وزير خارجية ليبيا لـ «الشرق الأوسط»: يصعب علينا فرض الرقابة على حدودنا المترامية وحدنا

محمد عبد العزيز أوضح أن بلاده تبدأ من الصفر بعد انتهاء «نظام اللانظام»

وزير خارجية ليبيا لـ «الشرق الأوسط»: يصعب علينا فرض الرقابة على حدودنا المترامية وحدنا
TT

وزير خارجية ليبيا لـ «الشرق الأوسط»: يصعب علينا فرض الرقابة على حدودنا المترامية وحدنا

وزير خارجية ليبيا لـ «الشرق الأوسط»: يصعب علينا فرض الرقابة على حدودنا المترامية وحدنا

يشكل الوضع الأمني الداخلي في ليبيا وموضوع غياب الرقابة الفاعلة على الحدود وانتشار السلاح وانتقاله إلى بلدان الجوار، أحد المشاغل الرئيسة لدول الجوار الليبي، ولكنه يظل كذلك أيضا للبلدان المغاربية والمتوسطية والغربية بشكل عام، وطرح الموضوع في اجتماع «5 زائد 5» في برشلونة، الذي شارك فيه وزير الخارجية الليبي محمد عبد العزيز، والذي التقته «الشرق الأوسط» وحاورته بشأن هذه الملفات وأخرى غيرها.
ولا يخفي الوزير الليبي حجم الصعوبات التي تواجهها بلاده التي خرجت مما يسميه «نظام اللانظام» ودولة «اللامؤسسات»، وبالتالي فإن الصعوبة الكبرى تكمن في بناء كل شيء من الصفر، وفي وضعية البلد الخارج من الحرب، كما أنه يشدد على حاجة طرابلس للمساعدة والدعم، سواء الإقليمي أو الدولي.

ويراهن عبد العزيز، لخروج ليبيا من تخبطاتها الراهنة، على انتخاب لجنة الستين وكتابة الدستور وإقراره وقيام انتخابات برلمانية جديدة، وأيضا بعملية دمج الميليشيات المسلحة، ولكن في إطار خطة تنموية واسعة، كذلك يعول على المساعدة التي تتلقاها بلاده لجهة تدريب العناصر الأمنية والحصول على التكنولوجيا المتقدمة، التي ستسمح لها بفرض رقابتها على الحدود التي تستخدم ممرا لآلاف المهاجرين الأفارقة الراغبين بالوصول إلى أوروبا.. إلا أن الوزير يحرص على تلطيف الصورة التي تنقلها الوسائل الإعلامية عن ليبيا، وهي الدولة التي تستضيف - كما يؤكد - 90 بعثة دبلوماسية، ولا تزال الحياة فيها مستمرة. وفيما يلي نص الحوار..

* بعد عامين على سقوط نظام العقيد القذافي، هناك قلق غربي بشكل عام إزاء الوضع في ليبيا لجهة غياب الأمن وفلتان الحدود واستمرار تحكم الميليشيات وغياب الدولة.. وهناك مؤتمر الشهر المقبل في الرباط سيركز على كيفية توفير الرقابة والسيطرة على الحدود الليبية.. كيف ستتعاملون مع هذا الوضع، وما خطة الحكومة الليبية إعادة تثبيت الأمن وفرض هيبة الدولة والسيطرة على الحدود وخلافه؟

- في أي ثورة في العالم لا يمكن أن تكون هناك عصا سحرية تجعل الأمور تترتب في وقت زمني محدد. الفرق ما بين الثورة في ليبيا والثورة في مصر أو في تونس، أن الجانب المؤسسي في هذين البلدين ما زال موجودا، بمعنى أن مؤسسات الجيش والشرطة والإدارة ما زالت قائمة.. أما عندما فإن نظام الماضي ينطبق عليه اسم «نظام اللانظام»، لأننا نحن لم نبن مؤسسات.. وبالتالي فنحن بدأنا عملنا من الصفر. ولذا كيف يمكن أن نتكلم عن حماية الحدود وأمن البلاد، وكيف يمكن أن نتكلم عن الأمن بشكل عام والاستقرار الداخلي، في غياب الإدارة والعدالة الجنائية العادلة والفعالة.

نحن اليوم في طور التأسيس.. المؤتمر الوطني العام اعتمد قانون «العدالة الانتقالية» التي ستكون أساس الحوار الوطني والمصالحة الوطنية، كما أن لدينا قانونا خاصا بانتخابات لجنة الستين لكتابة الدستور، ونحن الآن نأمل إنجازها مع نهاية العام الحالي. لو انتخبنا لجنة الستين وتوصلنا إلى دستور ثم أجرينا بعدها الانتخابات البرلمانية، نكون قد قطعنا شوطا كبيرا على الطريق الصحيح. صحيح أننا كليبيين يتعين علينا أن نقرر مصيرنا بأنفسنا؛ ولكننا نحتاج للدعم الذي يمكن أن يقدمه الأشقاء والشركاء الدوليون، سواء كان ذلك على المستوى الثنائي أو على المستوى الإقليمي أو الدولي.

* وموضوع فلتان الحدود وكيفية توفير الرقابة الفاعلة عليها؟

- لليبيا ما لا يقل عن أربعة آلاف كيلومتر من الحدود البرية، وألفي كيلومتر من الحدود البحرية. والمشكلة بالنسبة إلينا - وبسبب امتداد هذه الحدود - أننا نحتاج لأمرين أساسيين. الأول هو التدريب المتخصص للعناصر الليبية، سواء في المجال الدفاعي، أو بالنسبة للعناصر الأمنية والشرطة. والجانب الثاني هو التجهيزات التكنولوجية المتقدمة، لأنه لا يمكن للتدريب المطلوب أن يكون فاعلا من غير توافر هذه التكنولوجيا.

* لكن هذا الكلام قيل في فبراير (شباط) الماضي عندما جرى في باريس مؤتمر دولي كبير لمساعدة ليبيا على ضبط حدودها والمحافظة على أمنها الداخلي.. فهل ما زلنا عند هذه النقطة؟ هل وفت البلدان التي وعدت بالمساعدة بالتزاماتها؟

- تتوفر لدينا في الوقت الحاضر، وفي إطار مجموعة الثماني المعنية بهذه المواضيع وبمناسبة آخر اجتماع لها في نيويورك، رؤية واضحة لالتزامات كل طرف (دولي) لجهة التدريب المنتظر، والذي نحتاج إليه إن كان من الولايات المتحدة الأميركية أو إيطاليا أو فرنسا. ونعمل في موضوع الدفاع على خطوط متوازية مع أربع أو خمس دول حتى نتوصل إلى أكبر عدد ممكن من العناصر المدربة تدريبا جيدا.. هذا من ناحية. أما من ناحية أخرى، فلدينا مشروع مهم مع الاتحاد الأوروبي حول التدريب المتخصص وتحديدا مراقبة الحدود وأمنها. والبعثة الأوروبية موجودة عندنا الآن وهي تعجل في برنامج التأهيل الذي باشرت به في ليبيا. ثم علينا أن نضيف إلى ذلك النشاط الذي نقوم به على المستوى الوطني الخاص في المجالات عينها. ولكن أريد الإشارة إلى أنه لا يمكن خلال فترة زمنية قصيرة - لا تتجاوز بضعة أشهر - أن تتوافر لنا وزارة دفاع متكاملة ووزارة داخلية متكاملة وكل منها تؤدي مهماتها على أكمل وجه.

* ماذا ستفعلون بالميليشيات التي لديكم، والتي ينظر إليها على أنها تضرب هيبة الدولة وبنائها. هل سيستمر الوضع على ما هو عليه اليوم، حيث تفرض الميليشيات قوانينها وإراداتها، وحتى إنها لا تتورع عن خطف رئيس الحكومة؟

- بالنسبة للمجموعات المسلحة، الجانب السلبي فيها أن السلاح في أيدي مجموعات غير الدولة يسبب المشكلات. ولكن هناك جانبا إيجابيا ومفاده أن من يمسك الأمن في ليبيا اليوم ليس الشرطة وحدها أو الجيش وحده، بل معهم هذه المجموعات التي قاتلت من أجل الحرية. وأود في هذا السياق أن أصحح الصورة التي تنقل علن الوضع الأمني في ليبيا. ففي طرابلس مثلا، هناك تسعون دولة لها ممثليات دبلوماسية والحياة تسير بشكل طبيعي. ولكن للأسف هناك بعض المشكلات الأمنية نتيجة لوجود السلاح في أيدي الناس. ثم علينا ألا ننسى أن السنة الماضية خرج من السجون ما لا يقل عن 16 ألف مجرم، وهؤلاء لبسوا ثياب الثوار وأخذوا يعدون أنفسهم من الثوار.. وبالتالي لا يتعين التغاضي عن البعد الإجرامي في العملية. بالإضافة إلى كل ما سبق، نحن لا يمكننا أن نتخلى عن هذه المجموعات إلا إذا وفرنا جيشا قويا له مكانته وأتممنا بناء أجهزة الشرطة والأمن بحيث نستطيع استيعاب هؤلاء الثوار. وأود أن أضيف أن هناك مدرستين في ليبيا؛ الأولى تصر على أن المقاتلين من أجل الحرية أو الثوار يتعين دمجهم (هكذا) في أجهزة الشرطة أو الجيش، بينما الثانية تدعو إلى توفير إطار تنموي متكامل، بمعنى العمل على توفير التعليم والتعليم المتخصص لهؤلاء، وفتح المجال أمامهم لمتابعة دروسهم في ليبيا أو في الخارج بحيث يعمل بخطة تنموية لاستيعاب هؤلاء الثوار وحملهم على الاندماج في صفوف الجيش أو الشرطة.

* أين أصبحتم في عملية استعادة الأصول المجمدة في الخارج من عهد القذافي؟

- لدينا لجنة خاصة باسترداد الأموال. نحن لا نتحدث عن استرداد الأموال المجمدة التي لدينا بشأنها معلومات من الدول الموجودة لديها، ولكن نحن مشكلتنا مع الأموال التي ليست لدينا معلومات عنها، لأن أعوان النظام في السابق وظفوا أو أودعوا أموالا كثيرة تحت أسماء مستعارة.. ولذا فإن اللجنة عملت على تكليف بعض المكاتب المتخصصة التي لديها خبرات واسعة في هذا الحقل ووقعت اتفاقيات معها لهذا الغرض. والآن يتوفر للجنة فريق عمل متخصص باسترداد الأموال. ومن جانبنا، بدأنا اتصالات ثنائية على المستوى السياسي، واستطيع أن أؤكد أن الدول الشقيقة أو الدول الصديقة أبدت كامل الاستعداد للتعاون معنا وتوفير المعلومات المتعلقة بالأموال العائدة لليبيا.

* ما سيكون عليه شكل مؤتمر الرباط حول الحدود الليبية والإشراف عليها؟

- هو المؤتمر الثاني من نوعه بشأن الحدود. للتذكير، فإن ليبيا أطلقت مبادرة في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، حيث عقدنا مؤتمرا إقليميا حول أمن الحدود في طرابلس بمشاركة تسع دول مجاورة عربية وأفريقية، وبحضور ممثلين من وزارات الدفاع والعدل والخارجية والداخلية وأجهزة المخابرات.

وفي رأينا، فإن عملية الأمن لا تنحصر بالشرطة وحدها، أو الدفاع أو المخابرات وحدهما، إذ لا بد أن تكون هذه الأجهزة الثلاثة ممثلة في ما يتعلق بأداء الاستراتيجية الأمنية المتكاملة. واجتماع طرابلس أسفر عن تبني «خطة عمل طرابلس» حول التعاون العملياتي والميداني. وقد اقترحت المملكة المغربية وقتها استضافة المؤتمر الثاني في الرباط، ونحن رحبنا بذلك لأن المبادرة جاءت من دولة شقيقة ولأن المغرب يعطي البعد الأمني أهمية خاصة. ونحن نترقب أن يكون الاجتماع في التاريخ المقترح له في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل بحضور وزراء الدفاع والداخلية ورؤساء الهيئات الأمنية للدول التي شاركت في اجتماع طرابلس. بيد أن الحكومة المغربية تقترح فتح الباب أمام مشاركات إضافية من دول غربية. من جهتنا لا نرى مانعا في ذلك، خصوصا أن بعض الشركاء الدوليين لليبيا، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، يعملون معنا ويهمهم الموضوع الأمني. وبأي حال نحن نعد الأمن عندنا جزءا من الأمن الإقليمي والدولي؛ وبالتالي لا نرى غضاضة بذلك.

* أنت في برشلونة من أجل المشاركة في اجتماع «5 زائد 5». هل تنوون الانضمام كلية إلى الاتحاد من أجل المتوسط، حيث تشغلون حاليا كرسي دولة مراقب؟

- نحن منفتحون.. لقد أصبحنا عضوا في المنظمة الأوروبية للتعاون الأمني، وسنكون عضوا في المنظمة الأوروبية للتنمية، ونسعى لأن نكون فاعلين في إطار الاتحاد من أجل المتوسط. عقدة الماضي انتهت، ونحن لا نؤمن بسياسة الكرسي الفارغ، بل الحضور والمشاركة.

* ما تقييمك للعلاقات الفرنسية - الليبية؟

- العلاقات الفرنسية - الليبية تبقى علاقات مميزة. أولا في القطاع الاقتصادي، تربطنا علاقات وثيقة ومهمة مع فرنسا. وثانيا في القطاع الدفاعي، حيث أبدت فرنسا كل الاستعداد لتدريب جزء من القوات المسلحة والشرطة. وكانت فرنسا سباقة بالقيام بما نسميه التدريب المتخصص بالنسبة لليبيين، خصوصا أننا في مرحلة إنشاء وزارة الدفاع والداخلية. حقيقة على المستوى الأمني، نتعاون كثيرا مع فرنسا بحكم أن فرنسا كانت سباقة في الدور الذي لعبته لمساعدة الثورة الليبية، وبالتالي بناء على هذه الخلفية، التي ننظر إليها على أنها جد إيجابية، نتمنى أن تتعزز علاقاتنا الثنائية مع باريس، وخصوصا بالنسبة لتبادل المعلومات في الجانب المخابراتي وتبادل المعلومات في ميدان التعاون الأمني، خاصة بعد الأحداث في مالي والتدخل الفرنسي والأميركي والدولي هناك. نحن نفكر بالدرجة الأولى أننا وصلنا إلى مرحلة علينا أن نركز فيها على الدبلوماسية الوقائية لأن المسائل التي تنشب بعد مرحلة الصراع في الدولة تتطلب استراتيجية وقائية. مالي خرجت من حرب، والحكومة المالية ضعيفة ولا بد أن نقدم لها كل الدعم لبناء مؤسساتها، فضلا عن ذلك، فإن كيفية ضمان العملية السياسية بعد الانتخابات لا يمكن أن تجري إلا عبر تعزيز التعاون والدعم على المستوى الإقليمي والدولي، لأن الجريمة المنظمة تحولت إلى جريمة عابرة للحدود في منطقة الساحل، وشمال أفريقيا أصبح مهددا خاصة فيما يتعلق بعملية نمو وتزايد الاتجاه التطرفي.. ولذا علينا العمل بالدبلوماسية الوقائية حتى نحد من هذه الحركات التي تسبب قلقا وتحد من عملية استتباب الأمن أو خلق بيئة مواتية لعملية الاستثمار والعملية السياسية بكاملها.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.