سيرة موديانو بعيدًا عن التصحيف والتحريف.. والكذب

النوبلي الفرنسي يسرد قصته المؤلمة مع الحياة والأدب

غلاف السيرة
غلاف السيرة
TT

سيرة موديانو بعيدًا عن التصحيف والتحريف.. والكذب

غلاف السيرة
غلاف السيرة

يعترف موديانو بأنه سرق كتبًا وبعض أطقم دوفيلز الأنيقة، وعلبة موسيقية وباعها لتاجر خردة في كليشي، كما قامت أمه ببعض السرقات
لم تكن شهرة الروائي الفرنسي باتريك موديانو واسعة النطاق خارج حدود بلده قبل أن يفوز بجائزة نوبل للآداب عام 2014، على الرغم من تتويجه بجوائز مهمة ومعروفة عدة، مثل «غونكور»، و«الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية للرواية»، وجائزة «مارغريت دوراس»، وغيرها من الجوائز التي تشيد بأعماله الروائية التي اتخذت من باريس فضاءً لها خلال حقبة الاحتلال النازي لفرنسا.
بعد فوز موديانو بجائزة نوبل ترجمت رواياته إلى أكثر من ثلاثين لغة عالمية، كما أقدم مشروع «كلمة» على ترجمة ست روايات، من بينها «سلالة» التي ترجمتها الشاعرة اللبنانية دانيال صالح وذيّلتها بعبارة «رواية في السيرة الذاتية» لتضع القارئ في إشكال تجنيسي يتوزع بين الرواية من جهة والسيرة الذاتية من جهة أخرى. وسيتضاعف هذا الإشكال حين يقتبس المُراجع الأكاديمي كاظم جهاد في تقديمه للكتاب مُقتطَفًا من حوار سابق لموديانو يقول فيه: «لا تنفع السيرة الذاتية في الأدب ما لم تقُم المخيّلة بتهويتها». غير أن هذه التهوية لم تمسّ، في الحقيقة، جوهر السيرة الذاتية ومصداقيتها، الأمر الذي أنقذها من التصحيف والتحريف والكذب.
لا بد من في الوضع الحسبان أن هذه السيرة الذاتية تغطي زمنيًا طفولة باتريك وصباه وشبابه حتى سن الحادية والعشرين، وهو العام الذي بدأ فيه بكتابة روايته الأولى «ساحة النجمة» التي ستُتوج بجائزتي روجيه نيميه وفينيون. وفي عام الكتابة الأدبية التي يعتبرها امتدادًا طبيعيًا لسيرته الذاتية والإبداعية توقف عن كتابة أي سيرة ذاتية لاحقة؛ لأنها موجودة بشكل من الأشكال في رواياته التي بلغت الثلاثين حتى الآن.
أسهب موديانو في الحديث عن والديه اللذين يُشكِّلان لُحمة النص وسَداته، فوالده ألبير موديانو من مواليد باريس 1912، إيطالي الأصل ومنحدر من عائلة يهودية. وأمه لويزا كولبين، بلجيكية فلامنكية مولودة عام 1918، تمارس التمثيل المسرحي والسينمائي. وقد التقيا في باريس في ظل الاحتلال الألماني، وأنجبا طفلين، هما باتريك ورودي، الذي سيموت في سن العاشرة نتيجة إصابته باللّوكيميا ويترك أثرًا كبيرًا في حياة شقيقه الأكبر الذي سيُهدي إليه رواياته الثماني الأولى. يمكن اعتبار هذا الشقيق الذي غاب مبكرًا علامة فارقة أو بيت القصيد في هذه السيرة. يقول موديانو: «إذا ما استثنيتُ شقيقي رودي ووفاته، أعتقد ليس ثمة بين كل ما سأنقلهُ، ما يعنيني في الصميم، أكتب هذه الصفحات كمن يحرر مَحضرًا أو سيرة شخصية بصفة توثيقية، ربّما للانتهاء من حياة لم تكن تخصني» (ص56). فالأب الذي يكتب عنه غائب على الدوام، ومنهمكٌ في السوق السوداء، وغارق في عالم سرّي، مشبوه لم يتعرّف على بعض تفاصيله حتى الآن. أما الأم فقد كانت ممثلة مسرحية كثيرة الأسفار تلهث وراء سراب الشهرة وبعض النقود التي تسدّ رمقها من خلال تجسيد بعض الأدوار في مسرحيات «عقدة فيلمون»: «إشارة كيكوتا»: «الأبواب تصطفق» وغيرها من الأعمال الدرامية، لكنها كانت تقف دائمًا على حافة الإفلاس، ولا تستطيع أن تسدد فواتير الماء والكهرباء، فكيف لها أن تساعد ابنها الذي يتنقل بين المدارس الداخلية القذرة التي لا تقيه من برد الشتاء، ولا تقدم له ما يسدّ الرمق من الطعام؟ لم تكن علاقة الأب والأم طيبة فسرعان ما انفصلا حيث تعرّف الأب على ناتالي الشقراء أول الأمر، ثم ارتبط بميلين دومنجو المزيّفة تاركًا زوجته لويزا تتنقل بين أحضان المعجبين. كانت أمه جميلة، لكنها متحجرة القلب ولم ينمّ عنها أي عطف أو حنان أو رعاية، ومع ذلك فقد كان موديانو يذهب إلى صفوف التعليم الديني ويصلي عسى أن يغفر لها الرب.
إن ما يلفت الانتباه في هذه السيرة هو كمّ الكتب المهمة التي قرأها باتريك في طفولته وشبابه منها «آخر الموهيكييّن» للأميركي جيمس فينيمور، الذي لم يفقه منه شيئا، و«كتاب الأدغال» لكيبلينغ، و«حكايات القط الجاثم» لمارسيل إيميه. كما شاهد في الثامنة من عمره فيلم «أعظم استعراض في العالم» الذي ترك أثرًا شديدًا في نفسه وستلعب السينما لاحقًا دورًا مهمًا في تعميق خبرته البصرية. ازداد رصيده من القراءات التي امتدت إلى جول فيرن، ألكسندر دوما، جوزيف بيريه، كونان دويل، دو سيغور، جاك لندن حتى وصلت إلى ألف ليلة وليلة. تعمّقت قراءاته حتى أنها طبعته بميسمها مثل «مجرد امرأة»: «مارغريت الليل» و«شارع بلا اسم». لم تكن القراءة حرّة في المدارس الداخلية، ففي عام 1962 طُرد لبضعة أيام لأنه قرا «السنابل الخضراء» لكوليت من دون إذن لكنه سيحصل على الموافقة من أستاذه أكامبريه لقراءة «دروب البحر» لمورياك التي أعجبته نهايتها، ولا يزال يتذكر جملتها الأخيرة حتى الآن، ثم سمح له بقراءة كتب أخرى مهمة مثل «المُقتلعون من جذورهم»: «مهنة العيش»: «مرتفعات ويذرينغ»: «بنات النار» و«يوميات كاهن في الريف» إضافة إلى كتب أخرى سوف تغيّر ذائقته الأدبية.
الأب يحثُّه عبر الرسائل على ألا ينسى التفاصيل، وأن يكرّس حياته للدراسة والكتابة مثل سارتر، وكلوديل ورومان غاري. أما أمه فكانت تشجعه على قراءة كتاب «الصبايا» لمونترلان، وتريده أن يصبح مُرشده في الحياة الجنسية وهو موقن تمامًا بأنها لم تقرا سطرًا واحدًا من كتاب مونترلان!
لم تطق ميلين زيارات باتريك المتباعدة ولم تقبل أن يتحول إلى طالب خارجي يتردد على منزل والده وقتما يشاء لذلك سجله أبوه في ثانوية هنري الرابع بباريس لبعض الوقت، ثم نقله إلى بوردو كي يدرس في القسم التحضيري للدراسات الأدبية في ثانوية ميشال مونتاني.
عمل موديانو في بيع الكتب لبعض الوقت، لكن إفلاس والدته المتواصل كان يضغط عليه ويضعه في مواقف محرجة جدًا. يعترف موديانو بأنه سرق كتبًا وبعض أطقم دوفيلز الأنيقة، وعلبة موسيقية وباعها لتاجر خردة في كليشي. كما قامت أمه ببعض السرقات، لكنها لم تُضبَط متلبسة بالجرم المشهود.
حاول والده للمرة الأخيرة إبعاده من باريس عن طريق تشجيعه للالتحاق بالخدمة العسكرية وأعطاه أول مصروف جيب 300 فرنك، وهي النفقة الوحيدة التي حصل عليها موديانو من والده طوال حياته؛ فراح يفكر بالأسباب الغامضة التي كانت تدفع والده لإبعاده من البيت والعاصمة برمتها.
كان موديانو قد وضع اللمسات الأخيرة على روايته الأولى «ساحة النجمة»، وفي ربيع 1967، وعَلِم بموافقة دار غاليمار على نشر روايته الأولى، وكان وراء هذه الموافقة الروائي الفرنسي ريمون كونو الذي عرف بحدس المبدع أن باتريك موديانو كاتب متميز ينتقي ثيمات حساسة تتمحور في الأعم الأغلب على الهامشيين، والمختفين، والمحرومين من الأوراق الثبوتية.
يمكن القول باطمئنان كبير إن «سلالة» هي سيرة ذاتية بامتياز، كما يذهب المُنظِّر فيليب لوجون؛ لأنها «حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته، بصفة عامة». كما يعزز هذه القناعة التطابق التام بين المؤلف، والسارد، والشخصية. أما تهوية النص السردي فتكمن في المفاجآت التي أقدمَت عليها الشخصيات الثلاث الرئيسية، الأب، الأم والابن، ومنحت السيرة مصداقيتها التامة التي لا يرقى إليها الشك.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.