المجلس التونسي الأعلى للأمن يقر خطة جديدة لمكافحة الإرهاب

الداخلية تعلن العثور على سيارة مفخخة في ولاية سيدي بوزيد.. وإضراب ضد الحكومة في عدد من المدن

المجلس التونسي الأعلى للأمن يقر خطة جديدة لمكافحة الإرهاب
TT

المجلس التونسي الأعلى للأمن يقر خطة جديدة لمكافحة الإرهاب

المجلس التونسي الأعلى للأمن يقر خطة جديدة لمكافحة الإرهاب

أقر المجلس التونسي الأعلى للأمن، الذي اجتمع صباح أمس لمدة فاقت الثلاث ساعات، بقصر قرطاج بالضاحية الشمالية للعاصمة التونسية، طرقا جديدة لمكافحة التنظيمات الإرهابية المسلحة. وأكد المجلس، الذي حضره الرؤساء الثلاثة (المرزوقي والعريض وبن جعفر) ضرورة إحكام التنسيق بين الوحدات الأمنية والجيش قبل اتخاذ القرار بالتدخل لمجابهة تلك المجموعات، وكذلك إقرار التدخل المشترك لوحدات الحرس والأمن والجيش عند التصدي للمجموعات الإرهابية المسلحة. وشهدت الجلسة حضور وزراء الداخلية والدفاع والعدل والخارجية، إلى جانب مشاركة عدد من القيادات العسكرية والمديرين العامين للأمن.
وقالت رئاسة الجمهورية في بيان لها إن «مختلف الجبهات الأمنية عازمة على القضاء على المجموعات الإرهابية المسلحة». ويأتي هذا الاجتماع الأمني بعد يوم واحد من فشل انطلاق الجلسة الأولى للحوار السياسي بين الحكومة والمعارضة، واشتداد التوتر الأمني، بعد نزول أحزاب المعارضة إلى الشارع للمطالبة باستقالة حكومة علي العريض، وتهديدها بالدخول في اعتصام مفتوح في ساحة الحكومة بالقصبة.

وكانت مواجهات حصلت أول من أمس بين مجموعة مسلحة وعناصر مختصة في مكافحة الإرهاب بمنطقة سيدي علي بن عون (سيدي بوزيد وسط تونس)، قد أودت بحياة ثمانية عناصر من الحرس. ورجح محمد علي العروي، المتحدث باسم وزارة الداخلية التونسية، أن المجموعة المسلحة بسيدي علي بن عون لها علاقة بالتيار السلفي الجهادي، وعلى ارتباط بالأحداث التي شهدتها منطقة قبلاط شمال العاصمة التونسية قبل أيام.

وعلى خلفية الأحداث التي جدت في منزل بورقيبة وفرار المتهمين، ذكرت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» أن قوات الأمن التونسية أوقفت 11 عنصرا سلفيا بعد حملة تفتيش شنتها على أثر حادث اغتيال أحد أعوان الأمن، كما أوقفت أربعة عناصر محسوبة على التيار السلفي على أثر محاولة اقتحام منطقة الأمن بمدينة منزل بورقيبة.

وفي إطار تنديدهما بالإرهاب، دخل كل من الاتحاد الجهوي للشغل (نقابة العمال) بسيدي بوزيد والقصرين في إضراب عام لمدة يوم واحد بكامل الولاية (المحافظة) «تضامنا مع رجال الأمن الذين اغتالتهم يد الغدر بسيدي علي بن عون»، كما جاء في بيان لنقابة العمال.

وعلى أثر تعطل الدروس بالإعدادية النموذجية ابن رشد بالقصرين (وسط غربي تونس) تولى أعوان الأمن التونسي بأزيائهم وأسلحتهم إجلاء ابنة لطفي بن جدو، وزير الداخلية التونسي، التي تدرس بالمعهد. وصرح أساتذة من المعهد لـ«الشرق الأوسط» بأن هذه هي المرة الأولى التي يتصرف بها أعوان الحماية المكلفون بحماية ابنة بن جدو بمثل هذه الكيفية. يذكر أن بن جدو ترك منذ تعيينه في الحكومة أسرته بالقصرين ولم ترافقه إلى العاصمة التونسية.

ومن ناحيتها، رفضت نقابات قوات الأمن بكل من الكاف والقصرين وسيدي بوزيد، مسقط رأس عناصر الحرس الهالكين في مواجهات سيدي علي بن عون، حضور أي مسؤول وطني في مواكب تأبين الضحايا. وكانت نقابات الأمن قد طردت الرؤساء الثلاثة من ثكنة العوينة أثناء موكب تأبين عنصرين من الحرس توفيا في مواجهات مسلحة بمدينة قبلاط.

في غضون ذلك، قال منتصر الماطري، الأمين العام لاتحاد نقابات قوات الأمن الداخلي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الإرهاب يسعى إلى انهيار مقومات الدولة وجر البلاد إلى الفوضى، وهو ما تستغله الجماعات الإرهابية التي ترغب في أن تحل محل الدولة وتفرض أيديولوجيتها ونظامها. وعلى الرغم من الإصابات المتكررة في صفوف قوات الأمن واستهدافها من قبل المجموعات المسلحة، فقد دعا الماطري الأمنيين إلى وحدة الصف ونبذ الخلافات وتجنب كل ما من شأنه أن يسهم في إخلال الأمن العام والنسيج الأمني. وقال إن «قوات الأمن والمؤسسة العسكرية هما الضامنان في الوقت الراهن دون سواهما لأمن البلاد» على حد تعبيره. وبشأن اغتيال عناصر الحرس في سيدي علي بن عون، قال الماطري إن إصاباتهم كانت على مستوى الرأس والصدر، وهو ما أدى إلى وفاتهم بعد وقت وجيز من إصابتهم رغم كل محاولات الإنقاذ. وأشار إلى أن تلك الإصابات الدقيقة تؤكد على أن المجموعات المسلحة على درجة كبيرة من التدريب.

من جهته، أعلن محمد علي العروي، الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية التونسية، أمس، أن قوات الأمن عثرت على سيارة مفخخة «جاهزة للتفجير» في ولاية سيدي بوزيد. وقال العروي في تصريح لإذاعة «موزاييك إف إم» التونسية الخاصة «تم حجز أسلحة ومتفجرات وسيارة مفخخة فيها ثلاث أسطوانات جاهزة للتفجير، وحاليا يجري التعامل معها من قبل الهندسة العسكرية».

ودعا يسري الدالي، الخبير الأمني والمدير السابق لإدارة الدراسات وتطوير الكفايات للأمن الوطني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، الحكومة التونسية إلى «إنشاء هيئة وطنية للاستعلامات»، قائلا إن هذا الهيكل من شأنه «أن يحسن من أداء المؤسسة الأمنية ويساعدها في جهود مجابهة خطر الإرهاب»، حسب قوله. كما دعا الدالي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى بعث «هيكل موحد يجمع بين قوات الأمن والحرس والجيش لضمان حسن التنسيق بين مختلف وحدات هذه المؤسسات خاصة خلال الأحداث الشبيهة بما جد في الأيام الأخيرة بتونس».

من جانبه، أدان الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، أكمل الدين إحسان أوغلي، بشدة العمل الإرهابي الإجرامي الشنيع الذي أودى بحياة مجموعة من أعوان الحرس الوطني التونسي، في مواجهات مع مجموعة مسلحة في منطقة سيدي بوزيد (وسط غربي تونس). وأكد أوغلي في بيان صدر أمس «الموقف الثابت والمبدئي لمنظمة التعاون الإسلامي الذي يدين الإرهاب بجميع أشكاله وأنواعه ويدعو إلى تكاتف الجهود لاستئصاله».

وبشأن جلسات الحوار بين المعارضة والحكومة التي تعطلت انطلاقتها يوم الأربعاء 23 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي تحت ضغط الشارع وكذلك العمليات الإرهابية، أعلن حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل (نقابة العمال)، الطرف القوي الراعي للحوار السياسي، أن انطلاق الحوار تأجل إلى اليوم الجمعة بعد جلسات ماراثونية جمعت بين الائتلاف الثلاثي الحاكم وأحزاب المعارضة، وتواصلت إلى ساعة متأخرة من ليلة الخميس بمقر وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. وواصل أمس الرباعي الراعي للحوار (نقابة العمال ونقابة رجال الأعمال ورابطة حقوق الإنسان ونقابة المحامين) مشاوراته مع الرؤساء الثلاثة، وطالب بمزيد من التوضيح مواقف الحكومة بخصوص التعهد بالاستقالة.

في غضون ذلك، قالت حركة نداء تونس، التي يتزعمها الباجي قائد السبسي، وهي أبرز المنافسين لحركة النهضة، في بيان لها، إنه «لا معنى ولا جدوى من عودة الحوار دون تعهد الحكومة الرسمي والكتابي الموقع بالاستقالة في غضون ثلاثة أسابيع، وفقا لخارطة الطريق. وحملت الحركة الحكومة كل المسؤولية عن تصاعد الأعمال الإرهابية، على حد ما تضمنه البلاغ.

وتشترط حركة النهضة، التي تقود الائتلاف الثلاثي الحاكم من جانبها، أن تقدم الحكومة استقالتها بعد الانتهاء من كل المهام التأسيسية المتمثلة في صياغة الدستور وتشكيل الهيئة العليا للانتخابات والتصديق على القانون الانتخابي وتحديد موعد ثابت للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.