أنقرة تقلص الاحتفالات بـ«يوم النصر» وتتعهد بدحر الإرهاب

القبض على 14 مشتبهًا بالانتماء لـ«داعش».. وتوقيف مدير أمن إسطنبول السابق

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يتقدم وزراء حكومته وضباط الجيش في استعراض بمناسبة يوم القوات المسلحة في أنقرة أمس (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يتقدم وزراء حكومته وضباط الجيش في استعراض بمناسبة يوم القوات المسلحة في أنقرة أمس (أ.ب)
TT

أنقرة تقلص الاحتفالات بـ«يوم النصر» وتتعهد بدحر الإرهاب

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يتقدم وزراء حكومته وضباط الجيش في استعراض بمناسبة يوم القوات المسلحة في أنقرة أمس (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يتقدم وزراء حكومته وضباط الجيش في استعراض بمناسبة يوم القوات المسلحة في أنقرة أمس (أ.ب)

شهدت تركيا، أمس (الثلاثاء)، مراسم رسمية في الاحتفال بالذكرى الرابعة والتسعين لعيد النصر ويوم القوات المسلحة، أقيمت في ساحة قبر مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك بالعاصمة أنقرة.
وحضر المراسم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ورئيس البرلمان إسماعيل كهرمان، ورئيس الوزراء بن علي يلدريم، ورئيس هيئة أركان الجيش خلوصي أكار، ورئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال كيليتشدار أوغلو، ورئيس حزب الحركة القومية المعارض دولت بهشلي، وعدد من المسؤولين.
وشارك بعض المواطنين في المراسم التي حضرها إردوغان والوفد المرافق له، للمرة الأولى، في حين كانت تتم المراسم الرسمية في الأعوام السابقة أولاً، ثم يُفتح الباب لمشاركة المواطنين بعد انتهائها. كما أقيمت مراسم إحياء ذكرى عيد النصر ويوم القوات المسلحة في إسطنبول أمام نصب الجمهورية في ميدان تقسيم، وحضرها والي إسطنبول واصب شاهين، وقائد الجيش الأول الفريق أول موسى أفسافار، ورئيس بلدية إسطنبول قادر توبباش، وعدد من المسؤولين الحزبيين والحكوميين، كما شارك فيها جمع من المواطنين.
من جهته، قال وزير الدفاع التركي فكري إيشيك إن الحكومة التركية لن تنظم هذا العام احتفالات في عيد النصر. وقال إيشيك في مقابلة تلفزيونية مساء الاثنين إنه لن تكون هناك احتفالات هذا العام، فتركيا تشهد مرحلة طوارئ في الوقت الراهن، وجميعنا عشنا المحاولة الانقلابية الفاشلة، ولا أرى ضرورة لتنظيم مثل هذه الاحتفالات في الوقت الذي يعاني فيه الشعب من صدمة وحالة من القلق بسبب محاولة الانقلاب.
ويعد عيد النصر ويوم القوات المسلحة، عيدًا وطنيًا في الجمهورية التركية، وجمهورية شمال قبرص التركية، وتحيي الدولتان في هذه المناسبة ذكرى الانتصارات التي أحرزها الجيش التركي في حرب الاستقلال، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ورفاقه على قوات الحلفاء، والجيوش اليونانية، التي غزت أراضي الدولة العثمانية، قبيل وضع الحرب العالمية الأولى أوزارها، والانتصارات التي تحققت على جبهات كثيرة أهمها معركة سكاريا عام 1921 شمال غربي تركيا، و«معركة الصد الكبير 1922» غرب تركيا، اللتين استطاع الجيش التركي بعدهما تحرير مناطق واسعة احتلها الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى.
وجاء احتفال تركيا بالذكرى هذا العام في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي على أثرها شهدت القوات المسلحة التركية أكبر عملية إعادة هيكلة في تاريخها. ولفت إيشيك إلى أن هناك 311 عسكريًا ما زالوا فارين، بينهم 9 جنرالات، عقب محاولة الانقلاب الفاشلة.
وفي حين يخص إغلاق المدارس العسكرية وعدد الطلاب الذين سيؤثر عليهم هذا القرار، أوضح أن عدد الطلاب في هذه المدارس يبلغ 3 آلاف و900 طالب، قائلا إن هذه المدارس تحولت إلى أوكار لجماعة فتح الله غولن، الذي تتهمه تركيا بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة، وإن الحكومة وجدت بعد إجراء دراسة تحليلية فيها أنه تم تسريب أسئلة جميع امتحانات القبول في الثانويات العسكرية في الفترة ما بين 2000 و2014، علما بأنه تم العمل بنظام امتحان القبول في هذا الثانويات اعتبارا من عام 2000.
ووجه الرئيس رجب طيب إردوغان رسالة إلى المواطنين بمناسبة عيد النصر، قال فيها إن تركيا لا تميز بين المنظمات الإرهابية، وهي ملتزمة باتخاذ جميع التدابير في الداخل وفي المناطق التي تؤوي إرهابيين داخل أراضي دول الجوار لضمان سلامة المواطنين وأمنهم. وأضاف: «سنواصل نضالنا متحلين بروح الوحدة والتكاتف والتضامن، غير آبهين للهجمات الغادرة التي تشنها المنظمات الإرهابية الساعية لإحباط المسيرة المباركة لبلدنا»، مؤكّدًا أن تركيا «ستُلحِق الهزيمة بتلك العصابات الخائنة». ولفت الرئيس التركي إلى أن هذه المناسبة ينبغي أن تشكل عبرة «للمنظمات الإرهابية وقوى الشر التي تسعى لاستهداف وحدة بلدنا ووجودها على هذه الأرض». وأشاد إردوغان بالموقف الذي أبداه الشعب التركي في مواجهة محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف يوليو (تموز) الماضي.
كما تطرق إلى عملية «درع الفرات» التي أطلقتها تركيا في 24 أغسطس (آب) الحالي بالتعاون مع قوات التحالف الدولي، قائلا إنها عكست التزام وإرادة الدولة التركية، مشيرًا إلى أن العمليات الحالية في سوريا مستمرة حتى إنهاء التهديدات المقبلة من المنظمات الإرهابية، مثل «داعش» وقوات الاتحاد الديمقراطي في سوريا (وحدات حماية الشعب الكردية) التي وصفها بأنها امتداد لمنظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية.
وفي رسالة مماثلة قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إن من سماهم بـ«مراكز القوى التي تعمل على إضعاف جمهورية تركيا من خلال محاولة الانقلاب والإرهاب والرعب لن تصل أبدًا إلى تطلعاتها، وحتما ستبوء بالهزيمة أمام تلاحم الدولة والشعب».
وفي رسالته بهذه المناسبة، قال رئيس هيئة الأركان العامة للجيش التركي خلوصي أكار إن «عملية درع الفرات في جرابلس السورية أثبتت أن القوات المسلحة التركية لم تفقد شيئا من قوتها». وتعهد أكار بأن تواصل القوات المسلحة التركية مكافحة جميع المنظمات الإرهابية التي تستهدف وحدة تركيا الوطنية وسلامة أراضيها، جنبًا إلى جنب مع قوات الدرك والشرطة وحراس القرى، حتى القضاء على آخر إرهابي يعيش على أرض تركيا دون أن تمس شعرة من أي من مواطنيها بأي أذى». وتابع أن «القوات المسلحة التركية، تواصل العمل بكل قوتها، من أجل الحفاظ على أعلى مستوى أمن للدولة التركية العلمانية الديمقراطية». وشدد على أن القوات المسلحة التركية ستبقى صمام أمان للسيادة والاستقلال وأمن ووحدة تراب الوطن المقدس، الذي اختلط بـ«دماء الشهداء».
في سياق موازٍ، ألقت قوات الأمن التركية القبض على 14 شخصًا يشتبه بانتمائهم لتنظيم داعش الإرهابي في محافظة كونيا بوسط البلاد.
وقالت مصادر أمنية إن فرق مكافحة الإرهاب في كونيا شنت عمليات مداهمة متزامنة على مواقع في المدينة أوقفت فيها 14 شخصا يُشتبه بانتمائهم للتنظيم الإرهابي. وكانت قوات الأمن التركية، أوقفت 40 شخصًا، في حملة أمنية ضد تنظيم داعش الإرهابي، في محافظتي كونيا وأضنة، عشرون منهم في كونيا الجمعة الماضي.
على صعيد آخر، شهدت تحقيقات محاولة الانقلاب الفاشلة تطورات جديدة وأصدر النائب العام في إسطنبول أمرًا بالقبض على مدير أمن إسطنبول السابق حسين شابكين عقب إفادة محافظ إسطنبول السابق حسين عوني موطلو الذي ألقي القبض عليه عقب محاولة الانقلاب الفاشلة.
وعلى الفور قامت قوات الشرطة بتفتيش منزل شابين في بلدة تشيشما بمدينة إزمير، شمال غربي تركيا، وقامت باعتقاله واقتياده إلى مدينة إسطنبول لبدء التحقيق معه. كما قامت قوات الأمن باعتقال رئيس حي بنديك بمدينة إسطنبول عثمان تونش ومفتشي الملكية جوركان بولات ويلماز تونش في إطار التحقيقات المتعلقة بالدعم المالي لحركة الخدمة (منظمة فتح الله غولن كما تسميها السلطات). كما صدر قرار باعتقال 35 شخصًا بينهم صحافيون في حملات في أنقرة وإسطنبول وكوجالي شمال غربي البلاد.
ومن بين المطلوبين للاعتقال، أحد الصحافيين في صحيفة «حرييت» التركية التابعة لمجموعة «دوغان» الإعلامية.
وألقت قوات الأمن، صباح أمس (الثلاثاء)، القبض على 9 صحافيين وإعلاميين خلال مداهمات لمنازلهم، لكن تبين أن هناك 18 من المطلوب القبض عليهم موجودون خارج البلاد.
ووجهت إلى المطلوبين تهمة دعم ما تسميه السلطات التركية «منظمة فتح الله غولن»، في إشارة إلى حركة الخدمة التابعة للداعية التركي المقيم في أميركا والمتهم من جانب السلطات التركية بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة.
وبحسب إحصاءات لمنصة الصحافة المستقلة، ومقرها إسطنبول، تم القبض على 53 صحافيا في إطار تحقيقات محاولة الانقلاب منذ 27 أغسطس (آب) الحالي.
وفي حملات مماثلة ألقت قوات الأمن التركية القبض على 89 من العاملين بشركة الاتصالات التركية «تورك تيليكوم» في حملة و30 من رجال الأعمال أول من أمس الاثنين. كما أقال حزب العدالة والتنمية الحاكم 4 من رؤساء الأحياء والعمد التابعين له في كل من أرضروم وجريسون (شمال شرق) وكونيا ونيفشهير (وسط)، بحسب ما أفاد به ياسين أقطاي المتحدث باسم الحزب للصحافيين.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».