة المواطنين المصريين حال تعرضهم لأي أخطار في الخارج، وإن جهود وزارة الخارجية بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية المعنية «تكللت بالنجاح بعد الإفراج عن الشاحنات التي جرى احتجازها على طريق إجدابيا الدولي»، لكنه حذر في الوقت نفسه المواطنين المصريين من السفر إلى ليبيا «إلا في حالات الضرورة القصوى على أن يكون السفر من خلال الطيران، بعد الحصول على تأشيرة دخول صالحة صادرة من السفارة الليبية في القاهرة، وليس بالطريق البري».
لكن أصحاب المصانع في القاهرة ومدن أخرى، مثل حسين صاحب مصنع البطاطس، والمهندس عبد الراضي صاحب مصنع الرخام، أجروا اتصالات مع رجال أعمال آخرين يعتمدون على السوق الليبية، ومع نقابات للسائقين، للتنسيق على حلول جديدة تضمن استمرار التصدير لليبيا وتجنب الاختطاف في الوقت نفسه، ومن بين هذه الحلول، الاكتفاء بتوصيل البضائع إلى المدن الليبية التي تقع قبل مدينة إجدابيا، خاصة بنغازي التي تعد ثاني أكبر مدينة في البلاد، على أن يتولى المستوردون الليبيون من المدن الواقعة في الغرب تسلم بضائعهم من بنغازي بواسطة شاحنات ليبية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.