الخميني تآمر على الصدر.. و«حزب الله» فاوض القذافي لإنهاء القضية

الثمن 200 مليون دولار وأسلحة.. والاعتذار العلني واعتراض «أمل» منعاها

الخميني تآمر على الصدر.. و«حزب الله» فاوض القذافي لإنهاء القضية
TT

الخميني تآمر على الصدر.. و«حزب الله» فاوض القذافي لإنهاء القضية

الخميني تآمر على الصدر.. و«حزب الله» فاوض القذافي لإنهاء القضية

تحيي حركة «أمل» اللبنانية التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري غدا الذكرى الـ38 لاختفاء مؤسسها، ومؤسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى السيد موسى الصدر، الذي ما يزال غيابه واختفاؤه الغامض خلال زيارة رسمية لليبيا، يشكل علامة استفهام كبيرة في الوسط الشيعي اللبناني، خصوصا مع تواتر التسريبات التي صدرت في السنوات الماضية عن علاقة النظام الإيراني الحالي بإخفاء الصدر الذي تزامن اختطافه عام 1978 مع نجاح آية الله الخميني في الوصول إلى السلطة.
وبينما لم يعرف عما يسمى «حزب الله» حماسته البالغة لقضية الصدر، التي ظلت حكرا على حركة «أمل»، باعتباره مؤسس «الاعتدال الشيعي»، تحدثت مصادر سورية معارضة عن مساع قام بها الحزب في عام 2004 للفلفة القضية، وحصرها بتعويض مالي، بسبب العلاقات التي كان ينسجها النظام الإيراني مع الرئيس الليبي المخلوع معمر القذافي.
وكشفت شخصية سورية لـ«الشرق الأوسط» إنه في عام 2004 وخلال لقاء بشخصية اقتصادية سورية رفيعة أن الزعيم الليبي معمر القذافي طلب منه التوسط لدى «حزب الله» لحل قضية الإمام موسى الصدر. هواجس القذافي، بحسب الشخصية السورية التي تحدثت إلى «الشرق الأوسط»، «كانت مرتبطة بأمن عائلته ورغبتهم في السفر إلى لبنان لقضاء بعض الإجازات فيه. ومعلوم أن هنيبعل القذافي ارتبط عام 2002 بعلاقة بعارضة الأزياء اللبنانية الين سكاف وتزوجا عام 2003».
ونقلت الشخصية السورية الاقتراح الليبي، بالتسوية، إلى «حزب الله» بحكم علاقات متينة تربطها بأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، والحاج حسين خليل أقرب مساعديه، ولا تزال، علاقتها جيدة بالأخير. وقال المصدر: «كنت مفوضًا بهندسة التسوية، لا سيما في الشق المالي الذي لم يكن عائقًا عند القذافي مهما بلغ».
وتكشف الشخصية السورية لـ«الشرق الأوسط» أن «حزب الله» الذي لم يكن معروفًا عنه حينها أنه يفرد مكانًا لمقام الصدر في أي من أحاديث مسؤوليه وخطاباتهم، كان منفتحًا على التسوية ومتحمسًا لطي ملف الصدر، وحدد ثلاثة مطالب لإنجازها. أولها تسوية مالية بقيمة 200 مليون دولار لإنشاء مشاريع تنمية ورعاية اجتماعية باسم الصدر يديرها «حزب الله» مباشرة. وثانيها تزويد «حزب الله» بأسلحة، لا سيما الصواريخ المضادة للدروع والعربات، روسية الصنع. وثالثها اعتذار عام من القيادة الليبية عن اختفاء السيد موسى الصدر. وتقول الشخصية السورية إن الأموال لم تكن عائقًا، وإنها تتفهم حاجة «حزب الله» لإسكات منتقديه، جراء التسوية، وهو ليس مبلغا قد يرفضه القذافي. لكن كانت الخشية بحسب المصدر، في البندين المتبقيين. فمسألة تزويد «حزب الله» بالسلاح لم تكن بالسهولة التي كانت عليها في أعوام سابقة، حين كانت ليبيا غير مهتمة بالانفتاح الغربي عليها. في حين أن الحذر الليبي، كما سيكتشف العالم لاحقًا، كان مرتبطًا باتصالات استخباراتية غربية بين القذافي وعدد من أجهزة المخابرات لا سيما البريطانية والفرنسية.
مصادر أخرى مطلعة على مشروع التسوية الليبية مع «حزب الله»، قالت إن مسألة تزويد «حزب الله» بأسلحة ليبية كان يمكن حلها من خلال إيران، لا سيما أن العلاقات العسكرية والاستخباراتية الإيرانية الليبية عميقة جدًا. فرغم قضية اختفاء الصدر، لم تتضرر العلاقات الإيرانية الليبية والسورية الليبية إلا لأشهر قليلة، عادت بعدها الأمور إلى تحالف استراتيجي شكل رافعة لنظام الخميني في حربه مع صدام حسين. وقد كانت ليبيا في هذه الحرب الحليف العربي الأكثر فائدة، في دعمها لإيران في حرب السنوات الثماني مع العراق. ومن المعروف أن الألغام البحرية الليبية لعبت دورًا مهمًا في تعزيز المجهود الحربي الإيراني حينها بالإضافة إلى الصواريخ وغيرها من الذخائر.
تؤكد الشخصية السورية الرفيعة، أن ليبيا ما كان ممكنًا لها القبول باعتذار سيُعامل بوصفه اعترافًا ليبيًا بالمسؤولية عن مصير موسى الصدر، وهو ما حدا بها لرفض هذا البند من دون الرجوع إلى القذافي. حينها اقترح حسين خليل، معاون نصر الله، أن تعتذر ليبيا عن «اختفاء الصدر على أراضيها»، أي حصر الاعتذار بالمسؤولية المكانية للدولة الليبية وليس بأي مسؤولية جرمية، إذ إن حزب الله ليس مهتمًا بتجريم القذافي، ولم يكن مهتما يومًا، بقدر اهتمامه بعذر يقدمه للبيئة المحبة للإمام».
وتكشف الشخصية السورية التي تحدثت إلى «الشرق الأوسط» أنها وجدت في صيغة الاعتذار المقترحة نافذة مهمة لإنجاز الصفقة. في الليلة نفسها للاجتماع مع نصر الله ومعاونه غادرت الشخصية السورية إلى ليبيا على متن طائرة خاصة كان وضعها القذافي بتصرفها طوال فترة التفاوض مع «حزب الله». في ليبيا، لم يتوقف القذافي عند شرطي المال والسلاح، لكنه رفض، حتى الاعتذار عن اختفاء الصدر على الأراضي الليبية بحسب اقتراح حسين خليل. فليبيا تتمسك بالوقائع التي تفيد أن الصدر غادر ليبيا على متن الخطوط الجوية الإيطالية قبل اختفائه، وأنه وصل إلى إيطاليا ودخل الفندق برفقة مساعديه.
وتنقل الشخصية السورية الرفيعة عن القذافي قوله إنه كان واثقا أن التسوية ستخلق اشتباكًا شيعيًا شيعيًا، ما يعني أن عائلة الصدر قد تستغل أي صيغة اعتذار لتكوين ملف قضائي ضد القذافي، وهو ما سيجعل التسوية في الواقع بلا مضمون، أو أقله من دون المضمون الذي أراده النظام الليبي منها، فتوقفت محاولة التسوية عند هذا الحد، فلا القذافي نجح في تجاوز عقدة الاعتذار ولو بأخف صيغه ولا «حزب الله» كان مستعدًا لتجاوز ورقة الاعتذار لأنها تغطي تصفيته لواحدة من أهم القضايا الحساسة في المجتمع الشيعي.
وقالت مصادر لبنانية مطلعة على الملف لـ«الشرق الأوسط» إن الجانب الإيراني كان متحمسا لحل هذه الأزمة، وقد قام بعدة محاولات في هذا المجال، لكنها اصطدمت بواقع رفض حركة «أمل» ورئيسها، أي نقاش في هذا الملف لحساسيته المفرطة، خصوصا أن الصدر يعد من الشخصيات اللبنانية الشيعية الأرفع، وغيابه فتح المجال أمام الخميني للتمدد إلى لبنان بسهولة أكبر من غيابه. وتحدث المصدر عن «تلاقي مصالح بين إيران والنظام السوري» في إخفاء الصدر، وبالتالي اختفائه في بلد يعد حليفا وثيقا للطرفين، ولم يكن معروفا عنه العداء مع الصدر وفريقه. وقد أشار كتاب أميركي صدر مؤخرا إلى هذه المعلومات، حيث أفاد الأكاديمي المختص في شؤون الشرق الأوسط، أندرو سكوت كوبر في كتابه «سقوط السماء» إلى أن شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي كان مستعدًا لمفاوضة موسى الصدر، خلافًا للإمام الخميني الذي خاف منه وتآمر على إخفائه في عام 1978، أثناء زيارته إلى ليبيا. مؤكدًا وجود اتصالات سرية بين الشاه والصدر، رغم توتر علني في العلاقة بينهما، «وربما كان الشاه يرغب في عودة الصدر إلى إيران ليحبط طموح الخميني في أشهر ما قبل الثورة، ولو تم هذا الأمر لكان تغيّر مسار التاريخ في إيران». ويشير تقرير نشر في «نيويورك تايمز» إلى أن كوبر استقى معلوماته عن الإمام الصدر المختفي من مقابلات كثيرة أجراها مع عائلة الشاه، ومع رجال دين سابقين في إيران، ومع مستشارين سابقين كانوا على علاقة وثيقة بالشاه، ما أعاروا هذه القضية اهتمامًا أو سكتوا عنها. ويقول كوبر: «كان الشاه مستعدًا لمفاوضة موسى الصدر، وكان ذلك ليشكل أملاً كبيرًا لتعايش التشيّع والحداثة. لكن اختفاء الصدر أطفأ جذوة ذلك الأمل، وعبّد الطريق أمام تشيع متطرف ثوري في إيران».
في بيروت، يخضع هنيبعل القذافي، نجل الزعيم الليبي المخلوع، يوم الجمعة المقبل لاستجواب أمام القضاء اللبناني بجرم التورط اللاحق لهنيبعل في استمرار خطف الإمام موسى الصدر، وذلك إثر معطيات جديدة تقدمت بها عائلة الصدر أمام القضاء. وتقدمت عائلة الصدر، عبر وكلائها القانونيين بشكوى أمام النيابة العامة التمييزية بوجه هنيبعل القذافي «بجرم التدخل اللاحق في جرم خطف الإمام ورفيقيه، المستمر والمتمادي في الزمن»، رغم أن القضاء اللبناني يوقف القذافي منذ أكثر من 8 أشهر، واستجوب أمام القضاء بتهمة «كتم معلومات» متعلقة بخطف الصدر.
لكن معطيات جديدة ظهرت لدى عائلة الصدر التي تقدمت بدعوى جديدة ضده، إذ أوضح وكيل عائلة الصدر المحامي شادي حسين أن «معطيات جديدة استندت فيها العائلة إلى عدة قرائن تثبت التورط اللاحق لهنيبعل في استمرار الخطف، لا سيما أنه كان ركنًا في نظام والده الأمني ويسيطر على مجموعات مسلحة أقدمت إحداها على خطف المواطن اللبناني الدكتور حسين حبيش في ليبيا منذ أشهر». وأشار إلى أن مدعي عام التمييز القاضي سمير حمود «أحال الادعاء إلى المحقق العدلي في القضية القاضي زاهر حمادة الذي حدد بدوره يوم الجمعة القادم 2 سبتمبر (أيلول) موعدا لاستجواب القذافي مجددا على ضوء معطيات الادعاء الذي تقدمت فيه عائلة الصدر».
وقال مصدر قضائي لبناني متابع لسير التحقيقات لـ«الشرق الأوسط» إن القضاء اللبناني «يعتبر أن هنيبعل لا يزال يكتم معلومات مهمة من شأنها أن تقدم أدلة للتحقيق للكشف عن مصير الصدر»، مشيرًا إلى أن القذافي الابن «تحدث في إحدى جلسات الاستجواب عن أنه سمع أن الأمام الصدر ورفيقيه كانا في أحد المعتقلات السياسية في ضاحية من ضواحي طرابلس، واعترف بأن عددًا من أركان الحكم المقربين من والده، كانوا مسؤولين عن عملية اختطاف الصدر». لذلك، أضاف المصدر: «نعتبر أنه بات عنصرًا من العناصر الأساسية في التحقيق، وهو الموقوف الأول في هذه القضية منذ 38 عامًا».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.