«الشراكة عبر الأطلسي» في مهب الريح

هولاند يصرح بشكوكه.. والبيت الأبيض ما زال متمسكًا بـ«الأمل»

إحدى المظاهرات المعارضة لاتفاقية الشراكة عبر الأطلسي في بروكسل العام الماضي (رويترز)
إحدى المظاهرات المعارضة لاتفاقية الشراكة عبر الأطلسي في بروكسل العام الماضي (رويترز)
TT

«الشراكة عبر الأطلسي» في مهب الريح

إحدى المظاهرات المعارضة لاتفاقية الشراكة عبر الأطلسي في بروكسل العام الماضي (رويترز)
إحدى المظاهرات المعارضة لاتفاقية الشراكة عبر الأطلسي في بروكسل العام الماضي (رويترز)

تبدو مسألة اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية المعروفة باسم «الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي»، في مفترق طرق حاليًا، قد يؤدي إلى نسف الطموحات الأميركية بالوصول إلى اتفاق موقع من قبل أطرافها قبل انتهاء فترة حكم الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما؛ وذلك نظرًا لأن الاتفاقية ذاتها لا تلقى أي ترحيب من جانب مرشحي الرئاسة الأميركية كليهما، ما يعني أن عدم إبرامها حاليًا يمثل في حقيقة الأمر «إعلان وفاتها».
وتتقلص فرص إبرام الاتفاقية يومًا بعد يوم مع ارتفاع نبرة الهجوم والتشكيك من الطرف الأوروبي بقيادة أطراف بارزة من الإدارتين الألمانية والفرنسية، لدرجة وصفها من قبل أوساط سياسية واقتصادية مهمة بأنها «وهم»، والتأكيد على أن مفاوضاتها «أخفقت»؛ وهو ما يتماشى بشكل واسع مع آراء الأحزاب المعارضة في كلتا الدولتين، وأيضا الكثير من النقابات والاتحادات المستقلة والرأي العام فيهما.. لكن ذلك التصعيد العنيف يواجهه من الجانب الآخر من المحيط زيادة الإصرار الأميركي على محاولة إبرام الاتفاقية خلال الوقت الضيق الذي يسبق الانتخابات.
وشدد البيت الأبيض الأميركي مساء الاثنين على أنه «يأمل» في نيل موافقة الكونغرس على اتفاق الشراكة قبل انتهاء ولاية الرئيس أوباما، محذرًا من أن عدم إقرار اتفاق التجارة قد يقوض دور الولايات المتحدة في المنطقة.
وقال غوش أرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، في إيجاز صحافي قبيل جولة لأوباما في آسيا هذا الأسبوع، إن «الرئيس سيقدم حججًا قوية على أننا أحرزنا تقدمًا، وأن من الممكن إنجازه قبل انتهاء مدته الرئاسية».
لكن تلك الآمال والطموحات الأميركية العريضة يواجهها تشكك أكبر ومتزايد من قبل دول أوروبا القوية، وعلى رأسها ألمانيا، حول «جدوى» و«عدالة» الاتفاقية.. حيث أعرب وزير الخارجية الألماني فرانك - فالتر شتاينماير أمس عن تشككه تجاه المفاوضات حول الاتفاقية، لينضم بذلك إلى قائمة طويلة من المشككين، الذين يضيفون مزيدًا من الثقل إلى جبهة المعارضين والمهاجمين.
ويشير كثير من الاقتصاديين في أوروبا إلى أن «الغموض» الذي يلف المفاوضات يزيد من الجبهات المعارضة، خاصة في ظل عدم وجود دفاع واضح من قبل الأطراف المؤيدة للاتفاقية حول المكاسب الحقيقية والعميقة لاقتصادات الدول الأوروبية جراء تطبيقها.
ولا يعد شتاينماير «متشائمًا تمامًا» تجاه هذه الاتفاقية، إذا ما قورن على سبيل المثال بشخصية رفيعة مثل زيغمار غابرييل، الذي يشغل منصب نائب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وهو في ذات الوقت وزير الاقتصاد الاتحادي بحكومتها. وكان غابرييل صرح في وقت سابق بأن المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول اتفاقية التجارة الحرة قد «أخفقت».
وبالأمس، عاد غابرييل ليؤكد عدم توقعه نجاح المفاوضات بشأن الاتفاقية. وقال في برلين إنه لم يتم حسم أي من القضايا المحورية عقب محادثات استمرت ثلاث سنوات بلا نتائج، و14 جولة مفاوضات.
وذكر غابرييل أن هذا الوضع للمفاوضات لا يُمكّن من الوصول إلى إتمام ناجح في أقل من ستة أشهر، موضحًا أنه لم يعد من الممكن لذلك التوصل إلى اتفاق خلال هذا العام. كما أوضح أنه يؤيد إجراء مفاوضات «مفعمة بالثقة»، مضيفًا أن هذا الموضوع سيستمر طرحه «لفترة طويلة عقب الانتخابات الأميركية»، التي قد تسفر عن تفويض مختلف للإدارة الأميركية الجديدة.
وذكر غابرييل أن «الأميركيين ليسوا قادرين أو مستعدين على الإطلاق للاستجابة للمطالب الأوروبية»، موضحًا أنه يتعين على ذلك عدم الانسياق وراء «وهم» إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال هذا العام.
وفي إشارة إلى الاتفاقية الاقتصادية التجارية الشاملة بين الاتحاد الأوروبي وكندا، قال غابرييل إنه ينتظر تصويتًا خلال اجتماع لأعضاء حزبه الاشتراكي الديمقراطي يمكنه من الموافقة على الاتفاقية خلال مجلس وزراء التجارة في الاتحاد الأوروبي.
ووصف غابرييل الاتفاقية الاقتصادية التجارية الشاملة مع كندا بالجيدة، معتبرًا إياها «حماية من اتفاقية سيئة لتحرير التجارة عبر الأطلسي»، مضيفًا أن الأميركيين غير متحمسين للاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي وكندا. ورغم موقف غابرييل، فإن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لا تزال من بين القلة القليلة التي تدافع عن المشروع، سواء في ألمانيا أو في باقي دول أوروبا القوية. كما تدافع المفوضية الأوروبية في بروكسيل عنه، وتعد أقوى الجبهات المؤيدة له في أوروبا. وقال الناطق باسم المفوضية الأوروبية مارغاريتيس شيناس، يوم الاثنين إن «المفوضية الأوروبية تحقق تقدمًا ثابتًا في المفاوضات حول اتفاقية التبادل الحر».
أما شتاينماير، فقد قال أمس خلال مؤتمر السفراء بالعاصمة الألمانية برلين أمام ممثلي الأوساط الاقتصادية: «لا أعلم الشيء الذي سوف يكون ممكنًا حتى نهاية هذا العام أو حتى موعد الانتخابات الرئاسية بالولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل». واستدرك قائلاً: «ولكنني أرى بالطبع أن كلا المرشحين للرئاسة (الأميركية)، سواء السيدة (هيلاري) كلينتون أو السيد (دونالد) ترامب، أعربا عن حالة من التشكك تصل إلى الرفض تجاه الاتفاقية. وقد يعني ذلك شيئًا بالنسبة لسرعة تحديد الموعد، الأمر الذي سوف نعايشه خلال الأسابيع أو الشهور المقبلة».
ووصف وزير الخارجية الاتحادي اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي «الأخرى» مع كندا «سيتا»، بأنها نموذج لاتفاقية التجارة مع الولايات المتحدة، وقال: «إنها تعد تقريبًا أفضل اتفاقية وأكثر اتفاقية تقدمًا تفاوض بشأنها الاتحاد الأوروبي في أي وقت»، وأشار إلى أن اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة «لا تزال بعيدة عن الاتفاقية مع كندا».
على الجانب الآخر، عارضت الحكومة الأميركية تقدير وزير الاقتصاد الألماني بشأن المفاوضات؛ التي اعتبرها فاشلة من الناحية العملية. وقال المتحدث باسم مفوض الشؤون التجارية للحكومة الأميركية مايكل فرومان في تصريحات لمجلة «دير شبيغل» الألمانية إن «المفاوضات تحرز في الواقع تقدما مستمرا».
وذكر فرومان أنه لم يتفاجأ من «عدم حسم بعض فصول الاتفاقية» بصورة رسمية حتى الآن، موضحًا أن «من طبيعة المفاوضات التجارية أنه لا شيء متفق عليه حتى يتم الاتفاق على كل شيء»، مؤكدًا تمسك واشنطن بجولة المفاوضات المقبلة المقررة منتصف سبتمبر (أيلول) المقبل لتقييم التقدم بدقة.
* الرفض يطال كندا:
ولا يقتصر الهجوم على الاتفاقية في ألمانيا على دوائر الحكومة، إذ امتد إلى الأحزاب السياسية الأخرى، والتي تبدو أكثر تشددًا. وناشد حزب الخضر الألماني «المعارض» الحكومة الاتحادية رفض اتفاقيتي التجارة الحرة للاتحاد الأوروبي مع كل من الولايات المتحدة وكذلك مع كندا.
وقالت زيمونه بيتر، التي تشارك جيم أوزديمير، في رئاسة حزب الخضر في مدينة نويشترليتس بولاية مكلنبورغ - فوربومرن الألمانية، أمس: «إننا نرغب في التزام صريح من الحكومة الاتحادية برفض اتفاقيتي التجارة الحرة مع الولايات المتحدة وكندا». وأشارت إلى أنه إذا تم رفض اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، فإنه ليس مسموحًا أن تكون هناك «اتفاقية سيتا (مع كندا) عبر باب خلفي». ومن جانبه، قال رئيس حزب الخضر، جيم أوزديمير، إن توصيف وزير الاقتصاد الألماني زيغمار غابرييل للمفاوضات حول اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة على أنها «أخفقت» يظهر أن منتقدي الاتفاقية ليسوا على خطأ. وأشار إلى أن اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة «مفعمة بالأشياء التي لا تنتمي إلينا تمامًا». وقال زعيم الكتلة البرلمانية لحزب الخضر، أنتون هوفرايتر، في تصريحات خاصة لصحيفة «فيست دويتشه ألجيماينه تسايتونغ» الألمانية إن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن اتفاقية التجارة الحرة «ميؤوس منها»، مضيفًا: «إن مؤيديي الاتفاقية يمتطون جوادًا ميتًا».
وشدد هوفرايتر على ضرورة أن يعارض غابرييل اتفاقية التجارة الحرة مع كندا أيضا، التي لا تعد «سوى استنساخ» من اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة.
ويأتي ذلك التصعيد الألماني في وقت يشهد الهجوم الأشرس من نوعه على الاتفاقية من الطرف الفرنسي، حيث أعلن وزير الدولة الفرنسي للتجارة الخارجية ماتياس فيكل أمس أن الحكومة الفرنسية ستطلب في سبتمبر من المفوضية الأوروبية خلال اجتماع للوزراء المكلفين التجارة الخارجية في براتيسلافا، وقف المفاوضات حول اتفاقية التبادل الحر بين ضفتي الأطلسي.
ويأتي موقف الوزير الفرنسي متوازنًا مع موقف الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، والذي أعرب عن رأيه في مايو (أيار) الماضي، قائلا: «في هذه المرحلة، فرنسا تقول لا في المرحلة التي نشهدها من المفاوضات التجارية الدولية».
كما قال هولاند أمس معلقًا على الاتفاقية إن «المفاوضات توقفت» و«الخلل واضح».. لينضم بذلك بشكل صريح إلى قائمة طويلة من السياسيين الأوروبيين المشككين في إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة في التوقيت المحدد لذلك.
وقال فيكل لإذاعة مونتي كارلو: «لم يعد هناك دعم سياسي من قبل فرنسا لهذه المفاوضات»، مؤكدا أن «فرنسا تطلب وقفًا واضحًا ونهائيًا لهذه المفاوضات؛ للانطلاق مجددا على أسس جيدة».
وبرر فيكل هذا الطلب بأن المفاوضات التي تجريها المفوضية الأوروبية عن الجانب الأوروبي باسم الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد، تعاني من خلل في التوازن لمصلحة المواقف الأميركية. وقال إن «الأميركيين لا يعطون شيئا، أو يعطون الفتات فقط.. والتفاوض بين الحلفاء لا يجري بهذا الشكل». وأضاف أن «العلاقات ليست بالمستوى المطلوب بين أوروبا والولايات المتحدة، ويجب أن نستأنف ذلك في وقت لاحق على أسس صحيحة».
ولم يوضح فيكل الشروط التي يمكن إعادة إطلاق المفاوضات بموجبها، ولم يذكر أي موعد لذلك. لكن بينما يأمل الرئيس الأميركي باراك أوباما إنجازها قبل انتهاء ولايته، فإن كل شيء الآن ضار يوحي بأن هذه القضية ستحل في عهد خلفه في البيت الأبيض مطلع 2017؛ إذا ما كان هناك حل لها من الأساس.
وتجري المفاوضات منذ منتصف عام 2013 بسرية كبيرة بين الحكومة الأميركية والمفوضية الأوروبية حول الاتفاقية، والتي تهدف إلى إلغاء الحواجز التجارية والتنظيمية على جانبي المحيط الأطلسي، لإقامة منطقة واسعة للتبادل الحر يفترض أن تسمح بإنعاش الاقتصاد.
لكن الاتفاقية تواجه صعوبات منذ أشهر، خصوصًا بسبب الانتقادات الحادة التي صدرت عن المنظمات غير الحكومية للعولمة البديلة، التي تخشى أن تؤدي الاتفاقية إلى خلل في القواعد لمصلحة الشركات الكبرى.
وتواجه الاتفاقية أيضا انتقادات متزايدة من قبل عدد من الحكومات الأوروبية. وتشهد ألمانيا معارضة شديدة للاتفاق الذي يجري التفاوض حوله، بما في ذلك داخل الائتلاف الحكومي.
وتجدر الإشارة إلى أن المفاوضات المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، كان يرجى حسمها عدة مرات، وكان الجانبان يأملان في التوصل إلى الخطوط العريضة للاتفاق قبل عام 2017، والمقرر فيه أن يغادر الرئيس الأميركي باراك أوباما البيت الأبيض وتستعد فيه فرنسا وألمانيا للانتخابات، ما يعني في حالة عدم حسم الاتفاقية أن تبدأ المفاوضات من مراحلها الأولى مرة أخرى؛ إذا بدأت.



الدولار يخسر زخمه بعد نكسة رسوم ترمب القضائية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يخسر زخمه بعد نكسة رسوم ترمب القضائية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

تراجع الدولار الأميركي، يوم الاثنين، بعدما رأى المتداولون أن قرار المحكمة العليا الأميركية بإلغاء سلسلة من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عامل داعم للنمو العالمي. غير أن حالة الارتباك المحيطة بالسياسات التجارية، إلى جانب مخاطر تصاعد التوتر مع إيران، أبقت تحركات الأسواق في نطاق حذر.

وارتفع اليورو بنسبة 0.4 في المائة إلى 1.1820 دولار، كما صعد الجنيه الإسترليني 0.3 في المائة إلى 1.3516 دولار خلال الجلسة الآسيوية، التي اتسمت بهدوء نسبي نتيجة عطلة في اليابان وعطلة رأس السنة القمرية في الصين. في المقابل، تراجع الدولار 0.4 في المائة إلى 154.40 ين ياباني، وفق «رويترز».

كانت المحكمة العليا قد قضت يوم الجمعة، بأن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترمب تجاوزت صلاحياته القانونية. وردّ ترمب بانتقاد حاد للحكم، معلناً فرض تعريفة جمركية عامة بنسبة 15 في المائة على الواردات، ومؤكداً تمسكه باتفاقيات التعريفات المرتفعة مع الشركاء التجاريين.

وقال سيم موه سيونغ، استراتيجي العملات في بنك «أو سي بي سي» بسنغافورة، إن هذا التطور «يُضعف الدولار، إذ قد يدعم النمو خارج الولايات المتحدة». وأضاف أن الانعكاسات بعيدة المدى على أسعار الصرف لا تزال غير واضحة؛ إذ قد يؤدي تراجع الإيرادات الأميركية إلى الإضرار بالمركز المالي والدولار، في حين أن تقليص صلاحيات ترمب قد يُنظر إليه بإيجابية من زاوية الحد من تقلبات السياسات.

وارتفع الدولار النيوزيلندي بشكل طفيف ليقترب من مستوى 60 سنتاً أميركياً، بينما تراجع الدولار الأسترالي قليلاً إلى 0.7070 دولار، علماً بأن الولايات المتحدة كانت قد فرضت سابقاً تعريفة بنسبة 10 في المائة فقط على السلع الأسترالية. كما صعد الفرنك السويسري، الذي يُعد ملاذاً آمناً، بنسبة 0.5 في المائة إلى 0.7727 فرنك مقابل الدولار.

وقال جيسون وونغ، الاستراتيجي في «بنك نيوزيلندا» في ويلينغتون، إن الحكم «يمثل خطوة إضافية نحو تقييد سلطة ترمب، وهو ما يُعد إيجابياً للأسواق». لكنه أشار إلى أن المشهد لا يزال معقداً ومتغيراً، ولا يمكن التنبؤ بمساره بسهولة.

وبالإضافة إلى ملف الرسوم الجمركية، تتابع الأسواق عن كثب التعزيزات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، في ظل الضغوط على إيران للتخلي عن برنامجها النووي، كما تترقب خطاب حالة الاتحاد الذي سيلقيه ترمب يوم الثلاثاء.

رسوم مؤقتة وغموض قانوني

تسري الرسوم البديلة التي فرضها ترمب لمدة 150 يوماً، فيما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ملزَمة برد الرسوم التي سبق أن دفعها المستوردون، إذ لم يتطرق حكم المحكمة العليا إلى هذه المسألة.

ويتوقع محللون سنوات من التقاضي وموجة جديدة من الضبابية قد تعرقل النشاط الاقتصادي، في وقت يسعى فيه ترمب إلى إيجاد آليات قانونية بديلة لإقرار حزمة رسوم عالمية بصورة دائمة.

وقال تاي هوي، كبير الاستراتيجيين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «جي بي مورغان» لإدارة الأصول، إن التطورات «تعكس اعتماد استراتيجية الإدارة لزيادة الإيرادات على مصادر قد تكون عرضة لقدر كبير من عدم اليقين، في حين يظل الميل إلى الإنفاق مرتفعاً». وأضاف أن هذا الوضع قد يدفع مستثمري السندات إلى توخي مزيد من الحذر حيال مسار الانضباط المالي.

في سياق متصل، دعت المفوضية الأوروبية الولايات المتحدة إلى الالتزام بالاتفاق الذي جرى التوصل إليه العام الماضي مع الاتحاد الأوروبي، والذي ينص على إلغاء الرسوم الجمركية على بعض المنتجات، من بينها الطائرات وقطع الغيار. كما يدرس شركاء واشنطن التجاريون في آسيا بحذر تداعيات حالة عدم اليقين الجديدة، شأنهم شأن المستثمرين الذين سبق أن فاجأتهم ردود فعل الأسواق على الرسوم التجارية التي فرضها ترمب، والتي لم تنجح في تقليص العجز التجاري الأميركي.

تحولات في رهانات الدولار

قبل انتخاب ترمب، راهن كثير من المستثمرين على أن الرسوم الجمركية ستدعم الدولار، على أساس أن شركاء الولايات المتحدة سيعمدون إلى خفض قيمة عملاتهم لتعويض تراجع صادراتهم.

غير أن الدولار اتخذ مساراً معاكساً في عام 2025، إذ تراجع مؤشره بأكثر من 9 في المائة، مع تركّز اهتمام الأسواق على توقعات خفض أسعار الفائدة، والمخاوف المتعلقة بالعجز المالي الأميركي، إضافةً إلى التقلبات المرتبطة بسياسات ترمب.

وقال ريتشارد يتسينغا، كبير الاقتصاديين في مجموعة «إيه إن زد»، خلال بودكاست خاص بالبنك، إن «الإدارة الأميركية ستكون مقيدة إلى حد كبير في قدرتها على استخدام الرسوم الجمركية على نطاق واسع». وأضاف: «لا أعتقد أن ذلك سيُحدث تغييراً جوهرياً في مسار الاقتصاد العالمي».


تذبذب الأسواق العالمية بعد إلغاء «المحكمة العليا» رسوم ترمب

متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم ببنك هانا في سيول (إ ب أ)
متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم ببنك هانا في سيول (إ ب أ)
TT

تذبذب الأسواق العالمية بعد إلغاء «المحكمة العليا» رسوم ترمب

متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم ببنك هانا في سيول (إ ب أ)
متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم ببنك هانا في سيول (إ ب أ)

تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية و«بتكوين»، في حين تباين أداء الأسواق الآسيوية يوم الاثنين، عقب قرار المحكمة العليا الأميركية إلغاء معظم الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وفي أسواق العملات المشفّرة، هبط سعر «بتكوين» بما يصل إلى 5 في المائة في التعاملات المبكرة، ليتراجع دون مستوى 65 ألف دولار، وسط اتجاه المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر، إضافةً إلى تصاعد المخاوف بشأن مستقبل تنظيم هذا القطاع. وكانت العملة المشفّرة الكبرى في العالم، التي جرى الترويج لها بوصفها «الذهب الرقمي»، قد فقدت نحو نصف قيمتها منذ السادس من أكتوبر (تشرين الأول)، عندما سجّلت مستوى قياسياً بلغ 126.210.50 ألف دولار، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

مستثمر في العملات المشفرة بفيتنام يتحقق من أحدث أسعار «بتكوين» على جهاز كمبيوتر محمول بهانوي (أ.ف.ب)

وفي آسيا، أُغلقت الأسواق في اليابان والصين بمناسبة عطلات رسمية، فيما قادت هونغ كونغ المكاسب الإقليمية، إذ ارتفع مؤشر «هانغ سينغ» بنسبة 2.2 في المائة ليصل إلى 26.80.22 ألف نقطة.

وفي كوريا الجنوبية، قلّص مؤشر «كوسبي» مكاسبه المبكرة لينهي الجلسة منخفضاً 0.1 في المائة عند 5.809.53 آلاف نقطة. كما تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز/إيه إس إكس 200» الأسترالي بنسبة 0.6 في المائة إلى 9.024.40 ألف نقطة.

في المقابل، ارتفع مؤشر «تايكس» التايواني 0.5 في المائة، وصعد مؤشر «سينسكس» الهندي 0.4 في المائة، فيما قفز مؤشر «سيت» في بانكوك بنسبة 1.1 في المائة.

وقال بنجامين بيكتون، من «رابوبنك» إن «ردود الفعل المتباينة تعكس بوضوح وجود رابحين وخاسرين جراء تحولات سياسة الرسوم الجمركية، إذ استفادت الدول التي كانت تُعد سابقاً في موقع تفاوضي أضعف نسبياً». وأضاف أن «السياسة التجارية الأميركية ستبقى مصدر عدم يقين للأسواق، في ظل استمرار المتداولين في استيعاب تداعيات قرارات لم تستقر بعد».

على صعيد العقود الآجلة، تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الآجل بنسبة 0.8 في المائة، وانخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي الآجل 0.7 في المائة، فيما خسر مؤشر «ناسداك» المركب الآجل 1 في المائة.

وكانت «وول ستريت» قد أنهت تعاملات الجمعة على وتيرة هادئة، عقب صدور قرار المحكمة العليا بإلغاء الرسوم الشاملة التي فرضها ترمب العام الماضي، والتي كانت قد أثارت اضطراباً واسعاً في الأسواق عند إعلانها.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.7 في المائة ليغلق عند 6.909.51 نقطة، بعدما تذبذب بين مكاسب وخسائر طفيفة قبل صدور الحكم، في ظل بيانات مخيبة أظهرت تباطؤ نمو الاقتصاد الأميركي وتسارع وتيرة التضخم.

كما صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي 0.5 في المائة إلى 49.625.97 نقطة، وارتفع ناسداك المركب 0.9 في المائة إلى 22.886.07 نقطة.

ورغم قرار المحكمة، فإن الرسوم الجمركية لن تختفي بالكامل. فقد أعلن ترمب أنه سيعتمد أدوات بديلة لفرض ضرائب على الواردات، واصفاً الحكم بأنه «كارثي». وأشار إلى عزمه توقيع أمر تنفيذي لفرض تعريفة عالمية بنسبة 10 في المائة بموجب قانون يقيّد مدتها بـ150 يوماً، قبل أن يرفعها لاحقاً إلى 15 في المائة. كما أوضح أنه يدرس فرض رسوم إضافية عبر قنوات قانونية أخرى تتطلب تحقيقات من وزارة التجارة.

وجاءت ردود فعل الأسواق حذرة، في ظل استمرار الغموض بشأن الخطوات المقبلة.

في قطاع الشركات، هبط سهم «أكاماي تكنولوجيز» بنسبة 14.1 في المائة، مسجلاً أحد أكبر التراجعات في السوق، رغم إعلان الشركة المتخصصة في الأمن السيبراني والحوسبة السحابية نتائج تفوقت على توقعات المحللين لنهاية عام 2025. غير أن توقعاتها لأرباح العام المقبل جاءت دون التقديرات، كما تعتزم زيادة إنفاقها الرأسمالي على المعدات والاستثمارات، في إشارة محتملة إلى تداعيات نقص مكونات الذاكرة المرتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي.

وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، أظهرت البيانات الأخيرة تباطؤاً في النمو الاقتصادي الأميركي وتسارعاً في التضخم، مما يضع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أمام معضلة معقَّدة بشأن أسعار الفائدة. ومع ذلك، لم تُحدث هذه التقارير تغييراً جذرياً في رهانات الأسواق، إذ لا يزال المتداولون يتوقعون خفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل هذا العام، وفق بيانات مجموعة بورصة شيكاغو التجارية.

ومن شأن خفض الفائدة دعم النشاط الاقتصادي وأسعار الأصول، لكنه قد يعزز الضغوط التضخمية. وكان مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» قد أكدوا في اجتماعهم الأخير ضرورة رؤية تقدم أوضح في كبح التضخم قبل الإقدام على مزيد من التخفيضات.

Your Premium trial has ended


واشنطن توقف تحصيل الرسوم «غير القانونية» الثلاثاء

حاويات شحن مكدسة بينما تستقر أخرى على هياكل شاحنات نقل بميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
حاويات شحن مكدسة بينما تستقر أخرى على هياكل شاحنات نقل بميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف تحصيل الرسوم «غير القانونية» الثلاثاء

حاويات شحن مكدسة بينما تستقر أخرى على هياكل شاحنات نقل بميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
حاويات شحن مكدسة بينما تستقر أخرى على هياكل شاحنات نقل بميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

أعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أنها ستتوقف عن تحصيل الرسوم الجمركية، التي فُرضت بموجب «قانون سلطات الاقتصاد الطوارئ الدولية (IEEPA)»، بدءاً من الساعة 12:01 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، غداً الثلاثاء.

وفي رسالةٍ وجهتها لشركات الشحن، أكدت الوكالة أنها ستقوم بإلغاء تفعيل جميع «أكواد» التعريفات المرتبطة بأوامر الرئيس دونالد ترمب السابقة المستندة إلى قانون الطوارئ المذكور، وذلك بعد أكثر من ثلاثة أيام من صدور حكم المحكمة العليا الذي أعلن عدم قانونية تلك الرسوم.

ويتزامن توقف التحصيل مع دخول قرار ترمب الجديد حيز التنفيذ، والقاضي بفرض رسوم عالمية بنسبة 15 في المائة، بموجب سلطة قانونية مختلفة، بديلاً للرسوم التي أبطلتها المحكمة يوم الجمعة الماضي.

مصير المليارات المحصَّلة

ولم توضح الوكالة سبب استمرارها في تحصيل الرسوم لعدة أيام بعد حكم المحكمة، كما لم تقدم أي معلومات بشأن كيفية استرداد المستوردين أموالهم. ووفقاً لتقديرات خبراء موازنة في «بين وارتون»، فإن قرار المحكمة العليا يجعل أكثر من 175 مليار دولار من إيرادات الخزانة الأميركية عرضة لمطالبات الاسترداد، حيث كانت تلك الرسوم تُدر أكثر من 500 مليون دولار يومياً.

وأشارت الجمارك الأميركية إلى أن وقف التحصيل لا يشمل الرسوم الأخرى التي فرضها ترمب، بموجب قوانين «الأمن القومي» (المادة 232)، أو «الممارسات التجارية غير العادلة» (المادة 301)، والتي تظل سارية المفعول حتى الآن.